إحياءُ ذكرى المولد النبوي تعظيم يوم من أيام الله بقلم الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي صلى على نبيه في القدم، وشرف خلقه بالصلاة على حبيبه الأكرم، والصلاة والسلام على سيدنا مرفوع القدر، طيب الذكر، المصطفى المختار، صفوة الأبرار، محمد بن عبدالله، رسول الله، خلاصة النوع الإنساني، المرتقي في الأوج العرفاني.

اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على حبيبك ونبيك محمد الذي ملأت عينه من جمالك، وقلبه من جلالك، ولسانه من لذيذ خطابك، فأصبح فرحاً مسروراً مؤيداً منصوراً، صلاة تزيدنا بها قرباً، وتملأ قلوبنا حباً، وعلى آله وصحبه في كل حين أبداً.

 

أما بعد؛

فما أعظم أن يعيش المرء أجواء إيمانية، في رحابِ شهر كريم، يهلُّ بقدومِه موسمُ الفرح بالحبيب صلى الله عليه وسلم، وتعقد فيه وفي غيره من المواسم المباركة مجالس المديح والوعظ والإنشاد والإرشاد. عملاً بقول المولى تعالى: (وذكرهم بأيام الله.)

مخطئٌ من يظنُّ أن ربيع الأول هو الموسمُ الأوحَدُ لإعلان الفرَح بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومخطئٌ من يظن أن الفرحَ مخصوص بيوم أو ساعة أو شهر، أو أقل من ذلك.

إن ارتباط المسلمِ الموحد بنبيِّه الخاتم، محمد صلى الله عليه وسلم ارتباطٌ لا ينفك. هناكَ ميثاق عظيمٌ بين هذا الدين، دين الإسلام، وبين أتباعه، هو ميثاق الشهادتين، كلمتي الشهادة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). فلا يكمل إسلامٌ، ولا يتحقق إيمانٌ بسوى هاتين الكلمتين الشريفتين. ومن هنا، نعلمُ علمَ اليقين، أن كل ما يؤدي إلى الحفَاظ على قوَّة الارتباط بالشهادتين، وكل ما يؤدي إلى ازدياد الإيمان بالله وبرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هو من صميم الدين، ومما يجب إشاعته والحث عليه. فلا نجاة لمن لم ينطق الشهادتين، كما أنه لا يحافظ على الشهادتين ويقوم بحقهما إلا من ثبت في قلبه حب الله وحب رسوله. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.)

 

أيها السادة ..

إذا كان شهر ربيع قد تعود فيه الناس أن يظهروا شعار المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا شعار محمود. فلماذا ينكر على رافعيه، ولماذا ينكر على معظِّميه. نحن نعلمُ أن يوم المولد قد حصل في تعيينه خلاف بين أهل السير، وهناك قول بأنه يوم الثاني عشر، وهناك أقوال أخرى. كما هو الحال في تعيين ليلة الإسراء والمعراج. إن هذا مما ينبغي أن يذاع بين الناس، حتى لا يعتقدوا فضل أيام أو ليالي بعينها مما لم يرد في فضلها دليل قويٌ يصلح للاحتجاج.

ولكن .. دعُونا من ذلك الشأن العلمي البحثي، الذي مكانه حلق العلم، ومواضع التدريس، وقاعات البحث والنقَاش .. إن أمامنا أمةٌ عظيمة، وأمامنا ملايين مملينةٌ من المسلمين الموحدين، جميعهم في حاجة إلى ما يزيد إيمانهم، والى ما يثبت ويقوي حب الله ورسوله في قلوبهم. جميعهم بلا استثناء، في حاجة إلى التذكير بالسيرة النبوية، بالصفات المحمدية، بالشمائل الأحمدية. هل نترك هذه الفرصة السانحة، في هذا الشهر الذي اعتاد الناس فيه إشاعة حفلات المولد، فرحاً بذكرى مولد نبيهم، صلى الله عليه وسلم، ونسير إلى الاختلاف المؤلم، ونرفع العقيرة بالإنكار والنكير والتحذير!!

لنتأمل آية من كتاب الله تعالى، تحثنا نحن المسلمين، على إظهار شعار التذكير بالأيام والمواسم العظيمة، التي مرت على هذه الأمة. قال تعالى في سورة إبراهيم (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور).

أخرج مسلم في (صحيحه) [3/ 147، رقم 2698] عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومُون يوم عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمونَ قبل أن يفترض رمضانُ. فلما افترض رمضانُ؛ قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عاشُوراء يومٌ من أيامِ الله، فمن شاء صامَه، ومن شاء تركه).

أخرج النسائي في (السنن الكبرى) [10/ 137، رقم 11196] عن أبي بن كعبٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قام موسى يوماً في قومِه، فذكَّرهم بأيام الله. وأيام الله نعماؤه). وأخرج ابن ماجه في )سننه( [1/ 352، رقم 1111] عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك، وهو قائمٌ، فذكَّرنا بأيام الله.

فإذا كان يوم عاشوراءَ، من أيام الله .. كما وردَ، وهو يوم نجاة نبي الله موسى عليه السلام. فكذلك كان يوم هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم وشهر هجرته من أيام الله.

وإذا كان الحق تعالى قد ذكر في الكتاب العزيز قصة ميلاد المسيح عيسى عليه السلام، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (وكذلك نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). أفلا يكون ذكرنا لحدث مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثبتاً لأفئدتنا نحن المسلمين المؤمنين به، المتبعين له، المقتدين بهديه وسنته!. ولنا في هذا المعنى سندٌ من كلام السلف الصالح، فهذا الإمام أبوالقاسم الجنيد بن محمد رحمه الله، فيما روى عنه الإمام القشيري في «رسالته» [2/ 354] بسنده: أنه سئل: مَا للمريدين في مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكاياتُ جندٌ من جنود الله تعالى، يقوّي بها قلوب المريدين. فقيل له: فهل لك في ذلك شاهد؟ فقال: نعَم، قوله عزَّ وجل: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما تثبت به فؤادك). انتهى كلامه رحمه الله.

فكيف لا تكون أحداث سيرته، صلى الله عليه وسلم، ومنها أخبار مولده، من مثبتات الإيمان، ومحركات الشوق إليه، ومثيرات الوجد والمحبة في القلوب نحوه!.

وجاء في «تثبيت دلائل النبوة» [2/ 325]: أن أمير المؤمنين عُمر، رضي الله عنه، كانَ كثيراً ما يقومُ في الصحابة خطيباً، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيشِ، واستطالة الأمم عليها، ثم إلى أيِّ شيء آلَ أمرُها اليه، برسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويقول: إنما أقولُ هذا لكم لأني سمعتُ الله يقول لموسى: (وذكرهم بأيام الله). ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صَار ملكهُم أعزَّ من كل ملكٍ في الأرض، ودينهُم أظهرَ الأديان وأهيبَها وأجلَّها، وأنهم ما لزِمُوا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين. انتهى.

وقال القاضي الكلاعي في «الاكتفاء» [1/ 586]: «فهذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه التي أعزَّ الله بها الدين، ودوَّخ بها الكافرين، وشدَّ أزره فيها بمن اختاره لصحبته ونصرته، من الأنصار والمهاجرين، رضى الله عنهم أجمعين. وتلكَ أيام الله التي يجب بها التذكر والتذكير، ويتأكَّد شكر الله سبحانه على ما يسَّرته منها المقادير». انتهى. فانظر إلى قول الإمام الكلاعي: إنها يجب التذكير بها .. تعلم أهمية سرد أخبار السيرة، والتذكير بمجرياتها على أسماع المسلمين.

هذا، وقد ألف أئمة الإسلام، وعلماؤه العظام، من محدثين، ومؤرخين، وفقهاء، وأدباء، وشعراء، كتباً كثيرة، ومؤلفات عديدة، نثراً ونظماً، منها ما هو في مجلدات، ومنها ما هو في وريقات، من أخبار المولد النبوي، بين مطول ومسهب، ومختصر ومهذب. فجزاهم الله عن الأمة خير الجزاء .. لعل أكبرها وأهمها في هذا الباب، كتاب «جامع الآثار في السير ومولد المختار»، للحافظ محمد بن أبي بكر، ابن ناصر الدين، الدمشقي الشافعي (ت 842هـ). مطبوع في 8 مجلدات، جمع فيه فأوعى، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة من أخبار المولد النبوي، إلا وأتى عليها شرحاً واستدلالاً. فرحمه الله، وأجزل مثوبته.

وهنا ننبه على أمور لا بد من معرفتها:

منها: وهو أهمها، تنبيه المسلمين الحاضرين في مجالس المولد، أن يحرروا نياتهم عند حضورهم، ولا يكتفوا بالحضور لمجرد العادة، أو لغرض غير صحيح.

ومنها: أن لا يكتفى بسرد أحداث المولد، وقراءة الكتب التي ألفت فيه بخصوصه، وهي كثيرة معلومة. ويغفل عن ذكر أحداث مهمة من السيرة النبوية.

ومنها: أن يخرج الحاضرون بحصيلة قيمة من التوجيهات النبوية للفرد والجماعة.

ومنها: أن نعرض عن المعارضين، ولا نحفل بإنكارهم، لا سيما مع خلو مجالسنا من المنكرات الشرعية والمنهيات، فما هناك اختلاط، ولا هناك ما يؤثم فعله.

كما ينبغي أن يعلم المعارضون، أن مقصدنا من إحياء هذه الذكرى، إنما هو التذكير بيوم من أيام الله، كان نقطة البداية للهداية التي عمت الكون، وظهور النور الذي أشرقت الدنيا ببروزه، وبسببه جاء هذا الدين، وبلغتنا الرسالة. وليس المقصود التشبه بأهل الأديان الأخرى، ولا إحياء مآثر مبتدعة، كما يزعم بعض الناس. ولا ينبغي أن نبقى أسرى الإنكار، وننسى مقصدنا من تعظيم هذه الذكرى العظيمة ..

والحمد لله أولاً وآخراً

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

المقال الرابع من سلسلة مقالات التوعية الدينية بالأحاديث النبوية من ركن التوعية الأسبوعي للشيخ محمد أبو بكر باذيب: معنى حديث الطيرة الوارد النهي عنها في السنة المطهرة

ركن التوعية الأسبوعي هو مكوَّن رئيسٌ في موقع (معهد نور الهدى العالمي للعلوم الإسلامية) ينشر فيه كل أسبوع مقالٌ جديد، صوتاً وكتابةً. بعضها مقالاتٌ متسلسلة، وبعضها مفردةٌ القصدُ منها إفادة القراء والسامعين بمواضيع قيمة علمية أو سلوكية إلى مناقشة ما يطرأ على الساحة الدينية من قضايا مستجدّة. يتناول هذا البحث شرح الحديث الوارد في الطيرة التي هي التشاؤم من بعض الأمور، والله الموفق.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بدر الدجى، ومنار الاهتداء، وعلى آله وصحبه ومن بهم اقتدى.

أما بعد؛  فقد وردني سؤال من أحد الإخوة عن حديث ورد في كتاب «تحذير الساجد»، للشيخ الألباني رحمه الله، وهو حديث ابن عمرو رضي الله عنهما في الطيرة. وكان في السؤال مذكور أن الذي أخرج الحديث: هو الألباني، وأن الراوي: هو ابن عمر. وطلب مني السائل الكريم الإفادة عن معنى الطيرة، وهل هي التشاؤم، أم غيرها. الى آخر ما ذكر. وما أنا بأهل للخوض في هذا الباب، ولكني خشيت وعيد الكتم، فكتبت السطور التالية، وأرحب بتعليقات وإفادات الإخوة الكرام.

 

كان جوابي للسائل بقولي:

بسم الله، رب يسر وافتح بالخير، ياكريم.

بارك الله فيكم، وأشكر لكم حسن ظنكم، وأسأل الله تعالى لي ولكم السداد في القول والعمل. وأن ينفعنا وإياكم بالعلم، ويوفقنا للعمل به. وإن مما يدخل السرور على القلب سؤالكم في أمور دينكم، وتطلبكم معرفة قول أهل العلم في فهم وتوجيه كلام الصادق المصدوق سيدنا وحبيبنا رسول الله محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم.

وإليكم جوابَ ما سألتم عنه، وما دارَ بينكم من توجيه معنى الحديث الشريف، وما أنا إلا ناقل ومرتب لكلام سادتي أئمة الدين، وملخص لما حرروه في دواوين الإسلام العظيم، التي أحثكم على الرجوع إليها، والنظر فيها، لأنها تكسب القلب طمأنينة، وتبعد عن العقول الوسواس، وتملأ القلب حبا وتعظيماً للدين.

 

جواب السؤال الأول

 

أولاً: وقبل الخوض في معنى الحديث، أقدم هذا التوجيه اللطيف، فقد أشار السائل إلى أن راويَ الحديث هو عبدالله بن عمر. والصواب: أن الراوي هو عبدالله بن عمرو بن العاص، وليس ابن عمر بن الخطاب. هذه واحدةٌ. الثانية: أنه أشار إلى أن المحدث الذي أخرج الحديث هو (الألباني)، ويقصد به فضيلة الشيخ العالم الفاضل محمد ناصر الدين الألباني المتوفى سنة 1420هـ، رحمه الله ورحم أموات المسلمين، وهذا غير صحيح، فهذا الحديث الشريف أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير. والشيخ الألباني من مشاهير العلماء المشتغلين بالتخريج في هذا العصر، ولكن لا يقال: أخرجه الألباني، لأن الأحاديثَ قد خرجت في دواوين الإسلام قبل أكثر من ألف عام!

ثانياً: هذا الحديث الشريف له عدة روايات، وروي بألفاظ عدّة، فقد رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعة من الصحابة الكرام، (1) منهم عبدالله بن عمرو بن العاص وروايته أمامكم في أعلى المشاركة، أخرجها أحمد والبزَّار، (2) ومنها حديث رويفع بن ثابت أخرجه البزار، (3) وحديث فضالة بن عبيد أخرجه ابن وهب في جامعه، (4) وحديث أبي هريرة أخرجه البزار في مسنده، وحسنه الهيثمي.

هذا من حيث اللفظ الوارد المسؤول عنه.

وأما أصل النهي عن الطيرة، فأحاديثه صحاح، وهي من المتفق عليه عند الشيخين، البخاري ومسلم. فأخرج البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الوحي، باب الفأل. حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا طيرة وخيرها الفأل قال وما الفأل يا رسول الله قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم. حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى، ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة.

قال الإمام الحافظ شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: « وأصل التطير: أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطيرِ، فإذا خرج أحدُهم لأمرٍ فإن رأى الطيرَ طارَ يمنةً تيمَّن به واستمر، وأن رآه طار يسرةً تشاءم به ورجع، وربما كان أحدُهم يهيج الطير ليطيرَ فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك. وكانوا يسمونه (السانح) بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة، و(البارح) بموحدة وآخره مهملة. فالسانحُ: ما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينكَ، والبارحُ: بالعكس. وكانوا يتيمَّنون بالسانحِ، ويتشاءمون بالبارح، لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتَضي ما اعتقدوهُ، وإنما هو تكلفٌ بتعاطي ما لا أصْلَ له، إذ لا نطق للطير ولا تمييزَ، فيستدلُّ بفعله على مضمون معنى فيه، وطلبُ العلم من غير مظانِّه جهلٌ من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدح بتركه …».

إلى أن قال: «وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين وقد أخرج بن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه لا طيرة والطيرة على من تطير وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن النبي صلى الله عليه و سلم ثلاثة لا يسلم منهن أحد الطيرة والظن والحسد فإذا تطيرت فلا ترجع وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ظننت فلا تحقق وهذا مرسل أو معضل لكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في الشعب وأخرج بن عدي بسند لين عن أبي هريرة رفعه إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا».

وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رفعه: «لن ينال الدرجات العلاء من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرا»، ورجاله ثقاتٌ، إلا أنني أظن أن فيه انقطاعاً. وله شاهد عن عمران بن حصين، وأخرجه البزارُ في أثناء حديثٍ بسند جيد، وأخرج أبو داود والترمذي، وصححَه هو وبن حبانَ، عن ابن مسعود رفعه: «الطيرة شركٌ ـ وما منا الا تطير ـ ولكن الله يذهبه بالتوكل»، وقوله: «وما منا إلا ..»، من كلام بن مسعودٍ، أدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب شيخُ البخاري، فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه.

وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا فكأنهم أشركوه مع الله تعالى وقوله: «ولكن الله يذهبه بالتوكل»، إشارةٌ إلى أن من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة، أنه لا يؤاخَذُ بما عرَض له من ذلكَ، وأخرج البيهقي في «الشعب» من حديث عبد الله بن عمرو موقوفاً: «من عرض له من هذه الطيرة شيءٌ، فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك».

 

السؤال الثاني وجوابه

 

س/ هل هناك تعارض في الأحاديث التي أوردها الإمام البخاري في صحيحه، فقد سبق أن قرأنا حديث: «لا طيرة»، فكيف نفهمه ونجمع بينه وبين الحديث الآخر عنده، الذي أخرجه في الكتاب نفسه (كتاب بدء الوحي)، في باب الطيرة. حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى، ولا طيرة والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة.

فهل هناك طيرة شرعية، وطيرة شركية؟!.

الجوابُ يؤخذ من كلام الحافظ الإمام ابن بطال الركبي اليماني في «شرح صحيح البخارى»: « قال المهلبُ: قوله: «إنما الشؤم فى ثلاث» … أعلمهم أن الذى يعذَّبون به من الطيرةِ، لمن التزمها، إنما هو فى ثلاثةِ أشياء، وهى الملازِمةُ لهم: مثلَ دار المنشأ والمسكن، والزوجة، التى هى ملازمة فى حال العيش اليسير، والفرس الذى به عيشُه وجهاده وتقلبه. فحكم صلى الله عليه وسلم بترك هذه الثلاثة الأشياء لم ألزَم التطيرَ حين قال فى الدار التى سكنت، والمال وافر، والعدد كثير؛ «اتركوها ذميمةَ»، خشية ألا يطولَ تعذّبُ النفوس بما يكره من هذه الثلاثةِ، ويتطير به. وأما غيرها من الأشياء التى إنما هى خاطرة وطارئةٌ، وإنما تحزن بها النفوسُ ساعةً أو أقلَّ»، انتهى.

فمعنى كلام ابن بطالٍ هذا: أن معنى الحديث: أن أكثر ما تكون الطيرة، وأكثر ما يكون التشاؤم فيه عند عامة الناس في هذه الثلاثة الأمور، المرأة، والفرس (الدابة والمركوب)، والدار. فخصها بالذكر ليجتنب المسلم الوقع فيها، وأما التطير والتشاؤم بغيرها، فهو أقل منها.

 

السؤال الثالث وجوابه

 

س/ كيف نسلم من الطيرة، وهل هناك دعاء لصرف التشاؤم؟

الجواب: أخرج الإمام ابو داوود في «سننه» من حديث عروة بن عامرٍ، رضي الله عنه، قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: «خيرها الفألُ، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله».

قال الحافظ ابن حجر: «وقوله: «وخيرها الفأل»، قالَ الكرماني تبعاً لغيره: هذه الإضافةُ تشعر بأن الفألَ من جملة الطيرَةِ، وليس كذلكَ، بل هي إضافةُ توضيحٍ. ثم قالَ: وأيضاً؛ فإن من جملة الطيرة كما تقدم تقريره التيامنُ، فبين بهذا الحديث أنه ليس كل التيامن مردودا كالتشاؤمِ، بل بعضُ التيامن مقبولٌ.

قلتُ [القائل هو الحافظ ابن حجر]: وفي الجواب الأول دفع في صدر السؤال، وفي الثاني تسليم السؤالِ ودعْوَى التخصيصِ، وهو أقرَبُ، وقد أخرج ابن ماجة بسندٍ حَسن عن أبي هريرة رفعه: «كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة»، وأخرج الترمذي من حديث حابس التميمي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ: «العين حق وأصدق الطيرة الفأل»، ففي هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة لكنه مستثنى»، انتهى.

هذا، وفي «فتح الباري»، وغيره، تفصيل لمن اراد الزيادة والاستفادة، وأرجو أن أكون وفقت في عرض المسئلة وشرحها وفق مراد السائل، والله أعلم.

 

 حرره، محمد باذيب، سامحه الله.

 

نشر المقال الأول في المدونة السابقة بتاريخ: 13 / 2 / 2012م

 

المقال الثالث من سلسلة مقالات التوعية الدينية بالأحاديث النبوية من ركن التوعية الأسبوعي للشيخ محمد أبو بكر باذيب: فقه حديث النهي عن البيع في المسجد

ركن التوعية الأسبوعي هو مكوَّن رئيسٌ في موقع (معهد نور الهدى العالمي للعلوم الإسلامية) ينشر فيه كل أسبوع مقالٌ جديد، صوتاً وكتابةً. بعضها مقالاتٌ متسلسلة، وبعضها مفردةٌ القصدُ منها إفادة القراء والسامعين بمواضيع قيمة علمية أو سلوكية إلى مناقشة ما يطرأ على الساحة الدينية من قضايا مستجدّة. يتناول هذا البحث شرح الحديث الوارد في النهي عن البيع المساجد، وجمع طرقه، ورواياته، وكلام أهل العلم فيه، وأقوال المذاهب الأربعة في توجيه النهي وتقعيد أحكام البيع والشراء في المسجد، والله الموفق.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بدر الدجى، ومنار الاهتداء، وعلى آله وصحبه ومن بهم اقتدى.

أما بعد؛ فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي سيدنا رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام تعظيم شعائر الله وحرماته، ومنها المساجد التي هي بيوت الله تعالى في أرضه، فالواجب على المسلم تعظيمها واحترامها، ويجب على أهل العلم إرشاد المسلمين وتعليمهم الأحكام الفقهية الخاصة بالمساجد.

وهذه الصفحات لبحث مسألة فقهية من مسائل المساجد، وهي مسألة البيع والشراء، هل يجوز ذلك في بيوت الله أم لا؟ وما حكم من باع أو اشترى مخالفاً النهيَ الوارد؟ هل النهي للتحريم أم للكراهة؟ وهل قال أحد من الفقهاء بعدم انعقاد البيع في المسجد؟

النصوص والأدلة الواردة في المسألة

[1] من الكتاب العزيز:

الآية الأولى: قال تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور: ۳٧]. والمقصود من أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله: أنهم يلبون نداءَ الصلاة جماعةً، ويتركون البيع والشراء. روى عن ابن مسعود أنه رأى قوماً من أهل السوق حيثُ نوديَ بالصلاة، تركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبدالله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)، رواه ابن جرير الطبري. ورويَ عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أنه كان في السوق فأقيمتِ الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجدَ، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)، رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.

الآية الثانية: قوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة: ١١]. أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ يوم الجمعة، إذ أقبلت عيرٌ قد قدمتْ، فخرجُوا إليها حتى لم يبق معه صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلَ {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.

وفي «الدر المنثور» للسيوطي [14/ 484]: نقلا عن «تفسير» ابن جرير، وابن المنذر، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يخطبُ الناسَ يوم الجمعة، فإذا كان نكاحٌ لعبَ أهله وعزفوا، ومرُّوا باللهو على المسجد، وإذا نزلت بالبطحاءِ جلبٌ. قال: وكانت البطحاء مجلساً بفناء المسجد الذي يلي بقيع الغرقد، وكانت الأعرابُ إذا جلبوا الخيل والإبل، والغنم وبضائع الأعراب نزلوا البطحاء، فإذا سمعَ ذلك من يقعد للخطبة، قاموا للهو والتجارة، وتركوه قائماً. فعاتب المؤمنين لنبيه صلى الله عليه وسلم. والذي سوغ لهم الخروج أثناء الخطبة: ظنهم أن الخروج بعد تمام الصلاة جائزٌ، لانقضاء المقصود، وهو الصلاة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أول الإسلام كانَ يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعةُ ونزلت الآية، قدَّم الخطبة وأخر الصلاة.

موضع الشاهد: أن الصحابة لم يكونوا يبيعون ويشترون داخل المسجد، بل في الخارج. ومع ذلك عوتبوا لانصرافهم عن الذكر، ونبههم المولى تعالى أن ما عنده (خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين).

[2] من السنة الشريفة:

الحديث الأول: أخرج أحمد في «مسنده» [11/ 257، رقم 6676] عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الشِّراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشَد فيه الضالةُ، وعن الحلَقِ يوم الجمعة قبلَ الصلاة.

أخرجه بتمامه أبو داود [1/ 419، رقم 1081]، وابن خزيمة [2/ 274، رقم 1304] والفاكهي في «أخبار مكة» (1267)، وابن خزيمة (1306). وروي مفرقا ومجموعاً. وأخرجه الترمذي [2/ 602، رقم 1321] في البيوع (باب النهي عن البيع في المسجد)، والنسائي في «اليوم والليلة» [176]، والدارمي 1/326، وابن الجارود [562]، وابن السني [153]، والبيهقي 2/44.

وأخرجه دون إنشاد الضالة الترمذي (322)، والبغوي في «شرح السنة» (485).
وأخرج النهيَ عن البيع والتحلق في المسجد النسائيُّ في «الكبرى» (793) و«المجتبى».
وأخرج النهيَ عن البيع وتناشد الأشعار ابنُ ماجه (749).
وأخرج النهيَ عن البيع وإنشَاد الضالة البيهقيُّ في «السنن»: 2/448.

الحديث الثاني: أخرجه الترمذي [2/ 602، رقم 1321] في (باب النهي عن البيع في المسجد)، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. فقولوا: لا أربحَ الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالةً، فقولوا: لا رد الله عليك». قال الترمذي: «حديث أبي هريرة حديث حسن غريب». وهو في «صحيح ابن حبان» [4/ 528، رقم 1650]، ورواه الدارمي: 1/326.

ومن الآثار:

في «الموطأ» [1/ 174، رقم 92]: أن مالكاً بلغَه: أن عطاء بن يسار، كان إذا مرَّ عليه بعضُ من يبيعُ في المسجدِ، دعاه. فسأله: ما معك؟ وما تريد؟ فإن أخبره: أنه يريد أن يبيعَه. قال: عليك بسُوق الدنيا. وإنما هذا سُوق الآخِرة.

فقه الحديث

قال أبو سليمان الخطابي (ت 388هـ): «ويدخل في هذا كل أمر لم يبنَ له المسجدُ، من أمور معاملات الناس، واقتضَاء حقوقهم. وقد كره بعضُ السلف المسألةَ في المسجد، وكان بعضُهم لا يرى أن يُتصدَّق على السائل المتعرِّض في المسجِد».

ولأهل العلم في العمل بأحاديث النهي عن البيع في المسجد تفصيلٌ، ويلاحظ أن جل كلام الفقهاء انصبَّ أصالةً على تعاطي البيع والشراء في المسجد للمعتكف، وقيس غير المعتكف عليه. وهذا ملمحٌ مهم، ينبغي أن يكون على بال الباحث والقارئ. لأنه لا يتصور أن يتعاطى البيع والشراء للمصلين، إذ لا حاجة تدعو إلى ذلك، بينما المعتكف لطول مكثه في المسجد فإنه قد يحتاج إلى ذلك لتحصيل حاجته من طعام وشراب ونحوه. قال أبو إسحاق الشيرازي (ت 476هـ) في «المهذب» [1/ 194]: «ويبيع ويبتاعُ، لكنه لا يكثِر منه، لأنّ المسجدَ ينزَّه عن أن يُتخَذ موضعاً للبيع والشراء، فإن أكثَر من ذلك؛ كُره لأجل المسجِد».

وحاصل كلام الفقهاء على ثلاثة أقوال:

القول الأول: وهو للحنابلة: أن البيعَ محرمٌ وباطلٌ. أورده الوزير ابن هبيرة (ت 560هـ) قائلاً: «منعَ صحَّته وجوازَه أحمد»، ونقله ابن مفلح في «الفروع» [5/ 194]، وفيه: «فعلى المذهبِ: لا يصحُّ في المسجد»، والجراعيُّ (ت 883هـ) في «تحفة الراكع» [ص 346]، والبهوتي (ت 1051هـ) في «شرح منتهى الإرادات» [1/ 509]، وغيرهم. قال الجراعيُّ، وقبله ابن مفلح: «وقيل: إن حرُم؛ ففي صحته وجهانِ»، اهـ. أي: وجه بالبطلان، ووجهٌ بالإمضاء مع الإثم. أيده المرداوي في «الإنصاف» [7/ 636]، قائلاً: «قلتُ: قاعدةُ المذهب تقتضي عدمَ الصحَّة». وبالحرمة مع البطلان جزمَ الحجاويُّ (ت 968هـ) في متن «الإقناع»، قال شارحه البهوتي (ت 1051هـ) في «كشَّاف القناع» [3/ 188] ممزوجاً بمتنه: «(ويحرم البيع والشراء في المسجد) للمعتكف وغيره في القليل والكثير (فإن فعل) بأن باعَ، أو اشترى في المسجد؛ (فباطلٌ)». ومثله الرحيباني في «مطالب أولي النهى» [2/ 255] ممزوجاً بمتنه: «(وحرم فيه)، أي: المسجد (بيع وشراء، ولا يصحان)، أي: البيع والشراء، قلَّ ذلك أو كثُر، احتيج إليه أو لا. (خلافاً لجمع) منهم صاحب الفصول ” و ” المستوعب ” والشارح، فإنهم قالوا: يكره ويصحُّ، وفاقاً لمالك والشافعي».

القول الثاني: للحنابلة أيضاً، أن البيع مكروهٌ تحريماً، والكراهةُ لا تقتضي البطلان. قال الترمذي [2/ 602]: «والعملُ على هذا عند بعضِ أهل العلمِ؛ كرِهُوا البيعَ والشراءَ في المسجد. وهو قولُ أحمد، وإسحاق». ومثله في «شرح السنة» للبغوي [2/373]. قال ابن قدامة في «الشرح الكبير» [7/ 629]: «فصل: ويجتنب المعتكفُ البيع والشراءَ، إلا ما لا بد له منه. قال حنبل: سمعتُ أبا عبد الله يقول: المعتكفُ لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بدَّ له منه، طعام ٌأو نحو ذلك. فأما التجارة والأخذُ والعطاء، فلا يجوز». وقال في موضع آخر [11/ 203]: «وقال قوم: لا بأسَ به. والصحيحُ: الأولُ؛ للحديث المذكور. فإن باع، فالبيعُ صحيح؛ لأنه تمَّ بأركانه وشروطه، ولم يثبتْ وجود مفسدٍ له.

وكراهةُ ذلك لا توجب الفسادَ، كالغشِّ في البيع والتدليس والتصرية. وفي قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا: لا أربحَ الله تجارتك». من غير إخبار بفسَاد البيع؛ دليلٌ على صحته، والله أعلم». وقال ابن مفلح في «الفروع» [5/ 194]: «فعلى المذهبِ: لا يصحُّ في المسجد. وعلى الثاني: يصحُّ، لأنه لا يجوزُ ويجوز. لأنه قد صدَّر المسألة بـ(لا يجوز) وبـ(يكره). فلو جعلنا البناءَ كذلك؛ لكانَ عينَ الأول. وتحصَّل الحاصلُ، وهو الصوابُ. فعلى هذا، يكون قد قدم المصف هنا: أن البيع لا يصحُّ. وقد أطلق الروايتين في (كتاب الوقوف) في الصحة وعدمها. فيكون قد قدَّم حكماً في مكانٍ، وأطلق الخلافَ في موضع آخر». وفي «الإنصاف» [7/ 636]: «لا يجوز البيع والشراء في المسجد للمعتكِف وغيره، على الصحيح من المذهب. نصَّ عليه في رواية حنبل. وجزم به القاضي، وابنه أبو الحسين، وصاحب «الوسيلة»، و«الإفصاح»، و«الشرح» هنا، وابن تميم وغيرهم. وقدّمه في «الفروع»، و «الرعاية الكبرى»، وغيرهما … وجزم به في «الشرح»، و«المغنى»، و«ابن تميم»، و«المجد»، و«شرح ابن رزين» في آخر كتاب البيع»، انتهى من «الإنصاف»، وقريب منها عبارة الجراعي في «تحفة الراكع»، هما متعاصرانِ، وهما ناقلان عن ابن مفلح في «الفروع» [5/ 204].

وعلى هذا القول الثاني؛ فإنه لا ينعقد، حتى إن الفقهاء ذكروا صورة لدعوى البيع الباطل الواقع في المسجد، ففي كتاب «جواهر العقود» للمنهَاجي الشافعي (ت 880هـ) [2/ 409]: «صورةُ دعوَى وحكم ببطلانِ البيع الواقع بين المتبايعين في المسجدِ على مذهَب الإمام أحمد: … ثم يقول: (وأنه ابتاعه منه بالمسجد الجامع)، أو: (بمسجد بني فلان، بحضور جماعة من المسلمين). ويقع السؤال والجوابُ بالاعتراف أو الإنكار، وتقوم البينة على أن عقد البيع وقع في المسجد الجامع. فإذا ثبت ذلك بالاعتراف أو بالبينة، يسأل المدعي من الحاكم العملَ معه بمقتضى مذهب الإمام أحمد، وما يراه من عدم صحة البيع وجوازِه بالمسجد، والحكم ببطلان البيع بمقتضى ذلكَ، وثبوته لديه. فيحكم الحاكم ببطلان عقد البيع الصادر على المبيع المذكور بالمسجد، ورجوع المبيع إلى ملك البائع، والثمن إلى المشتري، حكماً شرعياً إلى آخره»، انتهى.

أما المجوِّزون فلا يبطلونَ هذا البيع، كما في كلام ابن خزيمة في صحيحه: «لو لم يكن البيع منعقداً لم يكن لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا أربح الله تجارتك»، معنى!»، انتهى. وقول ابن بطال: «أجمع العلماء أن ما عقده من البيع في المسجد لا يجوز نقضه»، اهـ.

القول الثالث: وهو القول بالجواز مع الكراهة، وهو مذهب الجمهور، الحنفية والشافعية وأشهَر قولي المالكية، ووجهٌ عند الحنابلة. قال الترمذي [2/ 602]: «وقد رخَّص فيه بعضُ أهل العلمِ، في البيع والشراء في المسجِد»، وعبارة البغوي في «شرح السنة» [2/373]: «رخَّص فيه بعضُ التابعين».

[1] نصوص المذهب الحنفي: فقد قال الطحاوي عن النهي في الحديث: «هذا إذا غلبَ عليه حتى يكون كالمستغرق، أما الفعل القليل فلا بأس به، وينبغي اجتنابه»، نقله في «إعلام الساجد» [ص 324]. وفي «البدائع» للكاساني (ت 587هـ) [2/ 117]: «المراد من البيع والشراء، هو: كلامُ الإيجابِ والقبول، من غير نقل الأمتعة إلى المسجد؛ لأن ذلك ممنوعٌ عنه، لأجل المسجد. لما فيه من اتخاذ المسجد متْجراً، لا لأجل الاعتكاف»، واستدلَّ، ثم قال: «لنا: عموماتُ البيع والشراءِ من الكتاب الكريم والسنة، من غير فصل بين المسجِد وغيره. ورويَ عن علي رضي الله عنه: أنه قال لابن أخيه جعفر: هلاّ اشتريت خادماً؟ قال: كنت معتكفاً. قال: وماذا عليك لو اشتريتَ! أشار إلى جواز الشراءِ في المسجد. وأما الحديثُ: فمحمولٌ على اتخاذ المسَاجد متاجِرَ، كالسوق، يباع فيها، وتنقل الأمتعة إليها. أو يحملُ على الندبِ والاستحبابِ، توفيقاً بين الدلائل بقدْر الإمكان»، اهـ.

وفي «تبيين الحقائق» للزيلعي [4/ 215]: «أما إحضار المبيع، وهي السلعُ، للبيع؛ فلأن المسجد محرزٌ عن حقوق العباد، وفيه شَغلُه بها، وجعله كالدكان»، إلى أن قال: «ولغير المعتكف: يكره البيعُ مطلقاً». ومثله في «درر الحكام» لملا خسرو [1/ 214]، وفيه: «قال قاضي خان: لا بأس للمعتكِفِ أن يبيعَ ويشتري. أراد به: الطعامَ، وما لا بد له منه، أما إذا أراد أن يتّخِذه متجراً، فيكره ذلكَ. قوله: (وكره إحضار المبيع)، قال في «البحر»: الظاهر أن الكراهة تحريمية»، اهـ. وفي «البحر» [2/ 327]: «وقُيدَ بالمعتكف: لأن غيره يكرهُ له البيعُ مطلقاً، لنهيه عليه السلام عن البيع والشراء في المسجد».

[2] نصوص المذهب المالكي: جاء في «المدونة» [1/ 293]: «قيل لابن القاسم: ما قولُ مالكٍ في المعتكف، أيشتري ويبيعُ في حال اعتكافه؟ فقال: نعم، إذا كان شيئاً خفيفاً، لا يشغله من عيشِ نفسه». وفي «المقدمات» لابن رشد الجد [3/ 471]: «وينبغي أن تنزه المساجد عن عمل الصناعاتِ، وأكل الألوان، والمبيتِ فيها إلا من ضرورةٍ للغرباء. ومن الوضُوء فيها، واللغَط، ورفع الصوت فيها، وإنشاد الضالة، والبيع والشراء؛ لقول الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور: ۳٦- ۳٧] إلى آخر الآية؛ لأنه عزَّ وجلَّ أعلمَ بهذه الآية ما وضِعتْ المساجد له، فوجبَ أن تنزَّه عما سوى ذلك مما ذكرناه»، اهـ.

وقال ابن شاس في «عقد الجواهر» [3/ 954]: «ويكره البيع فيه والشراء»، وقال ابن الحاج في «المدخل» [1/ 296]: «وفي ذلك من المفاسد جملةٌ، فمنها: البيعُ والشراء في المسجد؛ لأن مذهب مالكٍ رحمه الله، جوازُ بيع المعاطاة، وهي: أن تعطيه ويعطيك من غير لفْظِ البيع يكون بينكما. وقد منعَ في المسجد ما هو أخفُّ من هذا، وهو أن يذكُر لفظ البيع والشراءِ، ولو شراءً من غير تقابُضٍ. وما ذاك إلا أن المساجد لما بنيت له من العبادة فقط».

وقال عليش في «منح الجليل» [16/ 424] عند قول خليل «وبيع وشراء»: «وكره بيعٌ وشراءٌ بمسجد»، إلى أن قال: ¬«واختُلفَ: إذا رأى سلعةً خارج المسجد، هل يجوزُ أن يعقدَ بيعها في المسجد، أم لا؟ قولانِ: من غير سمسارٍ، وأما البيعُ بالسمسار فيه؛ فممنوعٌ باتفاقٍ. فإن باع في المسجد؛ فقال ابن بطالٍ: الإجماعُ على أنه لا يفسخُ، وأنه ماضٍ».

[3] نصوص المذهب الشافعي: قال الشافعي رحمه الله [المختصر: 8/ 157] (باب الاعتكاف): «ولا بأس أن يشتري ويبيع»، وفي «مختصر البويطي» [ص 361] (باب الاعتكاف): «قال الربيع: قال الشافعي: وأكره البيعَ والشراءَ في المسجد، فإن باعَ معتكفٌ، أو غيره في المسجد، كرهتُ لهما ذلك، والبيعُ جائز»، اهـ. ونقل نص البويطيِّ الرويانيُّ في «البحر» [3/ 328]، والنوويُّ في «الروضة» [2/ 393]. وهذا كله على الجديد. ونقل الروياني، في المرجع السابق، أن الإمام قال في (القديم) مثل «الأم»: «لا بأسَ به»، وصرح بهذا القول الإسنوي (ت 771هـ) في «المهمات» [3/204] ثم قال: «كذا رأيتُه في كلام جماعةٍ، منهم: المحَامليُّ في كتاب «القولين والوجهين» أيضًا»، اهـ. ونقل الروياني عن القديم أيضاً: «ولا يكثر التجارةَ، لئلا يخرُجَ عن حدِّ الاعتكاف»، ثم قال: «قوله: (لا بأس به)، أي: لا يؤثر في اعتكافه، لا أنه لا يكره. فإن كانَ محتاجاً إلى شراء قوتِه، أو لقريبه؛ لا يكره. وكذلك عن خاط ثوبه الذي يحتاج إلى لبسِه؛ لا يكره. وإن كان كثيرًا فتركه أولى»، ثم قال: «وهذه الكراهة لأجلِ المسجد، دون الاعتكاف. والكراهةُ: هي كراهيةُ تحريمٍ، لا تنزيه».

وهناك قولٌ محكيٌ عن المذهب القديم، أن البيع والشراءَ يبطل الاعتكاف المنذور. وهو ما نقله أبو إسحاق في «المهذب» [1/ 194] عن الشافعي: «إن فعلَ ذلكَ، والاعتكافُ منذورٌ، رأيت أن يستقبله»، اهـ. قال أبو إسحاق: «ووجهُه: أن الاعتكافَ هو حبسُ النفسِ على الله عز وجلّ، فإذا أكثر من البيعِ والشراء، صار قعودُه في المسجد للبيع والشراءِ، لا للاعتكافِ. والصحيحُ: أنه لا يبطلُ»، اهـ. قال النووي في «المجموع» [6/ 529]: «حكى المصنفُ والأصحاب قولاً قديماً: أنه إن كان اعتكافُ نذرٍ متتابعٍ؛ استأنفَه. وهذا شاذٌ ضعيفٌ. والمذهب الأولُ. قال إمامُ الحرمين [4/101]: هذا المحكيُّ عن القديم غلطٌ»، وجزم العمراني في «البيان» [3/ 598] بأنه قول مرجوعٌ عنه.

قال الروياني [3/329]: «فالمسألة على قولين. أحدهما: يكره»، لحديث عمرو بن شعيب، «والثاني: لا يكرَهُ، لأنه كلامٌ مباحٌ، كالحديث. والأولُ أصحُّ». وهذان القولان نقلهما العمراني في «البيان» [3/ 597-598] عن ابن الصباغ (ت 477هـ)

وفي كتاب «العدة» في فروع الشافعية، لأبي إسحاق الروياني إبراهيم بن علي (ت 523هـ) أن البيع والشراءَ في المسجد من الصغائر، نقله عنه الرافعي (ت 623هـ) في «العزيز» [13/ 8] في (كتاب الشهادات). وقال الرافعي في موضع آخر [6/ 226]: «ومنها: الجلوس للبيع والشراء والحرفة، وهو ممنوعٌ. إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذه حانوتاً. وقد رويَ: أن عثمان رضي الله عنه رأى خياطاً في المسجد يخيط فأخرجه»، اهـ. وخبر عثمانَ رواه ابن عدي بإسنادٍ ضعيف. قال عبدالحق: هو غير محفوظٍ، أورده ابن الملقن في «الخلاصة» [2/ 115]. وفي «الرَّوضة» للنووي: «المختار: كراهتُه»، وفيها آخر (كتاب الجمعة) [2/ 47]: «البيعُ في المسجد مكروهٌ، يوم الجمعة وغيره، على الأظهَر». هذا حاصل كلام الشافعية.

خلاصة البحث: أن علماء المذاهب الثلاثة، الحنفية والمالكية والشافعية، اتفقوا على كراهة البيع في المسجد للمعتكف، فمن باب أولى غير المعتكف، وهذه الكراهة عند أكثرهم كراهة تحريمية. وجوز مالك البيع باللفظ دون إحضار المبيع، أما مع إحضاره فلا يجوزُ، بل هو ممنوعٌ مطلقاً، وهو محرمٌ أو مكروه تحريماً. وأما الحنابلة فالبيع عندهم محرم، وقال عدد من أكابرهم ببطلان البيع، والمعتمد عندهم عدم الإبطال، والله تعالى أعلم.

الخاتمة

هذا، والبيع والشراء يوم الجمعة مباركٌ، قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، قال ابن كثير في «تفسيره» [8/ 148]: «لما حجَر عليهم في التصرُّف بعد النداء، وأمرهم بالاجتماع؛ أذِنَ لهم بعد الفراغ في الانتشارِ في الأرض، والابتغاء من فضل الله. كما كان عراكُ بن مالك رضي الله عنه إذا صلَّى الجمعة انصرفَ، فوقف على باب المسجد، فقال: اللهمَّ إني أجبت دعوتكَ، وصليت فريضتكَ، وانتشرتُ كما أمرتني، فارزقني من فضلكَ وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم. وروي عن بعض السلفِ أنه قال: من باعَ واشترى في يوم الجمُعةِ بعد الصلاة، بارك الله له سبعينَ مرةً».

وبعد؛ فهذه أقوال فقهاء الملة، وأعلام الأمة، في توضيح حكم البيع والشراء في المسجد، وإن الدواعي إلى بحث هذه المسألة وأمثالها كثيرةٌ، وحاجة الناس إلى معرفة الأحكام ملحة. وصور البيع والشراء في المساجد كثيرة، ومن أفحش صور البيع في المسجد: بيع الأطعمة بعد صلاة الجمعة مع اكتظاظ المسجد بالمصلين، فإنها مع كونها بيعاً منهياً عنه، فإن الروائح التي ترافق تلك الأطعمة مما ينبغي تنزيه المساجد عنه، فإن حقَّ بيوت الله أن تطيَّبَ بالعطور والطيب، لا أن تملأ بروائح الطعام والطبيخ، والله المستعان.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

المقال الثاني من سلسلة مقالات التوعية الدينية بالأحاديث النبوية من ركن التوعية الأسبوعي للشيخ محمد أبو بكر باذيب: معنى حديث «سبّ الدهْر» الجزء الثالث

ركن التوعية الأسبوعي هو مكوَّن رئيسٌ في موقع (معهد نور الهدى العالمي للعلوم الإسلامية) ينشر فيه كل أسبوع مقالٌ جديد، صوتاً وكتابةً. بعضها مقالاتٌ متسلسلة، وبعضها مفردةٌ القصدُ منها إفادة القراء والسامعين بمواضيع قيمة علمية أو سلوكية إلى مناقشة ما يطرأ على الساحة الدينية من قضايا مستجدّة. يتناول هذا البحث شرح الحديث الوارد في النهي عن سب الدهر، وإبراز معانيه، والأحكام الفقهية المستنبطة منه، وتحرير الخلاف الواقع بين علماء المسلمين في المسألة، والله الموفق.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المبحث السابع: تقسيم العلماء سب الدهر إلى أنواع ثلاثة

بوَّب البيهقي (ت 458هـ) في كتاب «الآداب» [ص 148]: (بابُ النهي عن سبِّ الدهر عند نزولِ المصائب به، وهو يعتقد: أنَّ الدهْر هو الذي يفعلُ به ما ينزلُ به من المصائب). ومفهومه: التفريقُ بين من يعتقد ذلك، ومن لا يعتقد.

أما أقدم من قسَّم مسألة سب الدهر إلى أقسام ثلاثة، هو أبو المظفر السمعاني، منصور بن محمد (ت 489هـ)، في «تفسيره» [5/ 143]، حيث قال: «وفي معنى الخبر ثلاثة أوجه»:

الوجه الأول: أن معناه: «إن الله هو الدهر»، أي: خالقُ الدهر.

الوجه الثاني: «لا تسبوا الدهرَ» فإني فاعلُ الأشياء. وكانوا يضيفون الفعلَ إلى الدهر ويسبُّونه. «فإن الله هو الدهر»، يعني: أن الله فاعل الأشياء لا الدهر، وهذا قول معتمدٌ.

الوجه الثالث: وهو أنهم كانوا يعتقدُون بقاءَ الدهر، وأنه لا يبقى شيءٌ مع بقاء الدهر. فقال: لا تسبوا الدهرَ، يعني: لا تسبُّوا الذين يعتقدون أنه الباقي؛ فإن الله هو الدهر. يعني: فإن الله هو الباقي بقاءَ الأبدِ، على ما يعتقدون في الدهر»، اهـ. وفي «بذل المجهود» [13/ 662] أوجهٌ قريبة من هذه، ولكنها دونها في التفصيل.

التفصيل.

المبحث الثامن: حكم من سبَّ الدهْر من المسلمين

بعد جمع النصوص من كتب أهل العلم، من المتقدمين والمتأخرين، وجدت أن بينهم اتفاقاً في مسألةٍ وهي إكفار من اعتقد تأثير الدهر بنفسه، واختلافاً في أخرَى وهي إعذار الشعراء المسلمين في عتابهم الدهر.

[1] فأما المسألة التي اتفقوا عليها: فهي أن الدهريين من العربِ قبل الإسلام مشركون بالله، لأنهم جعلوا الدهر مؤثراً بنفسه، فأكسبوه صفة الخالق تعالى. ومثلهم في الحكم من اعتقد ذلك من أهل الإسلام، وقد بوب الحافظ البيهقي (458هـ) للحديث في كتاب «الآداب» [ص 148]: (بابُ النهي عن سبِّ الدهر عند نزول المصَائب به، وهو يعتقِدُ أن الدهرَ هو الذي يفعلُ به ما ينزلُ به من المصائب».

قال القرطبي (ت 656هـ) في «المفهم» [5/ 547-548]: «ويراد بابن آدم هنا: أهلُ الجاهلية، ومن جرَى مجراهم؛ ممن يطلقُ هذا اللفظ، ولا يتحرَّز منه. فإن الغالبَ من أحوال بني آدم: إطلاقُ نسبة الأفعال إلى الدَّهْر، فيذمُّونَه، ويسفِّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضُهم، ويمدحونه إذا حصلت لهم. وأكثر ما يوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء. ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئا منها للدهر حقيقة، واعتقد ذلك»، اهـ. ونقله ابن العراقي في تتمة «طرح التثريب» [8/ 156]، وابن الملقن (ت 830هـ) في «التوضيح» [23/ 230]، وشيخنا الهرري في «الكوكب الوهاج» [22/ 383].

وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» [10/ 566]: «قال المحققون: من نسبَ شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقةً؛ كفَر»، ونقله الزرقاني (ت 1122هـ) في «شرح الموطأ» [4/ 637]، والسهارنفوري (ت 1346هـ) في «بذل المجهود» [13/ 663]، وموسى لاشين في «فتح المنعم» [9/ 35]. وقال الآلوسي في «تفسيره» [13/ 151]: «ومن الناس من قال: إن سبّه كبيرةٌ، إن اعتقَد أن له تأثيراً فيما نزل به، كما كان يعتقد جهلةُ العرب. وفيه نظرٌ! لأن اعتقادَ ذلك كفرٌ، ولي الكلام فيه». وقال: «وعدَّ بعضُهم سبَّه كبيرةً، لأنه يؤدي إلى سبِّه تعالى، وهو كفْرٌ، وما أدى إليه فأدنَى مراتبه: أن يكون كُفراً».

[2] وأما المسألة التي اختلفوا فيها: فهي إعذار الشعراء الإسلاميين، قدماء ومحدثين. فقد انقسموا على ثلاثة أقوال، وتفصيل ذلك فيما يأتي.

الفريق الأول: وهم الذين ذهبوا إلى إعذار المسلم مطلقاً، ولاسيما الشعراء منهم. وقد احتجَّ ابن قتيبة (ت 276هـ) في «تأويل مختلف الحديث» [ص 124] بقول أبي ذؤيب الهذلي (ت 27هـ)، وهو من المخَضْرمين، معدود في التابعين:

أمِنَ المنُونِ وريبِه تتوجَّعُ      والدهْرُ ليسَ بمعْتبٍ من يجزعُ

قال: «يقولون: لعنَ الله هذا الدهْرَ. ويسمُّونه: المنُون. لأنه جالبٌ المنونَ عليهم عندَهم، والمنونُ: المنيةُ». ونقل الحافظ ابن عبدالبر (ت 463هـ) في «التمهيد» [18/ 155]. أشعاراً كثيرة لإسلاميين، كلها تناولت الدهر. منها قول المساور بن هند (ت نحو 75هـ):

      بليتُ وعلمي في البلاد مكَانه      وأفنى شبابي الدهر وهو جديد

ومقول أبي العتاهية (ت 211هـ):

إن الزمان إذا رمَى لمصيبُ          والعود منه إذا عجمتَ صليبُ

إن الزمانَ لأهلِه لمؤدبٌ                    لو كان ينفع فيهم التأديبُ

كيف اغتررتَ بصرف دهركَ يا أخي     كيف اغتررتَ به وأنت لبيبُ

ولقد رأيتُك للزمَان مجرِّبا                  لو كان يحكمُ رأيَك التجريبُ

 

قال ابن عبدالبر: «فذكر الزمانَ والدهر وهما سواءٌ، ومرادُه في ذلك كله: ما يحدِثُ الله من العِبر فيها لمن اعتبر». وقول ابن المغيرة في شعرٍ يرثي به أباه:

أين من يسلم من صرف الردى            حكم الموت علينا فعدل
فكأنا لا نرى ما قد نرى                   وخطوب الدهر فينا تنتضل

قال: وهذا سابقٌ البربري على فضله، يقول:

المرء يجمع والزمان يفرق            ويظل يرقع والخطوب تمزق

وهذا سليمان العدويُّ، وكان خيراً متديناً، يقول:

أيا دهرا عملت فينا أذاكا                      ووليتنا بعد وجه قفاكا

جعلت الشرار علينا رؤوسا               وأجلست سفلتنا مستواكا

فيا دهر إن كنت عاديتنا                 فها قد صنعت بنا ما كفاكا

قال ابن عبدالبر: «والأشعارُ في هذا لا يحاط بها كثرةً، وفيما لوحنا به منها كفايةٌ، والحمد لله». وقال أيضاً: «وأشعارُهم في هذا أكثر من أن تحصى، خرجتْ كلها على المجَاز والاستعارة. والمعروفُ من مذاهبِ العرب في كلامها: أنهم يسمُّون الشيءَ ويعبِّرون عنه بما يقرب منه، وبما هو فيه. فكأنهم أرادوا ما ينزلُ بهم في الليل والنهار من مصائب الأيام، فجاء النهيُ عن ذلك تنزيهاً لله لأنه الفاعلُ ذلك بهم في الحقيقة. وجرى ذلك على الألسنة في الإسلام وهم لا يريدون ذلكَ؛ ألا ترى أن المسلمين الخيارَ الفُضَلاء قد استعملُوا ذلك في أشعارهِم، على دينهم وإيمانهم، جرياً في ذلك على عادتهم، وعلماً بالمرادِ، وأن ذلك مفهومٌ معلومٌ، لا يشكِلُ على ذي لبّ!».

وقال: «وروينا أن مالكَ بن أنسٍ، رحمه الله، كان ينشدُ لبعض صالحي أهل المدينة:

أخي لا تعتقد دنيا                   قليلا ما تواتيكا

فكم قد أهلكت خلا                    أليفا لو تنبيكا

ولا تغررك زهرتها             فتلقي السم في فيكا

فمرةً يضيفونَ ذلك إلى الدهر، ومرةً إلى الزمان، ومرةً إلى الأيام، ومرةً إلى الدنيا. وذلك كله مفهومُ المعنَى على ما ذكرنا وفسَّرنا، والحمد لله»، اهـ. قال القرطبي (ت 656هـ) في «تفسيره» [16/ 171] بعد أن نقل بعض أشعار الإسلاميين: «ومثله كثيرٌ في الشعر، ينسبُونَ ذلك إلى الدهر، ويضيفونه إليه، واللهُ سبحانه الفاعلُ لا ربَّ سِواه».

الفريق الثاني: وهم الذين قالوا بالكراهة، وهم الجمهور، وفيهم أكابر المتقدمين والمتأخرين، وبالنظر إلى أبواب كتب الحديث التي روى أصحابها الحديث نجد أنهم أدرجوها في (باب النهي عن سبِّ الدهر)، كما هو الحال عند الحارث بن أبي أسامة (ت 282هـ) في «مسنده» [2/ 830]، وأبي عوانة (ت 316هـ) في «المستخرج» [17/ 198]، والطبراني (ت 360هـ) في كتاب «الدعاء» [ص 563]، وعبدالحق الإشبيلي (ت 581هـ) في «الأحكام الكبرى» [3/ 229]، والنووي (ت 676هـ) في تبويب «صحيح مسلم» [4/ 1762]. جميعهم عبَّروا بالنهي، ولم يذكروا في المسألة كفراً أو تحريماً شديداً.

قال القرطبي (ت 656هـ) في «المفهم» [5/ 548]: «وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك: فليس بكَافر، ولكنه قد تشبَّه بأهل الكفر، وبالجاهلية في الإطلاق. وقد ارتكب ما نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. فليتب، وليستغفر الله تعالى»، ونقله ابن الملقن (ت 804هـ) في «التوضيح» [23/ 230]. ومثله قول ابن حجر (ت 852هـ) في «فتح الباري» [10/ 566]، وعبارته: «ومن جرَى هذا اللفظُ على لسَانه غير معتقدٍ لذلك فليسَ بكافر، يكره له ذلكَ، لشبهِه بأهل الكُفر في الإطلاق»، ونقله الزرقاني (ت 1122هـ) في «شرح الموطأ» [4/ 637]، والسهارنفوري (ت 1346هـ) في «بذل المجهود» [13/ 663]، وزاد: «وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مُطِرنا بكذا». قال أبوالثناء الآلوسي (ت 1270هـ) في «تفسيره» [13/ 151]: «كلام الشافعية صريح بأن ذلك مكروهٌ، لا حرامٌ، فضْلاً عن كونه كبيرة».

الفريق الثالث: من ذهب إلى كونها كبيرةً، وشدد النكير: كابن تيمية (ت 728هـ)، قال في «الصارم المسلول» [ص 562]: «فقد نهى رسولُ الله عليه الصلاة والسلام عن هذا القول وحرَّمه، ولم يذكر كفراً ولا قتلاً. والقولُ المحرَّم يقتضي التعزيرَ والتنكِيل». وقال ابن القيم (ت 751هـ) في «زاد المعاد» [2/ 354]: «فسابُّ الدهر دائرٌ بين أمرينِ، لا بد له من أحدهما: إما سبُّه لله، أو الشركُ به. (1) فإنه إذا اعتقدَ أن الدهْر فاعلٌ مع الله، فهو مشركٌ. (2) وإن اعتقد أن الله وحدَه هو الذي فعل ذلكَ، وهو يسبُّ من فعله؛ فقد سبَّ الله»، اهـ. ونقل العبارة الأخيرة مؤلف «معجم المناهي اللفظية» [ص 201].

وظاهر العبارتين عدم إعذار المسلم المتلفظ بذم الدهر، شعراً كان أم غيره، ومقتضى ذلك أيضاً: تحريم القول مطلقاً، حتى وإن اعتقد أن الدهر لا يتصرف بنفسه. وعبارة ابن القيم أشد من عبارة شيخه، فإنه لم يقدم عذراً لقائل، ولم يفرق بين شاعر وغيره. وهو صريح قول سليمان بن عبدالله (ت 1233هـ) مؤلف «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» [ص 528] في قوله: «الحديثُ صريحٌ في النهي عن سبِّ الدهر مطلقاً. سواءً اعتقد أنه فاعلٌ، أو لم يعتقد ذلكَ. كما يقعُ كثيراً ممن يعتقد الإسلام. كقول ابن المعتز:

يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدًا          وأنت والدُ سوءٍ تأكلُ الولدَا

وقول أبي الطيب:

قبحا لوجهك يا زمان كأنه                     وجه له من كل قبح برقع

وقول الطوفي[1]:

إن تبتلى بلئام الناس يرفعُهم     عليك دهرٌ لأهل الفضل قد خانا

وقول الحريري:

ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره          فكم خامل أخنى عليه ونابه

ونحو ذلك كثير. وكل هذا داخل في الحديث»، انتهى.

ويماثله قول عبدالرحمن بن حسن (ت 1285هـ) في «قرة عيون الموحدين» [ص 213]: «ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبتُه كثيرةٌ في أشعار المولَّدين، كابن المعتز، والمتنبي، وغيرهما». وقول ابن سعدي (ت 1376هـ) في «القول السديد» [ص 148]: «هذا واقع كثير في الجاهلية، وتبعهم على هذا كثير من الفسَّاق والمجَّان والحمْقى، إذا جرت تصَاريف الدهرِ على خلاف مرادهم؛ جعلوا يسبون الدهر».

[1] وهو: سليمان بن عبدالقوي الطوفي الحنبلي، من أبيات له يمتدح شيخه تقي الدين ابن تيمية بعد خروجه من الحبس سنة 707هـ.

خلاصة البحث

وقد أتى أبوالثناء الآلوسي في «تفسيره» [13/ 151] بخلاصة مفيدة للمسألة، قال: «والذي يتَّجِهُ في ذلك تفصيلٌ، وهو أن من سبه، فإن أراد به: (1) الزمنَ، فلا كلامَ في الكراهة. (2) أو: الله عزَّ وجل؛ فلا كلامَ في الكفر. ومثلُه: إذا أراد المؤثِّر الحقيقيِّ، فإنه ليس إلا الله سبحانه. (3) وإن أطلق؛ فهذا محلُ التردُّد، لاحتمال الكفْرِ وغيره. وظاهرُ كلامهم هنا أيضاً: الكراهةُ، لأن المتبادرَ منه: الزمنُ. وإطلاقه على الله تعالى، كما قالَ بعضُ الأجلَّة، إنما هو بطريق التجوُّز»، انتهى.

وحاصل ذلك: أن أهل العلم على ثلاثة مذاهب:

  • من ذهب إلى الإعذار مطلقاً، وأنه مما يتسمح به في الأشعار، وهو مذهب ابن عبدالبر في «التمهيد»، والقرطبي في «تفسيره».
  • من ذهب إلى الكراهة، وهم الشافعية وبعضُ المالكية. كما تقدم النقلُ عن القرطبي من المالكية في «المفهم»، وأن كفارته الاستغفار، ونقله ابن الملقن في «التوضيح»، وبه قال العسقلاني في «فتح الباري» ونقله الزرقاني في «شرح الموطأ»، والسهارنفوري في «بذل المجهود». وأيده الآلوسي في «تفسيره» قائلاً: «كلامُ الشافعية صريحٌ بأن ذلك مكروهٌ، لا حرامٌ، فضْلاً عن كونه كبيرةً».
  • من ذهب إلى التحريم والقَول بأنه كبيرةٌ، وهم الحنابلةُ، وهو صريح كلام ابن تيمية وابن القيم، وشراح كتاب «التوحيد»، ومن نقل عنهم من المعاصرين.

* * *

وبناء على ما سبق، فإن إنشاد الأشعار التي فيها تذمُّر من الدّهر، أو شكْوَى من أحداثِ الدَّهر ونوازله، وغير ذلك مما تقدم ذكره وشرحه، وإيراد النماذج المتعددة منه من أشعار المتقدمين والمتأخرين، ليس فيه ما يحوج السامعين إلى الإنكار على قائله أو منشده. فقد بسط الحافظ الكبير ابن عبدالبر المالكي (ت 463هـ) رحمه الله العذر لكل شعراء المسلمين في هذا الباب. وغاية الأمر عند بعض الفقهاء من الشافعية والمالكية أن النهي للكراهة، وأما التشدد ورمي المسلمين بالكفر أو الشرك، فهذا منهج غير سديد، وحتى من قالوا إن ذم الدهر مطلقاً من الكبائر والمحرمات، لم يكفروا الشعراء، بل خصصوا وقوع الكفر بمن اعتقد في الدهر ما لا يصح من العقائد الباطلة، وهذا الاعتقاد ينزه المسلم عنه، لأن الأصل في المسلم البراءة من ذلك، واتهام الناس لا يجوز، وإيقاعهم في الحرج من غير حجة أو دليل؛ من الباطل والمنكر الذي ينبغي الانتهاء عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ختاماً؛ ومن أهل العلم من أفرد هذه المسألة بتأليف، والذي وقفت عليه من ذلك: «الحوار الدائر في سب الدهر عند نزول الدوائر»، تأليف محمد بن محمد بن عبدالجبار السماوي اليماني الزيدي (ت 1410هـ)، ذكره السيد عبدالله الحبشي في «مصادر الفكر» (ص 166)، ولم يذكر شيئاً عنه سوى العنوان، ولم أقف عليه. هذا، والله تعالى أعلى وأعلم.

ختاماً؛ ومن أهل العلم من أفرد هذه المسألة بتأليف، والذي وقفت عليه من ذلك: «الحوار الدائر في سب الدهر عند نزول الدوائر»، تأليف محمد بن محمد بن عبدالجبار السماوي اليماني الزيدي (ت 1410هـ)، ذكره السيد عبدالله الحبشي في «مصادر الفكر» (ص 166)، ولم يذكر شيئاً عنه سوى العنوان، ولم أقف عليه. هذا، والله تعالى أعلى وأعلم.

وصلى الله على سيدنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

[1] وهو سليمان بن عبدالقوي الطوفي الحنبلي، من أبيات له يمتدح الشيخ ابن تيمية بعد خروجه من الحبس سنة 707هـ.

المقال الثاني من سلسلة مقالات التوعية الدينية بالأحاديث النبوية من ركن التوعية الأسبوعي للشيخ محمد أبو بكر باذيب: معنى حديث «سبّ الدهْر» الجزء الثاني

ركن التوعية الأسبوعي هو مكوَّن رئيسٌ في موقع (معهد نور الهدى العالمي للعلوم الإسلامية) ينشر فيه كل أسبوع مقالٌ جديد، صوتاً وكتابةً. بعضها مقالاتٌ متسلسلة، وبعضها مفردةٌ القصدُ منها إفادة القراء والسامعين بمواضيع قيمة علمية أو سلوكية إلى مناقشة ما يطرأ على الساحة الدينية من قضايا مستجدّة. يتناول هذا البحث شرح الحديث الوارد في النهي عن سب الدهر، وإبراز معانيه، والأحكام الفقهية المستنبطة منه، وتحرير الخلاف الواقع بين علماء المسلمين في المسألة، والله الموفق.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المبحث الرابع: إبطال شبهة أن سبَّ الدهر هي عينُ قول الدّهرية

تناول هذه الشبهة ابن قتيبة (ت 276هـ) في «تأويل مختلف الحديث» [ص 324]، فأوردَ نص الشبهة، ثم أردفها بالجواب عنها وبيانها.
الشبهة: «قالوا: رويتُم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبُّوا الدهرَ، فإن الله تعالى هو الدهر»، فوافقتم في هذه الرواية، الدهرية»، انتهى كلام ابن قتيبة.

أقول: هذه الشبهة، القائلة بأن قضية حديث (سبّ الدهر) إنما هي موافقةٌ ما عليه اعتقاد الجاهليين في تصرف الدهر! تسللت إلى عقول بعض العصريين، فكتب مؤرخ عربي شهير، هو د. جواد علي، في مؤلف له ذائع الصيت هو موسوعته المسماة «المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام» [11/ 150]، كتب يقول فيه، بعد أن أورد الحديثين الواردين في سب الدهر: «وفي هذين الحديثينِ توفيقُ فكرةِ الجاهليين في الدَّهر، والعقيدة الإسلامية في التوحيد! بأن صيَّر الدهرَ الله، وصيَّره بعضُ العلماء من أسماء الله الحسنى [1]. والذي حملهم على ذلك، على ما أرى: صعوبةُ إزالة تلك الفكرةِ التي رسخَت في النفوس منذ القدم، عن فعل الدهر، وعن أثره في الكَون!. فرأى القائلون بذلك: إزالتَها بجعْل الدهر اسماً من أسماء الله، أو هو الله تعالى، وهو واحدٌ أحدٌ، والدهرُ واحدٌ أبديٌ أزلي كذلكَ، فلا تصادُم في هذا التوفيقِ بين الرأيين. وقد وقع هذا التوفيقُ على ما أعتقد بعد وفاة الرسُول في أمور عديدة نسبت إلى الرسول، وقد ثبتَ عدم إمكانِ صدُورها منه. وللحكْم على صحَّة نسبة الحديثينِ إلى الرسول أحيل القارئ على الطرق التي وردَا بها، وإلى آراء العلماء فيهما، وأعتقِد أنه إن فعل ذلك فسيجدُ في نسبتها إلى الرسُول بعضَ الشكِّ، إن لم أقل كُلَّ الشك»، انتهى كلام الدكتور.

وأعلق سريعاً على فحوى كلامه: بأنه في كتابه «المفصل» لم يستطع التخلي عن خلفيته الشيعية في نظرته إلى ما صح وثبت من الأحاديث النبوية أهل السنة بأنها دخلتها ألاعيب السياسة، وهذه نغمة قديمة ولا تزال تتردد إلى يومنا هذا. إضافة إلى أن الحديثين هما من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وهذه لوحدها تكفي عند الشيعة لرد الحديث بغض النظر عن صحته أو عدمها، فموقفهم من حديث أبي هريرة معروف. إذا عرفنا هذه الخلفية الفكرية الدينية لدى د. جواد علي؛ عرفْنا أن كلامَه لم يقم على بحث علمي نزيه مجرَّد، بحسب ما يدعو هو إليه، من وجوب تخلي المؤرخ عن خلفيته الدينية.

وأما الجواب على أصل الشبهة، وهي كونُ قضية سب الدهر الواردة في الأحاديث الصحاح موافقةً لفكرة الدهريين من العرب، فأتركه للإمام ابن قتيبة، قال رحمه الله:

«ونحن نقولُ: إن العربَ في الجاهلية كانت تقول: أصابني الدهر في مالي بكذا، و: نالتني قوارع الدهرِ وبوائقُه، ومصايبُه. ويقول الهرِمُ: حنَاني الدهرُ. فينسبون كل شيء تجري به أقدار الله -عز وجل- عليهم، من موت، أو سقم، أو ثكل، أو هرم، إلى الدهر». إلى أن قال: «وقد حكى الله، عزَّ وجلَّ، عن أهل الجاهلية ما كانوا عليه من نسبِ أقدار الله عز وجل وأفعاله إلى الدّهر، فقال: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون}. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهرَ» إذا أصابتكم المصَايبُ، ولا تنسبوها إليه، فإن الله عز وجلَّ هو الذي أصابكُم بذلك، لا الدهرُ. فإذا سببتم الفاعلَ؛ وقع السبُّ بالله عز وجلَّ. ألا ترى أن الرجلَ منهم، إذا أصابته نائبةٌ، أو جائحةٌ في مالٍ أو ولدٍ، أو بدنٍ، فسبَّ فاعل ذلك به، وهو ينوي الدهرَ؛ أن المسبوبَ هو الله عز وجلَّ!

وسأمثّل لهذا الكلام مثالاً أقرِّبُ به عليكَ ما تأولتُ، وإن كانَ بحمد الله تعالى قريباً: كأنَّ رُجلاً يسمَّى (زيدا) أمرَ عبداً له يسمَّى (فتحا)، أن يقتل رجَلاً، فقتله. فسبَّ الناسُ (فتحاً)، ولعنوه. فقال لهم قائلٌ: لا تسبوا (فتحاً)، فإن (زيداً) هو (فتحٌ). يريد: أن (زيداً) هو القاتلُ، لأنه هو الذي أمره. كأنه قال: إن القاتلَ (زيدٌ)، لا (فتحٌ). وكذلك الدهرُ تكون فيه المصايبُ والنوازل، وهي بأقدار الله عز وجل، فيسبُّ الناسُ الدهر، لكونِ تلك المصايب والنوازل فيه، وليس له صنعٌ، فيقول قائل: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر». انتهى.

وكلام ابن قتيبة هو عينُ كلام الإمام الشافعيِّ الذي تقدمَ نقلُه، وإنما زاده إيضاحاً بضرب المثالِ، والله أعلم. كما أورد الخطابي (ت 388هـ) في «معالم السنن» [4/ 158] تأويل الحديث بإيجاز، ومثله البيهقي في «الآداب» [ص 148]. وقال ابن عبدالبر (ت 463هـ) في «التمهيد» [18/ 155]: «يعني: لأنكم إذا سببتموه وذممتموه، لما يصيبكم فيه من المحَنِ والآفات والمصائب؛ وقع السبُّ والذمُّ على الله، لأنه الفاعلُ ذلك وحْدَه لا شريك له. وهذا ما لا يسع أحداً جهلُه، والوقوفُ على معناه، لما يتعلقُ به الدهريةُ أهلُ التعطيلِ والإلحاد».

والردود على الدهرية كثيرة، وليس هنا مجال استقصائها.

المبحث الخامس: ضبط عبارة «وأنا الدَّهر» وأثرُها على توجيه المعنى

تقدم معنا أن نصَّ الحديث القدسي، وهو الأصل في المسألة: «يؤذيني ابن آدم، يسُبُّ الدهْرَ، وأنا الدهْرُ بيدي الأمر». وقد جرى خلاف بين أهل العلم قديماً في ضبط «الدهر» الواقعة بعد ضمير المتكلم، هل هي بالرفع، أم بالنصب.

القول الأول: أنها بالرفع، وهو ما قاله «أبو عبيدٍ، والشافعيُّ، وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين»، قاله القاضي عياض (ت 544هـ) في «الإكمال» [7/ 182]. وفي «المفردات» للراغب (ت 502هـ) [ص 319-320]: «وقال بعضهم: الدهرُ الثاني في الخبَر، غير الدّهر الأوّل. وإنما هو مصدرٌ بمعنى الفاعلِ. ومعناه: أنّ الله هو الدّاهر. أي: المصرّف المدبّر، المفيض لما يحدث، والأول أظهر»، اهـ. ونقله عنه ابن حجر في «الفتح» [8/ 575]، والألوسي في «تفسيره» [13/ 151] لكنه تعقبه قائلا: «وفيه بعدٌ».

القول الثاني: أنها بالنصب. وهو قول أبي بكر الأصبهاني، محمد بن داود بن علي الظاهري (ت 297هـ)، قال الخطابيُّ (ت 388هـ) في «معالم السنن» [4/ 159]: «كان ابن داودَ ينكرُ رواية أصحابِ الحديث هذا الحرفَ مضمومةً. ويقول: لو كان كذلكَ؛ لكان الدهرُ اسماً معدُوداً من أسماء الله عز وجلَّ. وكان يرويه: «وأنا الدّهرَ أقلبُ الليل والنهار»، مفتوحةَ الراء على الظرفِ. يقول: أنا طولَ الدهرِ والزمانِ أقلبُ الليل والنهارَ». ونقل عبارة الخطابي: البغويُّ (ت 516هـ) في «شرح السنة» [12/ 358]، وغيره.

المؤيدون: لم يكن ابن داود متفرداً بالقول بالنصْبِ، بل نقله القاضي عياض في «الإكمال» عن غيره، قال [7/ 182]: «حكَى هذه الروايةَ بالنصْبِ: أبو عُمر بنُ عبد البر [«التمهيد»: 8/ 154] عَن بعض أهل العلم، وقال ابن النحَّاس: يجوز النصبُ، أي: فإن الله باق مقيمٌ أبداً لا يزولُ. وقال بعضُهم: نصبُه على الخصُوص والظرفِ؛ أصحُّ وأصْوبُ»، اهـ. وعبارته في «المشارق» [1/ 262]: «.. فروي بالرّفع والنصْبِ. واختيارُ الأكثرِ: النصبُ على الظرفِ، وقيل: على الاختصاصِ. وأما الرفعُ: فعلى التأويل الأول».

قولٌ وسَطٌ: الإمام النوويّ في «شرح مسلم» نقل عبارة «الإكمال» للقاضي، ثم قال [15/ 2]: «أما روايةُ الرفْعِ، وهي الصوابُ؛ فموافقةٌ لقوله: فإن الله هو الدهر». فذهب ابن العراقي (ت 826هـ) في تتمة «طرح التثريب» [8/ 157] إلى القول بأن الإمامَ النوويَّ يرجحُ الرفعَ، واكتفى بنقل كلامه الذي إنما هو عين كلام القاضي عياض المتقدم في «الإكمال» [7/ 182]، مع أنه نقل عن القاضي قوله: إن الأكثرين على النصب، وارتضاه، ولم يتعقبه. ولقائلٍ أنْ يقول هنا: إن ظاهر عبارة الإمام النووي: أنه لا يخطئُ ابن داودَ في اختياره النصب في رواية «وأنا الدَّهْر»، وإن كان يرى أ الرفعَ هو الصوابُ ليتوافق مع رواية «هو الدّهرُ».

المعارضُون: اعترضَ على قول ابن داود ومن تبعه، ابنُ الجوزي (ت 593هـ) في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» [3/ 347-348] قائلاً: «وهذا الذي ذهبَ إليه باطلٌ من ثلاثةِ أوجه: أحدها: أنه خلافُ أهل النقْل، فإن المحدِّثين المحققين لم يضبطُوا هذه اللفظةَ إلا بضمِّ الراء، ولم يكُن ابن داودَ من الحفاظ، ولا من علماء النقلة. والثاني: أن هذا الحديث قد ورد بألفاظٍ صحَاحٍ يبطل تأويلَه»، واحتج برواية: «فإن الله هو الدهر».

قال: «والثالث: أن تأويلَه يقتضي أن تكون علةُ النهيِ لم تذكر؛ لأنه إذا قال: «لا تسبوا الدهر؛ فأنا الدهرَ أقلبُ الليل والنهار»، فكأنه قال: لا تسبوا الدهرَ فأنا أقلبه. ومعلوم أنه يقلبُ كلَّ خير وشرٍّ، وتقليبُه للأشياءِ لا يمنعُ من ذمِّها»، انتهى المقصود منه.

كما اعترضَ على ابن داودَ، أبو العباس القرطبي (ت 656هـ) في «المفهم» [5/ 548-549] قائلاً: «الذي حمله على ذلكَ: خوفُ أن يقال: إن الدَّهر من أسماء الله تعالى! وهذا عدولٌ عما صحَّ إلى ما لم يصحَّ، مخافة ما لا يصحُّ. فإن الروايةَ الصحيحةَ، عند أهل التحقيق: بالضمِّ. ولم يروِ الفتْحَ من يعتمدُ عليه». ثم قال: «ثم لو سُلِّمَ أن النصبَ يصحُّ في ذلك اللفظِ، على ذلك الوجه؛ فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك في الرواية التي قال فيها: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر». ولم يذكر: «أقلبُ الليل والنهار». ولا يصحُّ أن يقال: إن هذه الروايةَ مطلقةٌ، والأولى مقيدةٌ؛ لأنا إن صِرْنا إلى ذلك: لزمَ نصْبُ (الدّهرِ) بعاملٍ محذوفٍ ليس في الكلامِ ما يدلُّ عليه. ولزم حذفُ الخبر، ولا دليلَ عليه. وكل ذلك باطلٌ من اللسان قطعاً»، انتهى. ونقل عبارة القرطبيِّ هذه بحرفها، الوليُّ ابن العراقي (ت 826هـ) في تتمة «طرح التثريب» [8/ 157]. وأتى الآلوسي في «تفسيره» [13/ 151] بخلاصة كلام المعترضينَ، ثم قال: «ومن ثمَّ كان الجمهورُ على ضم الراء».

مسألة: في رد قول من قال: إنّ الدهْرَ من أسماء الله تعالى

اختلف أهل العلم في إثبات الدهر اسماً من أسماء الله الحسنى، وهم في ذلك فريقان:

الفريق الأول: من أثبته اسماً من الأسماء الحسنى، اعتماداً على حديث الباب، وأشهر من قال بهذا هو ابنُ حزم الظاهريُّ (ت 456هـ)، فقد عدَّ (الدّهر) من أسماء الله الحسنى صراحةً في كتابه «المحلَّى» [6/ 282]، وقد أوصلها إلى ثمانين اسماً.

وتقدم قريباً بحثُ قول أبي بكر الأصبهاني، محمد بن داود الظاهريَّ (ت 298هـ) في إنكاره كون الدهر من أسماء الله، وذهب إلى تغليط المحدثين في ضبطهم (الدهر) بالرفع في حديث: «أنا الدَّهر أقلبُ الليلَ والنهار» وقرَّر أنّ الصواب: ضبطها بالنصب، وأنه كان «يقول: لو كان كذلكَ؛ لكان الدهرُ اسماً معدوداً من أسماءِ الله»، كذا حكاه الخطابي في «المعالم» [4/ 159]. وفي «المفهم» للقرطبي [5/ 548]: «لا يلزم من ثبوت الضمِّ أن يكُون الدهر من أسماء الله تعالى؛ لأن أسماء الله تعالى لا بد فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار».

ثم إنني بعد بحث وتفتيش، وجدتُ أن ابن حزمٍ لم يكن متفرداً بهذا القول، بل سبقه المحدث الكبير أبوعوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت 316هـ) في «مستخرجه» [17/ 198] حيث أورد حديث الباب تحت ترجمة: (بيان النهي عن سبِّ الدهْر، والدليلُ على أنه اسمُ الله لا يسمَّى به شيءٌ من الأشياء). ولم ينكر هذه الترجمة أحدٌ ممن أنكر على ابن حزم، والأمر يحتاج إلى مزيد تقص وبحث. ثم وقفتُ على عبارة للقرطبي المفسِّر في كتابه «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» [ص 111]: «قال أبونعيم، صاحب ابن المبارك، في كتاب «العصمة» له: الدهر، من أسماء الله تعالى، لم يختلفوا فيه. وساق الأحاديث الواردة فيه، وطول الكلام عليه»، انتهى. وهذا نقل غريب، وقد بحثت عن كتاب بعنوان «العصمة» لأبي نعيم الفضل بن دكين (ت 219هـ) فما وجدت شيئاً.

وأشار الإمام الغزالي (ت 505هـ) في «المقصد الأسنى» [ص 172] إلى قول ابن حزم من جمع الأسماء الحسنى، وقال: «لم أعرف أحداً من العلماء اعتنى بطلبِ ذلك وجمعه سوى رجُل من حفاظ المغرب، يقال له: علي بن حزمٍ. فإنه قالَ، رحمه الله: «صحَّ عندي قريبٌ من ثمانين اسماً يشتمل عليها الكتابُ والصحاحُ من الأخبار، والباقي ينبغي أن يُطلبَ من الأخبار بطريق الاجتهاد». وأظنُّ: أنه لم يبلغه الحديثُ الذي فيه عدد الأسامي. وإنْ كانَ بلغَه؛ فكأنه استضعفَ إسناده، إذ عدل عنه إلى الأخبار الوارِدة في الصحاح، وإلى التقاط ذلك منها»، انتهى كلام الغزالي. ونقل كلامه ابن الملقن (ت 803هـ) في «البدر المنير» وعقب عليه قائلاً [9/ 485]: «قلتُ: قد بلغه وضعَّفه»، ومثله ابن حجر (ت 852هـ) في «فتح الباري» [11/ 216-217] وقال: «قلتُ: الثاني هو مرادُه».

واشتدّ ابن العربي (ت 554هـ) في «القبس» [ص 1164] قائلاً: «ظنَّ بعضُ الجهَّال أنّ هذا يقتضي: تعديدَ الدَّهرِ في أسماء البارئ تعالى. وذلك باطلٌ». وأشد منها عبارته في «أحكام القرآن» [4/ 38]، حيث وصف ابن حزم بالسَّخيف! وذلك لاقتصاره على ثمانين اسماً هي صفاتٌ جعَلها هو أسماء، وتعجَّب ابن العربي أيضاً من ثناء الغزالي على ابن حزم، ووصفه إياه بالحفظ!. وشاركه في التعجُّبِ القرطبي (ت 671هـ) في «الأسنى» [ص 68] من صنيع ابن حزم، ولكنه أنكر تحامل ابن العربي عليه وعلى الغزالي، ونقل إنكاره ابنُ الملقن في «البدر المنير» [9/ 485]. ثم قال القرطبي [ص 69]: «وليسَ لهذا التحامل كله وجه، لما تقدم أن الأسماء المصرح بها في القرآن غير المشتقة ولا المضافة لا تصل إلى تسعة وتسعين»، اهـ.

وعبارة القاضي عياض في «المشارق» [1/ 262] ألطف من عبارة ابن العربي، وكلاهما مالكيان مغربيان، قال القاضي: «وذهب بعضُ من لم يحقِّق: إلى انه اسمٌ من أسماء الله ولا يصحُّ»، وقال في الإكمال [7/ 184]: «ذكَر من لا تحقيق له: أن الدهر اسمٌ من أسماء الله، وهذا جهلٌ من قائله، وذريعةٌ إلى مضَاهاة قول الدَّهرية والمعطلة»، اهـ. ونقله ابن العراقي في تتمة «طرح التثريب» [8/ 157]. كما غلطه ابن كثير في «تفسيره» [7/ 270] قائلاً: «غلِط ابنُ حزمٍ، ومن نحا نحوه من الظاهرية، في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنَى».

ولعل في قول ابن كثير «ومن نحا نحوه من الظاهرية»، إشارة إلى الشيخ محيي الدين ابن عربي الطائي (ت 643هـ)، وهو ظاهري المذهب، فإنه قالَ في (الباب الثالث والسبعين) من «الفتوحات المكية»: «الدهر: من الأسماء الحسنى، كما ورد في «الصحيح». ولا يتوهّمُ من هذا القولِ: الزمانُ المعروفُ، الذي نعدُّه من حركات الأفلاكِ، ونتخيل من ذلك درجاتِ الفلَك التي تقطعها الكواكبُ، ذلك هو الزمان. وكلامُنا: إنما هو في الاسم الدهر، ومقاماته التي ظهر عنها الزمان»، انتهى، نقله الزبيديُّ في «تاج العروس» [11/ 343].

تقي الدين ابن تيمية (ت 728هـ) أنكر على ابن حزم أيضاً، ففي «منهاج السنة» [2/ 583]: «زعمَ ابنُ حزم أن أسماء الله تعالى الحسنى لا تدل على المعاني، فلا يدل عليم على علم، ولا قدير على قدرة، بل هي أعلام محضةٌ، وهذا يشبه قول من يقول بأنها تقال بالاشتراك اللفظي. وأصل غلط هؤلاء شيئان: إما نفي الصفات والغلو في نفي التشبيه، وإما ظن ثبوت الكليات المشتركة في الخارج»، اهـ. ولكنه أغربَ في مواضع أخر بنسبته القولَ إلى نعيم بن حماد، وليس إلى ابن حزم، كما في «الصارم المسلول» [ص 495].

وأشد غرابة ما ورد في كتاب «بيان تلبيس الجهمية» [5/ 184]، ونصُّ كلامه: «ذهب طوائفُ من أهل السنة والمعرفة! إلى أن الدَّهر من أسماء الله على ظاهر الحديث المروي في ذلك. وقالوا: معناهُ الباقي الدائم الأزلي»، وفي «الفتاوى الكبرى» [5/ 67]: «قولُ نُعيم بن حماد، وطائفةٍ معه من أهل الحديث والصوفية: إن الدهر من أسماء الله تعالى»، والعبارة نفسها تكررت في «مجموع الفتاوى» [2/ 494]. وقد تناقل عديد من المؤلفين والباحثين من المعاصرين هذه العبارة دون تمحيص، ولم أجد من نبه على ضعف نسبة القول إلى نعيم بن حماد إلا عبد الله المزروع في حواشيه على كتاب «التعليق على القواعد المثلى» [ص 29] حيثُ قال: «وقد بحثت عن إسناد رواية نُعيمٍ، فلم أعثر عليه».

وممن مال إلى تصحيح القول بأن الدهر من الأسماء الحسنى مجد الدين الفيروزأبادي في «القاموس» مادة (دهر)، قال: « الدّهر: قد يعدُّ في الأسماء الحسنى». واحتجَّ بقوله التهانويُّ في «كشاف اصطلاحات الفنون» [1/ 1388] قائلا: «وقد أنكر ذلك الخطّابيُّ. ولكن صحّة ذلكَ تُفهَم من القاموس». وقال الزبيديُّ في «تاج العروس» [11/ 343]: «قال شيخنا: وعدُّه في الأسماء الحسنى من الغرابة بمكَانٍ مكين، وقد ردَّه الحافظُ بن حجر، وتعقبه في مواضِع من «فتح الباري»، وبسطه في (التفسير) وفي (الأدب) وفي (التوحيد). وأجاد الكلام فيه شُراح «مسلم» أيضاً: عياض، والنووي، والقرطبي، وغيرهم. وجمع كلامَهم الآبيُّ في الإكمال»، ثم قال: «قال شيخُنا: وكأن المصنفَ، رحمه الله، قلّدَ في ذلك الشيخ محيي الدين ابن عربي»، الخ، ونقل كلامه المتقدم. ثم قال: «ونقله الشيخُ إبراهيم الكوراني شيخ مشايخنا، ومالَ إلى تصحيحه. قال: فالمحققون من أهل الكشف عدّوه من أسماء الله بهذا المعنى، ولا إشكالَ فيه. وتغليطُ عياضٍ القائلَ بأنه من أسماء الله؛ مبنيٌ على ما فسَّره به من كونه مدة زمان الدنيا، ولا شك أنه بهذا المعنى يغلّطُ صاحبه. أما بالمعنى اللائقِ كما فسَّره الشيخُ الأكبر، أو: المدبّر المصرِّفُ، كما فسره الراغبُ، فلا إشكالَ فيه. فالتغليطُ ليس على إطلاقه. قال شيخنا: وكان الأشياخُ يتوقّفون في هذا الكلام بعضَ التوقف، لما عرضتُه عليهم. ويقولون: الإشاراتُ الكشفية لا يطلقُ القول بها في تفسير الأحاديثِ الصحيحة المشهورة، ولا يخالَفُ لأجلها أقوال أئمة الحديث المشاهير، والله أعلم.

 

[1] هذا قول ابن حزم، وقد رده جمهور العلماء عليه، كما سيأتي تفصيله.

المقال الثاني من سلسلة مقالات التوعية الدينية بالأحاديث النبوية من ركن التوعية الأسبوعي للشيخ محمد أبو بكر باذيب: معنى حديث «سبّ الدهْر» الجزء الأول

ركن التوعية الأسبوعي هو مكوَّن رئيسٌ في موقع (معهد نور الهدى العالمي للعلوم الإسلامية) ينشر فيه كل أسبوع مقالٌ جديد، صوتاً وكتابةً. بعضها مقالاتٌ متسلسلة، وبعضها مفردةٌ القصدُ منها إفادة القراء والسامعين بمواضيع قيمة علمية أو سلوكية إلى مناقشة ما يطرأ على الساحة الدينية من قضايا مستجدّة. يتناول هذا البحث شرح الحديث الوارد في النهي عن سب الدهر، وإبراز معانيه، والأحكام الفقهية المستنبطة منه، وتحرير الخلاف الواقع بين علماء المسلمين في المسألة، والله الموفق.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بدر الدجى، ومنار الاهتداء، وعلى آله وصحبه ومن بهم اقتدى.

أما بعد؛ فإن حديثَ النهي عن سبِّ الدّهْر من الأحاديث الصحاح المتفق عليها من رواية أبي هريرة، رضي الله عنه. وقد وردت فيه روايتان شهيرتان:

الرواية الأولى: في حديث مرفوع، بضمير الغيبة «إن الله هو الدهر»، وذلك فيما أخرجه مالك في «الموطأ» [2/ 984، رقم 3] عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر».

وأخرجه من طريق أبي الزناد عن أبي هريرة: مسلم في «صحيحه» [7/ 45، رقم 6002]، والبخاري في «الأدب المفرد» [ص 269، رقم 769]، وأحمد في «مسنده» [15/ 57، رقم 9116]، وأبو عوانة في «مستخرجه» [17/ 200، رقم 9393، و9394]، وابن حبان في «صحيحه» [13/ 21، رقم 5713]، والطبراني في «الدعاء» [ص 563، رقم 2028] من طريق مالكٍ به. وفصَّل الطبراني القول: بأن رواية سعيد بن هاشم عن مالك بلفظ: «لا تسبوا الدهر»، ورواية القعنبي: «يا خيبة»، الحديث. وللطبراني طرق أخرى.

(2) ومن طريق الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: البخاري في (باب لا تسبوا الدهر) [8/ 51، رقم 6182]، بلفظ: «لا تسمُّوا العنبَ الكرْمَ. ولا تقولوا: خيبةَ الدّهرِ، فإن الله هو الدهر». (3) ومن طريق هشام الدستوائي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: مسلم في «صحيحه» [4/ 1763، رقم 2246] بلفظ: «لا تسبوا»، الحديث. ومن طريق عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين [4/ 1763، رقم 2247] بلفظ: «لا يسب أحدكُم الدهرَ، فإن الله هو الدهرُ. ولا يقولنَّ أحدكُم للعنب: الكرمُ، فإن الكَرْمَ الرجلُ المسلم».

قال البغوي في «شرح السنة» [12/ 357]: «هذا حديثٌ متفق على صحَّته، أخرجَه مسلمٌ، عن قتيبة، عن المغيرة، عن أبي الزناد. وأخرجاه من أوجُه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة». وقد تم بيان تلك الأوجه، والحمدلله.

الرواية الثانية: الحديث قدسي، بلفظ: «أنا الدَّهر». رواه أبو هريرة مرفوعاً، وله روايتان: (1) سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أخرجها البخاري في «صحيحه» (بابُ {وما يهلكنا إلا الدهر}) [6/ 166، رقم 4826] من طريق الزهري، بلفظ: «قال الله عز وجلَّ: يؤذيني ابنُ آدم، يسُبُّ الدهرَ، وأنا الدّهر، بيدي الأمرُ، أقلبُ الليل والنهار». وفي (باب قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}) [9/ 175، رقم 7491] باللفظ نفسه. وهو في «صحيح مسلم» [4/ 1762، رقم 2246] بلفظه دون زيادة (بيدي الأمر). وأخرجه أيضاً [4/ 1762، رقم 2246] من طريق عبدالرزاق عن معمر عن الزهري، به، بلفظ: «يؤذيني ابن آدمَ، يقولُ: يا خيبة الدهر. فلا يقولنَّ أحدُكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليلَه ونهاره، فإذا شئت قبضتهما». (2) أبو سلمة، عن أبي هريرة: أخرجها البخاري في (باب لا تسبوا الدهر) [8/ 51، رقم 6181] من طريق الزهري أيضاً، بلفظ: «قال الله: يسبُّ بنو آدم الدهرَ، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار».

وهناك طرقٌ أخرى، منها: (3) طريق ذكوان، عن أبي هريرة: أخرجها أحمد في «مسنده» [16/ 272] بلفظ: «أنا الدَّهر، الأيامُ والليالي لي، أجدِّدُها وأبليها، وآتي بملُوكٍ بعد ملُوك».

المتكلمون في الحديث: 

فالحديثُ، كما رأينا، في أعلى درجات الصحة.

1- فقول ابن دريد (ت 321هـ) في «جمهرة اللغة» [2/ 641]: «وفي حديث سفيان بن عيينة، أحسبه مرفوعاً إن شاء الله تعالى، أن الله تبارك وتعالى قال: «تسبُّونَ الدهْر وأنا الدهرُ، أي أنا خالقُ الليل والنهار»، أو كما قالَ، والله أعلم»، انتهى. 

أقول: حديثُ سفيان، أي رواية الحديث من طريق سفيان، بسنده إلى أبي هريرة؛ أخرجها البخاري في الموضع الأول الذي تقدم. وهي في «صحيح مسلم» أيضاً [7/ 45، رقم 6000]. فبانَ بهذا أن تردُّد ابن دريدٍ، رحمه الله، لا مسوِّغ له، فقد ثبتت صحة الحديث مرفوعاً من طريق سفيان عند الشيخينِ.

2- كما يتضح للقارئ الكريم أن قول الدكتور جواد علي (ت 1407هـ) في كتابه «المفصل» [11/ 150]: «وللحكْمِ على صحَّة نسبة الحديثين إلى الرسُول، أحيل القارئَ على الطرق التي وردَا بها، وإلى آراء العلماء فيهما! وأعتقد أنه إن فعلَ ذلك فسيجدُ في نسبتها إلى الرسُول بعضُ الشكِّ، إن لم أقل كلَّ الشكِّ!»، أنه قولٌ لا قيمة له في ميزان البحث العلمي المتجرد، القائم على إثبات الحقيقة العلمية كما هي، لا بناء على نظرة طائفية أو خلفية مسبقة، لأن الحديثَ صحيحٌ ثابتٌ، وعدم استيعابِ الدكتور لمعنى الحديث لا يضر شيئاً من ناحية ثبوته، وصحَّة معناه. وسوف تتم مناقشة أصل اعتراضِه فيما يأتي.

أهم المباحث التي سيتطرق إليها هذا المقال: 

  1. أمثلة سب الدهر عند الجاهليين.
  2. الدهرُ في اللغة.
  3. توجيهُ السلف لمعنى سبِّ الدهرِ
  4. إبطال شبهة أن سبَّ الدهر هي عينُ قول الدّهرية.
  5. ضبط عبارة «وأنا الدَّهر» وأثرها على توجيه المعنى.
  6. في رد قول من قال: إنّ الدهْرَ من أسماء الله تعالى
  7. تقسيم العلماء سب الدهر إلى أنواع ثلاثة
  8. حكم من سبَّ الدهْر من المسلمين.
  9. خلاصة البحث.

  

سبب كتابة هذا البحث:

من المفيد أن يعلم القارئ الكريم سبب اختياري هذا البحث، وهو أن عدداً من الفضلاء كانوا قد تواصلوا معي مراراً لإفادتهم بخلاصة الحكم في هذه المسألة، حيث إن كثيراً من المتحمسين للقضايا الدينية، المنكرين على الناس بغير علم، يلزمون من يسمعونه ينشد شيئاً من الأشعار التي تتضمن ذم الدهر، أو لومه، أو الشكاية من أحداثه؛ يلزمونهم بظاهر الحديث، وقد يكفرونهم بسبب ذلك، إن لم يكتفوا بسبتهم إلى البدعة.

ومن تلك الأشعار، عدد من قصائد الإمام الجليل عبدالله بن علوي الحدَّاد باعلوي الحسيني (ت 1132هـ)، رحمه الله، منها قوله:

هذا الزمانُ وهذا الدَّهرُ عادتُه       فينَا وفي غَيرنا بينٌ وأنكَادُ

إن الحوادِثَ لا تبْقِي على أحَدٍ          وللكَريم قناةٌ ليسَ تنْآدُ

وقوله:

وكنتُ بهم وافي الجناحَينِ ساكِنَ      الـفُؤادِ وريحي إذْ تهبُّ نسيمُ

فأعْدَمني الدهرُ الخؤونُ وجودَهم        وما الدَّهْر إلا خائنٌ وظَلومُ

وغيرها من قصائد الشيوخ العارفين، التي تنشد في مجالس الأذكار، وغيرها من المناسبات الاجتماعية، ولكثرة تكرارها يحفظها الناس، ويستشهدون بأبياتها.

فمن هنا، كان التفرغ لجمع هذا البحث، وتتبع كلام أهل العلم في المسألة، من المهمات، وقد جهدت في جمع النصوص، وتتبع مختلف المصنفات من شتى المذاهب، ومختلف الاتجاهات، وقمت بتحرير الأقوال، وجمع الأشباه والنظائر إلى بعضها البعض، وحاولت الاختصار ما استطعتُ، والله الموفق.

المبحث الأول: أمثلة سب الدهر عند الجاهليين 

قال ابن عبدالبر (ت 463هـ) في «التمهيد» [18/ 155]: «وقد نطق القرآن وصحت السنة بما ذكرنا»، يريد قوله تعالى: {وما يهلكنا إلا الدهر}. وفي السنة: يا خيبة الدهر. ومنه قول الجاهليين: أصابني الدهرُ في مالي بكَذا. و: نالتني قوارعُ الدهرِ وبوائقُه، ومصايبُه. ويقول الهرِمُ: حنَاني الدهرُ. و: أبادنا الدهرُ. و: أتى علينا الدهر. ومن هذا الباب أشعارُ كثيرٍ من الجاهليين. منها قول امرئ القيس:

ألا إن هذا الدهْر يوم وليلةٌ    وليسَ على شيء قويمٍ بمستَمرِ

وقال أيضاً:

أرجّي من صُروفِ الدّهر ليناً          ولم تغفَل عن الصّم الهضابُ

ومنها قول زهير بن أبي سلمَى في قصيدته التي مدح بها هرم بن سنان، مطلعها:

لمن الديار بقنة الحجْر                   أقوينَ من حجَجٍ ومن دهْر

لعب الزمانُ بها وغيَّرها            بعدِي سوافي المور والقَطْر

وغيرها من الأشعار.

المبحث الثاني: الدهر في اللغة 

  • قال الخليل (ت 170هـ) [4/ 23]: «الدهر: الأبدُ الممدود. ورجلٌ دهريٌ: قديمٌ. والدهريُّ: الذي يقول ببقَاء الدهْر، ولا يؤمنُ بالآخرة. والدهرُ: النازلةُ. دهرهم أمرٌ، أي: نزل بهم مكروه. وقوله: «لا تسبّوا الدهرَ، فإن الله هو الدهرُ». يعني: ما أصابكَ من الدهر».
  • وقال أبوعبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) في «غريب الحديث» [1/ 355]: «قوله: «فإن الله هو الدهر»، هذا ممّا لا ينبغي لأحدٍ من أهل الإسلامِ أن يجهل وجْهَه، وذلكَ: أن أهل التّعطيل يحتجون به على المسلمين»، اهـ. وسيأتي تتمة كلامه.
  • وقال ابن دريد (ت 321هـ) في «جمهرته» [2/ 641]: «والدهر: معروفٌ. وقال قوم: الدهر مدة بقاء الدنيا من ابتدائها الى انقضائها وقال آخرون: بل دهر كل قوم زمانهم».

قال: «وفي الحديث: «لا تسبوا الدهْرَ، فإن الله هو الدهر». وهذا يجبُ على أهل التوحيد معرفته، لأنها حجةٌ يحتج بها من قال بالدّهْر. وتفسير هذه الكلمة، والله أعلم: أن الرجُلَ من العرَب في الجاهلية، كان إذا أصيبَ بمصيبة، أو رُزئَ مالاً، أغريَ بذمِّ الدهر. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تسبوا الدهر»، فإن الذي يفعل بكُم هذا هو الله، جل ثناؤه، وهو فعله لا فعلَ الدهر. فالدهْر الذي تذمُّون، لا فعل له، وإنما هو فعلُ الله، فهذا وجه الكلامِ إن شاء الله تعالى، والله أعلم».

  • وغلَّط الأزهريُّ (ت 370هـ) في «تهذيب اللغة» [13/ 159] قول من قال: إن الدهر والزمانَ شيءٌ واحد، ثم قال: «الدهرُ عند العرب: يقع على قدرِ الزمان من الأزمنة. ويقع على مدَّة الدنيا كلها. سمعتُ غير واحد من العرَبِ يقول: أقمنا بموضعٍ كذا دهْراً، وإن هذا المكان لا يحملنا دهراً طويلاً. والزمان يقع على الفصلِ من فصول السنة، وعلى مدة ولاية والٍ، وما أشبهَه».
  • وقال الجوهري (ت 393هـ) في «الصحاح» [2/ 662]: «لا تسبُّوا فاعلَ ذلك بكُم، فإن ذلكَ هو الله تعالى».
  • وقال ابن فارس (ت 395هـ) في «مقاييس اللغة» [2/ 306]: «وقد يحتملُ، قياساً، أن يكون الدَّهر: اسماً مأخوذاً من الفعلِ، وهو الغلبةُ. كما يقالُ: رجلٌ صومٌ وفِطرٌ. فمعنى «لا تسبوا الدَّهر»، أي: الغالبَ الذي يقهركم ويغلبكُم على أموركم».
  • وقال أبوعبيد الهروي (ت 401هـ) في «الغريبين» [2/ 660]: «تأويله عندي: أن العرب كان شأنها أن تذُم الدهر وتسُبه عند النوازل، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر. وقد ذكروه في استعارتهم». ثم قال: «لم يذهب المشِكُّون من أهل الجاهلية إلى ما ذهب إليه الملحدونَ في تفسير هذا الحديث، وإنما ذهب إلى هذا المولَّدُون، ومن لا فهم له بكلام العرب ومعانيها».
  • وقال ابن سيده (ت 458هـ) في «المخصَّص» [2/ 400]: «ليس الله هو الدهر، تعالى عن ذلكَ، لأن الدَّهر عرضٌ، وليس ربُّنا عرضاً، وإنما أراد: فإنّ ما تنسبُونه إلى الدهْر إنما هو فعْلُ الله عزَّ وجَلَّ».
  • وقال القاضي عياض (ت 544هـ) في «المشَارق» [1/ 262]: «الدهرُ: مدة الدنيا. وقيل: إنه مفعولاتُ الله تعالى. وقيل: فعلُه، كما قال: «إني أنا الموت». ومعنى الحديث: فإنّ مصرِّفَ الدهر، ومُوجد أحْداثه، اللهُ تعالى. أي: أنا الفاعل لذلكَ. قال بعضُهم: وقد يقع الدهر على بعضِ الزمان، يقال: أقمنا على كذا دهراً، كأنه لتكثير طولِ المقام. ولهذا اختلف الفقهاءُ فيمن حلفَ لا يكلم أخاه دهراً، أو الدهرَ؛ هل هو متأبد؟».

المبحث الثالث: توجيهُ السلف لمعنى سبِّ الدهرِ 

  • قال الإمام سفيان بن عيينة (ت 198هـ) رحمه الله: كان أهل الجاهلية يقولونَ: إن الدهْر هو الذي يهلكُنا، هو الذي يميتُنا ويحيينا. فردَّ الله عليهم قولَهم. وتلا سفيانُ هذه الآية: {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}. أخرجه الحاكم في «المستدرك» [2/ 491، رقم 3690].
  • قال الإمام الشافعي (ت 204هـ)، فيما رواه عنه حرملة التجيبي: «وإنما تأويله، والله أعلم: أن العربَ كان شأنها أن تذُمّ الدهر، وتسبه عند المصائبِ التي تنزل بهم، من موت أو هرَم أو تلفٍ، أو غير ذلكَ، فيقولون: إنما يهلكنا الدهر. وهو الليل والنهارُ، الفَنْتانِ[1] والجديدان، فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، وأتى عليهم. فيجعلون الليلَ والنهارَ اللذين يفعلان ذلكَ، فيذمون الدهرَ بأنه الذي يفنينا، ويفعلُ بنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا الدهرَ»، على أنه يفنيكم، والذي يفعل بكم هذه الأشياءَ، فإنكم إذا سببتم فاعلَ هذه الأشياءِ؛ فإنما تسبون الله تبارك وتعالى، فإن الله فاعل هذه الأشياء». أخرجه البيهقي في «معرفة السنن والأثار» [5/ 202-204].

كلام الشافعي هذا قاله أبوعبيدٍ القاسمُ بن سلاَّم في «غريب الحديث» [1/ 356]، وختمه قائلا: «فهذا وجهُ الحديثِ، إن شاء الله، لا أعرف له وجهاً غيره». ونقل الأزهريُّ (ت 370هـ) في «تهذيب اللغة» [6/ 109] كلامَ أبي عبيد، ثم عقبه بقوله: «قلتُ: وقد قال الشافعيُّ في تفْسير هذا الحديثِ نحواً مما قال أبو عبيدٍ، واحتج بالأبياتِ التي ذكرها أبو عُبيد، فظننتُ أبا عبيد عنه أخذَ هذا التفسير، لأنه أول من فسره»، اهـ. ونقل عبارة الأزهري ابن منظور في «اللسان» [4/ 293]، والزبيدي في «تاج العروس» [11/ 345]. كما سيأتي أن ابن قتيبة (ت 276هـ) اعتمد كلام الشافعي هذا واحتج به في «تأويل مختلف الحديث».

  • وقال ابن بطال (ت 449هـ) في «شرح صحيح البخاري» [10/ 499]: «قوله: (وأنا الدهرُ) أي: أفعلُ ما يجري به الدهر من السراءِ والضرَّاء. ألا ترى قوله تعالى: «بيدي الأمرُ، أقلب الليل والنهار». فالأيام والليالي ظروفٌ للحوادث، فإذا سببتمُ الدهْر وهو لا يفعلُ شيئًا؛ فقد وقع السبُّ على الله».
  • وقال ابن العربي (ت 453هـ) في «القبس» [ص 1164]: ««خرَج هذا على عادة الجاهلية في نسبتها الأفعال إلى غير الله تعالى من الأسباب المترددة، والحوادث المتعاقبة، فإذا جاء الخلق من ذلك ما يحبون، فرحُوا بذلك المتاع، وإذا جاءهم ما يكرهون عكَفوا على الدهر يسبُّونه وينسبونه إلى اللوم والإذاية. فأراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يطهر عقائدهم من هذا المنزع الخبيث، ويعلمهم بأن هذه الأفعال التي يكرهون، والأفعال التي يحبون، ليست منسوبةً إلى الأسباب، ولا محسوبة على الحوادث، وإنما هي كلها مضافةٌ إلى الله تعالى تقديراً وخلقاً. وسب الحكمِ والمعلُول سبٌ للعلّة. فإنك إذا قلتَ: فعل الله بفلان كَذا كذا، وكان المشار إليه باللَّوم موجوداً في غيره، فقد دخل في حكمِه».
  • وقال البغوي (ت 516هـ) في «شرح السنة» [12/ 357]: «قوله: «فإن الله هو الدهر»، أي: هو صاحبُ الدهر، ومدبِّر الأمُور المنسوبة إليه».
  • وقال المازري (ت 536هـ) في «المعْلِم» [3/ 190]: «قوله: «فإنَّ الله هو الدهر»، فإن ذلك مجازٌ. والدهرُ: إن كان عبارةً عن تعاقُب الليل والنهار، واتصالهما سرمداً؛ فمعلومٌ أن ذلك كلَّه مخلوقٌ، وأنه أحدُ أجزاء العالم المخلوقة، فلا يصحُّ أن يكون المخلوقُ هو الخالق. وإنما المراد: أنهم كانوا ينسبون الأفعال لغير الله سبحانه وتعالى، جهلاً بكونه عز وجل خالقُ كل شيءٍ، ويجعلون له شريكاً في الأفعال. فأنكر عليهم.

وأراد: أن الذي يشيرون إليه بأنّه يفعل هذه الأفعال، هو الله، جلّت قدرتُه، ليس هو الدهرُ. وهذا كما لو قال قائل: القاضي فلانٌ قتل فلاناً الزاني. فيقول الآخر: الشرعُ قتلَه، لم يقتله القاضي. أو يقول: الشرعُ هو القاضي. وإنما يعني: أنه يجب إضافةُ الشيء إلى ما هو الأصلُ فيه، أو التنبيه على غلط القائلِ، وإرشادُه لموضع الصوابِ، إذا ظن به أنه خفي عنه». ونقله بنصّه القاضي في «إكمال المعلم» [7/ 182].

7- وفي «شرح النووي على مسلم» [15/ 3] بعد إيراده موجز كلام الشافعي: «ومعنى «فإن الله هو الدهر»، أي: فاعلُ النوازل والحوادثِ، وخالقُ الكائنات، والله أعلم»

___________________________________________________________________

[1] الفنتان، تثنية فنتة، وهي: الساعة من النهار

المقال الأول من سلسلة مقالات التوعية الدينية بالأحاديث النبوية من ركن التوعية الأسبوعي للشيخ محمد أبو بكر باذيب: معنى حديث «الخويصَّة»

هناك أحاديث نبوية شريفة يكثر في بعض الأزمنة تداولها، ويتلقفها الناس ويحفظونها، ولكن قلةً منهم هم الذين يبحثون عن شرح تلك الأحاديث، ويتفهَّمون معانيها من كتُب أهل العلم، حتى لا يقعوا في إشكال في الفهم، أو خطأ في التطبيق. وهذه المقالاتُ يرادُ منها أن تكون مرشِدةً للمسلم، موجِّهةً له إلى فهم معاني تلك الأحاديث، والله الموفق.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.

والصلاة والسلام على سيد السادات، وخير البريات، الرسُولِ الأكرم، والنبيِّ الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، محبوب مولاه، وصَفْوته من رسُله وأنبياه. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة ترضيك وترضيه وترضَى بها عنَّا يا ربَّ العالمين، ونسألك التوفيق لشكرك.

أما بعد؛ فإن حديث الخويصة من الأحاديث الصحيحة، وقد روي بألفاظ كثيرة، وفي الباب ثلاثة أحاديث: عن أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني، وعبدالله بن عمرو.

[1] أما حديث أبي هريرة؛ فقد أخرجَ مسلم في «صحيحه» [4/ 2267، رقم 2947] عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بادرُوا بالأعمال ستًّا: الدَّجالَ، والدُّخَان، ودابةَ الأرضِ، وطُلوعَ الشمس من مغربها، وأمْرَ العامَّة، وخويصَّة أحَدكُم». وهو بهذا اللفظ عند أحمد في «مسنده» [14/ 56، رقم 8303]، وفيه: (وكان قتادةُ إذا قال: «وأمر العامة»، قال: أمر الساعة). قال شيخنا الهرري في «الكوكب الوهَّاج» [26/ 310]: «وهذا الحديثُ مما انفرد به المؤلفُ (يعني مسلماً) عن أصحاب الأمهات الستِّ، لكنه شاركه أحمد في مسنده [2/ 337]، والبغوي في شرح السنة [15/ 44]، والحاكم في المستدرك [4/ 516]».

[2] حديث أبي ثعلبة الخشني، أخرج ابن ماجه في «سننه» [2/ 1330، رقم 4014] عن أبي أمية الشَّعْباني، قال: أتيتُ أبا ثعلبة الخشنيَّ، قال: قلتُ: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيةُ آية؟ قلت: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: ۱٠٥]. قال: سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «بل ائتمروا بالمعروفِ، وتناهَوا عن المنكر. حتى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعاً، وهوًى متبعاً، ودنيا مُؤثرةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رأي برأيه. ورأيت أمراً لا يدانُ لك بِه؛ فعليكَ خُويصَّةَ نفسِكَ، ودعْ أمْر العوامِّ. فإنّ من ورائكم أيامُ الصّبْرِ. الصَّبرُ فيهنَّ على مثل قبْضٍ على الجمْرِ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجْر خمسينَ رَجُلاً، يعملونَ بمثل عمَلِه». وأخرجه الترمذي [5/ 107، رقم 3058] بلفظ «الخاصة»، وفيه: «فعليكَ بخاصَّة نفسِكَ، ودع العوامَّ»، الحديثَ. قال عبدالله بن المبارك: وزادني غير عُتبة، قيل: يا رسُول الله، أجرُ خمسينَ رجُلاً منا أو منهم؟. قال: «بل أجر خمسين رجلاً منكم». قال الترمذي: «هذا حديث حسنٌ غريب».

وفي رواية في «الشُّعَب» [10/ 51، رقم 7147]: «فعليك بالخواصِّ». وعند الطبراني في «الكبير» [22/ 220، رقم 587]، و«مسند الشاميين» [1/ 428، رقم 753]: «فعليك بخاصَّة نفسك»، ومثله في «الفتن» للداني [3/ 643، رقم 295].

وورد الحديثُ برواياتٍ ليس فيها لفظ الخويصَّة ولا الخاصَّة.

  • بلفظ «فعليكَ بنفسِك»، عند أبي داود [6/ 396، رقم 4341]، و«خلق أفعال العباد» للبخاري [ص 63]، و«شرح مشكل الآثار» للطحاوي [3/ 211، رقم 1171]، و«الفتن» للداني [3/ 642، رقم 294]، و«التمهيد» لابن عبدالبر [24/ 316].

  • «فعليك نفسَك» بدون الباء، في «صحيح ابن حبان» [2/ 108، رقم 385]: وهو في «موارد الظمآن» [6/ 92، 1850]، ومثله في «شرح السنة» للبغوي [14/ 347، رقم 4156]، و«الشُّعَب» [12/ 201، رقم 9278]، و«السنن الكبرى» [10/ 157، رقم 20193]، كلاهما للبيهقي، و«السنة» للمروزي [ص 14، رقم 31].

  •  بلفظ «فعليكَ أمْر نفسِك». في «شرح مشكل الآثار» [14/ 160، رقم 5545]: و«حلية الأولياء» لأبي نعيم [2/ 30].

[3] حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. أخرجه أبوداود [4/ 123، رقم 4342] وفيه: «يوشِك أن يأتي زمانٌ يغربلُ الناس فيه غربلةً، تبقى حثالةٌ من الناس، قد مرجَتْ عهودُهم، وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا» وشبكَ بين أصَابعه، فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: «تأخذُونَ ما تعرِفون، وتذرونَ ما تنكِرون، وتقبلونَ على أمر خاصَّتكُم، وتذَرُون أمْر عامتكُم» قال أبو داود: هكذا روي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من غير وجه. روي بلفظ (أمر خاصَّتكُم) أحمد في «مسنده» [11/ 626، رقم 7049]، والحاكم في «المستدرك» [2/ 171، رقم 2671]. و«المعجم الكبير» للطبراني [13/ 10، رقم 5]، و«شرح مشكل الآثار» [3/ 217، رقم 1176].

وفي لفظ: (وعليكم بخواصكم)، في «المعجم الكبير» [13/ 10، رقم 6]. وفي لفظ: (وعليك بأمر الخاصة)، في كتاب «الدعاء» للطبراني [ص 546، رقم 1963]، و«شرح مشكل الآثار» [3/ 219، رقم 1181]. وفي لفظ: (وتقبلون على أمر خويصتكم)، في «حديث أبي الفضل الزهري» [ص 667، رقم 736].

كل هذه بضمير الجمع. ووردت روايات بضمير الإفراد، منها: في لفظ: «وعليك بخاصتك»، في «صحيح ابن حبان» [2/ 109]، وعند أحمد [برقم 6508، و7063]. وفي لفظ: (وعليك بأمر خاصَّة نفسك)، عند النسائي في «الكبرى» [6/ 59، رقم 10033]، و«عمل اليوم والليلة» [ص 230، رقم 205]، و«مسند ابن المبارك» [ص 159، رقم 257]. وفي لفظ: (وعليك بأمر خاصتك) كما في «الفتن» للداني [2/ 363، رقم 117]. وعند ابن عبدالبر في «التمهيد» [24/ 316]: «عليكَ بخويصَّة نفسِكَ».

 

شرح معنى «الخويصة» و«أمر الخاصَّة» الواردة

 

مما تقدم من الروايات التي سردناها في تحقيق لفظ «الخويصَّة»، نجد أنها وردت في أحاديث صحاح، تارة مضافة للمفرد المخاطب «خويصَّة أحدكُم»، «خويصَّة نفسِك»، «أمر خاصَّتك»، «خاصَّة نفسِك». وتارة مضافة للجمع: «خويصَّتكم»، «أمر خويصَّتكُم»، «أمر خاصَّتكم»، «عليكم بخواصِّكم». وتارة من دون إضافة: «عليكم بأمر الخاصَّة»، «فعليك بالخواصِّ».

والخويصَّةُ في اللغة: تصغير خاصَّةً. وهو من أمثلة (التقاء الساكنين) المغتفَر في باب التصريف، قال الزمخشري في «المفصَّل» [ص 367]: «ومن أصناف المشترك: التقاءُ الساكنينِ: يشتركُ فيه الأضْربُ الثلاثةُ، ومتى التقَيا في الدَّرْجِ على غير حدِّهما. وحدُّهما: أن يكونَ الأولُ حرفَ لينٍ، والثاني مدَّغَماً، في نحو: دابَّة، وخُويصَّة». وقال ابن الحاجب في «الشافية» [ص 77]: «يغتفَر في الوقْفِ مطلقاً، وفي المدَّغَم قبلَه لينٌ في كلمةٍ، نحو: خويصة». قال ابن يعيش في «شرح المفصل» [5/ 287]: «خُوَيْصَّة، تصغيرُ خاصّة. قلبتَ الألفُ واواً، وجئتَ بياء التصغير ساكنةً، وبعدها الصادُ مضاعفةً». وقال الرضي في «شرح الشافية» [2/212]: «والدرجةُ الأخيرة: أن يكون أولُ الساكنينِ واواً، أو ياءً، قبلها فتحةٌ، لقلّة المدِّ الذي في مثل ذلك. ولم يأت مثلُ ذلك إلا في المصغَّر، نحو: خُوَيْصَّة».

وأما معناها اللغوي، ففي «تهذيب اللغة» للأزهري [6/ 292]: «قلت: وتصغَّر الخاصّة خُوَيْصَّة. وَفِي الحَدِيث: (خُوَيْصَّة أحدكُم) يَعْنِي المَوْت». وقال مثله ابن فتوح الحميدي في «تفسير غريب الصحيحين» [ص 336]: «خويصَّة أحدكم: يعني الموتَ الذي يخصُّه، ويمنعه من العملِ إن لم يبادر به قبله». ومثله في «غريب الحديث» لابن الجوزي [1/ 281]. ومثله في «مجمع بحار الأنوار» للفتني [2/ 46]، وزاد: «(خويصَّة أحدكم)، أي: حادثة الموت التي تخصص كل إنسان، وهي تصغير خاصَّة، لاحتقارها في جنبِ ما بعدها، من البعثِ، والعرْضِ، والحسابِ. ومبادرتُها بها: الانكماش».

وقال القاضي عياض في «المشارق» [1/ 243]: «قوله: (بادروا بالإسلام ستًّا)، وذكر: (خويصَّة أحدكم)، يعني: نفسَ. وهو تصغير خاصّة، ويروى: (خاصّة أحدكم). قيلَ: يريد موتَه، بهذا فسره هشامٌ الدستوائيُّ. وفي الرواية الأخرى: (وخويصَّة أحدكُم)، مثله. و: (إن لي خويصّة) كلّه بشدِّ الصاد، أي: خاصّة، صغَّرها. ومعناها هنا: أيَّ أمر يختص به». ونحى نحو القول الأخير الشهاب التوربشتي (661هـ) في «شرح مصابيح السنة» [4/ 1162]، قال: «وفُسرت الخويصَّةُ بالموتِ. ولو قيلَ: هي ما يختصُّ به الإنسانُ من الشواغل المقلقَة في نفسِه، وماله، وما يهتمُّ به؛ فله وجْهٌ، بل هو أوجَهُ». وجمع بينها شيخنا الهرري في «الكوكب الوهاج» [26/ 310]، قال: «يعني العلامةَ التي تخص أحدكم. والمراد منها: الموتُ، فإن من ماتَ قامت قيامته. وقيل: هو ما يختص به الإنسان من الشواغل المتعلقة بنفسه أو ماله أو ما يهتمُّ به»، الخ. وزاد بقية الشراح الأمر تفصيلا، ننقل منه ما هو محل الشاهد.

قال القرطبي في «المفهم» [7/ 308]: «قوله: (وخاصَّة أحدكُم) يعني به: الموانع التي تخصه مما يمنعه العمل، كالمرض، والكبَر، والفقر المنسي، والغنى المطْغي، والعيال، والأولاد، والهموم، والأنكاد، والفتن، والمحن إلى غير ذلك مما لا يتمكن الإنسان مع شيء منه من عمل صالح، ولا يسلَّم له. وهذا المعنى هو الذي فصَّله في حديثٍ آخَر، حيث قال: «اغتنم خمساً قبل خمسٍ». ثم قال: «وقوله: (وأمر العامة) يعني: الاشتغالَ بهم فيما لا يتوجَّه على الإنسان فرضُه. فإنهم يفسِدُون من يقصد إصلاحَهم، ويهلكونَ من يريد حياتهم، لا سيما في مثل هذه الأزمانِ التي قد مرجَتْ فيها عهودُهم، وخانت أماناتُهم، وغلبتْ عليهم الجهالاتُ والأهواء، وأعانهم الظلمةُ والسفهاء. وعلى هذا؛ فعلى العامِل: بخويصَّة نفسِه، والإعراضُ عن أبناء جنسِه إلى حلول رمسه، أعاننا الله على ذلك بفضله وكرمه».

 

من فقه الحديث

 

تقدمَ في السطور السابقة شرح كلمة (الخويصة) لغَرابتها، وكثرة تردادها على الألسنة، مما يوجب شرحها ومعرفة تصريفها ومعناها، وتم إيرادُ كلام اللغويين والفقهاء وكبار شراح الحديث في توجيه معنى «الخويصَّة». وهي تعني: (1) إما الموت، الذي هو خاصة كل نفس. (2) أو الاشتغال بخاصة النفس، مما يهمها من كل الشؤون التي تعتري بني البشر.

أما ما يختص بمسألة إنكار المنكر، فتوضحه النصوص التالية:

مسألة إنكار المنكر:

قال الحافظ ابن عبدالبر في «التمهيد» [24/ 316]: «قال أبو عمر: قد قدّمْنا من الآثارِ ما يوضّحُ: أن الحرجَ مرفوعٌ عن كلّ من يخافُ على نفسِه في تغيير المنكَر، أو يضعُف عن القيام بذلك». وقال العلامة السندي في «حاشيته على سنن ابن ماجه» [2/ 488]: «حاصل هذا الحديث: أن العملَ بالآية مقيدٌ بوقتٍ، لا دائميٌ». وفي «فيض القدير» للمناوي [1/ 353]: «ثمَّ زاد الأمرَ بالانجماعِ تأكيداً، دفعاً لاحتمال التجوُّزِ بقوله: (ودع عنك أمر العامة)، أي: كافة الناسِ. فليس المراد العوامَّ فقط، فإذا غلبَ على ظنكَ أن المنكر لا يزول بإنكارك، لغلبة الابتلاء، لعمومه، أو تسلط فاعلِه وتحيره، أو خفتَ على نفسكَ أو محترمٍ غيرِك محذوراً بسبب الإنكار؛ فأنت في سعة من تركِه، والإنكارِ بالقلب، مع الانجماع. وهذا رخصةٌ في ترك الأمر بالمعروفِ إذا كثُر الأشرار، وضعف الأخيار».

هذا ما تيسر تسطيره في هذه العجالة، والموضوع يحتمل أكثر مما كتب، ولكن نكتفي من القلادة بما أحاط بالجيد، وخير الكلام ما قل ودل، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقال الرابع من سلسلة النبوة والأنبياء للشيخ د. محمد أبو بكر باذيب

هذا هو المقال الرابع من سلسلة مقالات (النبوة والأنبياء) نسير فيه على نهج شيخنا العلامة محمد علي الصابوني، نفع الله به، في كتابه «النبوة والأنبياء». وحلقة هذا الأسبوع عن مزايا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله حمداً كما يحب ربنا ويرضى. والصلاة والسلام على الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، صفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة أهل السماوات والأرضين عليه، صلاة دائمة بدوامك، باقية ببقائك. ونسألك اللهم التوفيق لشكرك.

أما بعد؛ فإنه سبق الحديث عن الصفات الست الواجبة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفصلنا الكلام في شرح خمس منها، وأفردنا الحديث عن العصمة في مقال مستقل، ونتحدث اليوم عن مزايا دعوة الأنبياء، عليهم السلام.

 

مزایا دعوة الأنبياء 

المزية الأولى: أن دعوتَهم ربانية.

المزية الثانية: أنهم لا يطلبون أجراً على تبليغ الرسالة.

المزية الثالثة: إخلاصهم الدين لله تعالى.

المزية الرابعة: عدم التعقيد والتكلف في الدعوة.

المزية الخامسة: وضُوح الهدف والغاية.

المزية السادسة: إيثارهم الآخرةَ والزهدُ في الدنيا.

المزية السابعة: احتياطهم في عقيدة التوحيد وأمر الإيمان الغيب.

 

هذه أهم المزايا، وسنوضحُ كلّ مزية بشيء من التوضيح والبيان، والله المستعان.

 

المزية الأولى: أن دعوتَهم ربانيةٌ

والمقصود بوصفها ربانيةً: أي أنها بوحي وتكليف من الله عز وجل، فليست دعوتهم من تلقاء أنفسهم، أو نابعةً من رغبة كامنة في نفوسهم وحسب، كما أنها ليست نتيجة كما يزعم بعض الناس أنها أتت تلبية للعوامل الاجتماعية التي حدثت في زمانهم، من ظلمٍ، و بغيٍ، وجور، واستبداد. كما أنها ليست نتيجة تفكِيرهم العميق، أو تألمهم من الحالة المؤسفة التي يكون عليها الناس؛ كل ذلك ليس مقصوداً. إنما هي ربانيةٌ، أي بوحي من الله وتكليف. فكل ما جاء به الأنبياءُ إنما مصدَرُه الوحيُ. فكل نبيّ من الأنبياء يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} [الأحقاف: ٩]. فليس لهم إذا إلا تبليغُ أوامرِ الله سبحانه وتعالى.

يقول فضيلة العلامة السيد أبو الحسن الندوي، رحمه الله: «فلا يقاسُون أبداً على الحكماء، أو الزعماءِ، أو المصلحينَ، وجميع أصناف القادة الذين جربتهم البشرية، وتاريخُ الإصلاح والكفاح الطويل. والذين هم نتيجة بيئتِهم، وغرْس حكمتهم، وصدى محيطهم، ورد فعلٍ لما كان يجيش به مجتمعُهم من فسادٍ وفوضى. و القول الفصل في ذلك القول القرآن الكريم، على لسان سید الرُّسُل، صلى الله عليه وسلم: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} [النبوة والأنبياء للندوي: ص 31].

 

المزية الثانية: أنهم لا يطلبون أجراً على تبليغ الرسالة

أما المزية الثانيةُ لدعوة الأنبياء الكرام، صلوات الله عليهم، فهي أنهم لا يطلبونَ أجرةً من أحد، ولا يقبلونَ على تبليغ الرسالة ثمناً من إنسانٍ، إنما يطلبُون الأجر والثوابَ من الله تبارك وتعالى. فكلّ نبيٍّ من الأنبياءِ كان يعلنُ على رؤوس الأشهاد، علانيةً، جهاراً، أنه لا يريدُ أجراً على الدعوة. ويقرّرُ بكل وضوحٍ وجلاءٍ: أن دعوته لم تكُنْ من أجل طلب الدنيا، أو طلب المال. يقول نبي الله هود عليه السلام، وهو يخاطب قومه: {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: ٥۱]. وهذا هو خاتم الأنبياء سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم يقول: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلً}[الفرقان: ٥٧]. ويقول في موطن آخر: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}[ص: ٨٦].

 

المزية الثالثة: إخلاصهم الدين لله تعالى

أما المزية الثالثة لدعوة الأنبياء الكرام، فهي: إخلاصُ الدين لله سبحانه، وإفراده تعالى بالعبادة. وهذا هو الهدف الأسمى الذي دعا إليه جميعُ الأنبياء في كل عصر وزمان، وفي كلّ بيئة ومكَان. فلم يكن لهم هدفٌ ولا غاية إلا أن يوجهوا المخلوق الضعيف إلى خالقه العظيم القدير، وأن يصرفوا وُجهَة البشر من عبادة العبادِ إلى عبادة رب الأرباب، جلّ وعلا، مصداقا لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصينَ له الدين حنفاء ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، وذلك دينُ القيِّمة}. ولقد أرسل الله جميعَ الرسُل بهذه الدعوة الكريمة المباركة (دعوة التوحيد)، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ۲٥].

 

المزية الرابعة: عدم التعقيد والتكلف في دعوتهم

أما المزية الرابعة في دعوة الأنبياء صلوات الله عليهم، فهي: البساطة في الدعوة، وعدم التكلف والتعقيد. وهذه المزية واضحةٌ في دعوة جميع الأنبياء، فإنهم يسيرون مع الفطرة، ويخاطبون الناس على قدر عقولهم، ولا يتكلفون في دعوتهم، كما يفعل بعض الزعماء، فلا يعقدون الأمُور، أو يخاطبون الناس بما لا يفهمون أو يدركون. بل يسلكون طريق الحكمة في الدعوة والتبليغ. فهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول على لسانه القرآن: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}. ويأمره ربه بالدعوة إليه فيقول عزَّ من قائل: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ۱۲٥].

إن الابتعاد عن التكلف والتصنع في الدعوة، أمر مهم لنجاح الداعية في دعوته، وهو مسلك سلكه الأنبياء، عليهم السلام، في دعوة الناس ومخاطبتهم، وإقامة الحجة عليهم، فحاججوا الناس بالمنطق والبرهان العقلي، الذي يفهمه الكبير والصغير، والعالم والجاهل.

ننظر إلى خليل الرحمن، إبراهيم عليه السلام، وهو يقيم الحجة على خصمه العنيد، فيقطع عليه الطريق ببرهان دامغ، قال تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: ۲٥٩]. هذا هو الأسلوب الذي يخاطب الفطرة مباشرة، لا تكلف فيه ولا تصنع، قال حجة الإسلام رحمه الله في كتابه «إلجام العوام»: «أدلة القرآن مثل الغذاء ينتفعُ به كل إنسان. وأدلة المتكلمينَ مثلُ الدواء، ينتفع به آحادُ الناس، ويستضر به الأكثرون. بل أدلة القرآن كالماءِ الذي ينتفع به الصبي والرضيع، والرجل القوي. وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرةً، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفعُ بها الصبيان أصلاً».

 

المزية الخامسة: وضُوح الهدف والغاية

والمزية الخامسة في دعوة الأنبياء، هي: وضوح الهدف والغاية في الدعوة. فهم يدعون الناسَ إلى هدف واضح، وإلى فكرة بينة، لا لبسَ فيها ولا غموض. استمع إلى قوله تعالى على لسان سيد الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وسلم: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}. فطريقة الأنبياء واضحة، ودعوتهم ظاهرة ساطعة، مثل الشمس في رابعة النهار. ولهذا قال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».

فنجدُ أن الأنبياءَ الكرام لا يسلكون الطرقَ الملتوية التي تخفي وراءها الغرضَ والهدفَ من تلك الدعوة، كما هو الحال عند بعض القادة والزعماء، الذين لا يعرفون قصدَهُم ولا غرضهم على وجه الحقيقة والوضوح.

 

المزية السادسة: إيثارهم الآخرةَ والزهدُ في الدنيا

المزية السادسة في دعوة الأنبياء هي: الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة على الحياة الدنيا … وهذه المزية ملازمة لدعوة الأنبياء الكرام. فليس هدفَهم الاستمتاعُ بزهرة الدنيا وزينتها، لذلك فقد عاش كل الرسل الكرام في شظف من العيش، وفي شدة الضيق، مع أنهم كانوا يستطيعون أن يتنعموا في الدنيا، وأن يعيشوا فيها عيشَة العظماء. ولكنهم آثروا الباقية على الفانية، لأنهم أيقنوا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن {ما عند الله خير للأبرار}.

وقد خاطب الحق تعالى سید الأنبياء، صلى الله عليه وسلم، بقوله: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى} .

وحين طلب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أن يوسع عليهن في النفقة، وأن يزيد لهن في الرزق، ويعاملهن كبقية النساء اللواتي يعيشن في رغد من الدنيا، وفي بحبوحة من النعيم. حين طلبنَ ذلك، نزل التخيير لهن من السماء، وهو قوله تعالى: {یا أیها النبي قل لأزواجك، إن كنتنّ تردن الحياة الدنيا وزينتها ، فتعالين أمتعكُنّ وأسرحكنّ سراحاً جميلا * وإن كنتن تردْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما}.

 

المزية السابعة: احتياطهم في عقيدة التوحيد وأمر الإيمان الغيب

والمزية السابعة من مزايا دعوة الأنبياء، هي الاهتمام بعقيدة التوحيد، والتشديد في أمر الإيمان بالغيب، وإثبات وحدانية الله، ووجود الصانع المدبِّر الحكيم. كما أنهم قد ركزوا على موضُوع الإيمان بالغيب. فلا تكادُ تجِد نبيًّا من الأنبياء إلا وقد حذَّر قومه من خطر الوثنية والإشراك، ودعاهُم إلى توحيد الله واخلاص العبادة له. استمع إلى القرآن الكريم يحدثك عن الأنبياء الكرام نبيا نبياً، وكيف كان التوحيدُ أساسَ دعوتهم، وغاية جهادهم، فتجده يقول عن نبي الله نوح عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٥٩]. ويقول عن نبي الله هود عليه السلام: {إِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٦٥]. ويقول عن نبي الله صالح عليه السلام: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}[هود: ٦١]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة المتوافرة في هذا الباب.

 

* * *

 

وبهذا، نختتم مجموعة مقالات «النبوة والأنبياء»، بعد أن أتينا على أهم المواضيع المتعلقة بجناب النبوة، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

المقال الثالث من سلسلة النبوة والأنبياء للشيخ د. محمد أبو بكر باذيب

يواصل فضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب كلامه عن عصمة الأنبياء، وفي هذا المقال يتحدث باستفاضة وأهمية عن العصمة وتعريفها لغة وشرعا والأدلة العقلية عليها، وهل كانت تلك العصمة موجودة في أي نبي قبل نبوته أو وجدت بعدها؟ وتفصيل الأمر في هذه المسألة، والإجابة عما وقع من أمور من بعض الأنبياء مما يفهم منها أنها معاصي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.

والصلاة والسلام على سيد السادات، وخير البريات، الرسول الأكرم، والنبي الأعظم، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، محبوب مولاه، وصفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، ونسألك التوفيق لشكرك.

أما بعد؛

فإنه سبق الحديث عن الصفات الست الواجبة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفصلنا الكلام في شرح خمس منها، وبقيت صفة واجبة هي صفة العصمة، تم إفرادها في هذا المقال، نظراً لتشعب الكلام فيها. فنقول وبالله التوفيق:

العصمة: هي في اللغة المنع. يقال: عصمته عن الطعام، أي: منعته عن تناوله. ومنه قوله تعالى: {قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: ٤۳]، أي:  يمنعني من الماء. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: ۳۲]، أي: امتنع امتناعاً شديداً. وفي الحديث الشريف: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام»، أي: منعوا مني دماءهم وأموالهم.

والعصمة شرعاً: حفظ الله لأنبيائه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي، وارتكاب المنكرات والمحرمات. فهي صفة من الصفات الواجبة لهم، وهي هبة من الله، وخصوصية للأنبياء ميزهم بها عن سائر البشر. وفي ذلك حكمة بالغة، في جعلهم قدوات لجميع الناس، وأسوة صالحة للخلق. فلو جازت عليهم الذنوب والمعاصي، لكان في ذلك تشريعاً للمعصية، وهذا خلاف الرسالة التي أساسها الهداية. فالرسل هم القادة، وكيف يصح لقائد أن يأمر بفضيلة وينهى عن رذيلة، وهو متلبس بها!؟.

وهناك دليل عقلي آخر للعصمة، وهو أنه قد ثبت أن الرسول هو المثل الأعلى في أمته، وأنه يجب الاقتداء به في عباداته وأقواله وأفعاله. وذلك يستلزم أن تخلو أفعاله وأقواله مما يعد معصيةً لله، لأنه قدوة. ولو صح أو جاز أن تدخل المعصية في حياة النبي، لوجب الاقتداء به فيها. وعليه، فيكون الأمر الإلهي ظاهره التناقض في تحريم أمر وفرضه في آن واحد، فثبت العكس، وهو عدم صحة تجويز المعصية على النبي.

فثبت بالشرع والعقل أن الأنبياء يجب أن تكون حياتهم فاضلة كريمةً، مشرقة بنور الهداية، معروفة بالعفة والطهارة، زاخرة بالنبل والفضل والصلاح. وهذه هي العصمة.

هل العصمة قبل النبوة أم بعدها؟

اختلف العلماء في هذه المسألة، وهل تختص العصمة بالكبائر فقط، أم تشمل معها الصغائر؟.

أما الكبائر، فالاتفاق حاصلٌ على عصمتهم عنها، عند أهل السنة والمعتزلة، وحكى القاضي أبوبكر بن العربي الإجماع عليه [تفسير القرطبي: 1/ 308].

وأما الصغائر، فهُم في تفصيل ذلك فريقان:

الفريق الأول: ذهبوا إلى أن العصمة ثابتة قبل النبوة وبعدها، لارتباط السلوك الشخصي بحياة الإنسان منذ نشوئه. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في حق موسى عليه السلام: {ولتصنع على عيني}، وقوله تعالى: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار}، والاصطفاء غير محدد بوقت، فلزم أن يكون عاماً في الحياة كلها.

الفريق الآخر: ذهبوا إلى أن عصمة الأنبياء إنما تكون بعد النبوة، وأن الصغائر تجوز عليهم قبل النبوة، لأن البشر ليسوا بمأمورين باتباعهم قبل النبوة، وإنما يجب الاتباع بعد نزول الوحي، وبعد تشريفهم بحمل الرسالة. ولكنَّ هذا التجْويزَ عقليٌ، فإن سير أنبياء الله عليهم السلام سير فاضلة، لحفظ الله لهم ورعايته قبل النبوة، فلم يثبت عن أحد منهم وقوعه في ذنب أو فاحشة أو شيء مخل بالاستقامة. هذا الرأي نسبه القرطبي في «تفسيره» [1/ 308] إلى الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين. ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني قوله: «اختلفوا في الصغائر. والذي عليه الأكثر: أن ذلك غير جائز عليهم. وصار بعضُهم إلى تجويزها. ولا أصلَ لهذه المقالة».

فإن قيل: فكيف نفسر ما ورد في الكتاب العزيز من وقوع أمور من بعض الأنبياء، كما في قوله تعالى: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} [طه: ۱۲۱]. وقوله تعالى في حق نوح عليه السلام: {إنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: ٤٦]، وقوله تعالى لنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ۲].

أجاب الإمام القرطبي عن هذا [1/ 309] بقوله رحمه الله: «الذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصلوا منها، وأشفقوا منها، وتابوا. وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة، لا يقبل التأويل جملتُها، وإن قبل ذلك آحادُها. وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان. أو تأويل دعا إلى ذلك.

فهي بالنسبة إلى غيرهم حسناتٌ، وفي حقهم سيئات [بالنسبة] إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم. إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائسُ. فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحقُّ. ولقد أحسن الجنيدُ حيثُ قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فهم – صلوات الله وسلامُه عليهم – وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه»، انتهى كلام القرطبي.

ويجاب أيضاً عن ذلك باختصار:

أولا: أن تلك الأمور لم تكن معاصي صريحة، إنما هي فعل خلاف الأولى، أو نسياناً.

ثانياً: أنها إنما جرت باجتهاد خاطئ، والمجتهد المخطئ مثاب.

ثالثاً: على فرض أنها مخالفات ومعاصي، فهي قد جرت قبل النبوة لا بعدها.

هذا ما تيسر جمعه في هذه العجالة، والموضوع طويل ومتشعب، وهناك تفاصيل كثيرة وكلام لأهل العلم مفصل ودقيق في الإجابة عن إشكالات وتساؤلات كثيرة حول قضايا وأخبار وردت في كتب السيرة النبوية، أو في بعض دواوين الحديث الشريف، مما يتصل بعصمة الأنبياء، لعلنا نتناولها في وقت آخر إن شاء الله. ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن عصمة الأنبياء، عليهم السلام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

المقال الثاني من سلسلة النبوة والأنبياء للشيخ د. محمد أبوبكرباذيب

الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب المتخصص في أصول الدين يقدم هنا في ركن التوعية الأسبوعي المقالة التعريفية الثانية، وهي تنطوي على الحديث عن النبوة والأنبياء وعصمتهم، وتَظهر أهمية المقال في بدايته التي تبين أهمية كون الرسل سفراء بين الله وبين عباده، فهم الذين اختارهم الله وجعلهم على أعلى صفات الكمال البشري، ويتناول فضيلة الدكتور أهم الصفات التي تميزوا بها عن باقي البشر، ثم يتحدث عن الأخبار والقصص التي جاءت في أخبارهم والأمم السابقة، ويوضح أهمية عدم الاعتماد على الإسرائيليات التي رفضها العلماء الرفض التام.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.

والصلاة والسلام على سيد السادات، وخير البريات، سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، صفوته من رسله وأنبياه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، ونسألك التوفيق لشكرك.

أما بعد؛

فإن الحق تبارك وتعالى اختار أنبياءه الكرام، عليه صلاة الله وسلامه، ليكونوا سفراء بينه وبين عباده في حمل أمانة الوحي المقدس، وتبليغ رسالته للعباد. وكان من مقتضيات ذلك الاختيار والاصطفاء أن يكون أولئك المرسلون والأنبياء على أعلى صفات الكمال البشري، خلقاً، وعلماً، ونسباً، وحسباً، وقوة تحمل قلبي وبدني. لقد اختارهم الحق تعالى ورعاهم بعين عنايته سبحانه، قال جل وعلا: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: ٤٨]، وقال مخاطباً نبيه موسى عليه السلام: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} [طه: ۳٩].

الأنبياء، عليهم السلام، وإن كانوا بشراً يأكلون ويشربون، إلا أنهم تعتريهم الأعراض البشرية الخفيفة، مما لا يخل بإدراكهم، فيجري عليهم المرض الخفيف، والشيخوخة وكبر السن، ثم الانتقال ومفارقة هذه الدار الدنيا. ولكنهم فارقوا سائر البشر بصفات اختصوا بها، لا يشاركهم فيها غيرهم من البشر، وقد أجملها العلامة السيد المرزوقي في منظومته «عقيدة العوام» في قوله:

أرسل أنبياء ذوي فطانة                   بالصدق والتبليغ والأمانة

وجائز في حقهم من عرض               بغير نقص كخفيف المرض

عصمتهم كسائر الملائكة                  واجبة وفاضلوا الملائكة

وأما تفصيل هذه الصفات، فهو فيما يلي:

أ) الفطانة: هي الذكاء والنباهة، فلم يبعث أحد من الأنبياء إلا وكان على جانب عظيم من النباهة، والذكاء الزائد الخارق للعادة، مع كمال الرشد والعقل. قال تعالى في وصف نبيه إبراهيم عليه السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: ٥۱]. وقصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، تدل على ذكاء ونباهة، في تصرفه مع الصنم الأكبر لقومه، وتعليقه الفأس أو القدوم في عنقه. وكذلك في قصته مع النمرود، طاغية عصره.

ب) الصدق: وهذه الصفة الكريمة، وإن كان الاتصاف بها من سائر الناس أمراً مطلوباً، إلا أنها بالنسبة للأنبياء الكرام صفة لازمة. بل هي من الصفات الفطرية فيهم، فلا يكون النبي نبياً إلا وهو صادق اللهجة، متخلياً عن كل ما يخل بوثاقته ومروءته أمام المدعوين. فلا يصح أن يتصف نبي من الأنبياء بأي صفة قبيحة كالبخل أو الكذب أو الخيانة. قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: ٤٤ – ٤٦]. وإن تخلف الوعيد الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، دليل لا يمكن رده في دعم وإثبات صدق الأنبياء عليهم سلام الله.

ج) التبليغ: وهي صفة خاصة بالأنبياء عليهم السلام، يقصد بها: أنهم بلغوا الوحي الذي أنزل عليهم، ولم يكتموا منه شيئاً. فقد قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّ} [الأعراف: ٦۲]، وقال عن صالح عليه السلام: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: ٧٩]، وقال عن شعيب عليه السلام: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ}[الأعراف: ٩۳]، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله عليه، فقد كذَب، والله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]، ولو كان محمد – صلى الله عليه وسلم – كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية. أخرجه البخاري تعليقاً والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

د) الأمانة: وهي صفة حميدة، تقابلها وتضادها صفة الخيانة. وقد شهد الحق تعالى لرسله جميعاً بالأمانة على الوحي المقدس، قال تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا}. وقال سبحانه: {وما هو على الغيب بضنين} أي: ليس بمتهم على الوحي والغيب.

ه) السلامة من العيوب المنفرة: فجميع أنبياء الله عليهم السلام مبرَّؤون عن العيوب والتشوهات الخلْقية والخلُقية. فهم وإن كانوا من البشر، تصيبهم العوارض المتنوعة، إلا أن المولى تعالى قد صان أنبياءه عن العوارض المنفرة، وسلمهم من الأمراض التي تشينهم. من برص، وجذام، وعرج، وحول، وغير ذلك.

 

قصة أيوب عليه السلام

كثير من كتب التفسير، ولاسيما تفاسير المتقدمين، محشوة بأخبار وقصص عن الأمم السابقة، يدخل أكثرها في عداد الإسرائيليات التي يتسامح في نقلها، ولا يثرب على من حكاها أو نقلها، ولكن عامة الناس تتعلق بها، وتظنها من صحاح الأخبار، وتعلق في أذهانهم على أنها حقائق ثابتة، مع أن كثيراً منها يصادم العقيدة ونصوص الكتاب والسنة.

فمن ذلك: ما رويَ أنّ نبي الله أيوب، عليه السلام، تساقط لحمه من شدة المرض، حتى أصبح الدود يخرج من جسمه، فاستقذره القريب والبعيد، ولم يصبر عليه إلا امرأته، وأنه عظم بلاؤه حتى أخرج من بيته، وألقي على كُناسة (مزبلة)!! إلى آخر ما هنالك من حكايات مكذوبة وقصص إسرائيلية تلقّفها بعض القُصّاص، ودخلت إلى بعض كتب التفسير، وهي تنافي (عصمة الأنبياء). نكتفي في هذا الصدد بكلام المفسِّر القرطبي.

فقد نقل القرطبيُّ في «تفسيره» [15/ 210-211] عن القاضي أبي بكر ابن العربي، رحمه الله، أنه قال: «لم يصحَّ عن أيوبَ في أمره، إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه، في آيتين: الأولى في قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ} والثانية في (ص): {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصحَّ عنه أنه ذكره بحرفٍ واحدٍ، إلا قوله: «بينما أيوب يغتسل، إذ خرَّ عليه رجلٌ من جرادٍ من ذهب»، الحديث. وإذا لم يصحَّ فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرنا؛ فمَن الذي يوصل السامعَ إلى أيوب خبره، أم على أيِّ لسَان سمعه!!

والإسرائيلياتُ مرفوضةٌ عند العلماء على البتات، فأعرضْ عن سطورها بصرَك، وأصمَّ عن سماعها أذنيك؛ فإنها لا تعطي فكركَ إلا خيالاً، ولا تزيد فؤادكَ إلا خبالاً.

وفي «الصحيح»، واللفظ للبخاريّ: أن ابنَ عباس قال: يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب! وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدثُ الأخبار بالله، تقرؤونه محضاً لم يشَبْ، وقد حدثكُم أن أهلَ الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب! فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً. ألا ينهاكم ما جاءكمُ من العلم عن مساءلتهم، فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل َعليكم! وقد أنكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديث (الموطأ) على عُمَر قراءته التوراة»، انتهى كلامه.

ومن العيوب المنفرة: الخرَف والفنَدُ، فهذا لا يصيب الأنبياء ولا الرسل، مهما بلغوا من العمر وكبر السن، فإنهم يظلون مكتملي القوى العقلية، والتفنيد ذكر في القرآن الكريم في قوله تعالى حكايةً عن نبي الله يعقوب عليه السلام: {إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون}. الفنَد، بالتحريك، أي: فتح النون، وهو الخرَفُ ونقصانُ العقلِ، وفسادُ الرأي من هرَمٍ. وجواب {لَوْلَا} محذوف تقديره: لولا تفنيدكُم إياي موجودٌ؛ لصدقتموني فيما أقول لكُم، كذا قدره الزمخشري. قال شيخنا الأمين الهرري في «حدائق الروح» [14/ 117]: «أي: امتنعَ تصدِيقكم لي لوجُود تفنيدكُم لي».

و) العصمة: وهذه سوف نتناولها في مقالة مستقلة، لكثرة مسائلها وتفصيلها.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل