سلسلة كمال الإسلام في العقيدة والأخلاق والأحكام | المقالة الخامسة | الشيخ أنس الموسى

 

              • الدين إيمان وإسلام وأخلاق

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا. وبعد:

فاليوم نتابع الكلام عن الإسلام الذي رضيه الله لنا ديناً، والذي يعني الانقياد والخضوع والاستسلام لله عزوجل، وهذا هو المعنى اللغوي للإسلام، والذي قال الله تعالى عنه في ثنايا خطاب سيدنا إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[البقرة 131].

 

اليوم عندما نتكلم عن الإسلام سنتكلم عن الدين الخاص الذي جاء به سيدنا محمد ، وهذا الإسلام ينقسم إلى: إسلامٍ، وإيمانٍ، وإحسانٍ، وقد بيَّن رسول الله هذا التقسيم في حديث جبريل الذي رواه سيدنا عمر رضي الله عنه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْت. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْت. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ ‫قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» [1]  

 

فمجموع أركان الإسلام، والإيمان، والإحسان، هو هذا الدين الذي يسمى: الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا ديناً.

مما لا شك فيه أن الإيمان وحده، والإسلام وحده، والإحسان وحده، ليسوا هم دين الإسلام، إنما هي أجزاء هذا الدين؛ لهذا فإن كمال الدين لا يظهر بانفراد هذه الأجزاء، بل يتحقق باجتماع هذه الأجزاء الثلاثة. وعندما نتكلم عن كمال الإسلام، لا يمكن أن نتصوره بكمال جزءٍ منه دون بقية الأجزاء، فبناء الإسلام كشجرةٍ راسخةٍ في الأرض، تمثِّلُ جذورها: الإيمان، ويمثل جذعها: الإسلام، أما ثمار هذه الشجرة فتمثل: الإحسان والأخلاق.

  رسول الله عندما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [2] علَّمنا أن المقصود من الدين هو تلك الاخلاق التي بُعِثَ متمماً لها، فالغاية من بِعْثَةِ رسول الله هو: تتميمها، ولن نستطيع تحقيق هذه الأخلاق دون ترسيخ الجذور أولًا، من خلال التربية الإيمانية، ثم نعمل على تقوية الجذع الذي هو بناء العبادات، والأحكام؛ وكلٌّ من الإيمان، والأحكام، يُنْتِجَان بشكل تلقائيٍ الثمرات المرجوة، وهي الأخلاق التي بعث رسول الله ليكمِّلَها.

 

الذي يطلب الأخلاق من غير إيمانٍ، وإسلامٍ، كالذي يطلب ثمرة الشجرة من غير أن يكون لها جذر أو جذع؛ لهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت، 30] الاستقامة هي من مكارم الأخلاق، وكلمة ﴿اسْتَقامُوا؛ هي نتيجة قولهم: ﴿رَبُّنا اللَّهُ، وهكذا كان الحال عندما طلب سفيان بن عبد الله الثقفي من رسول الله فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ – وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ – قَالَ : قُلْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ ، فَاسْتَقِمْ»  [3]، يؤكد هذا المعنى قول ربنا سبحانه: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ{ [البقرة، 227] ربنا بدأ بقوله: ﴿آمَنُوا، ثم أعقب ذلك، وعطفه على قوله: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وكذلك الحال في قول الله عزوجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً[الإسراء، 23]، الإحسان للوالدين هو من مكارم الأخلاق، وقد رتبه ربنا على الإيمان بالله عزوجل، وكذلك قال ربنا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء، 36] كل هذه الأخلاق جاءت مرتبةً على عبادة الله عزوجل، وعدم الإشراك به.

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر]، فمن مكارم الأخلاق: التواصي بالحق، والصبر، وهو في ذات الوقت، من ثمرات الإيمان، والعمل الصالح.

لكل ما سبق وغيره؛ نرى رسول الله ، كلما حثَّنا على شيءٍ من مكارم الاخلاق؛ كان يربطه بالإيمان، فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ، قَالَ: «سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي: النَّبِيَّ يَقُولُ: الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، جَائِزَتُهُ قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» [4]، ونراه يقول أيضاً: «من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»  [5]

 

كل هذه الأخلاق، هي ثمرات التربية الإيمانية؛ لهذا نرى أن الأمة المسلمة، وخصوصاً التي رباها رسول الله ، متمثِّلَةً في جيل الصحابة رضوان الله عليهم ضَرَبَت أروع الأمثلة في مكارم الأخلاق، ورأينا في سلوكهم صوراً لمكارم الأخلاق ما تزال الإنسانية لا يبلغ خيالها ما بلغوه رضي الله عنهم.

 لننظر لواقع الصحابة الذين نزل فيهم تحريم الخمر، وهو (الخمر) الذي كان يجري في عروقهم مجرى الدم، فنرى تلك الاستجابة السريعة التي لم يتخللها أيُّ تردد، خاطبهم ربهم بعد إصدار الحكم بالتحريم:﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة، 91] قالوا: انتهينا يا رب، وأراقوا دنان الخمر حتى سالت منها أروقة المدينة.

 

      • هل تستطيع الدول المتحضرة اليوم من خلال تعليمات إداريةٍ، وتشريعات قانونية وضوابط صحية، أن تفعل ما فعلته التربية الإيمانية تجاه تحريم الخمر؟

نحن اليوم نرى كثيرًا من الأطباء يشربون الخمر، وهم من أعرف الناس بأضراره السبب: أن الجانب العقلي وحده، والقضية العلمية وحدها، لا تكفيان لمنع الناس من الإضرار بأنفسهم، وارتكاب الموبقات، بل لابد أن ينضاف إلى ذلك وازع ديني إيماني؛ يدفع الإنسان لتحقيق هذه المسلَّمات العلمية، التي أقرها العقل السليم؛ لهذا السبب لا نعجب من الأمثلة الغريبة التي ضربها لنا الصحابة، والسلف الصالح لمكارم الأخلاق؛ لأنها نِتَاج التربية الإيمانية الإسلامية في المدرسة المحمدية، فقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الزهد بالدنيا والإيثار والرحمة والعفة والكرم والشهامة والنخوة والوقوف عند الحدود التي رسمها لهم رسول الله .

 

 وكذلك لو نظرنا لمدارس العبادات لوجدناها تُربي الفرد، والمجتمع على مكارم الأخلاق قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت، 45]،وقال تعالى في حق الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة، 103]، وكذلك قال ربنا في حق الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة، 197]، فهذه العبادات، ماهي إلا مدارس ترتقي بالناس لسلَّم مكارم الأخلاق.

 

وليس ببعيد عنا أحكام المعاملات، والأحوال الشخصية التي شرعها ربنا حيث كانت أحكاماً تسيِّجُ مكارم الأخلاق، وتحميها، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَا۪يتَٓائِ ذِي الْقُرْبٰى وَيَنْهٰى عَنِ الْفَحْشَٓاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الإسراء، 90]، فالإحسان الذي هو: زيادةٌ على العدل، والعدل الذي هو: مقاطع الحقوق عند الحدود: هما السياج الذي يحمي مكارم الأخلاق، فالله بين لنا العدل، وطالبنا بالأخلاق، وبين لنا الحقوق والواجبات، وطالبنا بالإحسان.

لنتأمل في قول ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة، 178]؛ فقد بين لنا ربنا مقاطع الحقوق، وأمرنا بعد ذلك الوقوف عند الحدود، وطالبنا بمكارم الأخلاق.

 

      • مهمات:
  1. كمال الإسلام يظهر في أحكام العقيدة، ولكن هذا الكمال في العقائد يظهر جلياً للمتعلم الدارس، أما الإنسان العادي فقد لا يهتدي لأحكام العقيدة كما هي مسطورةٌ في كتب العقيدة، وكذلك حال أحكام العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، يستطيع الفقيه أن يدرك كمال الإسلام فيها، ولكن قد يصعب جداً على العامي إدراك ذلك الكمال، أما بالنسبة لكمال الإسلام في جانب الأخلاق: فهو الوجه المشرق للدين الذي يظهر بوضوحٍ لكل الناس المتعلم، والجاهل؛ فيدرك غير المتعلم مثلاً: معاني الكمال عندما نتحدث عن بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان للجار، وحسن العشرة بين الزوجين إلى غير ذلك من حَسَنِ الأخلاق وجميل التعاملات.

  2. لقد كان رسول الله -الذي وصفه ربنا بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم، 4]- سبَّاقَاً في ميدان العبادات، فقد كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، وكان يقول:«إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»  [6] فما هذه الأخلاق التي كان يتحلى بها ، إلا ثمرةً من ثمرات تلك المجاهدات، والمكابدات التي كان يكابدها في عبادته لربه من صلاة وصيام وجهاد، ونحن إن كنا صادقين في طلبنا تحصيلَ مكارم الأخلاق علينا أن نسلك الطريق الذي سلكه رسول الله  وشرعه لنا.

  3. هناك من يسعى لإزالة سياج العبادات، من خلال إزالة قواعد الأحكام، ثم بعد ذلك يريد أن يطالب الأمة التحلِّي بمكارم الأخلاق، نقول لهؤلاء: عجباً كيف تطلبون ثمرةً دون بذر بذورها؟! أم كيف تدركون غايةً دون سلوك سبيلها؟، ونقول لهم أيضاً: اعلموا أن الأخلاق ماهي إلا ثمرةٌ من ثمرات تلك العبادات، والأحكام التي كنتم بالأمس تريدون نَسْفَهَا، وإزالة قواعدها.

اللهم وفقنا لمحابِّكَ، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلَّم.    

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] أبو داود، السنن: بَابٌ فِي الْقَدَرِ (4138)، الترمذي، الجامع: باب ما جاء في وصف جبريل للنبي الإيمان والإسلام (2652)

[2] البيهقي، السنن الكبرى: بَابُ: بَيَانُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا الَّتِي مَنْ كَانَ مُتَخَلِّقًا بِهَا – من حديث أبي هريرة- (19096). البزار، المسند: مسند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (8311).

[3] الترمذي، الجامع: باب ما جاء في حفظ اللسان (2442). ابن ماجه، السنن: بَابُ كَفِّ اللِّسَانِ فِي الْفِتْنَةِ (3999). أحمد، المسند: حَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ (190841).

[4] البخاري، الصحيح: باب إكرام الضيف، وخدمته إياه بنفسه (5806). ورواه أيضاً في: باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (5696). مسلم، الصحيح: بَابُ الضِّيَافَةِ وَنَحْوِهَا (3359).

[5] ابن ماجة، السنن: باب كف اللسان عن الفتنة (4007). مالك، الموطأ: باب ما جاء في حسن الخلق (1637).

[6] البخاري، الصحيح: كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح (4776).

سلسلة كمال الإسلام وجماله في العقيدة والأحكام والأخلاق | المقالة الرابعة | الشيخ أنس الموسى




        •  وقفة مع قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

تكلمنا في المحاضرة الماضية عن كمال الدين، وأنه عقيدةٌ يجب أن نَعْلَمها، وأن نتذوَّقها، وأن قول الله تعالى:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [المائدة 3]، ليس شعاراً من الشعارات اللفظية، التي يرفعها المسلمون، وإنما هو حقيقةٌ ماثلة في هذا الدين في كل جزئياته، بل هو من العقائد التي يجب الإيمان بها؛ فيجب أن نؤمن أن الله قد أكمل هذا الدين، فهذه الآية قطعية الثبوت، والدلالة على ذلك؛ مادام الإنسان يؤمن بأن القرآن هو من عند الله تبارك وتعالى.

 

لقد ذكر الله عزوجل في هذه الآية ثلاث جمل هي: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً.

هذه الجمل الثلاث عندما يتذوَّقُها الإنسان يستشعر فضل الله تعالى، وجزيل منَّتِه، فالذي يَنْسِبُ الفعل لنفسه بإكمال الدين، هو: الله سبحانه وتعالى، فليس مَنْ أَكْمَلَ الدين أحد المجتهدين من البشر؛ بل أكمله الذي قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[النمل 88]،  بل أكمله الذي قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [تبارك 3]، بل أتمَّه الذي قال: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ [لقمان 11]، بل الذي قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف 54].

عندما نقرأ هذه الآية نتذوَّق ذلك اللُّطف الذي يكرمنا الله به، وخصوصاً عند قوله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وهذا شيء تكرر في قول الباري سبحانه وتعالى كما قال ربنا: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى 13]، وقال: ﴿لكلٍّ جعلنا منكم شِرْعةً ومنهاجاً[المائدة 48]

لقد شرفنا ربنا بنسبة كمال الدين إلينا؛ كما قال في آيات أخرى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[الأنبياء 10]، فيه عِزُّكم، فيه مَجْدُكم، فيه رُقِيُّكم.

ثم يقول ربنا الجملة الثانية: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، فتمام الإسلام نعمة من الله عزوجل، وهذه النعمة ليست كبقية النعم؛ لأن الله يشهد أنها نعمةٌ تامة، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فهما إذاً مِنَّتَان من الحق سبحانه، الأُولى: بلفظ النعمة، والثانية بلفظ الإتمام.

ثم قال ربنا: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً، وفي هذا الجزء من الآية لُطْفٌ عجيبٌ، وامتنان كبير يَمتنُّ الله به على عباده عندما يقول سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ﴾.

 

 قالتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لو عَلَيْنَا مَعْشَرَ يَهُودَ، نَزَلَتْ هذِه الآيَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً نَعْلَمُ اليومَ الذي أُنْزِلَتْ فِيهِ، لَاتَّخَذْنَا ذلكَ اليومَ عِيدًا، قالَ فَقالَ عُمَرُ: فقَدْ عَلِمْتُ اليومَ الذي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسولُ اللهِ حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مع رَسولِ اللهِ بعَرَفَاتٍ. [1]

 

إن قضية كمال الإسلام ليست قضية دينية فحسب، بل هي قضيةٌ عِلمية عقلية، هي قضية يسلِّمُ بها كل مُنْصف، هي قضية يحملها كل إنسان دارس للإسلام بشكل حقيقي.

قضية كمال الإسلام، مبدأٌ عِلْمي ينبغي التزامه، وهو حقيقةٌ ينبغي أن تبقى ماثلةً أمامنا بغضِّ النظر عن بعض الاختلاف، فليست قضية كمال الإسلام يتداولها المتدينون فقط.

 

فعندما نتحدث عن وجود الله مثلاً: لا نقول بأن وجود الله حقيقة علمية فقط، بل هو حقيقة دينيةٌ، وعلمية، وعقلية، وكذلك الحال في قضية صِدق النبي هو حقيقةٌ علمية عقلية دينية، وهكذا في قضية كمال الإسلام؛ وعليه: فلا نقبل أن تكون قضية كمال الإسلام قضية دينية فحسب، يقولها المسلم تديناً فقط، بل نريد من المسلم أن يتبناها اعتقاداً علمياً، وذوقياً شعورياً؛ يتفاعل معها في ظاهره، وباطنه، وعقله، وفطرته، وهذا لا يتأتى إلا إن درَسنا هذه القضية دراسة علمية سليمة. نريد أن نوضح الأدلة على كمال الإسلام، ونوضح البراهين على تمام النعمة بهذا الدين، وعلينا أن ندرك أيضاً أنه عندما كمَّلَ الله سبحانه هذا الدين؛ جعل رسوله هو التطبيق العملي له؛ فإذا أردنا الإسلام مُطَبَّقَا،ً ما علينا إلا أن ننظر إلى حياة رسول الله ، وشمائله ، كما قال ربنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب 21]،  فالله شهد للمنهج بأنه كامل، كما شهد للقدوة بأنه قدوةٌ حسنة، فنحن بحاجة لنبيِّن للناس مظاهر الكمال في شخصية رسول الله ؛ لأن هذا جزءٌ من إظهار الكمال في الإسلام.

 

من المؤسف أن نتناول الكمال في شخصية رسول الله ، على أنه قائد انتصر في بدرٍ، والخندق، وغيرها من الغزوات فتصوير رسول الله ، على أنه بطل من أبطال المعارك لاشكّ ولا ريب أن هذا جانب من جوانب الكمال، والعظمة في شخصيته ، ولكن ليس هذا هو كل الكمال، بل الكمال يظهر أيضاً في كون رسول الله قدوة في جهاده، وأخلاقه التي ظهرت في معاركه، والكمال يظهر أيضاً في عبودية رسول الله لربه؛ وهو الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، والقدوة في شخص رسول الله تظهر أيضاً في تعامله مع الناس؛ فقد كان ألْيَنَ الناس، حتى إنه كانت تأتي الجارية الصغيرة فتأخذ بيده حيث شاءت ليقضي لها حاجتها، ويقف مع العجوز، ويداعب الأحفاد، ويرحم الصغير والأرحام، وكان يقول: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [2] وغير ذلك كثير في جوانب الكمال والاقتداء بشخصية رسول الله .

 

      • مهمات:
  1. نحن لا نقبل أن يُحمَّلَ الإسلام أخطاء بعض أتباعه الذين يطبقونه خطأً؛ فنراهم يُلْصِقُون بهذا الدين أخطاءهم، ونقول لهؤلاء: الإسلام يمثله شخص رسول الله ، فهو الذي يمثِّلُ الإسلام الكامل، والتطبيق العملي له، ولكم بعد ذلك أن تعترضوا على الإسلام، لو استطعتم توجيه النقد لرسول الله ، فنحن نقول بالفم الملآن ما قاله ربنا:  ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[الأحزاب 164]، إلى أن وصل الحال بالأمة ليقول الله فيها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران 110]، فانظر إلى البداية كيف كانت (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وانظر إلى النهاية كيف صارت (خَيْرَ أُمَّةٍ)؛ لتعرف ما فعله الإسلام، وما هو المنهج الذي سار عليه رسول الله … إنه الإسلام.

  2. كثيرًا ما نقول: إن رسول الله  حيٌّ في سلوكنا، وهو شعارٌ لا ريب عظيم كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ[الحجرات 7]، ونحن في نفس الوقت لا نرضى أن يكون رسول الله حيٌّ في سلوكنا في جانب دون جانب، بل نريده أن يكون حياً في كل جوانب حياتنا.

لقد كان لرسول الله الدور البارز في قيادة حركة الإصلاح في المجتمع من الضلال المبين إلى خير أمة أخرجت للناس، وقد تمثل جهد رسول الله في قيادة تلك الحركة الإصلاحية في هذا المجتمع بأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، الذين رباهم على كمال الإسلام، ومَعِينِه الصافي؛ فكانوا خيرَ سَلَفٍ لخيرِ خَلَفٍ، فهم ثمرةٌ من ثمرات تربية القرآن على الرحمة، والغَيْرَة على حرمات الدين، والذود عن حياضه، بكل ما يملكون؛ ببذل النفيس، والخسيس في سبيله.

إن كمال الإسلام يجب أن يتكرر في أخلاقنا عِزًّا، وفخراً، وجِدَّاً، وأن يكون منهج إصلاحٍ لحياتنا العامة، والخاصة، وهذا ما نريده من هذه السلسلة أن يتحقق.

نريد أن تكون فكرة كمال الإسلام فكرة عقلية، لا شعاراً لفظياً، أن يكون فطرة تنبع من داخلنا قناعة ووعياً، وليست كلمات نرددها في مجالسنا، ونوادينا دون أن يكون لها أي صدىً في عقولنا، وأفكارنا، وأحاسيسنا ومشاعرنا.

يجب أن نعلن وعلى الملأ أن الإسلام كامل في جزئياته وكلياته، كاملٌ في عباداته وتعاملاته، كاملٌ إجمالاً وتفصيلاً؛ فهو الذي بنى الأمة أعظم بناء، وأوجد الفرد الكامل في أصغر جزئياته، فلم يستطع أحد أن يقف طاعناً في كمال هذا الدين، خلا المشوشين الحاقدين، الذين وقف الدين في وجه شهواتهم التي لا حدود لها، وأهوائهم التي لم تجلب للعالم إلا الخراب، والدمار.

عندما نقول: إن الإسلام كامل، فعندنا من الأدلة ما نؤيد صدق هذه الدعوى، وعندنا من الأدلة ما ندمغ به كل باطل يخالف هذه الحقيقة، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء 18]، وهذا ما سنثبته في المحاضرات القادمة بإذن الله تعالى.

 

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري، الصحيح: باب خبر المرأة الواحدة ح (6878). مسلم، الصحيح ح (3017).     

[1] ابن حبان، الصحيح: بَابٌ الْهَدْيُ – ح ( 4260 ). سنن ابن ماجة ح (1982).

سلسلة كمال الإسلام وجماله في العقيدة والأحكام والأخلاق | المقالة الثالثة | الشيخ أنس الموسى



          •  الكمال والرحمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

 

فهذه هي المحاضرة الثالثة في سلسلة “كمال الإسلام في العقيدة والأحكام والأخلاق”، وقد ذكرنا في المحاضرة الماضية أن العبودية هي الوصف الذي ألبسه ربنا سبحانه لجميع خلقه، وأن العبادة هي الوظيفة التي خلق الله الإنسان لها، وأن هذه العبادة تنقسم لقسمين إلى ما يمارسه الإنسان بينه وبين الله، وإلى ما يمارسه الإنسان بينه وبين خلقه، وذكرنا قول الله عزوجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون 115].

 

اليوم نريد أن نتابع ونقول: لمّا أراد الله أن يضع لنا منهجاً نعبده فيه، كان الإسلام هو المنهج الذي اختاره ربنا ليكون نظاماً ينظم علاقتنا بربنا، وبخلقه سبحانه، وقد قال ربنا شاهداً على هذا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً[المائدة 3] فهذه شهادةٌ من الله تبارك وتعالى لهذا النظام الديني الإسلامي الذي أنزله ربنا، وأكمله، وهو الرحمة التي أتمها ربنا سبحانه، وهو الدين الذي ارتضاه لهذه الإنسانية.

لقد كانت رسالة نبينا محمد هي الرحمة الشاملة لجميع العالمين فقال عنها ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[الأنبياء 107]، وقال عن هذه الرسالة نبينا «إنما أنا رحمةٌ مهداة» [1] فنبوَّتُه رحمة، وسنته رحمة كذلك، ووظائفه التي كلّفه الله بها رحمة كذلك.

إن الله عزوجل عندما كمَّل الإسلام لم يكمِّله من زاوية واحدة فقط؛ فليس الإسلام كاملاً في جانب العبادات فقط، أو الأخلاق فقط، أو العقيدة فقط، وهو في نفس الوقت ناقصٌ في بقية الجوانب؛ بل الإسلام الذي شهد الله له بالكمال كامل في العقيدة، والأحكام، والأخلاق، فهذه هي الرحمة للعالمين التي تحدثنا عنها في رسالة سيدنا محمد ، والتي هي عنوان هذه الشريعة، ووظيفة الرسول .

المسلم يتذوق الكمال في هذا الدين في كل أموره، وأنَّى اتجه لن يجد إلا الكمال، ويخطئ ذلكم التاجر الذي يبحث عمَّن يُقْرِضُه مبلغاً من المال ليوسِّع تجارته فلا يجد إلا القرض الربوي المحرَّم الذي حرَّمه الإسلام؛ فيظن جهلاً منه أن الإسلام يقف في وجه ربحه، وسعادته، وما درى هذا التاجر الذي لم ينظر إلا من زاوية ضيقة، أنه لو تذوَّق أن هذا الحرام يفضي لمفاسد تغلب مصلحته الجزئية التي يسعى لها، ولعلم أن هذا التشريع الذي حرَّم هذا النوع من المعاملات المالية؛ هو محض الرحمة من الله تبارك وتعالى.


تعلو الأصوات التي تنادي بمساواة الرجل للمرأة في الميراث، والتي تدَّعي أن الإسلام هَضَمَ حقها عندما فرق بينها، وبيّن الرجل في بعض مسائل الميراث، وذلك عندما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يُوص۪يكُمُ اللّٰهُ ف۪ي اَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْاُنْثَيَيْنِۚ[النساء 11]، ولو نظر دعاة مساواة المرأة للرجل في الميراث -بإنصاف إلى هذه القضية- لعلموا بما لا يقبل الشكّ أن الكمال كل الكمال في هذا التفريق.


سبق وبيَّنا: أنه لا يجوز أن نقول: إن الإسلام كامل في كلياته، ناقص في جزئياته، فلا يجوز أن ندعي كمال الإسلام في مجال العبادات، وندعي بالمقابل نقصانه في الحرب والقتال في سبيل الله مثلاً، فنحن نعتقد أن قول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [المائدة 3]،هو شهادة من الله بكماله في كل الجوانب ولا يوجد جزئية من جزئيات الشريعة، والحياة، إلا وهي تشير صارخة بكمالها، وكمال تشريعها.

نحن نعلم أن الإسلام بمعناه العام: هو الخضوع لأوامر الله عزوجل؛ فالله كتب الإسلام على الكون كله بكل ما فيه، فهو بكل ما فيه خاضع مستسلم منقاد لرب العالمين.

لقد أمرنا ربنا سبحانه أن نسجد له بجباهنا، ولكنه أمرنا بسجود من نوعٍ آخر، هو سجود العقول، والأفكار والمشاعر والأحاسيس؛ وذلك من خلال الخضوع لأحكام الله، وأوامره؛ لأننا آمنا بعقيدة مطلقة قام عليها الدليل العقلي، والنقلي أن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزل القرآن، وأرسل الرسل.

كما أن العاقل يتذوق الكمال الممزوج بصفحات هذا الكون، كذلك يجب أن يتذوق هذا الجمال في التشريع الذي تشتمل عليه صفحات كتاب ربنا، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك ولا ريب أنها ستُقِرُّ، وتعترف أن الإسلام كامل.

 

    • مهمات:

1. فرقٌ كبيرٌ بين من يمتنع عن الحرام؛ لأن الله تعالى قال عنه بأنه حرام، وبين من يترك الحرام، وهو يشعر بلذة الاستجابة لأمر الله، مع القناعة التامة بكمال هذا التشريع.

 

2. فرق كبير بين من تكون علاقته مع الناس مُسَيَّجة بسياج الخضوع لأوامر الله عندما يقول هذا حلال، وهذا حرام فقط، وبين من يرى أن هذه الأحكام التي شرعها ربنا هي عين الرحمة، والكمال، والفضل من الله سبحانه

قال تعالى:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ[الحجرات 7]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ[التوبة 128]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[الإسراء 9]، وقال أيضاً: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا[طه 124]، وقال أيضاً:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ  [الأنفال 24]، وقال أيضاً: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا  [الأنعام 122]، وقال أيضاً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل 97].

كل هذه الآيات تشير إلى عظمة الشريعة، وما فيها من أحكام شملت علاقة الخلق ببعضهم، وعلاقتهم بخالقهم سبحانه، فربنا كما علَّمَنا، وأرشدنا للعبادة، وكيفيتها كذلك أرشدنا للطريقة الصحيحة للتعامل مع الخلق، والسبيل الأمثل لها.

لا نستغرب عندما نسمع قول الله عزوجل يقول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  [آل عمران 110]، كيف وصلت الأمة لهذه الخيرية؟ لا شك عندما يكون ربَّان سفينتها شخص كرسول الله ، الذي أخذ بيدها، بعد أن كادت تغرق في أمواج الشقاء في عباداتها، ومعاملاتها.

لم يربِّ رسول الله صحابته على العبادة، وقيام الليل فقط، بل ربَّاهم ليكونوا قدوة لغيرهم في كل خير، ربَّاهم لنشر الخير، والأمن والرحمة لقد علَّمُوا الإنسانية معناهما من خلال الإسلام، لقد فتحوا العقول قبل الحصون، وأسروا القلوب بنبيل الأخلاق قبل أن يأسروا الصناديد الأبطال، مصداق قول الله عزوجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  [الأنبياء 107].

من المفترض أن البلاد التي هزَّ الإسلام حصونها، ودمَّر قلاعها؛ أن تخرج ثائرة ضد من مرَّغ كبريائها… المفروض أن تخرج ضدهم الثورات، كما يفعل كل شعب تعرض للانكسار و الهزيمة، لكن الذي حصل هو العكس، لقد أزال المسلمون الظلم عن هذه الشعوب بعد دخول أراضيهم، وما فرضوا عليهم الإسلام بقوة السِّنان، بل تركوهم وما يدينون. لقد دخل الإسلام آسِرَاً للعقول، والقلوب فبل أن يدخل الحصون والسدود.

إندنوسيا مثلاً أكبر بلد مسلم، لم يدخلها الإسلام بالسيف والقتال، بل دخلها بأخلاق التجار الذين يحملون كمال الإسلام، ونوره وهديه، صدق الله إذا قال: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء 9]، فهذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم تَمَثَّلَ في شخص رسول الله الأسوة الحسنة.

 

3. فرق بين أن نتكلم عن الإسلام على أنه موروث نتبادله عاطفياً، وبين أن يكون فكرة راسخة في عقولنا، ومبدأً نيّراً في أخلاقنا.

4. فرق بين أن تكون قضية كمال الإسلام خطبةً تُلْقَى على منبر، أو درساً يلقى في محراب، أو صفحة تكتب في كتاب، وبين أن تكون سلوكاً وواقعاً يعيشه المسلمون في حياتهم كلها؛ فيجب أن نخضع بعقولنا، وقلوبنا لأنوار قول الله عزوجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً [المائدة 3].

 

5. فرق بين أن ترى أحكام الله حواجزاً وسدوداً تقف في وجه مستقبلك، وبين أن تراها حواجز تحجزك عن أودية الهلاك دنياً وآخرة.

6. بعض الناجحين من شباب المسلمين الذين كان للدين الإسلامي، ولكماله الدور الأكبر في نجاحهم من خلال: تعاليمه، وأخلاقه، وتشريعه، عندما يقدم نفسه في شرقٍ، أو غربٍ تجده يتنكَّر لفضل هذا الدين العظيم، الذي لولا تعاليمه، وهداياته لما حصل له هذا النجاح، فتراه يقدِّمُ نفسه ناسباً إياها للمؤسسة التي تخرج فيها دون أي إشارة لصاحب الفضل في نجاحه!!

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخر الناس بقيس أو تميم

أنا الدَّاعي بإيماني أنا الإسلام رباني

سأُعْلِي رايتي دوماً وأحمي صف إخواني

شعاري دائماً واحد ودربي في الدُّنا خالد

نبينا للهدى رائد وبالإسلام أوصاني

لنا بمحمدٍ مثلٌ بالأصحاب نتصل

نسي هذا الناجح ما قدمه له المسجد، ونسي ما قدمته له الصلاة والقرآن، ونسي ما أرشده إليه الإسلام من كريم الأخلاق وجميل الطباع.

 

7. يسأل بعض الناس أين نِتَاجُ الإسلام؟ نقول له: لقد رأينا ثمار الإسلام في الرعيل الأول الذين رباهم رسول الإسلام فلم يكن أبو بكر الصديق ناجحاً في محرابه فقط، بل كان النموذج الأمثل للقائد والقيادة، ولو نظرنا لحال الصحابة بعد أن توفي قائدهم كيف استطاعوا، وخلال ساعات أن يختاروا من بينهم قائداً جديداً لهذه الأمة المحمدية، دون أي شحناء أو بغضاء أو حقد أو ضغائن، استطاعوا أن يختاروا أميراً جديداً دون أن تكون هناك أحزاب، ولا جماعات، بل إن التاريخ ليشهد كيف كان الناس يتدافعون خلافةَ رسول الله في قيادة الأمة كلهم يرفضها، وما سمعناه من بعض الخلاف لا يعدوا كونه تعبيراً عن الرأي الذي سمح به الإسلام.

 

وأخيراً أختم بنموذج فريد من النماذج التي ربى عليها الإسلام أبناءه قصة المرأة التي تقول لابنتها: “يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فقالت لها يا أمتاه وما علمت ما كان من عَزْمَةِ أمير المؤمنين اليوم؟ قالت وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت إنه أمر منادياً فنادى ألا يُشَابَ (يخلط) اللبن بالماء فقالت لها يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنك بموضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلاء” [2] 

هذه التربية في مدرسة الإسلام، هي التي أثمرت هذه الأمانة، والمراقبة لله عزوجل.

 

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه ابن سعد في الطبقات (1/192)، ابن أبي شيبة في المصنف (11/504)، الحاكم في المستدرك (1/35).

[2] أخرج القصة أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده.  

سلسلة كمال الإسلام في العقيدة والأحكام والأخلاق | المقالة الثانية | الشيخ أنس الموسى



        •  الإسلام والعبودية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

الله عزوجل خالق الكون، ومنزل الشرائع، وهو المنفرد بالإيجاد والإمداد، تفضَّلَ على الكون بالإيجاد من العدم، خلق الكون فأتقن صنعه، قال تعالى:﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ[النمل 88].

لا نرى في خلق الرحمن تفاوتاً، ولا خللاً، بل النظام والتكامل يسري في صفحات هذا الكون؛ لتكون صفحاته ناطقةً بوحدانية الله، وقيُّوميّته سبحانه، شاهدةً على قدرته وعظيم علمه سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ [تبارك 3].

خلق الله عزوجل الكون، وخلق الإنسان من هذه المكونات فالله سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[الرحمن 3-4] وسخَّرَ هذا الكون لخدمة هذا الإنسان.

 

يسأل الإنسان نفسه بعد أن خلقه الله، وأعطاه جسماً قوياً، وعقلاً مميِّزاً، وأعطاه من المَلَكَات، والإمكانيات ما تجعله سيداً في هذا الوجود: هل يا ترى خلقني الله بكل ما منحني إياه من خلق عجيب، هَمَلاً من غير وظيفةٍ، ولا هدف؟

هل يعيش الإنسان في هذا الوجود غارقاً في نِعَم الله مستمتعاً متلذذاً، يمارس ما يشتهي ويفعل ما يريد، ثم بعد ذلك ليس له وظيفة، وليس عليه التزامات كلَّفَهُ بها خالقه، وخالق هذا الكون؟

لو دخل إنسانٌ جامعةً مثلاً، ورأى فيها ما تَكْمُلُ به هذه الجامعة من مدرِّسِين وطلابٍ وبناءٍ منظّمٍ، ومختبراتٍ بحثيةٍ، وقاعاتٍ وكل ما يحتاجه الطالب ..ثم قيل لنا بعد ذلك: إن هذه الجامعة ليس فيها امتحانات، ولا تعطي شهادة دراسية في نهاية سنيّ الدراسة، والذي ينتهي من الدراسة فيها لن يعمل أي عمل، كيف سينظر هذا الشخص لهذه الجامعة؟ حتماً ستسقط هذه الجامعة من عيونه، ولقال: هذه جامعة لا فائدة منها. …إذا كان هذه شأن جامعةٍ لا تساوي شيئاً أمام خلق الله للكون، وما فيه من إتقان، وأمام خلق الإنسان، وما زوّده به من نِعم، حتى إن الكون كله مسخَّرٌ له، ثم بعد ذلك نقول: لا يوجد للإنسان واجب نحو خالقه؟!

كيف أتصور أن الله الذي خلقني وأوجدني من عدم ليس لي أي التزامات نحوه؟

هل من المعقول أن تكون القضية في الحياة أن يولد الإنسان فيمر بمرحلة الطفولة، ثم الشباب ثم الكهولة ثم الموت، وتنتهي القضية؟!

الحقيقة هذا الإنسان بمختلف مراحل حياته من الطفولة للشباب، للشيخوخة عليه التزامات؛ سيسأله الله عنها يوم القيامة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[المؤمنون 115].

 

ينبغي لكل عاقل أن يسأل نفسه هذه الأسئلة: هل وظيفتك أيها الإنسان أن تأكل، وتشرب حتى تنتهي حياتك فقط؟

كثيرون هم الأشخاص الذين يقضون حياتهم، وينظرون للخلف قائلين: لقد عملت كذا وعملت كذا، اهتممت بأولادي علمتهم، بوأتهم الجامعات، ربيتهم، وزوجتهم وأسكنت كل واحد بيتاً، وهيّأتُ لهم عملاً يناسبهم، وأنا الآن أدّيت رسالتي في الحياة، وانتهت وظيفتي فالآن أموت، وأنا مرتاح البال …هل هذا الكلام صحيح؟

لا شك أن الإنسان مسؤول عن تربية أولاده، وتحقيق الحياة الطيبة لهم، لكن هذا ليس كل شيء في الحياة هذه ليست الوظيفة الأولى، والأخيرة للإنسان، بل هذا جزء من وظيفته بل جزءٌ بسيط من مسؤولياته، ورسالته.

دعانا ربنا تبارك وتعالى أن نتعرف عليه فعرَفناه بأسمائه، وصفاته ثم بعد ذلك ألا يجدر بنا أن نسأل أنفسنا عن واجبنا أمام هذه المعرفة؟  

ينبغي لكل عاقل أن يسأل نفسه: ما هو واجبي نحو خالقي خالق الكون والإنسان؟

 ينبغي لكل عاقل أن يقف أمام هذه القضية، وهذه الحقيقة، أليس الله الذي إذا وقعتُ في مصيبة نجَّاني؟، وإذا سألته لبَّاني؟، وإذا كنت في شدة كشف عني البلاء؟.. أليس علي واجباتٍ نحوه؟

تَعلَّمْنا العقيدة، وآمنا بالله واليوم الآخر، وأن الجنة حق، والنار حق، ولكن بقي أن نسأل أنفسنا: ماهي الواجبات المترتبة نحو هذه العقيدة، نحو إيماننا بربنا، وما هي لوازم هذا الإيمان؟

الحقيقة إن الله قد بين لنا ذلك، وأجاب عن هذه التساؤلات عندما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات 56]

الله خلق الإنسان؛ ليكون له عبداً، لأنه الذي قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا[مريم 93]

العبودية وصف كتبه الله عزوجل على خلقه جميعاً عندما قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير [الأنعام 18] فما من مخلوق لله عزوجل إلا وهو مصبوغٌ بصبغة العبادة، والعبودية لله تعالى، فالكون كله يسبح بحمد الله مصبوغ بالعبودية له سبحانه قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[الإسراء 44].

 

  • العبودية نوعان: عبودية اضطرارية، وعبودية اختيارية.

عبودية اضطرارية: كتبها ربنا على كل واحد فينا على الصغير، والكبير المسلم وغير المسلم المؤمن والملحد التقي والفاسق، الصالح والفاسد.. الجميع عبد لله عزوجل، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير [الأنعام 18] ليس هناك مخلوق في الوجود يخرج عن العبودية لله سبحانه وتعالى، فلا أحد يستطيع أن ينفي أن الله خلقه إلا المكابر المعاند، لكن الأدلة شاهدة على خلاف ما يقول وينفي.

 من يستطيع أن يتنكر لفضل الله ويقول: إنه لا يأكل من رزق الله سبحانه، أو لا يخضع لسلطان الله أو يغيب عن علم الله؟

ليس للإنسان في العبودية الاضطرارية أي فضل بل الفضل أن يكون الإنسان عبداً لله باختياره، عبداً بإرادته، عبداً لله بسلوكه، عبداً لله بفكره، عبداً لله بعمله ظاهره، وباطنه.

نقول للملحد الذي ينكر وجود الله عزوجل: أنت فيك أمران عبودية قهرية اضطرارية خاضع لها شئت أم ابيت، ولْتَجْرُؤ أن تمتنع عن خالقية الله عزوجل لك، ورزقه لك، وحال مرضك، وعندما يدْهَمُكَ الموت ثم تبعث، وتساق مقهوراً لعبوديةٍ كتبها الله عليك حتى لو كنت ظاهراً تنفي وجود الله لكنك في الحقيقة مقهورٌ لعبوديةٍ كتبها الله عليك ولكنك أيها المسكين حُرِمت من عبوديةٍ اختيارية تَشْرُف بها في دنياك، وآخرتك.

 

العبودية الاختيارية: أن نعبد ربنا كما طلب منا، وأن تكون علاقتنا معه، ومع الخلق ومع الكون، كما يرضى ربنا تبارك وتعالى، هذا النوع من العبودية ينقسم إلى قسمين:

1-عبودية يمارسها الإنسان بينه، وبين ربه سبحانه وتعالى.

2-عبودية يمارسها الإنسان فيما بينه، وبين خلق الله عزوجل.

عندما أصوم وأصلي وأحج وأقرأ القرآن …أمارس عبودية وعبادة فيما بيني وبين الله عزوجل، ولكن عندا أبر والديَّ، وأصل الأرحام، وأحسن للجوار، وأصدق في المعاملات، وأعط كل ذي حق حقه أُكْرِمُ الزوجة، وأرعى الأولاد وأقوم بواجباتي نحو خلق الله عزوجل؛ فهذا مظهر من مظاهر العبادة لله عزوجل أمارسها في صورة علاقات اجتماعية، ومالية وما شابه ذلك.

 

من الخطأ حصر العبادة بالنوع الأول، وأن تنفصل العبادة عن النوع الثاني، والمعنى الثاني للعبادة.

من الخطأ أن يكون الإنسان عبداً لله فيما بينه وبين الله في صلاته وصيامه، ثم ينفك عن تلك العبودية في علاقته مع خلق الله عزوجل؛ فتراه يسيء للجوار، ويقصر في بر الوالدين، يغش في معاملاته المالية، إلى غير ذلك من صور التقصير. أليس هذا هو عين التناقض؟

 

الله الذي قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة 110].

هو الذي قال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[النساء 19].

الله الذي أمر بالصيام عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة 183].

هو الذي قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة 278].

الله الذي أمر بالحج عندما قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران 97]،

هو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا[النساء 58] يجب لزاماً أن نزيل أسباب التفريق بين نوعي العبادة، ينبغي أن نعبد الله بكلا العبادتين.

فالله الذي قال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا[الإسراء 23] فالإحسان للوالدين عبادة لله يمارسها الإنسان في صورة العلاقة الاجتماعية؛  لأن الذي أمر ببر الوالدين قال أيضاً: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَ الْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا[النساء 36] فهناك ترابطٌ بين بر الوالدين وعبادة الله، وعدم الإشراك به.

 

نرى تناقضاً في حياة بعض الناس يتمثل في الفصل بين عبادة تتم في المسجد سلوك خارج المسجد، فهناك حياة دينية مسجدية صلوات، وأذكار، ولكنك تجد إنساناً آخر في العلاقات الاجتماعية خارج المسجد، شخصية في المسجد، وشخصية أخرى مختلفة خارج المسجد.

الحقيقة إن هذا التناقض والفصام لا يرضاه ربنا سبحانه وتعالى؛ لأنه إخلال بالعبودية لله عزوجل فالمفروض أن تظهر العبودية في كل مفاصل الحياة؛ ومن هنا تظهر أهمية الإسلام، فالإسلام لا يأبه بالطقوس الشكلية، ولا يعتمد عليها؛ فهو لا يقبل عبودية في مكان، ولا عبودية في مكان آخر.

ها هو القرآن يعلمنا هذا فنراه يقول لنا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة 188].

ونرى المؤمن في محراب عبوديته لربه يتلوا قول الله عزوجل في أطول آية في كتاب الله عزوجل هي أية المداينة عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ [البقرة 282].

 

إن الإنسان ليعجب، وهو يقرأ في محراب عبوديته لربه قول الله عزوجل: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[البقرة 299].

ثم يقف خاشعًا لله عزوجل وهو يقرأ قول الله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة 178].

يتعجب الإنسان وهو يقرأ قول الله عزوجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيْمٍ[القلم 8] يقرأ كل هذا في محراب عبوديته لربه.

هذا أمر يجب أن نقف عنده ملياً، وأن نعلم أن كمال إيماننا يقتضي إصلاح ما بيننا وبين الله عزوجل، وما بيننا وبين الناس من خلق الله تعالى.

 

إيماننا بالله عزوجل يحتم علينا إحسان صلاتنا وصيامنا، وإحسان ببيعنا وشرائنا، وعلاقتنا مع أرحامنا، وجيراننا، ووالدينا، نتذوق قول رسول الله «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه» [1] كلمة عملاً تدل على عموم أنواع العمل الديني، والدنيوي، وهذا يدل على كمال الإسلام لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ[المائدة ]؛ لذلك فإن شرف العبودية لله تعالى تظهر في تكامل هذه القضية.

 

دين الله عزوجل لم ينزل لنطبقه في المسجد فقط، بل إن الإسلام دين أنزله الله عزوجل لنتعلمه في المسجد، ونطبقه في جزئيات حياتنا.  نتعلم في المسجد قول رسول الله «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» [2]، ولكن لا نطبق هذا في المسجد بل تطبيقه يكون خارج المسجد.

نتعلم في المسجد قول رسول الله «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» [3]، ونطبق هذا الحديث مع الجار في السكن والعمل.

أتعلم في المسجد قول رسول الله «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [4]، وأطبقه خارج المسجد في صورة علاقتي مع زوجتي وأهل بيتي.

أتعلم في المسجد قول رسول الله «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها ، وولده وهي مسئولة عنهم ، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» [5]، وأمارس ما تعلمته في علاقتي مع الناس، ومن هم تحت عهدتي.

النبي  من خلال مسجده المتواضع في الصورة والشكل استطاع أن يبني خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[آل عمران 110].

وأخيراً من أولى الواجبات أن نزيل هذا الفصام بين عبودتنا لربنا في صورة العبادات الشعائرية، وبين عبوديتنا لربنا في صورة العبادات التعاملية، وعلينا أن نتذكر أن هذا كله يدخل في عظمة قول الله عزوجل:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[المائدة 3].

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________________

[1] الطبراني، المعجم الأوسط (1/275).

[2] البخاري، الصحيح: كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه بعفاف ح (2076).

[3] مسلم، الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه ح (48886).

[4] ابن ماجه، السنن: باب حسن معاشرة النساء ح (1982).

[5] البخاري، الصحيح، باب قول الله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] ح (6756).

سلسلة كمال الإسلام في العقيدة والأخلاق والأحكام | المقالة الأولى | الشيخ أنس الموسى




          • مقدمة في الفوائد المرجوة من هذه السلسلة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

 لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ نريد أن نوضح الفوائد المرجوة من هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن كمال الإسلام في العقيدة والأخلاق والأحكام، فنبين أهمية توضيح كمال الإسلام للمسلم في حياته كلها.

 لقد اعتاد الناس الاكتفاء بالمحاضرات التي تتحدث عن الجانب العاطفي للإسلام، لاشك أن الحديث في هذا الموضوع له فوائد كثيرة، أقلها شَحْذُ الهِمَم لحب الدين، والذود عنه، وتطبيق أحكامه، لكنَّا أثناء ذلك سنكون أمام عاطفة غيرِ مَحْمِيَةٍ؛ وهذا يجعل الحاجة ملحَّةً للحديث عن هذا الدين من خلال العاطفة المسيجة بسياج العقل، والفكر والعلم، فالعاطفة الإسلامية وحدها تجعل المسلم مهيَّئَاً لكل فكرة، والتفاعل مع كل داعٍ؛ لهذا كان لابد أن تكون هذه العاطفة مسورة بأسوار الدين، والعلم والعقل، والفكر، فلا نقبل عاطفة هَوْجَاءَ، ولا نرضى بمشاعر غير منضبطة بأحكام الشرع والعقل، فسياج العاطفة هو: القواعد العلمية والوعي الفكري.

يُطْلَبُ من المسلم بدايةً أن يصحح عقيدته وفكره؛ فَيمْتَلِكُ فكرة يغذِّيها بالعلم والوعي، ثم بعد ذلك ينشأ عن ذلك عاطفةٌ، ومشاعر تملأ القلب، وتغذي الروح، ثم يثمر ذلك الأحكام والأخلاق.

اعتاد الناس تلقِّي الأحكام الفقهية الجزئية بشكل تفصيلي، كما اعتادوا الحديث في أمور العقيدة عن الإلهيات من حيث ما يجب لله سبحانه، وما يجوز، وما يستحيل، وما يجب في حق الرُّسل عليهم السلام، وما يجوز، وما يستحيل، وكذلك الحال بالنسبة للسمعيات المتعلقة بالاعتقاد (الأحكام العقدية التي يكون دليلها سمعياً)، ونحن أيضاً نريد من خلال هذه السلسلة الكلام عن أحكام الإسلام، ولكن بشكل شمولي كلِّي قبل الدخول بالمسائل التفصيلية الجزئية؛ لهذا نستطيع أن نحدد فوائد هذه السلسلة من خلال عشرة فوائد هي:

  • الفائدة الأولى:
    أن نفهم الإسلام فهماً شاملاً، لا فهماً تفصيلياً فنتعرف على العبادات مثلاً لا من حيث التفصيل، والدخول بالجزئيات، بل من حيث الفهم الكلي لمعاني العبادات، كخصائص، ومزايا، ومقاصد العبادات في الإسلام، وكذلك سنفعل عندما نتحدث عن المعاملات، فنتكلم عن الاقتصاد الإسلامي بضوابطه، وأفكاره الكلية وقواعده العامة وخصائصه ومزاياه، ثم نفعل الشيء ذاته عندما ننتقل للحديث عن نظام الأسرة فنتعرف على هذا النظام بنظرة شمولية إجمالية عامة؛ فنتكلم عن خصائص الأسرة، ومزاياها في الإسلام، وكذلك الحال عند تناول جانب العقيدة فنتكلم عن مزايا العقيدة الإسلامية وأساليبها وخصائصها والمقصود منها، وثمراتها في عرضٍ كلِّي يشكل السقف لمباحث العقيدة،  ثم ننتقل لمباحث الأخلاق الفاضلة؛ لنفهمها فهما شمولياً أيضاً فنتحدث عن مصادر الأخلاق، وكيفية التحلي بها.

  • الفائدة الثانية:
    بناء الثقة بهذا الدين وبهذه الشريعة في عقول وقلوب من يسمع بها، أو يؤمن بأحكامها، فيجب علينا قبل دعوة الناس للإسلام، وتلقي أحكامه أن نبني الثقة بهذه الأحكام، فقبل أن أطلب من الناس تطبيق أحكام المعاملات، وأحكام الأسرة مثلاً، يجب أن أبني الثقة بهذه الأحكام؛ لأبين أنها الأحكام الكفيلة بتقديم السعادة للإنسان؛ فتَذُوقَ نساؤنا مثلاً: المعنى التشريفي لقول الله عزوجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ[النساء 34]،  فهذه القَوامة التي اختص الله بها الرجال ليست انتقاصاً، ولا هضماً لحقوق النساء، بل هي تكليفٌ لجانب الرجل يستدعي تشريفاً.

يجب أيضاً أن نعيد الثقة بدين الله عزوجل في قلوب شبابنا، وأبنائنا في ظلال قول الله عزوجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا[طه 123- 124] وبقول الله عزوجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[الإسراء 9]، وأن نُذوِّقَ أبنائنا معنى قول الله عزوجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء 107].

 

  • الفائدة الثالثة:
    نستطيع من خلال هذه السلسة أن نبني المَلَكَةَ العلمية والفكرية في الدعوة إلى الله عزوجل للمسلمين، ولغيرهم، وتَمَلُّكُ حُسنِ العرض للإسلام، فالمسلمون يمتلكون هذا الدين العظيم متمثلاً بكتاب الله وسنة نبيه، ولكن كثيراً منهم لا يمتلك حُسْنَ العرض لهذا الدين، فحُسْنُ عرض البضاعة يحتل حيزاً كبيراً في حسن تسويقها، وإذا لم يكن عندنا التصور الشمولي لهذا الدين؛ قد يؤدي لخطأ العرض فنسيء للدين من حيث لا ندري.

  • الفائدة الرابعة:
    تحصين عقول الأمة وقلوبها من الشبهات الواردة على القلوب، والعقول فلا يوجد جزئية من جزئيات هذا الدين العظيم إلا وتَضرِبُها أمواج الشبهات، ولولا عَظَمة هذا الدين، وقوة الحق فيه لما استطاع الصمود أمام أمواج التشكيك العاتية، فنحن لا نستطيع حجب المواقع الالكترونية عن الناس، كما أننا لا نستطيع إغلاق القنوات الفضائية التي تبث سمومها صباح مساء، ولكننا نستطيع تحصين عقول، وقلوب أبنائنا من فتن الشبهات، والشهوات الواردة إلى قلوبهم، وعقولهم، من خلال المعرفة الصحيحة والواضحة لأحكام هذا الدين بما يحمله من عظمة وكمال وجمال ووسطية ومرونة، بحيث تشكِّل هذه المعارف في قلوب أبنائنا ثوابت لا يمكن التأثير عليها تحت ضغط أي شبهة أو شهوة.

  • الفائدة الخامسة:
    القدرة على الدفاع عن الإسلام بشكل علمي فأمة الإسلام لن تُعْدَمَ الحُرْقَة في قلوب أبنائها على هذا الدين، والتضحية من أجله، ولكننا قد لا نجد إلا القلة القليلة ممن يملكون الزاد الفكري، والعلمي للدفاع عن الإسلام، فعندما يدافعون عن الإسلام من دون علمٍ، ووعي؛ يؤدي هذا لخلل يقف عكس ما نطلب، فنريد أن نهيئ في هذه الأمة من يدافع عنها، ويرد سهام من يطعن بقرآنها، وسنة نبيها، الذي يمثل التطبيق العملي لهذه الأحكام.

  • الفائدة السادسة:
    تنقية الإسلام من المفاهيم المغلوطة التي علقت به عبْرَ تاريخها الطويل، ودخول الفلسفات الأخرى، ودخول المغرضين فيه، والضعف العلمي عند بعض أبنائنا الذين سمحوا لهذه المفاهيم الخاطئة بالدخول لهذا الدين، كما ظهر هذا في قضايا العقيدة، وقضايا الأسرة، وأن نحافظ على الفهم الصحيح الدقيق الذي فهمه سلفنا، وخلفنا، وأن نميز بين ما دونه علمائنا لمختلف علوم الشريعة، وبين ما لَحِقَ بهذه المدوَّنَات من تشويش، وتخليط وأباطيل.

  • الفائدة السابعة:
    نريد أن نتذوق كمال الإسلام، وعظمته بشكل علمي لا من خلال دعاوى عاطفيةٍ وظواهر صوتية، فمن السهل القول: بأن الإسلام دين عظيم يضمن السعادة للإنسان، لكننا لو سألنا من يقول هذا الكلام كيف يضمن الإسلام السعادة للإنسان؟ لوقف عاجزاً؛ لهذا نبحث عن المسلم الذي يتذوق هذه المعاني فنريد إيجاد المسلم المتذوق لكمال الإسلام كما تذوق رسول الله كمال الصلاة عندما قال في حقها: «أرحنا بها يا بلال».

  • الفائدة الثامنة:
    بناء الشعور الحقيقي بنعمة الإسلام التي وفدت إلينا من عند الله عزوجل، بل نريد أن نشعر بها كما نشعر بنعمة الطعام، والشراب، والصحة والعافية، ونعمة الولد وغير ذلك من نعم الله تعالى، وألا يكون فرحنا بهذه النعم أكثر من فرحنا بنعمة الإسلام قال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي[المائدة 3] فالنعمة التامة هي بهذا الدين، وهذه الشريعة كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ[الحجرات 17] وقال أيضاً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ[الأعراف 43]، وأن نشعر بقول الله عزوجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[آل عمران 164].

  • الفائدة التاسعة:
    تهيئة نفوس المخاطَبِين بالأحكام الشرعية، لقبول الحكم، والاستجابة له كما قال تعالى آمراً عباده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[الانفال 24]، فنعرِّفَهم معنى قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة 185] فليست البطولة أن تقول لشخص: هذا الحكم حرامٌ؛ بل البطولة أن ترى الوسيلة المناسبة لقبول هذا الحكم والرضا به رضاً يَشْعُرُ من خلاله أن هذا الحكم بالحرمة هو عين السعادة والرحمة من الله عزوجل.

  • الفائدة العاشرة:
    إزالة التناقض المزعوم بين قضايا الشريعة في كلياتها، وجزئياتها؛ فهناك من يتكلم عن مقاصد الشريعة فينسف الأحكام الجزئية لهذه الشريعة ويضرب الأحكام التفصيلية لها بمقاصدها، ويجعل التناقض المزعوم في أحكام الشريعة متمثلاً بحرفية النصوص الشرعية، وروح النصوص، مع أن كلاًّ من حرفية النصوص، وروح النصوص كلها تتجه لتصدق بقول الله عزوجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[المائدة 3].

وفي الختام نسأل الله أن يوفقنا لتحقيق هذه الفوائد من خلال هذه السلسلة، وأن يوفقنا لهذا في البدء والختام إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا، ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم. 

سلسلة يا باغي الخير أقبل | المحاضرة الثامنة | الثلث الأخير من رمضان | الشيخ أنس الموسى

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد:

فمع اللقاء الثامن من سلسلة “يا باغي الخير أقبل” ونحن نتحدث عن مكانة شهر رمضان والصيام فيه سنتحدث اليوم عن الثلث الأخير منه عن العشر الأخيرة منه.


  1. ها هي أيام رمضان تسارع مؤذنة بالرحيل، وها هي أيام العشر الأخيرة تحل لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط في أوله ولتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفَّى في ما مضى منه.
  2. ها هي صفوة أيام رمضان قد أهلت وجواهره قد أقبلت وشمس العشر الأخيرة منه قد أشرقت .
  3. تروي السيدة عائشة رضي الله عنها: «أنّ رسولَ اللهِ كانَ إذا دَخَلَتْ هذِهِ العَشْرَ الذّهَبِيَّة من رَمضان يَشدُّ مِئْزَرَهُ ويُوقِظُ أَهلَهُ، ويُحْيِي لَيْلَهُ» [البخاري 1941].. استنفار كامل لكل أهل البيت فلم يجتهد رسول الله وحده وبقية أفراد عائلته نائمون.

  4. العشر الأخير سوق يتنافس فيه أولو الهمم من المتنافسين، وموسم يضيق منه المفرِّطون، وامتحان تختبر فيه الهمم.
  5. ليال تَعْظُم فيها الهبات، وتنزل الرحمات وتقال العثرات، فطوبى لمن عرَف قدرها وأدرك عظيم فضلها.
  6. من تمام النعمة أن يوفقنا الله لاغتنام أيامها بالصالحات فسابقوا طالما في العمر بقية واغتنموا اللحظات فالعاقل من عرف شرف زمانه وقدَّر قدْر أوقاته، فمن الغَبْن البين تضييع هذه المواسم. تقول السيدة عائشة: «كانَ رسولُ اللهِ يَخْلُطُ العشرِيْنَ بصلاةٍ ونومٍ فإذا كانَ العَشْرُ شَمَّرَ وَشَدَّ المِئْزَرَ» [مسند أحمد24575].

  7. أحد الأسباب التي تجعل أيام الثلث الأخير من رمضان تفضل غيرها: أن أحد لياليها ليلة القدر التي قال عنها الله ﴿إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان3-4] فقد أنزل الله في تلك الليلة القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم بعد ذلك نزل مفرقا مُنجَّما بحسب الوقائع والأحداث.
  8. ليلة القدر ليلة ذات قدر وشرف، ذات خير وبركة قال فيها رسول الله «إنّ هذا الشّهرَ قَد حَضَرَكُم فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرِ من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ ولا يُحرَم خَيْرَها إلّا مَحْرُومٌ» [سنن ابن ماجه 1634]. فالعبادة في هذه الليلة أفضل من العبادة في ألف شهر.
  9. ليلة القدر هي ليلة سالمة من العذاب والشيطان، تنزَّل الملائكة في تلك الليلة إلى الأرض حتى تكون أكثر من عدد الحصى عليها.

  10. ليلةٌ من قامها إيمانًا بثوابها، واحتسابًا لأجرها غفر له ما تقدم من ذنبه.
  11. ليلة ارشدنا رسول الله  أن نكثر فيها من قول «اللّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
  12. أرشدنا رسول الله في هذا العشر أن نعتكف في المساجد وكم في هذه السنة من أسرار ودروس حيث يكون أنيس المعتكف ذكر الله والصلاة راحته والمناجاة متعته والتضرع لذّته، يرجع المصلون لبيوتهم بعد الانتهاء من الصلاة ويبقى هو في بيت ربه يرجو رحمته ويخشى عذابه.

  13. أيها الإخوة أيام شريفة تكاد أن تنتهي فكم من مستقبل لها لم يستكملها وكم من مؤمل أن يعود إليها ولم يدركها.
  14. أيها الإخوة أيامنا هذه أعظم الأيام فضلًا وأكثرها أجرًا يصفو فيها لذيذ المناجاة، كم لله فيها من عتيق من النار؟ المغبون من انصرف عن طاعة الله! مغبون من لم يرفع يديه بدعوة ولم تذرف عيناه دمعة!! حقّاً إن نَزْع لذة المناجاة من القلب أشدُّ ألوان العقوبات والحرمان..  فيا بؤس من لم تُقَل عثْرَته.
  15. أيامنا هذه تمر كطيف زائر في المنام تنقضي سريعًا؛ فليكن استقصارنا المدة معينًا لنا على اغتنامها.

  16. تذكروا أيها الإخوة أن هذه الأيام لن تعود إلا بعد عام كامل، ولا ندري ما الله صانعٌ فينا! فهل تعود علينا ونحن فوق الأرض أم تحت التراب؟
  17. يامن يريد القرب من ربه أين أولو الهمم؟ أين أرباب المجد؟ أين المشمِّرون؟ أين التجار الماهرون؟ أروا ربكم من أنفسكم خيرًا في يوم سيقال للسابقين الصائمين الصادقين الساجدين القائمين لرب العالمين: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ[الزخرف70]، ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[الأعراف 43].
  18. فيا ليلة القدر للعابدين اشهدي، ويا ألسنة السائلين جدِّي في المسألة واجتهدي،

يا رجالَ اللهِ جِدُّوا .. رُبَّ داعٍ لا يُردُّ ** ما يقوم اللّيلَ إلّا .. منْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ


اللهم يا حبيب التائبين، وأنيس المنقطعين، ويامن حنت إليه قلوب الصادقين: أسلُك بنا سُبُل الأبرار، وأعتق رقابنا من النار، وسلمنا لرمضان،، وسلمه لنا وتسلمه منا متقبلا يا عزيز يا غفار.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأميّ وعلى آله وصحبه وسلم.

سلسلة يا باغي الخير أقبل | المحاضرة السابعة | لا يا قيود الأرض | الشيخ أنس الموسى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

 فهذا هو اللقاء السابع في سلسلة “يا باغي الخير أقبل” نتحدث فيه عن أهمية، ومكانة شهر رمضان والصيام فيه.. الصيام الذي قال عنه رسول الله «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ماتقدم من ذنبه» [البخاري 38]، وقال عنه أيضًا: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» [البخاري 5927].

ولَئِن كان الصوم مدرسةً علمتنا كيف نصبر، ونتق فإنه أيضًا مدرسة تعلمنا الإخلاص لربنا سبحانه؛ لهذا سنتحدث اليوم عن مدرسة الإخلاص في شهر الصيام وسيكون اللقاء بعنوان “لا يا قيود الأرض”

نقول وبالله التوفيق:

      • ما السبب الذي جعل الصيامَ عبادةَ الإخلاص، ومدرسةً تعلم الإخلاص؟ الجواب:
  1. لأن داعي الرياء في الصيام ضعيف فهو عبادة تركٍ لا فعلٍ؛ فالفعل يُرَى أما الترك فلا يُرى؛ فيصوم المرء، وأقرب الناس إليه لا يعلم بحاله فالصيام لا يدخله الرياء بمجرد فعله بل بالإخبار عنه بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها.

  2. الصيام يُعَلّم الإنسانَ مراقبة الله عزوجل، يكون صائمًا في حر شديد، ويمشي في الحر لحاجته ومصالحه ثم يرجع لبيته وقد أحاط به الظمأ وكأس الماء البارد أمامه، أحبُّ إليه من الدنيا وما فيها، ثم يتوضأ ويتمضمض بالماء الذي يظمأ له ويجعله في فمه ولو ابتلع منه جزءًا يسيرًا يطفئ به ظمأه لما اطّلع عليه أحد، ومع ذلك يخرجه ولا يبتلعه لأنه يراقب الله فهو لا يحتاج لأجهزة مراقبة لأن الصيام ربّاهُ وهذّبَهُ.

  3. لقد عرفوا الإخلاص فقالوا هو التعرّي عما دون الله ، ونسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق. فالإخلاص خلاص لله ، وتجرد عن أوحال الطين فما صَدَقَ عبد في عبوديته لربه، ولأحد المخلوقين عليه ربانية. ففي الإخلاص خَلاصٌ من ذُلِّ العبودية للخلق، إلى عزِّ العبودية للخالق. ولو نَفَعَ العملُ بلا إخلاص فَلِمَ ذمَّ اللهُ المنافقين إذًا؟
  4. الإخلاص هو العبودية، والحرية بأكمل أوصافها، وأبهى معانيها، ونقصد بالحرية والعبودية: حرية القلب، وعبودية القلب؛ فالصائم يطرح من قلبه أغلالَ الرياءِ وقيودَ الأرض ليصير قلبه عبدًا حرًا مما سواه ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا[الأنفال 4].
     تَفيــض نُفــوسٌ بأوصــابها ** وتكتُـــمُ عـوَّادها ما بها
    وما أنصَفَت مهجة تشتكي ** جَوَاها إلى غير أحبابها


  5. الصيام مدرسة الإخلاص، وعبادة الإخلاص؛ لأنها عبادة خفية وسرٌّ بين العبد وربه ،لا يطّلع عليها ملك فيكتبها، ولا شيطان فيفسدها، ولا هوى فيُمِيلُها، فما صام منافق مراءً قطُّ؛ لأن الأعمال لا تستقيم إلا إذا استقام القلب، ولا يستقيم القلب إلا بإخلاص النية لله سبحانه؛ لهذا قال رسول الله «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

  6. الصيام مدرسة المراقبة فالصائم يراقب قلبه، ويرى ربه؛ لأن من يعمل عَمَلَ الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة نصيب؛ فالجنة لا تَطْلُب إلا قلباً خالصًا ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ [يوسف 79]، فالدنيا والآخرة ضَرَّتان من أَحَبَّ أحدهما أَضرَّ بالأخرى ومَن أضرَّ بأحدهما أحبَّ الأخرى فـ ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُوْن[هود 15-16].

  7. رمضان دورة تدريبية مكثّفة في تعويد الإخلاص ففي الحديث الإلهي: «يدع أحدُهم طعامَه وشهوته من أجلي» من أجل الله لا من أجل أحد من الناس لا محبةً لأحدٍ ولا خِشيةً من أحد؛ لهذا استحق الصيام أن يكون لله «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» وشتّان بين عمل تريد به وجه الله، وعمل تريد به مدح الناس، وثنائهم.
    رحم الله ابن عطاء الله السكندري عندما قال: “كما لا يُحِبُّ العملَ المشترَكَ لا يحب القلبَ المشترَكَ، فالعمل المشترك لا يَقْبَلُهُ والقلب المشترَكُ لا يُقْبِلُ عليه”.
    لقد أخذت دودة القزِّ تَنْسِج الحريرَ فأقبلت العنكبوت تتشبَّهُ فقالت: لكِ نَسْجٌ ولِيَ نَسْجٌ. فقالت دودة القزِّ: نسجي أَرْدِيَةُ بناتِ الملوك، ونَسْجُكِ شبكة الذُّباب وعندَ مسِّ النسيجين يظهر الفَرْق.
    كل عبادة قد يدخلها الرياء حتى الصلاة والصدقة، وحتى قراءة القرآن، والجهاد في سبيل الله.. إلا الصيام فإنه عبادة أُسُّها الإخلاص وسَدَاها ولُحْمَتُها الإخلاص، ولِريح المخلصين عِطْرِيَةُ القَبُول وللمرائي ريحُ السَّمُوم، فمن صام رمضان إيمانًا، واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه.
    لمّا مات علي بن الحسين، وغسَّلوه فجعلوا ينظرون إلى آثار سوادٍ في ظهره فقالوا ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُبَ الدّقيق على ظهره يعطيها فقراء المدينة، ولم يكن الفقراء يدرون من أين معاشهم. فلما مات علي بن الحسين فقد الفقراء ما كانوا يُؤْتَون به في الليل.

  8. إن الله ينظر للقلب فقط؛ فإذا اطّلع الخبيرُ البصيرُ على ما في الضمير، فلم يجد فيه غيرًا جعل فيه سراجًا منيرًا. فنعمت بضاعة الآخرة الإخلاص. لا يرتفع بها إلا المخلصون ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة 5] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الأنعام 162]  فالإخلاص انطلاق من قَيْد الأرض، وتحقيق لمعاني السمو ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة 38].
     قلت للصقر وهو في الجـــــو عالي ** اهبط الأرضَ فالهواءُ جَـــدِيبُ
     قال لي الصقر في جناحي وعَزْمي ** وعَنان السماء مَرعى خَصيبُ


وأخيرًا ما أحوجنا إلى الصيام، بل ما أحوجنا للإخلاص، بل ما أحوجنا للفرار من الرياء، والصيام خير عَوْن.

الإخلاص مِسْكٌ مصون في مُسَكِ القلب، نتعرف عليه بريحه، والأعمال بدونه قشر خال من اللباب، بل صور قائمة وأرواحها وجود سرِّ الإخلاص فيها.

فأخلصوا أيها الإخوة يَكْفِكُم العمل القليل.. فخَلِيجٌ صافٍ خيرٌ من بحر كَدِرٍ.

ويا رمضان: أطلق الروح من بحر الهوى لتحلق في فضاءات الحرية والعبودية.

 ويا إخوتاه: لا تكونوا كالمسافر يملأ جُرابَه رملًا يُثْقِلُه، ولا ينفعه.

يا رب: أيُّ حياة تلذّ، وتطيب وأنت علينا ساخطٌ؟!

يا رب: عبيدك سوانا كثير، وليس لنا سيدٌ ومولى سواك، فاقبلنا وتقبل منا قليل العمل.

اللهم أعنا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان.

آمين آمين

وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سلسلة يا باغي الخير أقبل | المحاضرة السادسة | الصبر مطيّة لا تكبو | الشيخ أنس الموسى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فهذه هي المحاضرة السادسة في سلسلة “يا باغي الخير أقبل” نتحدث فيها عن فضائل شهر الصيام، ومرابح الصائمين.. شهر رمضان الذي لاتنقضي نفحاته فكله هِبَات وعطايا، ومنح وبركات.

لقد تحدثنا في اللقاء الماضي عن مدرسة التقوى؛ ولأن التقوى لا تقوم إلا على ساق الصبر، واستكمالاً للحديث سنتكلم عن مدرسة الصبر في شهر رمضان، وسيكون اللقاء بعنوان: الصبر مطية لا تكبو.

نقول وبالله التوفيق:

  1. ذكرنا سابقًا أن العبادة إن لم يكن لها أثر في إثارة دوافع الخير لا فائدة من إتعاب الإنسان بها؛ فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه. فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش؛ هذا الذي يدفعنا للحديث عن خلق من أنبل الأخلاق التي يربينا عليها شهر الصيام، وهو خلق الصبر؛ فقد سمى رسول الله شهر رمضان بشهر الصبر عندما قال: «صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر» مسند أحمد 22560.

  2. الصبر أيها الإخوة أساس كل خلق عظيم، وتختلف أسماؤه باختلاف معانيه؛ فإن كان في حبس النفس لمصيبة سمي صبرًا، وإن كان في إمساك كلام سمي كتمانًا، وإن كان عن شهوة الفرج سمي عفة، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، وإن كان عن فضول عيش سمي زهدًا، وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلمًا فكل هذه المعاني يرجع معناها للصبر.

  3. حسبنا من خلق الصبر أنه يسهل على العبد مشقة الطاعة، ويهون عليه ترك ما تهواه النفوس من المخالفات؛ فإن كان الصبر يهون على أهل الدنيا مشاقها لتحصيل حطامها فكيف لا يهون على المؤمن ما يحبه الله لتحصيل النعيم في الدنيا والآخرة؟

  4. إن تحلّي المؤمن بخلق الصبر يظهر أثره على كل حياته فتراه يُقبِل على مشاقّ الحياة، ويترك سفسافها يحتسب كل ذلك في سبيل الله؛ فالصائم المحتسب إذا أوذي أو شتم لا يغضب، ولا يقابل الإساءة بمثلها، ولا يتجاوز في الرد عليها قوله: إني صائم. فحاله يقول لمن أساء إليه: افعل ما شئت فقد عاهدت ربي بصومي أن أحفظ لساني وجوارحي فكيف أخيس العهد؟؛ فيكون كخير ابني آدم عندما قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة، 28].


  5. فلئن كان الصوم قد علمنا أن نصبر اليوم عن طاعة واختيار؛ فنحن غدًا أقدر على الصبر والمصابرة في البأساء والضراء وحين البأس.
  6. ولئن كان الصوم قد علمنا كيف ننتصر اليوم على نفوسنا فلقد أصبحنا به أجدر أن ننتصر على عدونا.

  7. رمضان شهر الصبر؛ لأن فيه الصبر على فعل الطاعة، والصبر على ترك المعصية. فإن الصبر يكون على فعل المأمور، وترك المحظور، ويكون على المقدور، وإن الصبر على فعل المأمور، وترك المحظور أشد على النفس من الصبر على المقدور؛ لأن الصبر على المقدور يستوي به المؤمن وغيره فلا خيار لك على المقدور إلا الصبر.
    فالصائم يصبر على ترك طعامه، ومألوفاته، ومانُهي عنه وقت الصوم، ويصبر على ماتشتهيه نفسه وتطلبه؛ فيقول لنفسه بكل شجاعة ورباطة جأش: لا يا نفس لن تذوقي ذواقًا ولن تشربي شرابًا، ولن تنالي شهوتك حتى يأذن لي ربي.

  8. رمضان شهر الصبر لأنه يعودنا الصبر على ما فاتنا إدراكه من رغبة مرجوة، والصبرَ على ما أُعْوز نيله من مسرة مأمولة؛ فإن الصبر عنها يُعْقِبُ السُّلُو عنها فالأسف بعد اليأس خَرَق.

  9. رمضان شهر الصبر؛ لأن أمة الإسلام لا تَخرج عن سَنَن الله فهي عُرضة للحوادث والكوارث فتحتاج لصبر لا يفت من عضدها ولا يؤثر في سيرها.

  10. رمضان شهر الصبر لأن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس باد الجسد. فلا إيمان لمن لا صبر له كما قاله سيدنا علي رضي الله عنه.


  11. رمضان شهر الصبر لأن الله يحب الصابرين، ولأنه ما أعطي أحد عطاءً خير، وأوسع من الصبر، ولأنه إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، ولأن الناس إنما يتفاضلون بالصبر، ولأن الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم، ودعامة العقل، وبذر الخير وحيلة من لا حيلة له، فمن أجمع على الصبر في الأمور فقد حوى الخير والتمس معاقل البر وكمال الأجور، ولأن الله يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ[الرعد، 24].

  12. فيا أيها الصائمون هذا رمضان يعلمنا الصبر، ويربينا على خُلُقه فليكن لنا منه أوفر حظ، وأكمل نصيب، وليكن زادًا لنا فيما نستقبله من أعمارنا.

  13. فيا أقدام الصابرين احملي فلم يبق من دنيانا إلا القليل، ويا همة تطمع في بلوغ مرتقى رابطي واصبري وصابري.


اللهم أسبغ علينا سابغات صبر لتذوق أرواحُنا طعمه، فما أشد حاجتنا له.

اللهم أعنا على الصيام والقيام وسلمنا لرمضان وتسلمه منا متقبلًا.

آمين آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

سلسلة يا باغي الخير أقبل | المحاضرة الخامسة | خيرُ الزَّاد | الشيخ أنس الموسى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

 وبعد:

فهذا هو اللقاء الخامس من سلسلة “يا باغي الخير أقبل” نتحدث فيه عن مكانة، وأهمية شهر رمضان، واليوم بمشيئة الله سنتحدث عن الغاية الأولى للصوم، وسيكون عنوان لقاءنا ..خيرُ الزادِ

 

يقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة، 183].

إذا سمعت الله ينادي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فارْعِ للنداء سمعك؛ فإنه خيرٌ تُؤْمر به، أو شرٌّ تُنْهَى عنه.   

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: التقوى التي لا تكاد تمرُّ علينا خطبةٌ أو موعظةٌ إلا وتُذْكر، هي الغاية الأولى للصوم.

  1. فالغاية الأولى للصوم هي إعداد قلوب الصائمين للتقوى؛ لأن العبادة إذا لم يكن لها أثر في إثارة دافع الخير لا فائدة من إتعاب الجسد بها؛ لهذا كان من قول رسول الله «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْل فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
  2. التقوى هي الغاية التي تتطلع إليها أرواح الصائمين وتهفو إليها أسرار الصالحين المخبتين، والصيام أداة من أدواتها، وطريق موصل لها؛ فالصيام مدرسة تعليم التقوى.

  3. لقد اختلفت تعابير العلماء في تعريف التقوى لكنها جميعاً تدل على: أن يأخذ العبد وقايته من سَخَط الله، وعذابه. فالصيام جُنَّةٌ من النار، ووقاية من سخط الله.
  4. التقوى التي أوصى بها جميع الأنبياء أقوامهم كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ[الشعراء، 106]، وقال : ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ[الشعراء، 142]،وقال : ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ [الشعراء، 161]، وقال : ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ۝ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ[الصافات، 123- 124] لقد ذكرت التقوى في القرآن أكثر من مئتين وأربعين مرة.

  5. التقوى هي التي أوصى بها رسول الله أصحابه بعد أن وعظهم موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقال: «أوصيكم بتقوى الله» [أبو داوُد 4607، أحمد 17144].
  6. التقوى التي كان رسول الله يسألها ربه في سفره فيقول: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى» [مسلم 1345].

  7. التقوى هي المادة المميزة لأولياء الله بعد الإيمان به ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[يونس، 62- 63].
  8. التقوى هي سبب معية الله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ[النحل، 128].

  9. التقوى هي سبب دخول الجنة ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[آل عمران، 133].
  10. دخل سيدنا علي المقبرة فقال: (يا أهل القبور ما الخبر عندكم؟ إنَّ الخبرَ عندنا أنَّ أموالكم قد قُسِمَت، وأن بيوتكم قد سُكِنَتْ، وأن زوجاتكم قد زُوِّجت ثم بكى، ثم قال: والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى).حقاً أيها الإخوة: إنَّ خير زادٍ يتزود به المؤمن للقاء ربه سبحانه هو التقوى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ [البقرة، 197].

  11. التقوى هي وصية الفاروق عمر رضي الله عنه لابنه عبد الله يقول له: (أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله؛ فإن من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نُصْبَ عينيك وجِلاءَ قلبك).
  12. بل هي وصية رسول الله عندما قال: «اتّق الله حيثما كنت» [أحمد 21354].

  13. فالتقوى أيها الإخوة يحتاجها كل أحد؛ فيحتاجها الأب في تربية ولده، والزوجة في إدارة بيتها وتربية أولادها، يحتاجها العلماء قبل العامة، يحتاجها الكهل والشاب، والذكر والأنثى.
  14. رحم الله الإمام الغزالي إذ يقول: “أليس الله تعالى أعلمَ بصلاح العبد من كل أحد؟ ولو كانت في العالم خَصلة هي أصلحُ للعبد، وأجمعُ للخير وأعظم للأجر، وأجلُّ في العبودية، وأولى في الحال، وأنجح في المآل من هذه الخصلة التي هي التقوى؛ لكان الله أمر بها عباده”.

  15. التقوى هي الغاية التي لا مُتَجَاوزَ عنها، ولا مقصود دونها، الكافيةُ لجميع المهمات، المبلِّغةُ أعلى الدرجات.
  16. التقوى التي نتحدث عنها أيها الإخوة: ليست شعوراً جامداً محبوساً في قلب العبد لا أثر له ولا ثمر، بل هي حارس قائم في أعماق الضمير تحمل المؤمن على امتثال أمر ربه وترك نهيه، فكل حركة وسكون لا بدَّ فيها من تقوى الحي القيوم.
  17. إنّ علامة وجود التقوى ظهور أثرها على الجوارح.

  18. بعضهم لو قلت له اتّق الله لنظر إليك شَذَرَ مَذَر، ولرفع عقيرته وقال بلسان الواثق بنفسه ضاربًا بيده على صدره: التقوى هاهنا..التقوى هاهنا.
    كلّا أيها الإخوة: إنها كلمة حقٍّ أريد بها باطل؛ رسول الله يريد من كلامه أن التقوى هاهنا: أن أصلها، ومستقرها في القلب، فإذا نزلت في صدور أصحابها؛ ارتسمت بها أقوالهم، وأعمالهم، وأثمرت الفضائل والفوائد بما يصلح شأن الإنسان في الدنيا والآخرة.
  19. التقوى المنشودة أيها الإخوة ليست مسبحة درويش، ولا عمامة متمشيخ، ولا صومعة زاهد؛ بل هي إتقان وإحسان، علم وعمل..فيا أيها المسكين أنهكتك بوارق الشهوات، وأجهدتك قيود السيئات، ثم تقول: التقوى هاهنا!! انهض من فراش غفلتك، وابك على ذنوبك، واثأر من شيطانك، وحاصر سيئاتك ثم اضرب على صدرك ما شئت، وقل: التقوى هاهنا.

  20.  كما قال عمر بن عبد العزيز: “ليست التقوى بصيام النهار، ولا بقيام الليل والتّخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله: ترك ما حَرَّم الله، وأداء ما افترض الله”.
  21. التقوى التي تستيقظ في القلوب، وهي تؤدي هذه الفريضة هي التي تحرس قلوب الصائمين من إفساد صومهم بالمعصية حتى تلك التي تهجس في بالهم.

  22. التقوى لا تقوم إلا على ساق الصبر فإذا لم يكن من الحكم الخفيّة التي يتضاءل بجانبها ألم الجوع والعطش، والصبر عن الشهوات المباحة إلا الوصول للتقوى لكفى.
  23. وأخيراً إذا أناخت الجوارح رحالها عبوديةً لله، وتخففت من الرذائل واستجمع القلب قواه لطرد الإصرار على العصيان؛ فإن جنود البدن تصيح صيحة تكبير تهتز لها أركان الجسد كله معلنة انتصارها على النفس والشيطان : الله أكبر فزت وربّ الكعبة.

تلك عاقبة التقوى التي أراد الله أن يرشحنا لها بالصيام كنز عزيز.. هي أكرمُ ما أسررنا.. وأَزْين ما أظهرنا، وأفضل ما ادخرنا.

أعاننا الله وإياكم على تحصيلها في رمضان وأوجب لنا بها جزيل الثواب.

اللهم أعنا على الصيام، والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، وحققنا بـ (لعلكم تتقون).. آمين.. آمين. 

وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

سلسلة يا باغي الخير أقبل | المحاضرة الرابعة | تاج الشهور وبركة الأيام | الشيخ أنس الموسى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذا هو اللقاء الرابع من سلسلة: “يا باغي الخير أقبل” نتحدث فيها عن مكانة رمضان والصيام فيه، وقد تحدثنا في اللقاء الماضي عن أهمية ومكانة شرعة الصيام بغض النظر عن كونه في رمضان أو في غيره، واليوم سنتحدث عن مكانة شهر رمضان على وجه الخصوص، وسيكون عنوان هذا اللقاء: “تاج الشهور وبركة الأيام”.

 

والحق أيها الإخوة أنه لم يبق جانب من جوانب الصيام إلا وتحدث عنه الباحثون المسلمون، فالناس يتحدثون عن مكانة الصيام وفوائده مُذ فرضه الله عز وجل إلى الآن، وفي كل فائدة من فوائده يزداد المسلم يقيناً وثقةً بدينه إلى حكمة الله سبحانه في تشريع هذه الفريضة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في هذا اللقاء لمعرفتها والدلالة عليها.

 

نقول وبالله التوفيق:

– هناك صورتان لشهر رمضان يرى الناس من خلالهما شهر الصيام، ولكن كلٌ بمنظاره:

  • الصورة الأولى: شهر رمضان الذي يُلْزِم النفسَ الجوع والعطش، ويمنعها مألوفاتها ومرغوباتها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فيُلزمُ المدخّنَ ترك دَخِيَنِته التي تعلّق بها، والجائعُ والعَطِشُ يرى الطعام والماء أمامه ويُمنع من تناوله، والشاب تتوق نفسه لأهله وهي بجانبه فيؤمر بالإمساك والكفّ والامتناع، بل ويسُبُّك شخصٌ تحسبه تافهًا ويشتمك فتؤمرُ بكظم غيظك وكبت غضبك، بل لا تزيد في الرد عليه إلا قولُك: إني صائم، إني صائم.

إلى غير ذلك من ألوان المنع، فهو لون من الحرمان الإلزامي الإجباري، يُضْجِرُ الإنسانَ فيحتال للتغلب عليه، فهو شهر مزعج ثقيل أتى يحمل جوع البطن وعطشها، وجوع الجوارح أيضًا، لهذا: فما إن يضرب مدفع الإفطار حتى يشعر الصائم بشعور مسجون قد فُكَّ إساره فينطلق إلى ما مُنِع عنه ورَغب فيه وقت الصيام، فيقبل عليه إقبال المحروم المنتقم الساخط، وكأنه يرغب بالانتقام، كما قال الشاعر:

إذا رمضان جاءهم أعدوا

مطاعم ليــــس يُـدْركـهـــا انـهضــــام

وقــالوا يا نهــار لئن تُجِعْنـا

فإن اللـيـــــل منـــك لـنــــا انتـقـــــامُ
هكذا ترى شريحة من الناس الصورة الأولى لشهر رمضان.

 

  • لكن هناك صورة أخرى تراها أيضا شريحة كبيرة من الناس، وترى أن هذه الصورة جديرة أن تمحو كل آثار الصورة الأولى القاتمة المزعجة، فهم يرون رمضان بأنه:
  1. الشهر الذي يذلل النفس، ويطبعها على الطاعة حتى تكون طوع اليدين، ولا تكاد تعصي للصائم أمرًا، ولا تأبى عليه مرادًا، فشهر رمضان يروّض الصائم أياما كل عام على ضبط الإرادة وتوثيق العزم.
  2. شهر رمضان جعله الله شهرًا يتدرب المؤمن فيه على حُكم نفسه ليأخذ بناصية هواه وشهواته، وليكون ممن هُيِّئُوا للحسنى وزيادة، فطوبى لمن ترك شهوةً حاضرةً لموعد غَيْبٍ لم يَره.

  3. شهر رمضان شهر كلفة ومشقة لا شك في هذا ولا ريب، ولكنها مشقة لا بد منها وحرمان لا فِكاك عنه لرياضة النفوس وتهذيبها، فهو عظيم الأثر في توطين الإنسان على ما يكره، فقَلَّ أن يَحمل الإنسان نفسَه على ما تكره إلا في رمضان، وقلّ أن يغيّر الإنسان أسلوب عيشه ويخرج من هذه الدائرة المفرغة إلا في رمضان.
  4. شهر رمضان الذي يدرب على السيادة والقيادة، سيادة النفس وقيادتها وضبط زمامها، فقد شرع الحق شهر رمضان لإعداد هذا الكائن البشري، وتهيئته للكمال المقدّر له في الحياة الأخرى.
    لقد كان بالأمس يصون لسانه عن قبيح القول، فأصبح بالصوم يصونه حتى عن رد الإساءة وإجابة التحرش والاستفزاز، ولا يزيد على قول: إني صائم، ففائدة الجوع والحرمان – أيها الإخوة – إنما هو سبيل التهذيب الخلقي والكمال الإنساني، فكل مشقة فيه محبَّبَة، والكريه سائغ مقبول.

  5. شهر رمضان ينشر في المجتمع روح العبودية لله عز وجل فقط، فهو يجرد الصائم من عبادة شهواته واسترقاقه لعاداته، ويسمو بنفسه أن تخضع عبودية لغير الخالق سبحانه؛ فالإنسان الذي تحكمه عاداته يصبح عبدًا لها، ويتخلى عن شيم الأحرار الذين يعملون في حرية واختيار؛ فشهر رمضان يؤهل الصائم ليصبح ملكا؛ لأن صاحب الشهوة عبدٌ، وإذا ملك الشهوة أضحى ملكًا.
    يخاطب الصائم العبدُ الحرَّ شهواتِه قائلا:

تنحي عن طــــريقي إن روحي

 
لتأبى أن تُــكـبّـــــل بالــقـيـــــــــودِ

على حرب الهوى عاهدتُ ربي

 
وإني لــــــســتُ أنكثُ بالعهـــــــودِ

فالله ليس محتاجًا أن ندع طعامنا وشرابنا، ولكن ليشهد حالنا أن نداء السماء أعز علينا من شهوة الجسد، فرمضان هو المعلم الذي يبرهن على أن ترك المباحات إنما هي رسائل لغايات أهم وأجل، وهي إثبات العبودية لله، وحسن الخلافة في الأرض.


6. شهر رمضان الذي يؤوب فيه الناس لربهم فتمتلئ المساجد بالمصلين الذاكرين، دخلوا بيوت الله بقلوب ملؤها الرجاء، قطعوا أسبابهم من عالم الأرض وتوجهوا إلى الله وحده، علموا أن شهر رمضان هو الشهر الذي إذا جاء:

أ- فتحت أبواب الجنة، وغلِّقت أبواب النار، وصفدت الشياطين.

ب- من صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.

ج- فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم.

د- فيه عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة.

7. فقليل هم الذين يعرفون من دهرهم ساعات السَّحر ونسمات الفجر، لكنهم يعيشونها ويتعرفون عليها في شهر رمضان، ينادَى على الصائم فيها:

يا بـــاغي الخير هذا شهر مكرمة

 

أقبل بصــــدق جزاك الله إحســــــــانًا

أقــــبـل بجودٍ ولا تبخل بـــــنافلةٍ

 
واجــعل جبينك بالســـــجدات عنوانًا
 

8. فيتجلى في شهر رمضان شرف الزمان حيث تعظم الأجور، فعمرة في رمضان كحِجة مع رسول الله ، والصدقة فيه ليست كأي صدقة، ومأدبة القرآن ليست كأي مأدبة.

9. شهر رمضان الذي تتحقق فيه معاني الإنسانية والمساواة بين الناس، فلا يجوع واحد ويُتْخَمُ آخر، بل يشترك الجميع في الحرمان، فيشعر الغني بلذعة الجوع ليتذكر فيما بعد قول السائل: إني جائع، ويتعرف الفقير أيضا نعم الله عليه عندما يعلم أنه حتى الغني يتمنى رغيف الخبز، وجرعة الماء.

فهو شهر يخرجنا من أنانيتنا، ويأخذنا قسرا إلى الضعيف والمحتاج وذا الحاجة، نحس بجوعهم ومعاناتهم إحساسا شعوريا وجدانيا، فمن عاين ورأى ليس كمن سمع.

 

10. شهر رمضان الذي يُعْطى فيه السائل ويُغْفر الله فيه للتائب، وترتبط الحبال وتتصل بحبل الله الذي لا ينقطع، فتحس القلوب والأرواح والأسرار حرارة القرب، وتشعر بلذة الرضا والقبول لذة لا تعادلها لذاذات الدنيا كلها.

11. وأخيرًا: أتى رمضان، وسيمضي كما مضى غيره من الشهور.

 ألا خاطبٌ في هذا الشهر للرحمن..؟ ألا راغبٌ فيما أعده الله للطائعين في الجنان؟ ألا طالبٌ لما أخبر الله به من النعيم المقيم مع أنه ليس الخبر كالعيان؟

 

اللهم كما بلغتنا رمضان، أعنّا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان، وحقّقنا بأسراره ومعانيه.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.