سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الثامنة والأربعون| التربية الجنسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

محور اللقاء في هذه المحاضرة موضوعٌ، قد يستهجن الحديث عنه كثير من الناس مع أنه من القضايا الهامة التي ينبغي أن نركز عليها في موضوع تربية الأولاد، ألا وهو قضية التربية الجنسية.

موضوع التربية الجنسية لا يخلو عنه بيت، ولا شخص؛  لأنه يتعلق بشيء فَطَرَ الله الناسَ عليه، فمن الفطرة ميل الذكر للأنثى، والأنثى للذكر، ومن غير الطبيعي أن تكون هذه الشهوات جامحةً؛ تفضي لنتائج سيئةً على مستوى الفرد والمجتمع.

نلحظ في تصرفات أولادنا، وسلوكهم بعض الأخطاء الجنسية التي تتنافى مع مبادئنا، وما ربانا الإسلام عليه.

يخطئ الناسُ كثيراً في عدم الحديث عن هذا الموضوع، واعتباره أمراً معيباً يقدح الحياء؛ ويرجع هذا إلى أن الناس اعتادت الحديث عن هذه الأمور بشكل فاضح، ولم تتناوله من باب تسيج الفطرة بسياج العفة،؛ بحيث يكون هادفاً يحمي مبادئ الإسلام التي ربانا عليها ديننا.

تكمن أهمية الحديث عن التربية الجنسية، أنها توجهنا إلى كيفية ضبط العلاقة بين الذكور، والإناث في البيت الواحد، وكذلك كيف نحمي أولادنا من الكوارث التي تنتشر في الشارع، والبيوت، وغيرها من الأماكن العامة، والخاصة. كيف أتمكن من هذا دون الوعي المتعلق بالقضايا الجنسية؟

مهمة: يُعاب على المسلمين عدمَ تدريس أولادهم قضايا التربية الجنسية!! ولكن قبل الإجابة عن هذه الشبهة لابد من تحديد المقصود بالتربية الجنسية – عند المعترضين علينا – وبيان المقصود بمصطلح التربية الجنسية عند المسلمين.

 فهل المقصود بالتربية الجنسية تعليم الأولاد قضايا الغسل، والطهارة من الأحداث، وأحكام الحيض والنفاس، وموجبات الغسل، وآداب الزواج، وأحكامه؟

 لو كان هذا هو المراد من التربية الجنسية؛ فالإسلام سبّاق إلى بيان هذه الأمور؛ فلا تكاد تجد كتاب فقه، إلا وتحدث عن هذه الأمور، وذكرها بالتفصيل.

لقد تناول الإسلام هذا الموضوع بشكل عفيف مؤدب، وقد ضرب القرآن مثالاً لهذه العفة، في قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز، فهو موقف إثارة جنسية؛ حيث تُفْتَن امرأةٌ بسيدنا يوسف الذي أعطاه الله حسناً تفتن به النساء فقال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف 23]. 

لقد ذكر القرآن كلام امرأة العزيز مختصراً مجملاً ﴿هيت لك﴾، لكنّا نجده قد فصَّل في كلام يوسف عليه السلام؛ لأن المقصود من ذِكر كلامه تدريب الشباب على العفة، والثبات أمام المغريات، وكيف تكون صور العفة، لا تدريبَ الفتيات على الفتنة. 

لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أصنافٍ من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله فقال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ العَادِلُ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، فَقَالَ: إنِّي أخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخْفَى حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [1].

أما التربية الجنسية عن غير المسلمين: فإنا نجدها تقتصر على تعليم الشباب كيف يمارسان العلاقة الجنسية بحريةٍ كاملةٍ من غير تبعاتِ الحمل، والإنجاب، وغير ذلك  مثل كيفية اجتناب بعض الأمراض المعدية.

لو تركنا الحرية الكاملة للشهوات؛ لغدت مدمرةً ترجع تبعاتها على الأسرة حيث ضاعت معاني الأسرة، والترابط الأسري، وكذلك ترجع تلك التبعات على الطفل الناتج من السفاح؛ حيث يبقى ذلك الطفل لاتربطه علاقة قربى مع أي أسرة، بل أسرته التي ينتمي لها  مجرد رقم يميزه عن غيره؛ لهذا ربنا سبحانه عندما ذكر آيات تحريم الزنا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء 32]،  أعقب ذلك بقوله بعد هذه الآية مباشرة من نفس السورة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء 33]؛ السبب: أن الزنا من حيث النتيجة قتلٌ معنويٌ للفرد، والأسرة، والمجتمع؛  لهذا لم يسمح الإسلام بتفريغ الغريزة الجنسية خارج إطار الزوجية وعقد النكاح؛ ليكون الزواج محمياً بواجبات الأسرة، وتعاليمها.

  • من ضوابط التربية الجنسية المهمة:

وجوب التفرقة بين الذكور والإناث في المعاملة والتربية، فأعامل الذكر معاملة الذكور، والأنثى معاملة الإناث، فلكلٍ منهما تركيبه، وخلقته، وواجباته؛ فنربي الذكر على أخلاق الرجولة، وقيم الرجولة، وغَيْرةِ الرجولة، وقوة الرجولة،  كما نربي الفتاة على أن تكون أنثى تحمل مبادئ المرأة الصالحة، وعواطف المرأة الصالحة وأحاسيسها، وعفَّتِها، وحياءها؛ حتى نستطيع تحقيق التكامل الفطري بين الجنسين، والتغاير بينهما.

عندما انحرفنا عن الفطرة ضاعت معاني الرجولة؛ فصارت المرأة في كثير من الأحيان مكتسبة لصفات الرجال، والرجلُ متخلقاً بأخلاق النساء، وهذا خلل في التربية ينتج عنه خللٌ في الوظائف المتربة على كلا الجنسين؛  لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعَنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُخَنَّثي الرِّجالِ الَّذين يتَشبَّهون بالنِّساءِ، والمُتَرجِّلاتِ مِن النِّساءِ، المُتَشبِّهين بالرِّجالِ، والمُتَبتِّلين مِن الرِّجالِ، الَّذين يَقولون: لا نَتَزَوَّجُ، والمُتَبَتِّلاتِ مِن النِّساءِ، اللَّائي يَقُلنَ ذلك، وراكِبَ الفَلاةِ وَحْدَه. فاشتَدَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتى استَبانَ ذلك في وُجوهِهِم، وقال: البائِتَ وَحْدَه» [2].

و تجدر الإشارة إلى أنه لابد من البدء في تربية الأولاد على هذه المعاني منذ الصغر والطفولة؛ فالليونة عند الرجال مظهرُ ضَعْفٍ، وعند النساء مظهر تَكامُل، والعاطفةُ الزائدةُ عند الرجال مظهرُ ضعفٍ وعند النساء مظهر تكامل.   

الانحرافات الجنسية في غالبها لم يكن مخططاً لها فلا أحد يرغب بانحراف أبنائه، ولكنها خطواتٌ خاطئةٌ في التربية، سكتنا عنها، ثم ندمنا بسبب الإهمال ندماً شديداً.

  • أهم الأسباب التي تحمي أولادنا من الانحراف الجنسي:
  • 1- ستر العورات في البيت، وخارجه، فالبيت الذي لاتراعى فيه أحكام العورات؛ هو اتباع لخطوات الشيطان، وعندما يتهاون الوالدان في ستر عوراتهم؛ يتهاون الأولاد في سترها أيضاً، فالإسلام أمر بستر العورات كما أمر باتقاء الفتن،فاحياناً يؤمر الرجل، والمرأة بستر ما لا يدخل تحت حدود العورة؛ إذا كان فتنةً؛ سداً للذرائع التي تترتب عليه.
  • 2- تعليم الأولاد آداب الاستئذان؛ تجنبا لاطلاع الأولاد على عورات أمهاتهم، وأخواتهم، وأقاربهم، وقد سألَ رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «يا رسولَ اللهِ أستأذنُ على أمي ؟ قال : نعم ، قال الرجلُ : إني معها في البيتِ ، فقال لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أتحبُّ أن تراها عريانةً ؟ قال : لا ، قال : فاستأذِنْ عليها» [3].

 و قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور 59].

  • 3- تنبيه الوالدين على الضوابط الشرعية في علاقاتهم الزوجية الواجب مراعاتها في البيت عند وجود الأولاد، فاطلاع الأولاد على العلاقة الخاصة بين الوالدين؛ يؤثر سلباً على نفسية الطفل، وتُحْدِثُ عنده تشوهاً فطرياً ونفسياً، وربما أدى ذلك لأن يفعل الطفل مع أخته أو أحد أقاربه ما رآه بين والديه؛ تقليداً لهما، وسبب كل ذلك عدم مراعاة الضوابط الشرعية والأدبية في البيت.
  • 4- تحذير الأولاد من رفاق السوء الذين قد يفسدوا الابن والبنت؛ لأن الأولاد مهيؤون – بما يحملونه من غرائز جنسية –  للانحراف، وكم ندِمَ الآباء والأمهات من تقصيرهم في معرفة أصدقاء أولادهم.
  • 5- التحذير من القَصَص، والكتب، والصور التي توزع بقصد إغراء الشباب، وإفسادهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور19]، لأن هذا فيه تدمير لأخلاق الشباب، وإعانةٌ للشيطان في نشر الفاحشة.
  • 6- وسائل الإعلام تحتاج إلى مراقبةٍ وضبطٍ؛ لما تحمله من عوامل هدمٍ لقيم أبنائنا، وعفتهم، وحيائهم.

* الأشياء التي يجب ترسيخها في نفوس الأولاد؛ وصولاً للتربية الجنسية الصحيحة:

* أ- تعظيم الله عزوجل في السر، والعلانية، وتعظيم مبدأ المراقبة لله عزوجل: قال تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه 7]، وقال تعالى أيضاً: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر19]؛ فأعلِّمُ ولدي مراقبة الله، لامراقبة والديه فقط، أو الناس، وأنه قد يغيب عن أعين الناس، لكنه لن يغيب عن نظر ربه وعلمه.

* ب- تربية الولد على الآداب الإسلامية منذ الصغر؛ فأغرسُ في نفس الفتاة، وذهنها أهمية الحجاب، وأربيها عليه، وأشجعها، وكذلك أربَّي الولد على ستر العورات.

* ج- يجب أن نربي أولادنا تربيةً عمليةً بأن يرى الولدُ في والديه الحشمةَ، والستر في البيت، وخارج البيت، وأن ترى الفتاة أمها كيف تحافظ على حجابها؛ فيترسخ حبُّ الحجاب في نفسها.

* دنذكر لأولادنا قصص القرآن، والتاريخ الإسلامي، وما يحمله أبناؤه من معاني العفة، والطهر كقول الحارث بن سليل:  “تجوع الحرةُ، ولا تأكل بثديَيْهَا”، أي: تموت، ولاتبيع عرضها، ونذكر لهم قول سيدنا يوسف عليه السلام، بعد دعوة امرأة العزيز له للفاحشة ، وكيف فضَّلَ السجن على الفاحشة: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف 33].

* ز- نبيِّنُ للأولاد خطر الانحرافات الجنسية، وما يترتب عليها من أمراضٍ خطيرةٍ؛ كمرض: الآيدز، وغيره من الأمراض التي تنشأ من العلاقات المحرمة خارج نطاق الزوجية.

* و- لابد أن نربي أولادنا على ستر عوراتهم، ونعلمهم صونها عن أن يراها الناس، وإلا اعتادوا كشفها.

* ت- نرسخ عند الأطفال مفهوم الطهارة، وموجبات الغسل، وكيف يتطهر الشاب من الجنابة، والفتاة من الحيض، ونذكر لهم أنهم عندما يكبرون ستكون هكذا طريقة اغتسالهم، وأُلْمِّحُ لهم ببعض ما يتعلق بالبلوغ، وأحكامه، وأن الإنسان يصل للبلوغ لو وصل لسن الخامسة عشرة، وأذكر لهم بعض علامات البلوغ، كخروج شعر الإبط ،وحول العانة، وأن هذا من علامات البلوغ، التي يصير فيها الشاب مكلفاً، ولا نسمح للأولاد تعلُّمَ هذه الأمور من أصدقائهم، وعند وصول الأبناء لسن البلوغ؛ أهيئ لهم الظروف المناسبة للاغتسال، فيما لوكانوا محتاجين للطهارة من الجنابة دون إحراجهم؛ فالولد يستحيي من والديه، وربما صلى بدون طهارة؛ حياءً منهم.

* ث- ترسيخ معاني فصل الذكور عن الإناث التي تحدثنا عنها سابقاً.  

* ش- ليحرص الوالدان على مراقبة أولادهم ذكوراً، وإناثاً عند اقترابهم من سن البلوغ؛ فلا يتركوا أولادهم يخلُونَ بأنفسهم دون سببٍ؛ حتى لايسيروا مع أنفسهم، ومغريات الشيطان، فلا يسمحوا لهم قضاءَ أوقاتٍ طويلةٍ في الحمام مثلاً، ولا يسمحوا لهم مسَّ أعضاء الذكورة، والأنوثة، كما لا يتركوا الأولاد البالغين حديثاً مع بعضهم في خلوة؛ فالأولاد يتعلم بعضهم من بعض الأشياء السيئة، وأذكرهم دائما ًبقول الله عزوجل: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور 30]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لأن يُطعنَ في رأسِ أحدِكم بمخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لاتحلُّ له» [4].

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية، وارزقنا الحكمة، والتوفيق في اتباع أفضل الوسائل، وسلوك أنجع الطرق في تربية الأولاد.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

__________________

[1]: صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، 1423.

[2]: مسند أحمد، 7891.

[3]: المراسيل لأبي  داوود عن عطاء بن يسار، 508.

[4]: الترغيب والترهيب، 3/ 89.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة السابعة والأربعون| التربية الصحية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

نحن نعلم أن هناك تربية عقلية، وخلقية، ودينية، واجتماعية للطفل، وقد تكلمنا عنها في المحاضرات السابقة، واليوم نريد أن نتكلم عن المسؤولية الصحية، التي يجب على الوالدين مراعاتها في تربية الأولاد. هذا النوع من التربية يُهمله بعض الناس من جهة، وبعضهم يعتبره أمراً جانبياً ليس للدين علاقةٌ به، حيث يعتبرون الحديث عن هذه المسائل من باب الحديث عن القضايا الطبيةٌ. والحقيقة إن هذه المسائل دعا إليها الإسلام بل، وحث عليها.

فكما يجب على الوالدين أن يهتما بأخلاق أولادهم، يجب أن يهتما بتربيته الصحية وهذا من منطلق ديني دعاهم إليه الإسلام.

أكثر الآباء يهتم بصحة ولده، من منطلق الأبوة، لا من كونه واجباً دينياً أمر الله به، فالإنفاق على الولد؛ لمداواته، من أجرة الطبيب، وثمن الدواء، والعلاج، وغيره إما أن يكون نابعاً من ابتغاء الأجر من الله، أو دون أجر.  

لقد حافظ الإسلام على صحة الطفل، وحرَّم كل ضررٍ يعود على الجسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاضرر ولا ضرار» [1]، وقد لاحظ الإسلام هذا من زاويتين:

  1. الوقاية قبل الداء؛ بأن يجتنب ما يضره.
  2. التداوي بعد وقوع المرض: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [2].

وقال ربنا سبحانه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة 247]، وقال أيضاً: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص 26].

 فجعل ربنا مثال التفاضل، القوة في الجسم، مع العلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذْنِ اللهِ عزَّ وجلَّ» [3]؛ فعلِمْنَا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أمرنا بالتداوي.

بعض الناس يترك التداوي؛ وهذا ليس من منهج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنحن بشر شرع الله لنا التداوي عند المرض، وقد سأل الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التداوي كما في الحديث: «شَهِدْتُ الأعاريبَ يسألونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هلْ علينا جناحٌ في كذا وكذا فقال عبادَ اللهِ قدْ وضعَ الحرجَ إلا امرأً اقترضَ مِنْ عِرضِ أخيهِ شيئًا فذلكَ الذي حرِجٌ وهلكَ قالوا يا رسولَ اللهِ هلْ علينا أنْ نَتداوى فقال تَداوواعبادَ اللهِ فإنَّ اللهَ لمْ يُنزلْ داءً إلا وقدْ انزلَ لهُ دواءً وقال مرةً شفاءً إلا الهرَمَ قالوا فما خيرُ ما أُعطِيَ الرجلُ يا رسولَ اللهِ قال خلقٌ حسنٌ» [4].

  فالإنسان عندما يتداوى، ينوي اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسير مع الله في حكمته، وسنته في الكون، فنحن نحترم سنة الله في كونه، ومن تعظيم الله احترام سننه، ونواميسه في الكون، وعندما يأخذ المريض الدواء يدعو الله عزوجل أن يجعل فيه الشفاء كما قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء 80]،  وقد كان رسول الله يَرقي ويَسترقي، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه «كانَ لي خَالٌ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ، فَنَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الرُّقَى، قالَ: فأتَاهُ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ،إنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَأَنَا أَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ، فَقالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» [5].

 فالقاعدة: نتداوى اتباعاً للسنة، وندعو الله، ونسترقي اتباعاً للسنة أيضاً؛ فالله عودنا الشفاء عند الداء.

ولا ننسى أيضاً أن الصدقة هي نوع التداوي والعلاج. كما في الحديث: «داووا مرضاكم بالصدقةِ، وحصِّنوا أموالكم بالزكاةِ، وأَعِدُّوا للبلاءِ الدعاءَ» [6].

  • أركان البناء الصحي الذي أمرنا رسول الله القيام به مع أولادنا:
  • 1- احترام حركة الأطفال: فالطفل ينشأ بطاقةٍ وحيويةٍ عاليةٍ؛ فجسمه مهيأ للحركة؛ فيجب أن نعطيه مساحةً تُشْبِعُ حاجاته؛ فهذا حق طبيعيٌ له، ومن واجب الوالدين توجيه هذه الطاقة والحركة لتكون هادفةً، ولا يجوز إلزام الطفل بالجلوس، ومنعه من الحركة؛ لأن هذا يخالف ما خلقه الله عليه فهذا الإلزام نوع من العقوبة، وقد كان رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: «يصِفُّ عبدَ اللهِ، وعُبَيدَ اللهِ، وكثيرًا بني العبَّاسِ ثُمَّ يقولُ مَن سبَق إليَّ فله كذا وكذا قال: فيستَبِقون إليه فيقَعون على ظهرِه وصدرِه فيُقبِّلُهم ويلتَزِمُهم» [7]، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: (علموا أولادكم السباحة والرماية، وركوب الخيل) إن هذا من القوة التي يجب تنشئة الناشئة عليها.
  • 2- سنة السواك: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، وأكد عليها في عصر لم تكتشف الفوائد الطبية للسواك بعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي، لأمَرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ، قال: فكان زَيدٌ يَروحُ إلى المسجدِ وسِواكُه على أُذُنِه بمَوضِعِ قَلمِ الكاتبِ، ما تُقامُ صَلاةٌ إلَّا استاكَ قبلَ أنْ يُصلِّيَ» [8].

فيُسنُّ السواك في أوقات مخصوصة: عند الوضوء، عند القيام للصلاة، والاستيقاظ من النوم، وتغير رائحة الفم..

  • 3- الاهتمام بنظافة الطفل، وتعليمه ذلك في كل النواحي: في ثيابه، وبدنه، ومأكله، ومشربه.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» [9].

وفي حديث آخر وقَّتَ لنا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، أربعين يوماً مرة» [10].

فالواجب على الآباء تعليم أولادهم تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، وحف الشارب، وغير ذلك من سنن الفطرة التي ذكرها رسول الله في الروايات المختلفة.

  • 4- تعليم الأولاد السنة في كيفية الأكل، والشرب: كالأكل مما يلي الآكل، والأكل باليمين، وكذلك تعليمه الآداب الصحية في الأكل، والشرب، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه» [11].

 فالشَّرَه في الأكل والشرب مذموم، ويؤذي البدن، وترك الطفل يأكل مايريد ويشتهي؛ ليس من التربية، بل التربية توجيهه لأكل مايفيده وينفعه.                             

وترك التنفس في الإناء، والشرب ثلاثاً جالساً، وعدم الشرب في آنية الذهب والفضة، كما ورد في الحديث: «كُنْتُ جالِسًا عندَ مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، فدخَل أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ، فقال له مَرْوانُ: أسمِعْتَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَنْهى عنِ النَّفخِ في الشُّرْبِ، فقال: نَعمَ، قال: فقال له رجُلٌ: فإنِّي لا أَرْوى بنفَسٍ واحدٍ، قال: “أَبِنْه عن فيكَ، ثُم تَنفَّسْ”، قال: فإنْ رأيْتُ قَذًى؟ قال: “فأَهْرِقْه» [12].                                                           

  • 5- النوم على الشق الأيمن، وهذا قاعدة من القواعد الطبية الصحية؛  فقد كان رسول الله ينام على شقه الأيمن كما في الحديث: «كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أوى إلى فراشِه وضَع يدَه اليُمنى تحتَ خدِّه الأيمنِ، ونام على شِقِّه الأيمنِ، وقال: هذه نومةُ الأنبياءِ ثم قال: اللهم قِني عذابَكَ يومَ تبعَثُ عبادَكَ» [13].

«وكان إذا أوى إلى فراشه أيضاً يذكر الله إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إلى فِرَاشِهِ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللَّهَ، فإنَّه لا يَعْلَمُ ما خَلَفَهُ بَعْدَهُ علَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَلْيَضْطَجِعْ علَى شِقِّهِ الأيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي بكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لَهَا، وإنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بما تَحْفَظُ به عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ». وفي روايةٍ: بهذا الإسْنَادِ، «وَقالَ: ثُمَّ لْيَقُلْ: باسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، فإنْ أَحْيَيْتَ نَفْسِي، فَارْحَمْهَا» [14].

  • 6- النوم المبكر، والاستيقاظ المبكر، وترك العادات الدخيلة على المسلمين من التأخر بالنوم، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فقال: «اللهمَّ بارِكْ لِأُمَّتِي في بُكورِها» وفي روايةٍ :«بورِكَ لأمَّتِي في بكورِه» [15].

وعن فاطمة رضي الله عنها قالت:«مرَّ بي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا مضطجِعةٌ مُتصبِّحةٌ فحرَّكني برِجلِه ثمَّ قال يا بُنيَّةُ قومي اشهدي رزقَ ربِّك ولا تكوني من الغافلين، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقسِمُ أرزاقَ النَّاسِ ما بين طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشَّمسِ» [16].

 يجب أن نصحح خطأ بيوتنا، وما دخل عليها من عادات غيرنا ما استطعنا لهذا سبيلاً. فقد صار بعض الأطفال يحب السهر تقليداً للكبار؛ لظنه أن السهر من علامات الرجولة.

  • 7- إبعاد الطفل عن الأمراض المعدية فالوقاية خير من العلاج: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُورِدُ مُمْرِضٌ علَى مُصِحٍّ» [17]

  وهو نوع من الحجر الصحي المعروف عند وجود الجائحات المعدية.

  • 8- الرقية الشرعية التي علمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يُعَوِّذُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ: اللهمَّ رَبَّ الناسِ أَذْهِبْ الباسَ، واشْفِ وأنتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا. فلمَّا ثَقُلَ في مَرَضِهِ الذي ماتَ فيهِ أخذْتُ بيدِهِ فجعلْتُ أَمْسَحُهُ بِها وأَقُولُها فنزعَ يَدَهُ من يَدِي وقال: اللهمَّ اغفرْ لي وأَلْحِقْنِي بِالرَّفيقِ الأعلى. قالتْ: فكَانَ هذا آخَرَ ما سَمِعْتُ من كَلامِهِ» [18].

«وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعوِّذُ حسَنًا، وحُسينًا: أُعيذُكما بكلماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِن كلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ ومِن كلِّ عينٍ لامَّةٍ»، ثمَّ يقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كان إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه يُعوِّذُ به ابنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاق» [19].

 

مهمة: الرقية الشرعية لا تحتاج لشيخ، ليقوم بها، بل هي إرشاد نبوي لكل الناس، ولا يتوقف على وجود شخص فالرجل يمكن أن يرقي نفسه بنفسه. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء 82]. 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه: «مَن قال حينَ يُصبِحُ ثلاثَ مرَّاتٍ: بسمِ اللهِ الَّذي لا يضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهو السَّميعُ العليمُ لَمْ تفجَأْه فاجئةُ بلاءٍ حتَّى يُمسيَ، ومَن قالها حينَ يُمسي لَمْ تفجَأْه فاجئةُ بلاءٍ حتَّى يُصبِحَ» وقد كان أصابه الفالِجُ فقيل له: أينَ ما كُنْتَ تُحدِّثُنا به؟ قال: إنَّ اللهَ حينَ أراد بي ما أراد أنسانيها» [20].

  • 9– تجنيب الطفل كل ما يضر جسمه مثل: تعاطي المخدرات، وشرب المسكرات، والتدخين.
  • 10- تعليم الأطفال القضايا الصحية التي تعالج أبدانهم، وتحافظ عليها.

اللهم وفقنا لمحابِّكَ، وألهمنا مراشِد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

_______________  

[1]: مالك في الموطأ 2/745.

[2]: صحيح مسلم 2664 من حديث أبي هريرة.

[3]: مسلم 2204 من حديث جابر بن عبد الله.

[4]: أبو داوود 2015، 3855، الترمذي 2038.

[5]: مسلم 2199 من حديث جابر بن عبد الله.

[6]: الطبراني 10/157 برقم 10196 عن الحسن البصري عن النبي مرسلاً.

[7]: مجمع الزوائد 9/20 من حديث عبد الله بن الحارث.

[8]: مسند أحمد 21648، وأبو داوود47 من حديث زيد بن خالد الجهني.

[9]: البخاري 5889 من حديث عبد الله بن عمر.

[10]: مسلم 258، أبو داوود، واللفظ له4200   من حديث أنس بن مالك.

[11]: الترمذي 2380 من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي.

[12]: مسند أحمد 11279 عن أبي سعيد الخدري، الترمذي1887.

[13]: الضعفاء الكبير للعقيلي 4/343 من حديث عائشة رضي الله عنها.

[14]: مسلم 2714 من حديث أبي هريرة.

[15]: أبو يعلى 5406 عن عبد الله بن مسعود.

[16]: الترغيب والترهيب للمنذري 3/ 6.

[17]: مسلم 221 من حديث عبد الرحمن بن عوف.

[18]: البخاري 5743 من حديث عائشة رضي الله عنها.

 [19]: صحيح ابن حبان 1012 من حديث ابن عباس.

[20]: ابن حبان في الصحيح 862 من حديث عثمان بن عفان.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة السادسة والأربعون| آداب اجتماعية (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

بعد أن تكلمنا في المحاضرات السابقة عن المسؤولية الاجتماعية من محاور متعددة، فذكرنا محور الأخلاق، و محور العقوق، و تناولنا في المحاضرة الماضية على وجه الخصوص: محور الآداب، وقد بدأنا الحديث عن آداب العِشْرَةِ مع الناس، وقد وصل بنا الحديث للأدب الثامن. واليوم بمشيئة الله سنكمل الحديث في نفس المحور، ونتمم الموضوع.

  • آداب العِشْرَةِ مع الناس: 
  • ثامناً: عدم مواجهة الناس في عيوبهم: «فقد كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، وَكانَ إذَا كَرِهَ شيئًا عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ» [1].

فلم يكن  يواجه أحداً بعيبٍ، ولم يكن يجرِّح الأشخاص، والهيئات، وكان إذا أراد أن ينبِّه لخطأ ما؛ فإنه يخاطب الناس على جهة التعريض فيقول: «مابال أقوامٍ ؟..» ويقول: «مابال العامل نبعثه فيقول هذا لكم، وهذا أهدي إلي؟» فلم يكن يسمي المخطئ باسمه؛ لأنه كان يسعى لتصحيح الخطأ، وليس التشهير.  

  • تاسعاً: ملازمة الحياء مع الناس: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» [2]، فالحياء يحمل صاحبه على كل خيرٍ، ويبعده عن كل شر.
  • عاشراً: إظهار الفرح، والبشاشة عند زيارة الناس، ولقائهم، والجلوس معهم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، وقد قال الله تعالى في حقه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ [آل عمران 159].
  • الحادي عشر: سلامة القلب: فلا حقد، ولا بغضاء، ولا عداوة، ولا غش للمسلمين. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ [الشعراء 88- 89]، وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك فقال له: «يا بنيَّ، فإن استطعتَ أن تصبِحَ وتمسي وليس في قَلبِك غشٌّ لأحدٍ، فإنه أهون عليك في الحساب» [3].
  • الثاني عشر: الإخلاص في الصحبة: المسلم لايعرف ما يسمى بالنفاق الاجتماعي، وليس عنده مجاملات كاذبة، بل عنده الصدق في الصحبة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ المؤمنُ، أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ» [4].
  • الثالث عشر: ترك الأذى باللسان، واليد والمواقف، وتضييع الحقوق: وقد أخبرنا رسول الله عن المسلم فقال: «ألأُخْبِرُكُم مَنِ المُسلِمُ؟ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِه، والمُؤمِنُ مَن أمِنَه الناسُ على أمْوالِهِم وأنْفُسِهم، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ، والمُجاهِدُ مَن جاهَدَ نَفْسَه في طاعةِ اللهِ» [5].
  • الرابع عشر: حسن العشرة: كيف تعاشر جارك وأهل بيتك وأصدقاءك، بالمعروف والإحسان ولين الجانب.
  • الخامس عشر: حفظ العهود: فلاتخلف الوعد، ولاتترك مبادئك؛ لأن هذا من النفاق الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [6].
  • السادس عشر: التواضع، وترك الكبر، بالأقوال، والمواقف: لأن الكبر شعورٌ داخل القلب بالفوقية على الخلق. قال تعالى: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾[الحجر 88].
  • السابع عشر: حفظ الأسرار: وقد قيل بأن قلوبَ الأحرار قبورُ الأسرار، وإذا حدثك أخوك حديثاً فالتفَتَ فهو أمانة.       
  • الثامن عشر: الإيثار والإكرام: لايوجد في المجتمع المسلم أثرة، وأنانية؛ بل المؤمن يفضِّلُ أخاه على نفسه قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر 9].
  • التاسع عشر: الذبُّ عن الإخوان، والدفاع عن أعراضهم في حضورهم، وغيبتهم.
  • العشرون: مجانبة الخصال المذمومة مع الإخوان: كسوء الظن، وإرادة الشر…
  • الواحد والعشرون: بغض الدنيا: لأن حبَّ الدنيا رأس كل خطيئة، يختلف الناس، ويتدابرون من أجل الدنيا؛ فبُغْض الدنيا يزيل أكبر أسباب العداوة بين الناس.
  • الثاني والعشرون: الانبساط في النفس، والمال بالممازحة، والمباسطة، والمؤانسة، ولين الجانب، وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤانسته، وممازحته لأصحابه أروع المثل، فعن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّ رجُلًا مِن أهلِ البادِيَةِ اسمُه زاهِرٌ كان يُهدي للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم يُجَهِّزُه إذا أراد الخُروجَ إلى البادِيَةِ، وكان زاهِرٌ دَميمَ الخِلقَةِ فأتاه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم، وهو يَبيعُ شيئًا له في السُّوقِ، فاحتَضَنه مِن خَلفِه، فقال له: مَن هذا؟ أَرسِلْني، والتَفَت فعرَف النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم فجعَل النبي صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم يقولُ: مَن يَشتَري مِنِّي هذا العبدَ؟ وجعَل هو يَلصِقُ ظهرَه بصدرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم ويقولُ: إذًا تَجِدُني كاسِدًا، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: ولكنَّكَ عِندَ اللهِ لستَ بكاسِدٍ» [7].
  • الثالث والعشرون: العفو عن الهفوات، التي لا يخلو عنها أحد من الناس .
  • الرابع والعشرون: ترك المن بعد الإحسان: قال تعالى: ﴿ولاتمنن تستكثر﴾ [المدثر 6].
  • الخامس والعشرون: الإعراض عن النمام: فمن وَشَى لك وشَى عليك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لايدخل الجنة قتَّات» [8]، القتات: هو النمام.
  • السادس والعشرون: الوفاء للمؤمنين في حياتهم، وبعد مماتهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أبَرَّ البِرِّ أنْ يصِلَ الرَّجلُ أهلَ وُدِّ أبيه بعدَ أنْ يولِّيَ» [9]
  • السابع والعشرون: ستر العورات: فلو اطلعت على عورة شخص؛ فاستره، ولاتفضحه؛ لأن: «مَن ستَر مُسلِمًا، سترَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ ، ومَن فكَّ عن مَكروبٍ، فكَّ اللهُ عنهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ يومِ القِيامةِ، ومَن كانَ في حاجةِ أخيهِ، كان اللهُ في حاجَتِه» [10].
  • الثامن والعشرون: التودد، والتلطف: أن تبادر الناس بالسلام، والكلمة الطيبة، و سلِّم على من تَعرِف، ومن لاتعرِف.
  • التاسع والعشرون: قبول الاعتذار : قيل لأحدهم: أتقبل عذر أخيك؟ قال لا بل لا أحوجُه للاعتذار.
  • الثلاثون: المسارعة لقضاء حوائج الإخوان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، قالَ: تَعْدِلُ بيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قالَ: والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [11].
  • الواحد والثلاثون: تفقد حال الإخوان، وتقديم المساعدة، والعون لهم .
  • الثاني والثلاثون: معرفة أقدار الناس: فمن الخطأ معاملة الناس جميعاً مهما كانت أقدارهم بنفس المعاملة، فقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا؛ فقال: «ليس مِنَّا مَن لم يُوَقِّرْ كبيرَنا، ويَعرِفْ حقَّ صغيرِنا»  [12].

«وقد مرّ بالسيدة عائشة رضي الله عنها سائلٌ؛ فأعطَتْه كِسرةً، ومرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ، وهيئةٌ فأقعدتُه فأكل فقيل لها في ذلك؟ فقالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنزِلوا الناسَ منازَلَهم» [13].

اللهم وفقنا لمحابك والهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

_______________________________  

[1]: مسلم 2320 من حديث أبي سعيد الخدري.

[2]: البخاري من حديث عمران بن حصين 6117.

[3]: الترمذي 2678، أبو يعلى 3624.

[4]: أبو داود 4918 مع شيء من الاختلاف، والبخاري في الأدب المفرد 239 واللفظ له.

[5]: مسند الإمام أحمد 23967 من حديث فضالة بن عبيد.

[6]: البخاري 33 من حديث أبي هريرة.

[7]: مشكاة المصابيح 4815.

[8]: البخاري 6056 من حديث حذيفة بن اليمان.

[9]: ابن حبان 431.

[10]: مجمع الزوائد 6/249، سير أعلام النبلاء 9/422.

[11]: صحيح مسلم 1009 من حديث أبي هريرة.

[12]: الترمذي 1919من حديث أنس بن مالك.

[13]: أبو داود 4842، رياض الصالحين 360.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الخامسة والأربعون| آداب اجتماعية (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

بعد أن تكلمنا في المحاضرات الماضية عن المسؤولية الاجتماعية من محاور متعددة، فذكرنا محور الأخلاق، ومحور العقوق، نريد أن نتكلم اليوم عن محور الآداب.

عندما نتناول هذا الموضوع نريد مراعاة أمورٍ مخصوصةٍ نهتم بها عند تعاملنا مع الناس، وهي عبارة عن مسالك، وضوابط يلتزم بها الإنسان مع الناس بدءاً من الدائرة الصغرى، وهي الأهل، وصولاً للدائرة الأبعد، وهم الأقارب، وانتهاءً بالدائرة الأخيرة، وهم الناس جميعاً من جيرانٍ وغيرهم.

الإنسان عندما يعاشر الناس لابد أن يعاشرهم بالأخلاق الحسنة حتى يتمكن من العيش معهم.

لقد غابت هذه المعاني عن الناس؛ لظنهم أنهم يستطيعون العيش وحدهم، وبمنأً عن الآخرين، والحقيقة أن يعيش الإنسان بعيداً عن مجتمعه؛ يُفْقِدُه روح التواصل مع الآخرين، وهذا يسبب لصاحبه أزماتٍ نفسيةٍ؛ لأنه يسير خلاف فطرته.

تمسك كثير من المسلمين ببعض الدعوات التي جاءت من عند غير المسلمين، والتي تدعو لمكارم الأخلاق -على حد زعمهم – وتركوا ما جاء به القرآن، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ورثناه من مكارم الأخلاق عن السلف الصالح فتركوا قول الحق سبحانه: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوابين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ [الحجرات 10]، وتركوا قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ [آل عمران 103]، وتركوا قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال46]، كلها تؤكد على حسن العلاقة بين الإنسان، والآخرين في المجتمع المسلم؛ لذلك عندما فهم المسلمون هذه الحقائق استطاعوا أن يضربوا أروع الأمثلة بعلاقات اجتماعية لاتخطر على بال إنسان أبداً، سمواً، ورقياً في المواقف و الأخلاق، ومبادرةً في العمل الإيجابي.

بالنظر لما عرضه الإسلام، بما تمثَّل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» [1]، إن هذا الحديث يمثل أعلى درجات التواصل في المجتمعات الإسلامية.

  ولننظر لحديث النبي أيضاً: «إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وشَبَّكَ أصَابِعَه» [2].

إن هذه الآيات والأحاديث ليست شعاراتٍ، بل استحقاقات سلوكيةٍ يجب الالتزام بها.

إن الإسلام يسعى لإيجاد خطوات عملية، من خلال مبادئِ، وقيمِ أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:

«ألَا أُخْبِرُكُم مَنِ المُسلِمُ؟ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِه، والمُؤمِنُ مَن أمِنَه الناسُ على أمْوالِهِم وأنْفُسِهم، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ، والمُجاهِدُ مَن جاهَدَ نَفْسَه في طاعةِ الله» [3].

فهذا مبدأٌ عامٌّ استطاع الإسلام أن يجعل الإنسان يكف أذاه عن أخيه الإنسان.

ربانا الإسلام على مبدأ: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، فمن هجر فوقَ ثلاثٍ فمات، دخل النَّارَ» [4].

ربانا الإسلام على مبدأ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [5].

ربانا الإسلام على مبدأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة1].

هذه المبادئ وغيرها كثيرٌ، استطاعت أن تبني مجتمعاً مثالياً واقعياً، فالوفاء بالعقد هو التزام الإنسان مع أخيه الإنسان، هذا المبدأ كم يبني من العلاقات بين الناس، وكم يزيل من العداوة، والبغضاء بين أفراد المجتمع؛ لأنه لوزال هذا المبدأ وغيره من المبادئ لتحولت حياة الناس إلى جحيم.

نريد أن نختم المسؤولية الاجتماعية بهذه المبادئ التي ذكرناها، وأن نغرسها في نفوس أبنائنا، و ندربهم عليها.

مهمة: بعض العوائل تغرس في نفوس أبنائها حب الأنا (أنا فقط) المهم أن أنجح أنا.. المهم أن أفوز أنا..، ولادخل لي بالباقي.. طبعاً هذا مبدأٌ خاطئ؛ لأن مبدأ المسلم المتوازن هو: «لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [6]؛ لهذا تربية الأولاد يجب أن تكون في سياق هذا المبدأ؛ فكما أعلِّمُ ولدي النجاح أعلمه كيف يكون سبباً في نجاح الآخرين.

نريد أن نتعرف على بعض الممارسات السلوكية التي يعرفها كثير من الناس، ولكن المشكلة تكمن في التطبيق و سنسميها:

  •  آداب العِشْرَةِ مع الناس:
  • أولاً: حسن الخلق: لابد أن نعيش مع الناس بحسن الخلق فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [7]، فأربي ولي على مكارم الأخلاق، وأنفِّرُهُ من مساويها.
  • ثانياً: تحسين العيوب:  من واجب المسلم أن ينظر إلى بعض النقائص الموجودة في الآخرين بنظرة إيجابية؛ فننظر إلى موضع الجمال في حياة الناس.

حسن الظن بالآخرين نوع من الذكاء العاطفي، وهو أفضل بكثير من سوء الظن، وعلينا أن ننظر إلى الناس على أنهم بشر، وليسوا أنبياء، ولا ملائكة.

  • ثالثاً: معاشرة المؤمنين، وترك الفجَّار، والفاسقين: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة 119]، وقال أيضاً: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً﴾ [الفرقان 27].
  • رابعاً: الصفح عن العثرات، والعفو عن الزلات : عندما تعيش مع الناس ستخطئ بحقهم، ويخطؤون بحقك؛ لهذا لابد من نسيان هذه الإساءات قال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ [آل عمران 134].

يقول بشار بن برد:

إذا كنت في كل الأمور معاتباً      صديقك لم تلق الذي لاتعاتبه

فعش واحداً أو صل أخاك فإنه    مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه

إذا أنت لم تشرب مراراً على القَذى    ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربه  

هذا مبدأ تربوي هام عندما أعلِّم ولدي الصفح عمن أساء من الجيران والأصدقاء.

مهمة: كثير من أبنائنا تشرَّبَ فكرة أن العفو عن إساءة المسيء هو نوع من الضعف، كيف ورسول الله يقول: «مازاد عبدٌ بعفوٍ إلا عزاً» [8].

  • خامساً: موافقة الإخوان: فالمصاحبة مبنية على الموافقة، ومن نكد الحياة على الحر أن يَصْحَبَ من لايوافقه، ولا يفارقه، وإذا أردت دوام الود لأخيك فادم الموافقة، ولا تكثر من المخالفة. قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: من تمام عقل الرجل أن يعامل أخاه كما يحب.

سادساً: الحمد، والثناء للآخرين: ﴿وقولوا للناس حُسْنا﴾ [البقرة 83]، الكلمة الطيبة تؤلف القلوب، والبسمة في وجوه الناس مفتاح قلوبهم، ومِلاكها، وإن عطاء الشخص يتضاعف بسماعه الكلمة الطيبة.

سابعاً: ترك الحسد للناس: ﴿من شر حاسدٍ إذا حسد﴾ [الفلق]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَباغضوا، و لا تَقاطعوا، و لا تَدابَروا، و لا تَحاسَدُوا، و كونوا عبادَ اللهِ إخوانًا كما أمرَكمُ اللهُ، و لا يَحلُّ لمسلِمٍ أن يهجُرَ أخاه فَوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ» [9].

نتوقف عند هذا القدر، ونتابع بقية آداب العِشْرَةِ مع الناس في المحاضرة القادمة بمشيئة الله عزوجل.

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

_____________________________________

[1]: مسلم 2586.

[2]: البخاري 481 من حديث أبي موسى الأشعري.

[3]: مسند أحمد 23967.

[4]: سنن أبي داوود 4914 وسكت عنه.

[5]: البخاري 33.

[6]: البخاري 13.

[7]: مجمع الزوائد 9/18.

[8]: مسلم 2588 من حديث أبي هريرة.

[9]: البخاري 6076 من حديث أنس بن مالك,

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الرابعة والأربعون| تربية الأولاد على حقوق الجار

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

تكلمنا في الدروس الماضية عن الحقوق الاجتماعية التي ينبغي أن نربي عليها أبناءنا، فذكرنا حق الوالدين، وحق الأرحام، ونريد اليوم أن نتكلم عن حق الجار، هذا الحق الذي نراه قد ضاع – للأسف – في كثير من المجتمعات؛ فصارت علاقاتنا مع من حولنا مبنيةً وقائمةً على المصالح المادية، والمنافع الشخصية، وغاب عنها  التوجه الديني، والتربية الإسلامية التي فرضها علينا كتاب ربنا، وتوجيهات سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنه غاب عن سلوكنا، وأخلاقنا فمن الطبيعي أن يغيب عن تربيتنا لأبنائنا، فالملاحظ أن من النادر أن يربِّي الوالدان أولادهما على القيام بحقوق الجيران، ونادراً ما يوجهونهم لصلة الجار، ووجوب إكرامه، وكف الأذى عنه.

الواجب على المسلم أن ينظر لحقِّ الجار على أنه واجبٌ ديني فرضه الله على الجيران مع بعضهم، ولا يجوز النظر لهذا الحق على أنه واجب اجتماعي فقط؛

 فربنا سبحانه قرن الإحسان للجار، مع وجوب عبادته سبحانه عندما قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء 36].

 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من لايأمن جاره بوائقه» [1]، وقال أيضاً: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» [2].

  إذاً مسألة الإحسان للجار ليست مسألةً مزاجيةً يختارها من يشاء، وقت ما يشاء؛ بل هي واجبٌ فرضه الله عزوجل، ولم يفرِّق فيه بين الجار المسلم، وغير المسلم وإن كان حقُّ المسلم أوجب، وكذلك لم يفرق بين الجار الصالح، والجار الفاسق المهم: ألا يصل أي أذىً للجار.    

ويتضح هذا من خلال سلوك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين في مكة واليهود في المدينة.  

فعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو، أنَّهُ ذبحَ شاةً فقالَ : أَهْدَيتُمْ لجاري اليَهوديِّ؟ فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ: «ما زَالَ جبريلُ يوصيني بالجارِ، حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سيُورِّثُهُ» [3].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً: «مَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيُكرِمْ جارَه ومَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يدخُلِ الحمَّامَ إلَّا بمِئزَرٍ ومَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيقُلْ خيرًا أو لِيصمُتْ ومَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ مِن نسائِكم فلا تدخُلِ الحمَّامَ» [4]

 أي ليكن منك عمل إيجابيٌ تكرم به جارك، والإكرام لايكون إلا للشَّخص المُحَبَّب للنفس.

إن الإحسان للجار هو أحد العلاقات الاجتماعية التي أرسى قواعدها الإسلام بتوجيهاته، وتعليماته؛ لنشر التحابب في المجتمع، ونبذ كل ما من شأنه أن يؤدي للتنافر، والبغضاء، والحقد بين أفراد المجتمع لهذا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد على هذه المعاني فنراه يقول: «لا تَباغضوا، و لا تَقاطعوا، و لا تَدابَروا، و لا تَحاسَدُوا، و كونوا عبادَ اللهِ إخوانًا كما أمرَكمُ اللهُ، و لا يَحلُّ لمسلِمٍ أن يهجُرَ أخاه فَوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ» [5].

 وقال أيضاً في رواية أخرى: «لا تَحاسَدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هاهُنا ويُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ» [6].

لو نظرنا لحال الناس اليوم؛ لرأينا أن واقعهم قد غابت عنه هذه المعاني، فلا يتفقد الجار جاره، ولايكاد يَفْطَنُ له، إلا عند حدوث مشكلة؛ ليشكوها له، أو ليعاتبه عليها، أو غير ذلك.  أما التزاور، والتواصل، والتعاون لمجرد الجوار، فهو مفقودٌ مع أن الجميع قد يسكن في عمارةٍ واحدةٍ، وربما يلتقيان في المصعد، فلا يتحدثان مع بعضهم.  ربنا سبحانه ذكر من يمنع آنيته عن جاره (عاريةً ) فقال: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون 4-7].

التواصل بين الجيران صار نادراً لدرجة أنه لوحدثت مشكلة ما مع أحد الجيران فإنها سرعان ما تتفاقم، ويصعب علاجها، بل ويلجأ أصحابها للمحاكم لإيجاد الحل والسبب هو: فقد التواصل بين الجيران؛ فهم يتعاملون مع بعضهم كغرباء يختلفون لأدنى مشكلة.

ما أجمل أن يتفقد الجار جاره؟ بل، وأن يَعْرِضَ له خدماته التي قد يحتاجها؟، بل ما أجمل أن يشارك الجار جاره في أفراحه، ويحمل معه بعض أحزانه؟ فهي معانٍ إيجابيةٍ فقدها كثيرٌ من الناس.

  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على الهدية للجار، ولو كان المُهدَى شيئاً قليلاً: «يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ» [7]، الفِرْسَن: مايكون في ظُلْفِ الشاة وهو شيء يسير زهيد.

  • كيف نربي أولادنا على مراعاة حقوق الجار:
  • 1- نعلم أولادنا مباديء الإسلام، وتصوراته عن الجار، وسبب إهتمامه بأداء حقوق الجار؛ فنذكر لهم الآيات، والأحاديث المذكِّرةِ بفضل الجار، والمبيِّنة لمكانته، ونبين لهم خطورة أذى الجار.  قال رجل:  «يا رسولَ اللهِ إنَّ فلانةً تُكثِرُ من صلاتِها وصدقتِها وصيامِها غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بلسانِها قال: هي في النَّارِ قال يا رسولَ اللهِ فإنَّ فلانةً يَذكرُ من قلَّةِ صيامِها وصلاتِها وأنَّها تتصدَّقُ بالأثوارِ من الأقِطِ ولا تُؤذي جيرانَها قال هي في الجنَّةِ» [8].
  • 2- أن نغرس في نفوس أبنائنا الاهتمام بالجيران، كتقديم المساعدة لهم، ونذكرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» [9].

كم هو جميل أن يساعد الجار جاره العجوز، ويعينه على قضاء حوائجه أمام أولاده؛ فيتعلم الأولاد قيمة الجار، وتظهر لهم أهميته!

  • 3- نعلم أولادنا مراعاة الجار؛ بأن نفعل مايرضيه، ونترك كل ما من شأنه إزعاجه، وإيذاءه.
  • 4- نبين لأولادنا أن مصطلح كل إنسان حرٌّ في بيته، حريةً مطلقةً يفعل ما يشاء هو مصطلح خاطئ، فلا يوجد حريةٌ مطلقةٌ بل مراعاة وضع الجار من مرض، ونوم، وغير ذلك واجبٌ على الجيران تجاه بعضهم فلا يجوز رفع الصوت، وإصدار الضجيج أثناء نوم الجيران، وفي حال وجود مناسبة خاصة عندهم، أو وجود حالة صحية تستلزم خفض الصوت..

مهمة: تربية الأولاد على هذه الأخلاق ضرورة لابد منها؛ ليعيش أفراد المجتمع مع بعضهم بصورة منسجمةٍ، وكأنهم أسرةٌ واحدةٌ يهتم كل فرد بالفرد الآخر، ويراعي كل جارٍ أحوالَ جاره، وظروفه الخاصة.

اللهم وفقنا لمحابك والهمنا مراشد الصواب والهداية

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]: صحيح مسلم 46.

[2]: البخاري 6018، مسلم 47 واللفظ للبخاري.

[3]: سنن أبي داوود 5152.

[4]: صحيح ابن حبان 5597 من حديث أبي أيوب الأنصاري.

[5]: البخاري 6076، ومسلم 2559 ببعض الاختلاف.

[6]: مسلم 2564.

[7]: البخاري2566.

[8]: مسند أحمد 9675.

[9]: البخاري 6011، ومسلم 2586 واللفظ له.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الثالثة والأربعون| حق الأرحام

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

لانزال نتكلم عن المسؤولية الاجتماعية في تربية الأولاد، وقد انتهينا من قضية بر الوالدين، واليوم سنتحدث عن أحد الحقوق الاجتماعية التي يجب أن يهتم بها الآباء قبل تربية الأبناء عليها ألا وهي: صلة الأرحام .

لابد أن نعلم، ونحن نتحدث عن صلة الأرحام أن هناك علاقةً وثيقةً بين هذا الموضوع، وموضوع بر الوالدين؛ فالله تعالى يقول: ﴿وبالوالدين إحساناً وبذي القربى﴾ [الإسراء 23].

رعى الله المجتمع المسلم بأحكام، ورعاه رسول الله بتوجيهاتٍ؛ نصل من خلال هذه الأحكام، والتوجيهات إلى أفضل العلاقات داخل المجتمع المسلم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [1].

كم هي الصورة جميلةٌ، لو حصل هذا التلاحم في كل مفاصل المجتمع!

لقد اهتم الإسلام على وجه الخصوص بالعلاقات بين الأرحام، وقد تجلى هذا الاهتمام بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوجه المؤمنين لصلة أرحامهم عندما قال: «إنَّ الرَّحمَ شَجنةٌ آخذةٌ بحُجزةِ الرَّحمنِ، تَصلُ من وصلَها، وتقطعُ من قطعَها .الرَّحمُ شَجنةُ الرَّحمنِ، أصلُها في البيتِ العتيقِ، فإذا كانَ يومُ القيامةِ ذَهبَت حتَّى تناولَ بحُجزةِ الرَّحمنِ، فتقولُ: هذا مَقامُ العائذِ بِكَ . فيقولُ: مِمَّاذا ؟ وَهوَ أعلَمُ . فتقولُ: منَ القَطيعةِ . إنَّ الرَّحمَ شَجنةٌ آخذةٌ بحجزةِ الرَّحمنِ، تصلُ من وصلَها، وتقطعُ من قَطعَها» [2].

  • يبرز اهتمام الإسلام بقضية الأرحام من عدة نقاط:
  • النقطة الأولى: العلاقات النسبية الرحمية: ونقصد بها العلاقات المبنية على أساس النسب، والقرابة سواء كان ذلك من جهة الأب أم من جهة الأم، ومن الذكور والإناث، والقريب والبعيد، علاقةٌ نسبية رعاها الإسلام على السواء من جهة الأب والأم.    

قال تعالى: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾ [الرعد 21].

وقال تعالى أيضاً: ﴿واتقو الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء 1].

  • النقطة الثانية: تربية الأولاد على صلة الرحم تبدأ من البيت، من خلال:
  1. الأب والأم: فمن واجب كل واحد منهما أن يغرس في قلب ولده الرأفة والرحمة على إخوته أولاً، وعلى ذوي القرابة ثانياً، وذلك من خلال التدريب والمتابعة والتنبيه، فلا يجوز أن يسري في نفوس أولادنا الحقد على بعضهم، ويكون ذلك من خلال تذكير الأبناء بالآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، وأن هذا أمر واجب، وأن قاطع الرحم آثم عند الله عزوجل، بل أن يرقى الأب بأبنائه؛ بأن يشعرهم أن صلة الأرحام جزء من رضى الأب، ورضا الله من رضا الوالدين، ورضا الوالدين بصلة الأولاد أرحامهم.
  2. أن يغرس الأب بين أولاده المودة والرحمة، وترك كل ما من شأنه إثارة الأحقاد والضغائن بينهم، كتفضيل بعضهم على بعض بالعطية دون سبب شرعي، وعلى الوالدين الانتباه إلى أن كثيراً من الأحقاد بين الأولاد قد يرجع سببها إلى الوالدين أنفسهم؛ بسبب سوء تعاملهم مع أبنائهم.
  3. زيارة الأب أرحامه بصحبة أولاده؛ فيتعلم الولد صلة الرحم بدرسٍ عملي، فيقلِّدُ الولد أباه.
  4. أن نذكِّر الأولاد بآثار صلة الرحم وننظر إليه على أنه واجب ديني فرضه الله علينا وان وجود بعض الخلاف بين الأقارب لايوجب قطيعتهم؛ لأن هذا جزء من بناء المجتمع؛  فقد شرَع الله صلاة الجماعة، والجمعة، والعيد، والحج؛ لتحقيق هذه المعاني، وليبق نسيج الأمة قوياً متيناً بين أفراد الأمة كلها، وليس على صعيد الأفراد، وحسب.
  5. ليست صلة الأرحام قضيةً مزاجيةً بل واجبٌ شرعيٌ فرضه الله عزوجل.
  6. يجب على الوالدين بناء أسرتهم على مبدأ الجسد الواحد الذي يَشْعر فيه كل فرد من أفراد الأسرة بشعور إخوانه. لقد صار حال أبناء كثير من الأسر أن يعيش في بيته، كأنه يعيش في فندق يأتي إليه للنوم والأكل، ولا يأبه ببقية الساكنين فيه.
  7. عوِّد ابنك أن يكون حنوناً شفوقاً على إخوته من خلال بعض الصورالعملية التي تصدر منك (الأب)، كأنْ يراك ابنك مهموماً محزوناً فيسألك عن سر ذلك؟ فتخبره بأنك حزين لمشكلة حصلت لعمّه؛ فيتعلم هذا الولد قيمة العم من اهتمام والده به؛ فيهتم لما يهتم له والده.
  8. اجتماع أفراد العائلة جميعاً على الطعام؛ يحقق التحابب بين الأبناء مع بعضهم بل انتظار الأب والأم والإخوة أحد أفراد العائلة، وعدم الأكل مثلاً حتى يحضر؛ يغرس في نفوس الأبناء قيمة الأخوة، و يعززها.
  • سؤال: ماهو الحد الأدنى لصلة الرحم التي لو قمنا بها لا نكون آثمين؟

قبل الجواب عن هذا السؤال لابد أن نعلم أن الإحسان لانهاية له ولاحدَّ، ولكن له حدودٌ دنيا ماينبغي أن تنزل عنه منها:

  • 1- لايجوز أن يكون هناك قرار قطيعةٌ نحو أحدٍ: لاعمٍّ ولاخالٍ ولا أخٍ ولا… فهو إفساد وإثمٌ، ومخالفةٌ لأوامر الله تعالى عندما قال: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد 22].
  • 2- لا يجوز أن يكون في القلب حقدٌ، ولا عداوةٌ، ولابغضاءٌ نحو أحدٍ من الأرحام، وأن الناس لايمكن أن يعيشوا وحدهم، بل هم بحاجة لبعضهم البعض. 
  • 3- ما ينبغي للإنسان أن يترك التواصل مع أرحامه، وخصوصاً في المناسبات، وعند الحاجة. قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك» [3].
  • 4- الغاية من زيارة الأرحام، وصلتهم؛ أن يتحقق فيها دفء العلاقة الإسلامية والمودة والرحمة، فالزيارات بين الأقارب ماهي إلا مظهرٌ من مظاهر صلة الرحم، وتصافي القلوب، ومادامت القلوب متصافيةً ومتراحمةً فلن تَضِرَّ قلة الزيارات.
  • 5- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» [4].
  • أتى رجلٌ فقال : «يا رسولَ اللهِ! إنَّ لي قرابةً أَصِلُهُمْ و يقطعونِي، و أُحْسِنُ إليهم و يُسيئونَ إليَّ، و يجهلونَ عليَّ و أحلمُ عنهم، قال: لئن كان كما تقولُ كأنما تُسِفُّهُمْ المَلَّ و لا يزالُ معك من اللهِ ظهيرٌ عليهم ما دُمْتَ على ذلك» [5].
  • 6- نذكر لأولادنا حال السلف الصالح مع أقاربهم، ولا بأس أن نذكر لأبنائنا فضائل أقاربهم، ونتغاضى عن أخطائهم؛ فهذا من شانه غرس المحبة بين الأقارب، ونبذ التباغض.
  • 7- نذكر لأولادنا الأحاديث الكثيرة التي نبهت لصلة الرحم، وحذرت من القطيعة.

كحديث: «إنَّ صدقَةَ السِّرِ تُطْفِئُ غضبَ الربِّ، وإنَّ صنائِعَ المعروفِ تَقِي مصارِعَ السوءِ، وإنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تزيدُ في العمْرِ وتَنْفِي الفَقْرَ، وأكثِرْ من قولِ لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ فإنه كنزٌ من كنوزِ الجنةِ، وإنَّ فيها شفاءً من كلِّ داءٍ أدناها الهمُّ» [6].

وحديث: «من سرَّه أن يُبسَطَ له رزقُه، و أن يُنسَأَ له في أثرِه، فلْيَصِلْ رَحِمَه» [7].

وغيرها من الأحاديث التي تعرِّف بقيمة صلة الأرحام.  

  • 8- ونذكِّرأولادنا بأن التراحم فيما بينهم سببٌ لنزول رحمة الله عزوجل؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمْكم من في السماءِ، الرحمُ شِجنةٌ من الرحمنِ فمن وصلها وصله اللهُ ومن قطعها قطعه اللهُ» [8].
  • 9- أعرِّف ولدي أن صلة الرحم يتحقق فيها نوعٌ من العبادة لله عزوجل، وهذا من العبادات التعاملية التي يفصِلُهَا كثير من الناس عن العبادات الشعائرية.

ملحوظة: قد تحدث مشكلة بين الأب، وأحد الأرحام كالعم مثلاً؛ فيقع الولد بين نار برِّ أبيه، وواجب صلة عمه، ونار قطيعة رحمه، وهنا على الولد أن: يقدم لوالده بمقدماتٍ يسترضي بها قلبه، ويحاول الإصلاح بين أبيه، وعمه، وبنفس الوقت يجعل من زيارة عمه أمراً مستساغاً للوالد.

اللهم وفقنا لمحابِّك، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا, ونبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه وسلم.

__________________

[1]:البخاري 6011، مسلم 2586.

[2]: مسند أحمد 9871.

[3]: صحيح مسلم 2548.

[4]: البخاري 5991.

[5]: مسلم 2558.

[6]: مجمع الزوائد 8/196.

[7]: البخاري 2067، مسلم 2557 باختلاف يسير.

[8]: الترمذي 1924.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الثانية والأربعون| تحذير الأولاد من العقوق

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

أنهينا في المحاضرة الماضية الحديث عن بعض حقوق الوالدين على الولد سواء منها المادية، والمعنوية، والأدبية، واليوم سنكمل الحديث في موضوع حق الوالدين من زاوية أخرى، وهي: أن المجتمع الإسلامي اليوم انتشر فيه كثيرٌ من صور العقوق التي تتنافى مع دين الله عزوجل، وباستعراض شيء من هذه الصور فإننا نرى أشياء مؤلمةً، لاتتساوق مع الإيمان بالله عزوجل، واليوم الآخر، وأوامر الله عزوجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهي صورٌ لاتبشر بالخير، صور يتجسَّدُ فيها تضييع حقوق الوالدين المادية والمعنوية، صورٌ لفقد مكانة الأب والأم في البيت، صور لتقديم الزوجة على الأم، والأولاد على الأم والأب، صورٌ لتزوير واختلاس أموال الوالدين..

هل من المعقول أن يصل بنا الحال بالعقوق – ونحن أمة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمر وحضّ على حسن صحابة الأم- أن يتدافع الأولاد أمَّهُم -التي ربتهم- أين تقيم، وكلهم كاره لإقامتها عنده؟!! هل من المعقول أن يصل بنا الحال أن تطالب الأم بحقها في النفقة برفع دعوى قضائيةٍ في المحاكم؟! هل من المعقول أن يصل بنا الحال أن يرفع الأب دعوى قضائيةً على ابنه لتزويره وثائق نقل ملكيته، وماشابه..؟

إن ماسبق، وغيره كثير ماينبغي النظر إليه على أنه واقع اجتماعي مؤلم بل هو نذير شؤم على مستوى الأمة التي يشيع فيها العقوق، ويسير بها نحو الهلاك، فالبغيّ والعقوق يعجل الله عقوبتهما في الدنيا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بابان يعجل الله عقوبتهما في الدنيا الغيُّ والعقوق» [1].

دار المسنين في مجتمعات المسلمين ظاهرة اجتماعية لابد أن ننظر إليها بحساسية – بعد استبعاد الحالات الخاصة – كيف يمكن أن تكون هذه الدار مأوى للأب، والأم عند الكبر بعد كل البذل الذي قدماه لأولادهما؟ أليس من الواجب أن يعيش الوالدان مع أولادهم وأحفادهم؛ فهما المكلفان بخدمتهما؟

ما ينبغي أن نسمح لتلك العادات الغربية أن تسري لبيوتاتنا وأسرنا، بل لابد من المحافظة ما أمكن على دفء علاقات المحبة، والمودة بين الأولاد، ووالديهم.

قد يَضْعُف جسم الوالدين، ويلحق الضعف عقلهما أحياناً، ولكن يبقى عندهما كنوز لاتوجد إلا بوجودهما، وأول كنز هو:

كنز العاطفة: وأي كنز أن يعيش الأولاد مع أجدادهم؟ إن دفء العاطفة بوجود الجد والجدة بين الأحفاد ثروة لاتقدر بثمن، وكنز لايَقْدِرُ قدْرَه إلا من حُرِمَ منه.

أليس كنزاً أن تكون الأم والأب سقفاً يجتمع تحته كل أفراد العائلة بعد تعقد الحياة وتشابكها؟

أليس كنزاً تلك الحسنات التي تُزَفُّ للأولاد ليل نهار؛ بسبب العناية بوالديهم حتى دون دعاء الوالدين لهم؛ فالله يعلم السر وأخفى؟ فكيف لو اجتمع إلى هذا الإحسان دعاء الوالدين لهم؟ كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن دعاء الوالد لولده لايرد؟ عندما قال: «ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» [2].

مات والد أحد السلف؛ فبكى ولده كثيراً، وقال: لقد مات الباب الذي كنت أرزق بسببه.

أغلب الأولاد يحفظون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاءني جبريل فقال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة» [3].

ويحفظون أيضاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لايقبل الله منهم صَرفاً ولا عدلاً: عاقٌّ، ولا منانٌ، ولا مكذِّبٌ بقدَر» [4]، مفاتيح القبول مرهونةٌ ببر الوالدين، وطابع الردِّ مدموغ بالعقوق، ويحفظون أيضاً: جاء طلحة بن عبيد الله السلمي فقال: «يارسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله قال: “أمك حية؟ قلت: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الزم رجلها فثمَّ الجنَّة» [5].

كل هذا الكم من الآيات، والأحاديث التي تحضّ على البر، ومع ذلك انتشر العقوق في مجتمعاتنا!! لماذا غابت عنا ثقافة البر؟ لماذا وصل بنا الحال لتوسيط بعض الأشخاص للإصلاح بين الأب وابنه؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» [6].

لماذا نستعظم التدخين، وشرب المسكرات من أولادنا، ولا نستعظم العقوق، وهو من الكبائر عند الله عز وجل؟! لماذا نتساهل بقضية العقوق؟ لماذا كثرت صور القطيعة بين الأولاد ووالديهم؟

أبرز الأسباب لما يحدث هو:

  • أولاً: غياب الثقافة الإسلامية، وغياب إرشادات الآيات، والأحاديث عن ثقافة التربية لأولادنا؛ فلابد أن أرسخ في نفس ولدي قضية بر الوالدين، وتحذيره من خطورة العقوق؛ فهو من تمام  التربية، فأُحذّر ولدي من العقوق كما أحذره من الزنا، وشرب الخمر، وتعاطي المخدرات.

المشكلة أن المربين يذكرون، ويحذِّرون الأولاد من مخاطر تزعجهم اجتماعياً فقط؛ فيشرحون لأولادهم الصور المرعبة لمدمن المخدرات، وكيف يبدو حاله، ووضعه الصحي بسبب الإدمان، ولكنهم لايبيِّنون الصورة المظلمة لحال العاق لوالديه؛ لهذا ترسيخ ثقافة البر، والتحذير من العقوق يبدأ من نعومة الأظفار.

مهمة: بعض الآباء يفرح ببر ولده له، ولايأبه بعقوقه لأمه، ويرى أن هذا لصالحه، وما درى هذا الأب أن عقوق الولد لأمه يرجع بالويل، والثبور على ولده؛ لأن شؤم العقوق يرجع إليه؛ لهذا على الأب أن يراقب برَّ ولده بأمه، وإن رأى منه تقصيراً نبَّهَهُ عليه، وأدّبه على التزامه.

  • ثانياً: ضعف العلاقات الدافئة داخل أسرنا بين الآباء وأولادهم، فالسعادة ليست بما نأكل ونشرب، بل بدفء العلاقة في البيت بالمودة والرحمة، فهما من أسباب السعادة.
  • ثالثاً: معاملة الولد بقسوة أثناء تربيته، وتغييب الكلمة الطيبة وإشباع الأولاد بالكلمات القاسية، والألفاظ النابية؛ فينتج عن هذا تصحُّرٌ عاطفي، وعداوة وبغضاءٌ، وأول نتائج هذه القسوة هي عقوق الوالدين لآبائهم وأمهاتهم.
  • رابعاً: إهانة الأم أمام أبنائها من قبل الأب موقفٌ خطير؛ يغرس في نفس الولد العقوق، وبالمقابل ما تفعله الأم من تصغير مكانة الأب في عين أولاده  لا يقل سوءاً عن تصرف الأب؛ فالوالدان هما من يبذر بذور العقوق في نفوس أبنائهم.
  • خامساً: المشاكل الزوجية بين الوالدين، وحل هذه المشاكل على مسمع الأولاد، وعيونهم؛ عنصر هام في بذر بذور العقوق، وعندما تكون العلاقة بين الوالدين قائمة على الاحترام، والتعظيم؛ يتعلم الأولاد هذا السلوك ويسري فيهم، فالكلمات الدافئة من الزوجة لزوجها، ومن الزوج لزوجته؛ يغرس الاحترام، والبر في نفوس الأولاد.
  • سادساً: عقوق الآباء، والأمهات لآبائهم، وأمهاتهم يسري للأولاد أيضاً ﴿جزاء وفاقاً [النبأ 26]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِرُّوا آبائكم تبركم أبناؤكم وعِفُّوا تعفَّ نساؤكم» [7].

  فنحن نعطي أبنائنا دروساً في العقوق؛ من خلال علاقاتنا مع أبائنا، وأمهاتنا.

  • سابعاً: انتشار الثقافات الغربية في المجتمعات الإسلامية، وبين الأولاد: وهي ثقافات لا تمت لمبادئنا، وأخلاقنا وديننا، وقناعاتنا وعاداتنا بأي صلةً. فمثلاً: عيد الأم بالصورة الغربية المنتشرة، هي عند المسلمين صورةٌ من صور العقوق، وأبناء المسلمين – للأسف – صاروا يقلدون الغرب بكل هذه الالتهابات والأمراض؛ فظن أولاد المسلمين أنهم لوقاموا بواجبهم في عيد الأم فكأنهم قاموا بحق البر لوالديهم مع أن البر أوسع من هذا بكثير.
  • ثامناً: مصاحبة الولد العاق: فالمرء على دين خليله،  فالصديق البار يذكِّرُ صديقه بالبر، والصديق العاق يعوِّدُ صديقه العقوق.
  • تاسعاً: وسائل الإعلام تنشر في نفوس الأبناء فكرة العقوق؛ بما تعرضه متنافياً مع بر الوالدين.
  • عاشراً: بعض الآباء لا يعين ولده على بره: فرحم الله والداً أعان ولده على بره.
  • الحادي عشر: الدعاء للولد من قبل الوالدين يعين الولد على البر، فحال الأم التي تدعو لولدها: دعائي لك يردُّكَ إليَّ. لقد نهى رسول الله عن الدعاء على الأبناء كما في الحديث:«من هذا اللاعنُ بعيرَه؟! انزِلْ عنه، فلا تصحَبْنا بملعونٍ، لا تدْعوا على أنفُسِكم و لا تدعوا على أولادِكم، و لا تدْعوا على أموالكم، لا توافِقوا من اللهِ ساعةً يُسأَلُ فيها عطاءٌ، فيَستجيبُ لكم» [8].

اللهم وفقنا لمحابِّك، وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

_____________________________________________

[1]: أخرجه الحاكم 7350، البخاري في الأدب المفرد 895.

[2]: أبوداوود من حديث أبي هريرة 1536، والترمذي 1905 واللفظ له.

[3]: الأدب المفرد للبخاري 500.

[4]: ابن أبي عاصم في السنة 323.

[5]: الطبراني 8162.

[6]: الترمذي 1900، ابن ماجه 3663.

[7]: الطبراني في الأوسط 1002.

[8]: مسلم 3009.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الواحدة والأربعون| حق بر الوالدين (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

مانزال نتحدث عن حق بر الوالدين في جزئه الثالث؛ لأن الإنسان لايمكن أن يكون محسناً للناس؛ وهو غير مُحْسِنٍ مع أكثر الناس قرباً منه، وهما والداه؛ فالإحسان للناس متفرعٌ عن الإحسان الأول، وهو الإحسان للوالدين؛ لهذا أولَى الإسلام اهتماماً كبيراً ببرِّ الوالدين، فالولد البارُّ بوالديه يستطيع أن يقوم بالحقوق، والواجبات المتفرعة عن هذا الحق.

عندما تكلم الإسلام عن البر تكلم عنه بكلمةٍ جامعةٍ لكل أنواع البر، وبالمقابل عندما تكلم عن العقوق تكلم عنه بكلمة جامعة أيضاً لكل أنواع العقوق فقال تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء 23]، وبالمقابل قال: ﴿ولاتقل لهما أف﴾ [الإسراء 23]، فهما عنوانان عريضان دخل فيهما كل برٍّ، وكل عقوقٍ، فكل برٍّ دخل تحت كلمة إحساناً، وكل عقوقٍ داخل تحت كلمة: أف.

كثيرٌ من الأولاد لايميِّزُ بين ماهو من العقوق، وبين ماهو من البر؛ لهذا نرى الشاب يرفع صوته في وجه والديه، ولايدرك أثر هذا الفعل، وكم له من أثرٍ سلبي كبير في مسألة عقوق الوالدين؛ لهذا لابد من تحديد:

 الأسس التي جعلها الله أساساً لبرِّ الوالدين:

  • الأساس الأول: الله عزوجل جعل رضاه مقروناً برضا الوالدين؛ فرضا الوالدين؛ يحقق رضا الله.

روى ابن ماجه: أنَّ رجلًا أمرَه أبوهُ أو أمُّهُ شَكَّ شعبةُ أن يطلِّقَ امرأتَه فجعلَ عليهِ مائةَ محرَّرٍ، فأتى أبا الدَّرداءِ فإذا هوَ يصلِّي الضُّحى ويطيلُها، وصلَّى ما بينَ الظُّهرِ والعصرِ، فسألَه، فقالَ أبو الدَّرداءِ، أوفِ بنذرِك وبِرَّ والديكَ، وقالَ أبو الدَّرداءِ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: «الوالدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ فحافِظ علَى والديكَ أوِ اترُكْ»، وفي رواية «فإن شئت فأضِع ذلك الباب أو احفظه» [1]

البر سبب لكل توفيق في الدنيا والآخرة؛ والعلة في هذا: أن الله يوفق الإنسان البار بأعمال صالحةٍ يكرمه الله بها؛ تكون سبباً لدخوله الجنة، وتوفيقه، وأما العاق: فعقوقه يبعده عن فعل الصالحات؛ الذي يتسبب بفعل المحظورات فتكون سبباً في عقوبة الله عزوجل. 

  • الأساس الثاني: أحياناً تتزاحم الواجبات على الولد فيقدم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم؛ فنجد مثلاً: ولداً له والدان كبيران بالسن يحتاجاجان لمن يقدم لهما يد العون والمساعدة وليس لهما غير هذا الولد، ومع هذا نجد أن الولد يترك والداه المحتاجان ليذهب لأداء العمرة، أو غيرها من أعمال البر.

الإنسان العاقل يوازن بين الواجبات؛ فيقدم الوظيفة التي أوجبها الله عليه في الوقت (واجب الوقت) على غيرها من الواجبات؛ لأن عبادة الله ليست شهوةً، بل هي استجابةٌ لما يرضي الله عزوجل، والمسلم الحق يقدم مرضاة الله على رغبات النفس، و يقدم الأهم على المهم.

إن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله في بعض الحالات، والمعروف أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام.

جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ في الجِهَادِ فَقالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ» [2].

وعن عبدالله بن عمرو قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان فقال: «ارجع عليهما فأضحكهما كما أبكيتهم»[3].

أي ارجع إليهما فهذا جهادك الواجب على أمثالك ؛لأنه ترك لفرض الكفاية، وتقديم لفرض العين.

  • الأساس الثالث: من البر الواجب على الولد تجاه والديه أن يدعو لهما في حياتهما، وبعد وفاتهما بل إن بعض العلماء استحب الدعاء للوالدين دُبُرَ كل صلاة.

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له»[4].

كان أبو هريرة يمر على أمه إذا دخل أرضَه، وصاح بأعلى صوتِه: (عليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه يا أمَّتاه، تقول: وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، يقول: رحمكِ اللهُ كما ربَّيتِني صغيرًا، فتقول: يا بني وأنت فجزاك اللهُ خيرًا ورضيَ عنك كما بررْتَني كبيرًا) [5].

  • الأساس الرابع: حق الأم مقدم على حق الأب: قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً﴾ [الأحقاف 15].

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك»[6]

نفهم من هذا: أن حق الأم مقدم على حق الأب؛ والسبب أن الأب يستطيع بشخصيته وقوته أن يحافظ على حقوقه ويحميها، بينما الأم بضعفها، وعاطفتها الغالبة،  واحتكاكها الدائم مع أولادها يُضْعِف حقها، أضف إلى ذلك: قد ينشب خلافٌ بين الوالدين أمام الأولاد، فيَنْتَقِصُ الزوج من مكانة الأم؛ مما يشجع الابن على التمادي في حق أمه، فمن واجب الأب تعظيم مهام الأم، وما تقوم به من أعباء كثيرة، من تربيةٍ، وعنايةٍ، وجهدٍ في أعمال البيت، وعلى الأب أن يخبر ولده الناجح أن سبب نجاحه هو أمه؛ لما بذلته له من جهد ليحقق النجاح.

مهمة: تقع بعض الأمهات بخطأ؛ عندما تظن أن ولدها لها وحدها؛ فتنسى شخصية ولدها، وكيانه، وأن له رأياً، وشخصية، وأن هناك شخصٌ آخر سيهتم به أيضاً، ويأخذ حيزاً من وقته، وهو الزوجة، والأولاد، وبالمقابل على الابن أن يراعي مشاعر أمه، وأن يعرف أن حق أمه مقدَّمٌ على حق زوجته بل وأولاده. 

  • الأساس الخامس: أن يتعرف الولد على آدابه مع والديه: تلك الآداب والأذواق التي غابت عن أبنائنا، فمن هذه الآداب:
  1.  ألا تمشي أمام والدك، وألا توازيه في المشي، بل أن تتأخر خطوة إلى الوراء.
  2.  ألا تسمح لأحدٍ أن يفصل بينك، وبين والدك بالمشي.
  3.  إطاعة الوالدين في أي أمر، أو قرارٍ يريد اتخاذه، والمشاورة لهما في الأمور.
  4.  خطاب الوالدين بأدب.
  5.  أن يجلس قريباً من والديه؛ لتلبية حاجاتهما على الفور.
  6.  النهوض لهما كلما دخلا فالأب، والأم يفرحان لإكرام ابنهما لهما بالقيام، والتعظيم.
  7.  أن يقبِّلَ يد والديه باستمرار؛ فإن هذا يشعر الوالدين يتقدير ولدهما لهما.
  8.  أن يراقب نظرات والديه، ويلبي طلباتهما دون طلب منهما.
  9.  عدم رفع الصوت أمام الوالدين.
  10.  الإصغاء لحديثهما، وإن كان الولد يعرف هذا الحديث سابقاً.
  11.  عدم مقاطعتهما أثناء الكلام.
  12.  عدم معاقبة الأب ولدَه أمام والديه.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

_________________________________________

[1]: ابن ماجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي 3663، وانظر سنن الترمذي 1900.

[2]: أخرجه البخاري 3004، ومسلم 2549 واللفظ له.

[3]: أخرجه أبو داود 2528، والنسائي 4163، وابن ماجه 2782، وأحمد 6869 باختلاف يسير.

[4]: مسلم 1631.

[5]: الأدب المفرد للبخاري.

[6]: صحيح ابن حبان 434.

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة الأربعون| حق بر الوالدين (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا، ونبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

كنا تكلمنا في المحاضرة الماضية عن حق بر الوالدين، وهو الحق الأهم في العلاقات الاجتماعية؛ لأنه يتعلق بالوالدين؛ فهما صاحبا الحق الأكبر على الأولاد. يقول الله تعالى: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾ [لقمان 14]، فالشكر مطلوبٌ لله ثم للوالدين. وقال سبحانه أيضاً: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً﴾ [النساء 26]، عطفت الآية الإشراك بالله على الإحسان للوالدين؛ نظراً لأهمية حق الوالدين. 

لقد ذكر ربنا سبحانه صورةً فيها شيءٌ من المشقة على الولد في علاقتة مع والديه، وتشير الصورة بأنه إذا وجب البر فيها وتحقق، فغيرها أولى بالتحقُّقِ، فقال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء 23]، ربنا قال: ﴿عندك﴾ أي: أنت أيها الولد من يتولى رعايتهما، والاهتمام بهما، وربما تنفق عليهما؛ أي: إن الوالدين محتاجين لولدهما؛ وهذا قد يُشْعِرُ الولدَ بشيءٍ من الثِّقَلِ الذي ربما يقوده لشيءٍ من التقصير في جانب البر لوالديه أحياناً. 

الكِبَرُ سنٌّ، وحالةٌ قد تعتري الوالدين؛ فيصير لهما عقليةٌ خاصةٌ تختلف عن عقلية الولد؛ لهذا لابد من مراعاتهما عند وصولهما لهذا السن. 

صورة توضيحية: قد يتخلى الوالد عن مسؤولياته تجاه أولاده فلا يتحمل أي شيءٍ تجاههم؛ فهو يهجرهم، ولا يتفقد حوائجهم؛ مع أنه يملك القوة البدنية، والمالية، وأولاده بأمسِّ الحاجة لمن يمدُّ لهم يد المساعدة، وتتولى الأم هي تدبير شؤون أولادها.. فلو تغير الحال فانقلب حال الأب من القوة، للضعف ﴿الكبر﴾، ومن الغنى للفقر، وتغير حال أولاده من الفقر والضعف، والحاجة للقوة والغنى، واحتاج الأب لمساعدة أولاده.. فهل يجب على الأولاد برُّ أبيهم وهو الذي تَنَكَّرَ لهم عندما كانوا في مسيس الحاجة إليه؟

الجواب: يجب عليهم تمام البر، لأن هذا أمرٌ من الحق سبحانه عندما قال: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾، فالله هو الذي أوجب على الأولاد بر والديهم، وفرض هذا عليهم؛ أحسن الوالدان أم أساءا، قاما بواجباتهم أم قصَّرَا. 

هل يوجد منهج يحقق جانب بر الوالدين أفضل من دين الله؟ فالبر مقرون بطاعة الله ورضاه؛ فالإسلام لايقبل أن يَبَرَّ الولد أمه يوماً في السنة، أو أن يقدم لها هدية، أو زيارةً سنويةً، لأننا ننطلق في بر الوالدين من منطلق، ودافع الإيمان بالله تعالى، وتحقيق مرضاة الله يغذيه في كل وقت. 

أي عقوقٍ فوق أن يكون لأمٍّ أكثرَ من ولدٍ، ولاتجد واحداً  يهتم بها، ويرعى شؤونها؟!  

ماذا تريد الأم من البر أعلى مما أعطاها الله في كتابه، وسنة رسوله؟

هل يوجد أمٌّ في الشرق أو الغرب تحلُم بأكثر من البر الذي فرضه الله على الولد تجاه والديه؟ 

لو سألنا كتاب الله عزوجل عن بعض حقوق وواجبات الأولاد تجاه والديهم لأجاب: ألاَّ يقولَ الولدُ لهما كلمةً مؤلفة من حرفين ﴿أف﴾، وهي كلمةٌ تدل على التضجُّر، فالله لم يسمح أن يقول الولد لوالديه: أفٍّ؛ وإذا حرَّمَ التأفُّفَ؛ فقد حرَّمَ مايفوق هذا من أي نوعٍ من أنواع الأذى.

 هل يكفي ألا يتأفَّفَ الولد في وجه والديه، وألا يسبب لهما الإزعاج؟

الجواب: لا؛ لأن الله لمَّا حرَّمَ التأفُّفَ أمر الولد بأن يقول لوالديه حُسْنَاً فقال له: ﴿وقل لهما قولاً كريماً﴾

يجب على الوالدين تعويد أبنائهم، وتعليمهم الكلمة الطيبة، والمجاملة في الأقوال والأفعال؛ وتقصير الوالدين بهذا الأمر ينعكس بتقصير الأولاد في حق والديهم. 

شدة الوالدين وقسوتهم مع أولادهم تورث جفاءً بينهما، وتجفِّ العلاقة بينهما، وتصبح باردةً خاليةً من الدفء؛ فلا يستغرب الأب فقده الكلمة الطيبة من ولده، واللين عندما يصير محتاجاً لهذه الطِّيبَةِ، واللين، والرحمة؛ لأنه المتسبب بها. 

هل من المعقول أن نسمع أن أمَّاً تعيش عند ابنها تخاف منه؟!!

لقد ذكروا من معاني بر الوالدين أنه: لايجوز أن يعاقِبَ – بالضرب- الأب أولاده أمام والديه، ولو تدخلت الجدة في منع ولدها من ضرب حفيدها، إكراما لها؛ فعلى الابن أن ينصاع لطلب والدته؛ فيعطي الأب أبناءه درساً في البر، وتعظيم طلب الوالدين من أبنائهم، ويعرِّفُهُم قيمة الأب، والأم بطريقة عملية. 

قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء 24]، غَيِّبْ كل مَظْهَرٍ من مظاهر القوة أمام والديك؛ فإذا كنت غنياً اجلس أمامهما جِلْسَةَ الفقير، وإذا كنت قوياً أو صاحبَ منزلة بين الناس؛ اجلس أمامهما جِلْسَةَ الضعيف الذي لامنزلة له، وإذا كنت عالماً اجلس بين أيديهما كجاهل يطلب العلم فينصحك أبوك، أو أمك؛ فتستمع لنصيحتهم بكليتك… 

قد يروي الأبُ قصةً ما، ويكررها مراتٍ كثيرةٍ؛ فعلى الولد أن يصغي سمعه لهذه القصة، كأنه يسمعها أول مرة، وألا يتضجر من تكرار والده لها . 

رفع الصوت بوجه الوالدين مظهرٌ من مظاهر العقوق، وتحديدُ النظر بالوالدين من العقوق أيضاً. 

انظر إلى خطاب سيدنا إبراهيم عليه السلام مع والده – الذي كان يعبد الأصنام – كيف كان يفيضُ رحمةً وأدباً: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) [إبراهيم].

قد يلين الولد لوالديه لا رغبةً ببرهما، وبما عند الله من الأجر والرضا؛ بل بما عند الوالدين من مال يملكانه؛ فهذا لايُعَدُّ براً بل البر أن تفعله، وأنت ترجو فيه رضا الله ورحمة والديك، ورد جزءٍ من الجميل الذي قدماه لك ﴿وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن].

ربنا يقول: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾، فمن البر الدعاء للوالدين بعد وفاتهما. 

ويقول أيضاً: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف 15]، فالوصية ليس لها بنود بل هو بندٌ واحدٌ هو الإحسان إليهما. 

ربنا يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت 8]، لا تطعهما بالشرك، لكن لابد من صحبتهما بالمعروف. 

 جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقال: جِئتُ أُبَايِعُك علَى الهِجرةِ، وتركتُ أبويَّ يبكِيانِ فقال : “ارجِع إليهِما فأضْحِكْهُما كما أبكيْتَهُما”[1].

 طلحة بن معاوية السلمي قال: أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنِّي أُريدُ الجهادَ في سبيلِ اللهِ قال أمُّك حيَّةٌ؟ قلتُ: نعم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “الزَمْ رِجلَها فثمَّ الجنَّةُ”[2].

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية. 

وصلى الله على سيدنا، ونبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم .    

_____________________

[1]: أبو داوود 2528، النسائي 4163.

[2]: الطبراني 8162.

 

سلسلة تربية الأولاد في الإسلام| المحاضرة التاسعة والثلاثون| حق بر الوالدين(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

تعوَّدْنا في هذه السلسلة أن ننتقل من مسألة تربوية إلى أخرى، وقد ناقشنا المسؤولية الدينية، والمسؤولية العِلْمية، وقد وصلنا إلى المسؤولية الاجتماعية، واليوم سنبدأ الحديث عن الحق الأول من الحقوق الاجتماعية التي ينبغي أن نربي عليها أبنائنا؛ وهو حق برِّ الوالدين، والتحذير من عقوق الآباء، والأمهات.

بر الوالدين من الفرائض التي أمر الله بها، والعقوق من الكبائر التي نهى الله عنها. 

قضية برِّ الوالدين قضية هامةٌ؛ فكثير من البيوت نلمح فيها مشكلةَ العقوق للوالدين. 

كل الآباء يرغبون، ويطمحون بأن يكون أولادهم بَرَرَةً لكن الواقع خلافُ ذلك.

سنتناول قضية بر الولادين من عدة زوايا، حيث سنتحدث عن أهمية البر وأدلة وجوبه، وعن العقوق وآثاره، وعن فوائد البر، وآفات العقوق، وعن أسباب البر، وأسباب العقوق، وكيف يمكن أن نرقى بأولادنا لمستوى بر الوالدين.

سنبدأ بالزاوية الأولى:

 وجوب بر الوالدين وأهميته: علينا ونحن نتحدث عن هذه الزاوية أن نهتم بأمور منها:

  1. لابد أن نهتم باستثارة قلوب الأولاد؛ لغرس الشعور بالآخر، واحترام ماقدمه الآخرون من جهدٍ، وتعب فيجب أن نعلِّم الطفل الشعور بآلام الآخرين، كما يشعر هو بآلام نفسه، وأن يعظِّم جهد الآخرين كما يحب أن يقدِّرَ الآخرون جهوده. 
  2. إن أول ألم يجب أن يشعر به الولد هو: ألم الوالدين، وجهدهم.. أن يَعْلَم كم تعب والداه به حتى كبر، وغدا يافعاً. 
  3. كثير من الأبناء لايدركون كم تعب الآباء، وكم بذلوا من جهد تجاه أبنائهم، حتى يصيروا آباءً؛ عندها يدركون هذا الجهد، ويقدرون قدر هذا البذل بما لايدع مجالاً للشكِّ، ولكن يأتي هذا في وقت متأخرٍ؛ وهذا يعتبر مشكلةً كبيرةً ألاَّ يُدْرِكَ الابن فضل والديه حتى يصير أباً، أو تصير الفتاة أمَّاً؛ لهذا ينبغي تعليمُ الأولاد الشعور بجهود الآخرين، وآلامهم، وتقديرها قدرها؛ ليكون هذا التقدير في وقته، ومكانه المناسب لا بعد فوات الآوان. 
  4. إن وجود خُلُقِ الشعور بالآخرين يبدأ من البيت، والأسرة؛ لهذا يجب أن يكون هذا الخُلق موجوداً بين الزوج وزوجته أولاً، وبين الأولاد وآبائهم ثانياً؛ لأن وجود مثل هذه المشاعر في الأسرة تجعلها تسري في كيان الأبناء من حيث لايشعرون.
  5. التعليقات التي تصدر من الوالدين تجاه أولادهم إن كانت إيجابيةً فإنها تُنشئ رحمةً، وإن كانت سلبيةً فإنها تُنشئ قسوةً.. “لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت عليه السيدة فاطمة رضي الله عنها قام إليها فأخذ بيدها فقبَّلَهَا وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته، وأجلسته مجلسها”[1]، هكذا كان يفعل رسول الله مع ابنته، وهكذا كانت ابنته تفعل معه؛ فكم هو قدْر الاحترام الراقي بين الأب وابنته،  وكم غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلب ابنته من معاني الرأفة والاحترام ؟ كان رسول الله يُلاعب الحسن والحسين وهما صغيران، وينشر بينهما الأُلْفَةَ والمحبة والرحمة.. كم حجم الحب الذي سيَعْلَقُ بقلوبهم في المستقبل؟ وكم هو أثر هذا الحب على العلاقات الاجتماعية مع الآخرين؟
  6. إن تعويد الأولاد القيام بحقوق الآخرين وتقديرها منذ الصغر؛ يؤثر جداً في تربيتهم، وتعاملهم مع الآخرين عند الكبر.. كم هو مفيد في تربية الأولاد أن يأخذ الأب أبناءه لزيارة جدهم وجدتهم ليشاهدوا بأعينهم حجم المودة والرحمة بين والدهم وأجدادهم؛ فيتعلم الأولاد أخلاق الوالد؛ فيعاملون والدِيْهِم بنفس المعاملة.. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بروا آباءكم تبركم أبناؤكم”[2]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً: “البِرُّ لايبلى، والإثم لاينسى، والدَّيَّان لاينام فكن كما شئت كما تَدِينُ تُدَان”[3]
  7. إن قسوة الأب مع أهله أو مع أهل زوجته، وقسوة الأم مع أهل زوجها أو مع أهلها؛ يؤثر جداً في تربية الأبناء؛ لهذا لا نكون مخطئين لو قلنا إن كثيراً من أسباب العقوق ترجع للوالدَيْنِ أنفسِهم.  
  8. في حال نشوب خلافٍ ما بين الأب وولده، أو بين الولد وأمه؛ لم ينظر الإسلام لتحديد من هو المخطئ؛ لأن الابن مكلَّفٌ بالإحسان إلى والديه مهما كان، وبِغَضِّ النظر عن من هو المصيب ومن هو المخطئ؛ فالله عزو جل قال: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغنَّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً﴾ [الإسراء 23]، ولم يقل الله عزوجل: وبالوالدين عدلاً، مع أن الله عزوجل قال في آيات أخرى يحث على العدل فقال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل 90]، لكنا نجد الباري سبحانه يفرد الإحسان للوالدين ليقول : ﴿وبالولادين إحساناً﴾ [الإسراء 23]؛ لأنا لو أردنا إقامة ميزان العدل بين الأب، وابنه لاحتجنا إلى إقامة حَكَمٍ بينهما؛ لمعرفة المصيب من المخطئ، وهذا يؤثر كثيراً في قلوب الوالدين. فالحق الذي لاحَيْدَةَ عنه أن نربِّيَ الولد على الإحسان لوالديه؛ ابتغاء وجه الله وتحقيق مرضاته؛ فنربي الولد ونقول له، ونعلمه: أنْ هذا أبوك وهذه أمك، والله أمر بالإحسان إليهما. 
  9. الحق سبحانه وتعالى جعل قضية بر الوالدين قضيةً دينيةً فقال: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغنَّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً﴾ [الإسراء 23].
  10. حق الله تعالى على عباده مطلقٌ؛ فالله أمرنا ألاّ نعبد غيره، ولا حاجة لنسأل لم أمر الله بهذا؟ وكذلك الحال بالنسبة للإحسان للوالدين فعلينا الإحسان إليهم مطلقاً من غير سؤال عن عدل، أو غيره. 
  11. لو نظرنا لما يبذله الحريصون على بر الولادين من جهودٍ؛ لوجدنا أنهم ابتكروا و أنشأوا للأم عيداً ومهرجانات، وبرامج إذاعية،ولقاءات..،  ولو نظرنا لنتائج هذه الجهود لوجدناها تافهةً لاتوازي الجهود المبذولة: فقد صار الولد يزور أمه مرة في السنة في دار العجزة؛ ليقدم لها هديةً في هذا اليوم، ثم لايلبث أن يهجرها بقية العام.  أما لو نظرنا للإسلام فإنه أمر ببرِّ الوالدين ببعض الآيات، وبعض الأحاديث، ولكن النتائج كانت مبهرةً في تحقيق معاني البر؛ لأن الإسلام أمر ببر الوالدين من منطلق تحقيق مرضاة الله عزوجل؛ لهذا ورد ت في كتب السير قَصَص عجيبةٌ للبر؛ فهذا (رجل يحمل أمَّه على ظهره من خراسان إلى مكة حاجَّاً بها ثم يَسْأَل: هل أديت بِرَّها؟ فيُجَابُ: لا ما أديت لها طلْقَةً أثناء المخاض).  (وسُئِلَ الحسن البصري لِمَ لاتأكل مع أمك؟ فقال: أخشى أن تسبق عينها إلى لقمة تشتهيها فآكلها). 
  12. عندما نقوم بتربية الوازع الديني، وترسيخه في نفوس الأبناء؛ ينشأ الولد على تقدير والديه؛ لهذا أقصر الطرق لتحقيق بر الوالدين هو: التربية على تعظيم الله عزوجل، وربط بر الوالدين بتعظيمه سبحانه، وتحقيق رضاه. ولو نظرنا لخطاب سيدنا إبراهيم عليه السلام مع والده الذي كان يعبد الأصنام، ويصنعها، وكيف كان خطابه يُشْرِقُ أدباً واحتراماً معه، وقد بيَّنَ خطاب الله هذا المعنى عندما قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا[مريم ].

اللهم وفقنا لمحابك، وألهمنا مراشد الصواب، والهداية.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

_____________

[1]: البخاري من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها 3762.

[2]: الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه 7340.

[3]: أخرجه أحمد في الزهد من حديث أبي الدرداء برقم (773).