سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية | المقالة السابعة والخمسون والأخيرة | شكوى الرّسولﷺ ولحاقه بالرّفيق الأعلى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

عاد النبي ﷺ من حجة الوداع، فجهز جيشاً لغزو الروم، وأمَّرَ عليه أسامة بن زيد، واشتد بالنبي ﷺ المرض، فلم يغادر أسامة بالجيش؛ حتى يطمئن على صحة رسول الله ﷺ. ولما بَرَّحَ به المرض، أَذِنَ له أزواجُه أن يُمَرَّضَ عند عائشة، وقبل الوفاة بخمسة أيام قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ… قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» [1]. وفيه دليل على أن المرشح لخلافة الرسول أبو بكر.

ولكي يلقى ربه ولا أحد يطلبه بحق قال: «من شتمت له عرضاً، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن ضربت له ظهراً، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً، فهذا مالي فليأخذ منه… وإن أحبكم إلي من أخذ حقاً إن كان له، أو حَلَّلَنِي فلقيتُ ربي، وأنا طّيِّبُ النفس» [2].

ثم وَصَّى بالأنصار فقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، (أي بطانتي وموضعُ سري) وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» [3]، إشارة إلى أن الخلافة ليس للأنصار فيها نصيب، وإلا لما وصى بهم.

ثم صلى بالمسلمين صلاة المغرب، ولم يستطع أن يصلي بهم العشاء، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَأمهم أبو بكر، (فَوَجَدَ النَّبِيُّ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً… فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ» [4]. وفيه إشارة إلى إمامة أبي بكر الكبرى بتقديمه للإمامة الصغرى.

وحتى يخرج من الدنيا خفيفاً أعتق قبل وفاته بيوم مواليه، وأخرج سبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين سلاحه.

وفي يوم وفاته كان أبو بكر يصلي الفجر بالناس، فألقى النبي ﷺ على المصلين نظرة الوداع الأخيرة، فتبسم، ثم دخل الحجرة، وأرخى الستر). «ولَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ [5]. وَكان (بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ» [6]. ورأسه بين سَحْرِ وَنَحْرِ عائشة.

وشاع خبر وفاته ﷺ، فاضطرب المسلمون، فمنهم من سَقَطَ على الأرض، ولم تحمله رجلاه، ومنهم من عُقِدَ لسانه، ومنهم من هام على وجهه ذاهلاً، ومنهم من لم يصدق، لكنَّ رجل المواقف الصعبة أبا بكر ظل رابط الجأش قوي العزيمة، فهدأ النفوس، وثبّت الناس، وذلك بعد أن جاء فكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا [7]، فخرج (فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ [8]، وَقَالَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [9].

واجتمع أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة، فاختاروا – أتقاهم، وأنقاهم، وأفضلهم، وأشجعهم، وأكرمهم، وأحبهم إلى نبيهم – أبا بكر خليفة، ثم غسلوا النبي ﷺ في قميصه، وكفنوه بثلاثة أثواب يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلوا عليه فرادى، ودفنوه في حجرة عائشة، ثم أهالوا عليه التراب، وطويت أهم صفحة من صفحات تاريخ البشرية.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه البخاري، 466.

[2] مصنف عبد الرزاق، 18043.  

[3] رواه البخاري، 3588.

[4] رواه أحمد في المسند، 26400.

[5] رواه البخاري، 4462.

[6] رواه البخاري، 4449

[7] رواه البخاري، 3667.

[8] رواه البخاري،3668.

[9] آل عمران، 144.

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة السادسة والخمسون| حجة الوداع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

في ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ أُذِّنَ فِي النَّاسِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَاجٌّ هَذَا الْعَامَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا إِلَّا قَدِمَ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ويتشرف بصحبته، حتى تجاوز عددهم مائةَ ألف. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام لخمس بَقَيْن من ذي القعدة، حَتَّى إِذَا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ ناقته، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ هو ومن معه بالحج، ولَبَّوْا، ثم دخل مكة من طريق كَداءَ، ودخل المسجد من باب بني شيبة، فلما رأى البيت قال: «اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً، وزد من عظَّمه ممن حجَّه واعتمره تشريفاً وتكريماً ومهابةً وتعظيماً وبراً) [1]. حَتَّى إِذَا أَتى الْبَيْتَ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَطَافَ سَبْعًا؛ رَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعاً، ثُمَّ أتى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبراهيمَ مُصَلَّى)، فَصَلَّى خلف المقام رَكْعَتَيْنِ، قَرَأَ فيهما: (قُلْ هوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ يَا أيُّها الكافِرونَ) [2]. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ توجه إِلَى الصَّفَا، فقَرَأَ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شعائِرِ اللَّهِ) [3]، وقال: أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ، ودَعَاه، ثُمَّ مَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ، فلما صار فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، فلما صعد الْمَرْوَةَ، فَعَلَ عَلَيها كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ للناس: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أسق الهَدْيَ، وجعلتُها عُمْرةً؛ فمنْ كانَ مِنْكُم لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) [4]. وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النبي: (مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ)؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أهلَّ بهِ رسولُكَ. قَالَ: (فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ؛ فَلَا تَحِلَّ)» [5].

وحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ، وَمَنْ كَانَ مَعَه هَدْيٌ، فَلمَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنىً، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، فلما طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَنَزَلَ بِقبته، فلما زَاغَتِ الشَّمْسُ، أَتَى بَطْنَ الْوَادِي على راحلته، فَخَطَبَ النَّاسَ: فعظّم حرمة الدماء والأموال، ووضع خبث الجاهلية تحت قدمه منها الأخذ بالثأر، وأكل الربا، وحذر من التلاعب بالأشهر تقديماً وتأخيراً، وتحليلاً وتحريماً، وجعل السَنَة اثني عشر شهراً، منها أربعة حرم، ووصى بالنساء والأرقاء خيراً، وأمر بالتمسك بالكتاب والسُنّة حتى لا يضلوا، وأوصى بطاعة الحاكم، ما أقام فيهم حكم الله، وحذّر من قتال المسلم أخاه المسلم، وحَمَّلَ المسلمين مسؤولية التبليغ والدعوة، ثم قال: هل بلغت قالوا نعم؟ قال: اللهم اشهد ثلاثاً.

«ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ وأَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ جمعاً وقصراً دون نافلة، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، يهلل، ويكبر، ويبتهل، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فأفاض إلى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يتنفل بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، يدعو، وَيُكَبِّرُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُوَحِّدُ، حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ طلوعِ الشَّمْسِ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ أتى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَأَتَمَّهَا مائة، وأكلا من لحومها، ثم ما سئل عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: (افعلْ ولا حرج)» [6].

ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، وشَرِبَ مِنْ ماء زمزم، ثم عاد إلى المدينة، يواصل مسيرته في الجهاد، والدعوة إلى الله.

وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

_____________________________

[1]: البيهقي في سننه الكبرى، 9213.

[2]: رواه مسلم، 147/ 1218.

[3]: سورة البقرة، 158.

[4]: رواه مسلم، 147/ 1218.

[5]: رواه مسلم، 147/ 1218.

[6]: رواه البخاري، 1736، ومسلم، 1306.

 

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الخامسة والخمسون| بعوث رسول الله إلى الناس لتعليم الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.  

ما أرسل الله من رسولٍ إلا دعا قومه إلى عبادةِ الله وحدَه، وخلعِ ما سواه من الآلهة المزعومة، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [1].

لذا لما كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ وجهُهُ يوم أحد، قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إنّي لم أُبْعَثْ لَعَّاناً؛ ولكن بُعِثتُ داعياً ورحمة» [2].

وقَالَ: «يَا عَلِيُّ، لِأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» [3]، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً، ولم يبعثه جابياً) [4].

وكانت الدعوةُ إلى الله هي الأساس في تثبيت الإيمان في قلوب الشعوب الداخلة في الإسلام من جديد؛ لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل خيرة أهل العلم من أصحابه على شكل مجموعات إلى القبائل، مع ما يكون في ذلك من مخاطر على حياتهم، كما حصل لأصحاب الرجيع بين عسفان ومكة، وكانوا عشرة من كبار الدعاة، تداعى عليهم قريب من مائتي رجل من بني لَحيان، فقتلوهم، وأسروا اثنين منهم، فباعوهما لأهل مكة؛ ليقتلوهما بمن قتل منهم في بدر.

ولكنَّ هذا المصاب الجلل، لم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من مواصلة إرسال الدعاة إلى الله مهما بلغت التضحيات. فلم يمضِ وقتٌ طويلٌ، حتى أرسل سبعين ممن يسمون بالقراء إلى أهل نجد، بجوار عامر بن مالك؛ زعيم بني عامر، فلما كانوا على بئر معونة، استصرخ عليهم عامر بن الطفيل قبائل رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ، فقتلوهم عن آخرهم، قال أنس بن مالك: (ما رأيت رسول الله وَجَدَ على شيءٍ قَطُّ ما وَجَدَ على أصحاب سرية بئر معونة، فمكث شهراً يدعو على الذين أصابوهم في قنوت صلاة الغداة) [5].

بعد هاتين الحادثتين المروعتين صار النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الدعاة مُعَلِّمينَ، ولكن ضِمْنَ سرايا عسكرية، يحملون القرآن بيدٍ، والسيف بيدٍ، والظروفُ تحدد ما ينبغي استعمالُه.

فكانت بعثة أبي موسى الأشعري، ومعاذِ بن جبل إلى اليمن بصحبة سريةٍ مسلحةٍ للتعليم والهداية، وإن اضطروا إلى القتال قاتلوا، وأوصاهما قائلاً: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» [5].

وفي هذه البعثات دليل على أنه يجب على المسلمين في كل عصر القيامُ بواجب الدعوة إلى الله، حتى وإن دعا الأمر للسفر إلى البلاد القريبة أو البعيدة، وقد أجمع الأئمة الأربعة على أن القيام بحق هذه الدعوة فرض كفاية على كل مكلف من المسلمين حتى النساء على الصحيح، ولا تسقط المسؤولية إلا بقيام طائفة تقع موقع الكفاية بشؤون الدعوة في كل بلد من بلاد الإسلام، وإلا فجميع أهل تلك البلدان آثمون.

ونستفيد من الوصية التي وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما بعض الآداب التي يجب أن يتحلى بها الداعية في أثناء دعوته.

  •  منها: أن يُغَلِّبَ جانبَ التيسيرِ على جانبِ التعسير.
  • ومنها: أن يعتمد على التبشير أكثر من الإنذار والتنفير، بشرط ألا يتجاوز التيسير والتبشير حدود ما هو مشروع؛ بتبديل بعض الأحكام، أو التلاعب بمفاهيم الإسلام، وإباحة الحرام.

ولما كان معاذ رضي الله عنه متسماً بصفة الداعية، وصفة الإمارة، حذره النبي صلى الله عليه وسلم من الظلم؛ سيما ما يتعلق بأخذ أموال الناس بغير حق، فقال: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» [7].

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.  

____________________________________

[1]:سورة النحل، 36.

[2]: أشرف الوسائل إلى فهم الشّمائل لابن حجر الهيتمي 1/ 502.

[3]: الحاكم في المستدرك، 6537.

[4]: تثبيت دلائل النبوة 2/ 334.

[5]: رواه البخاري،3870. وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.

[6]: رواه البخاري، 3038.  ومسلم، 7 – (1733).

[7]: رواه البخاري، 1496، ومسلم، 29- (29-19).

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الرابعة والخمسون| وفد عدي بن حاتم الطائي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

عَرَفَ أبو طريف عدي بن حاتم منذ نعومة أظفاره أنه سيخلف أباه حاتماً في زعامة قبيلة طيِّء، فاتخذه قدوة له في الجود، والفروسية، والعفة، والتسامح، والنأي بنفسه عن الشر، حتى ساد القبيلة من بعد أبيه دون منازع، وكان أفراد القبيلة يتسابقون لخدمته وطاعته، ويؤدون له عن رغبة ربع ما يغنمونه في حروبهم، فكان واسع الثراء، مما ساعده على نيل الشرف والسؤدد، واعتنق الرَّكُوسِيَّة. (وهي عقيدة بين النصرانية والصابئة).

ولما صدع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق، ودانت له الجزيرة العربية، سمع عديٌّ أن الإسلام يقضي على الوثنية، ويلغي الولاء للقبيلة، ويجعل الولاء والطاعة لله وحده، ويزيل من حياة الناس التفاخر بالمال، والجاه، والنسب، ويصبح الجميع في دين الله سواسية، لا فضل فيهم لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فأضحى يرى في محمد زعيماً له طموحات وأطماع، تسعى للقضاء على كل الزعامات القبلية في بلاد العرب؛ وهذا حتماً سيفضي إلى ضياعِ ملكه، فأبغض النبي وعاداه أشدَّ العداوة؛ حفاظاً على مصالحه ومكتسباته.

ولما أَرْسَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم سريةً إلى قبيلة طيِّءٍ، هرب عديٌّ مع أهله إلى الشام، مخلفاً وراءه أخته سَفَّانَة، فأسرها المسلمون، ثم مَنَّ عليها الرسول؛ فأطلق سراحها، وكساها، وحملها على ناقة، وأعطاها نفقة تكفيها، ولم يسمح لها بالخروج إلا مع من تثق به؛ كي يُبْلِغَهَا أهلها بسلام. فلما حطت رحالها في بيت أخيها، استطاعت برجاحة عقلها أن تقنع أخاها بلقاء رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فشد الرحال من فوره إليه من غير عهد ولا عقد.

فلما دخل على النبي في المسجد، قَامَ إليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقَ به إلَى بَيْتِهِ، فاستوقفته عجوز فانية؛ تُكَلّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا؛ فقَالَ عدي فِي نَفْسِه: وَاَللهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ!!

أجل، فما أبعد الطامعَ بالملك عن الصبر على مثل هذه الوقفة الطويلة مع مثل هذه العجوز الفانية، ولئن صابر نفسه مرة فَتَصَنَّعَ لذلك، فما أسرع ما تظهر دلائل المصانعة من تبرم وتأفف في مواقف أخرى.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت هذه سجيتَه وطبيعتَه في كل شؤونه وأحواله إلى آخر حياته.

وتابع الرسول سيره بعدي إلى بيته، وكان عدي يتوقع أنه سيدخل على قصر مشيد، يليق بمقام ملكٍ أَرْعَبَ كسرى وقيصر، لكنه فوجئ ببيتٍ متواضعٍ كبيوت الفقراء، ليس فيه إلا وسادة واحدة حشوها ليف، آثره النبي عليه الصلاة والسلام بالقعود عليها، وقعد هو على الأرض، وظل صلى الله عليه وسلم زاهداً في الدنيا لم يغير ولم يبدل إلى أن لحق بربه، فأي سرّ يمسكه على هذه الحال غيرُ سرّ النبوة التي أكرمه الله بها؟!

ثم دعا النبي عَدِيًّا إلى الإسلام بعد تلك السلسلة من المقدمات، التي تَأَلَّفَ بها قلبَه، وأَطْفَأَ ما في نفسه من نيران الكراهية والحقد، واسْتَدْرَجَه بالقدوم عليه حين طَمْأَنَهُ بالعفو عنه بقوله: «إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي» [1]، ولما قَدِمَ دَعَاهُ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وأولاه من الاحترام والإكرام ما هو به جدير، يضاف إلى ذلك ما رآه عدي في بيت الرسول، وفي طريقه إليه، وفي حديثه معه من آيات النبوة ما أقنعه برسالته، فأسلم وجهه لله، وأخذ مكانه بين صفوف المجاهدين في حروب الردة،

ثم في فتح بلاد فارس؛ ليرى بعينه ما أخبره به الرسول عليه أفضل الصلاة  من أمور غيبية:

  •  منها: اغتنام كنوز كسرى بن هرمز.
  • ومنها: انتشار الأمن في بلاد الإسلام.
  • ومنها: فيضان المال، وقد شاهد الأولى والثانية، وأقسم لتكونن الثالثة! وقد حصلت في خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________

[1]: سنن الترمذي 2953.

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الثالثة والخمسون| وفد نجران

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. 

أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أهل (نجران) كتاباً جاء فيه: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسّلام» [1].

فلما وصل الكتاب إلى أسقف نجران، ضرب بالنَّاقُوسِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْوَادِي الذي يضم ثَلَاثاً وَسَبْعينَ قَرْيَةً، فَقَرَأَ الأسقف الكِتَابَ عليهم، فَاجْتَمَعَ رأيهم عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا وفداً إلى المدينة يأتيهم بالخَبَرِ، فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ، فلما شارفوا المدينة لبسوا أردية الكهنوت الفاخرة، وتحلّوا بالذّهب، وجاؤوا يخبّون في الحرير، فَسَلمُوا عَلَى النبي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ، ولَمْ يُكَلِّمْهُمْ طيلة يومه حتى يغيروا من زيهم، ففعلوا، ثُمَّ سَاءَلَهُمْ، وَسَاءَلُوهُ حَتَّى قَالُوا لَهُ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذَا، فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِرَكُمَا بِمَا يُقَالُ فِي عِيسَى» [2]. فَأَصْبَحَ الْغَدُ وَقَدْ أُنزلَت هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [3].

أي: كمثل آدم في خروج خلقه عن مألوف العادة؛ فآدم عليه السلام خلقه الله بلا أب ولا أم، ولم يقل أحد إنه ابن الله؛ فمن الأولى ألا يقال ذلك في عيسى عليه السلام، فلم يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فدعاهم للمباهلة التي أمره الله بها بقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [4]، فَقَالَ صاحب الرأي فيهم: إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَاعَنَّاهُ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْرٌ وَلَا ظُفُرٌ إِلَّا هَلَكَ، فَقَالوا للنبي قبلنا بما تحكم به، «فصالحهم عَلَى ألفي حلة، ألفٍ فِي رجب، وألفٍ فِي صفر، لا يَقِلُّ وزن الحلة على أوقية، وعلى عاريةِ ثلاثين درعاً، وثلاثين رمحاً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين فرساً، إن كَانَ باليمن كَيْدٌ، ولنجرانَ وحاشيتِهم جوارُ اللَّه، وذمةُ محمد النبي رسول الله، على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبِيَعِهِم» [5].

(فشدوا رحالهم بالكتاب إلى نجران، فتلقاهم أكبر أساقفتهم أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، الذي أغدقت الروم عليه الأموال؛ تكريماً له لنشاطه في الدعوة إلى النصرانية، تلقاهم علَى بَغْلَةٍ لَهُ فَعَثَرَتْ به، فقال أخوه كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ: وكان معه، تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ! فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كُوزٌ: مَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إلَّا خِلَافَهُ، فَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنّا كُلّ مَا تَرَى) [6].

فأتى أخوه المدينة وأَسْلَمَ. فحبُّ الدنيا منع أسقفَ نجرانَ من الإسلام، وحُبُّ الزعامة والملك منع هرقل، وتقليدُ الآباء منع أبا طالب، والحسدُ منع اليهود من الإسلام.

وفي قصة أهل نجران فوائد كثيرة:

  •   منها: أن مجرد إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام، بل لابد من الإذعان والنطق بالشهادتين.
  • ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب، وفي نَسْخِهَا خلاف، فمنهم: من قال: نُسِخَتْ بآية السيف، والأصح عدم نسخها، وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة، وفيها مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________

[1]: السيرة النبوية لابن كثير.

[2]: دلائل النبوة، 5/ 387.

[3]: سورة آل عمران، 59.

[4]: سورة ال عمران، 61.

[5]: الطبقات لابن سعد، 1/ 267

[6]: السيرة النبوية لابن هشام، 1/ 573.

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الثانية والخمسون| وفد ثقيف

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

حين فتح المسلمون مكة، وانتصروا على هوازن في حنين، وعلى الروم في تبوك، أخذت القبائل العربية تتوافد على المدينة، فمنهم من يريد اعتناق الإسلام، ومنهم من يريد المسالمة رهبةً منه، أو رغبةً فيه، وذلك في العام التاسع الهجري، الذي سمي بعام الوفود، من أهمها وفد ثقيف.                    

كان لثقيف ماضٍ سيءٌ جداً مع المسلمين؛ لأمورٍ:

  •  منها: موقفهم السلبي من الرسول صلى الله عليه وسلم حين أتاهم في السنة العاشرة للبعثة يستنجد بهم، ويدعوهم إلى الإسلام.
  • ومنها: اشتراكهم مع هوازن في حرب حنين.
  • ومنها: قتلهم زعيمهم عروة بن مسعود حين دعاهم إلى الإسلام، مما ترك أثراً سيئاً في نفوس المسلمين نحوهم، فحاصرتهم قبيلة هوازنَ التي أسلمت عما قريب بقيادة زعيمها مالك بن عوف، فتدهور وضعهم الاقتصادي؛ مما دفعهم مرغمين للتشاور فيما بينهم، فخلصوا إلى أنه لا طاقة لهم بحرب المسلمين، فأرسلوا وفداً، يرأسهم عَبْدُ يَالِيلَ بنِ عمرو، حتى حطوا رحالهم قريبا من المدينة [1]، فلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ   [2]؛ وفي هذا دليل على جواز دخول الكفار إلى مساجد المسلمين بإذن مسلم مكلف كامل الأهلية بشرط ألا يكون قد شُرِطَ عليهم في عقد الذمة عدمُ الدخول، وألا يكون دخولهم للنوم والأكل، أو السياحة وألا يُخشى تنجيس المسجد، أو التشويشُ على المصلين، أو فتنتُهم بدخول نساءٍ بأزياءَ فاضحة، واستقر الأمر أخيراً على استثناء مكة والمدينة [3].           

وبعد أيام من ترددهم على الرسول عليه الصلاة والسلام سألوه أن يكتب وثيقة صلح بينه وبينهم، يأذن لهم فيها بالزنا، وشربِ الخمر، وأكلِ الربا، وأن يترك لهم اللات، ويعفيَهم من الصلاة، فأبى أن يقبل شيئاً من ذلك، فرضوا بكل ما طلب منهم؛ لِمَا رأوا من إصراره، على أن يكفيهم هدم اللات، فأجابهم إلى ذلك، وكتب لهم كتاباً، وأمَّرَ عليهم عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ؛ لِمَا رأى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى العلم، وفهم القرآن.

وفيه دليل على أن أحق الناس بالولاية والإمامة أعلمُهم بكتاب الله.    

ثُمّ خَرَجَ الْوَفْدُ عَامِدِينَ إلَى الطّائِفِ، فسألهم قومهم عما رجعوا بِهِ؟ فأخذوهم بالحيلة؛ لما يعلمون من عنادهم، فقَالُوا: جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُل دَانَ لَهُ العرب، وأرعب بني الأصفر، وحَرّمَ عَلَيْنَا الزّنَا، وَالْخَمْرَ، وَالرّبَا، وطلب أَنْ نَهْدِمَ الرّبّةَ، فلم نقبل، وهو مصبحكم، أو ممسيكم.

فأَدْخَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ؛ فَقَالُوا: مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ، فَارْجِعُوا إلَيْهِ فَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ، وَصَالِحُوهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إلَيْنَا بالْجُيُوشَ.

حينئذٍ أخبروهم بما جرى، وأثنوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: وَجَدْنَاهُ أَبَرّ النّاسِ، وَأَوْصَلَ النّاسِ، وَأَوْفَى النّاسِ، وَأَرْحَمَ النّاسِ، وأصدق الناس، وَقَدْ أعفانا مِنْ هَدْمِ اللات، وأرسل أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة؛ لهدمها، فقَالَ الْمُغِيرَةُ لِأَصْحَابِهِ حين أَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَاسْتَوَى عَلَى رَأْسِ اللات: لَأُضْحِكَنّكُمْ الْيَوْمَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَقَدْ خَرَجَت ثقيف عن بكرة أبيها، الصغار، والكبار، والرجال، والنساء حُسَّرًا، يبكين اللات، وينحن عليها، فَلَمّا ضَرَبَ الْمُغِيرَةُ ضَرْبَةً بِالْمِعْوَلِ، تظاهر أنه سَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ، يفحص برجليه كالمذبوح، فَصَاحَ أَهْلُ الطّائِفِ صَيْحَةً وَاحِدَةً: كَلّا! زَعَمْتُمْ أَنّ الرّبّةَ لَا تَمْتَنِعُ، بَلَى وَاَللهِ لَتَمْتَنِعَنّ! وَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ مَلِيَّاً، وَهُوَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ، ثُمّ اسْتَوَى قائماً، وأكمل مهمته، وَانْتَهَى إلَى خِزَانَتِهَا، وَانْتَزَعُوا حِلْيَتَهَا، وَكُسْوَتَهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ طِيبٍ [4]؛ فبهتت ثقيف، وأدركت أنها كانت في ضلال، فأسلمت، وغدت بعدها من أشد القبائل إخلاصاً للدعوة؛ حتى قال المغيرة: (فَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ فَلا أَعْلَمُ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ بَنِي أَبٍ وَلا قَبِيلَةً كَانُوا أَصَحَّ إِسْلامًا وَلا أَبْعَدَ أَنْ يُوجَدَ فِيهِمْ غِشٌّ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ مِنْهُمْ) [5].

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

__________________________________________

[1]: سيرة ابن هشام، 2/ 537 باختصار.

[2]: سنن أبي داود، 3028.

[3]: إعلام الساجد للزركشي: 319- 321 باختصار.

[4]: البيهقي دلائل النبوة، 5/ 301، زاد المعاد في هدي خير العباد، 3/ 522.

[5]: ابن سعد في الطبقات الكبرى، 1/ 238.

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الحادية والخمسون| أبو بكر أمير الحج

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

كان الحج إلى بيت الله الحرام مما ورثه العرب عن إبراهيم الخليل عليه السلام، إلا أنه امتزج بكثير من خرافات الجاهلية كالطواف بالبيت عراة، حتى غدا الحج من مظاهر الشرك أكثر من كونه عبادة قائمة على التوحيد.

فلما عاد النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوك، أمَّرَ أبا بكر على الحج؛ ليقيم بالمسلمين المناسك، فلما فصل عن المدينة، نزلت سورة براءة، تقضي مطالعها بأن «من كَانَ لَهُ عهد فَأَجَلُهُ إِلَى أَمَدِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ عهد بِالْكُلِّيَّةِ، أو له عهد مفتوح، يؤجلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ومن ثم فليس لهم إلا الإسلام، أو القتل. وبهذا تكون الآيات قد أجهزت على الوثنية، ولا مكان لأصنامهم بعد المهلة المضروبة لهم. فأرسل النبي علياً بهؤلاء الكلمات، ينادي أيام التشريق: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ وَمُشْرِكٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ» [1]. وقد يحلو لبعض المغرضين أن يعترض على الإسلام عندما طارد الوثنية؛ بأنه خنق حريّة الرأي.

لكن من يعلم الويلات التي عاناها المسلمون من رعونات المشركين والسفهاء من أهل الكتاب، فإنه يَعذِرُهم.

إن وفاء الإسلام بالعهود بلغ حداً من الدقة والسمو لم تعرفه إلى اليوم أرقى المؤسسات الدولية، بينما اليهود لا يرون للمعاهدات حرمة، بل يستبيحون الحقوق المقررة لغيرهم، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [2].

بل بلغ من نبل الإسلام أن يؤخر نصرة المسلمين؛ لِأَجْلِ عهدٍ مع الكفار! قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [3]. في الوقت الذي كان فيه المسلمون يبالغون في رعاية العهود، كان المشركون وأهل الكتاب يعاهدون، وهم يضمرون الغدر، وحين تواتيهم الفرص ينبذون عهدهم، فبنو النضير عندما خلوا برسول الله همّوا بقتله، وبنو قينقاع كشفوا عورة مسلمة، ولما انتصر لها مسلم قتلوه، وبنو قريظة شاركوا الأحزاب يوم الخندق، كما نقض المشركون صلح الحديبية، وعدا بعض أمراء نصارى الشام على سفير للنبي فقتله، مع أن العرف السائد أن السفراء لا تقتل! وبناء على اطراد هذه الحوادث ضد المسلمين؛ ثبت لهم أنهم يعامِلون بشراً بلا شرف؛ فأصبح لزاماً على المسلمين أن يُعَدِّلُوا مسلكهم، وأن يحسموا عهوداً لم يحترمها إلا الطرف المسلم؛ فنزلت سورة براءة في ظل هذا الواقع الأليم؛ لتضع حداً لألاعيب هؤلاء السفهاء المقززة، فقال تعالى: ﴿إنما المشركون نجس؛ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [4]. وتفي لأهل الوفاء بعهودهم إلى مدتهم، قال تعالى:﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [5].

أما المعاهَدون الذين يساكنوننا في بلادنا، ويشاطروننا الأفراح والأتراح، فإن حقوقهم محفوظة، والوفاء لهم واجب، وقد أوصى الإسلام بهم خيراً، وحذّر من الإساءة إليهم، قال رَسُولِ اللَّهِ: «أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [6]. وقَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [7].

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________  

[1]: رواه البخاري، 48.

[2]: سورة آل عمران، 75.

[3]: سورة الأنفال، 72.

[4]: سورة البقرة، 191.

[5]: سورة التوبة، 4.

[6]: سنن أبي داود، 3054.

[7]: رواه البخاري، 6914.

 

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الخمسون| غزوة تبوك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

لمّا فتح المسلمون مكة، وهزموا هوازن في حنين، دخل العرب في دين الله أفواجاً، وفي أقل من عام صار العرب حماة الإسلام، الذي مهمته في الحياة الدعوة إلى توحيد الله، ونبذُ الطواغيت، وإصلاح الفساد، وتقويم المعوج، ومطاردة الشر، وقمع الرذيلة، ومحق الظلم، وإقامة العدل، ونشر الفضيلة ومكارم الأخلاق، وتربية المجتمع على المنهج الذي ارتضاه الله سبحانه لعباده.

وكانت دولة الرومان تدرك خطر الإسلام على مصالحها، بل على مصيرها، فأعدّوا لتقويضه قبل أن يستفحل أمره عدتهم، وجمعوا الجموع، وأجلبوا معهم القبائل العربية الموالية لهم؛ يريدون غزو المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، واستنفر أهل مكة، وقبائل العرب، وخطب في الناس يحضهم على الجهاد بالنفس والمال، فبادر المسلمون يتنافسون في الإنفاق في سبيل الله، فجاء عثمان بألف دينار نثرها في حجره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يضر عثمان ما فعل بعدها [1]، وثلاثِمائة بعير بأحلاسها وأقتابها [2]، وخمسين فرساً مسرجة [3]!! وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية من الفضة [4]، وجاء أبو بكر بكل ماله» [5]، وتصدقت النساء بكل ما استطعنه من حُلِيِّهِنَّ، وغيرهم وغيرهم كثير، فجهز رسول الله الجيش بما اجتمع لديه، وجاء البكاؤون يسألونه أن يحملهم، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع؛ حزناً على ما فاتهم من شرف الإنفاق والجهاد، وراح المنافقون ينتحلون الأعذار، ويثبّطون غيرهم عن الخروج، وَتَوَافَدَ جندُ الله من كل صوب حتى ناف العدد على ثلاثين ألفَ مقاتل، ومعهم عشرةُ آلافِ فرس، واختار النبي لحمل اللواء الأعظم بطل الإسلام أبا بكر الصديق.

وقد شاء الله تعالى أن تكون غزوة تبوك في شدة الحر، وبُعْدِ الشقة، وشُحِّ المؤونة، وقلةِ الظهر، وقوة العدو، وطيب الثمار؛ ليميز الخبيث من الطيب؛ لذا قعد المنافقون مع القاعدين.

وطارت الأخبار إلى جموع الروم المحتشدة أن المسلمين قادمون إليهم بثلاثين ألف مقاتل، فاستحوذ عليهم الرعب، وهو جندي من جنود الله، فآثروا الانسحاب إلى داخل بلاد الشام، متحصّنين بحصونها المنيعة على المواجهة، حتى ولو كان في ذلك سقوط هيبة الدولة، وظهورها بصورة مخزية أمام العالم. وحين وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، لم يجد منهم أحداً، فتفرغ لنصارى العرب الموالين للروم، «فضرب الجزية على أهل أَيْلَةَ، ودُومَةَ الجندل، وأذرُح، وجَرباء، ومَقْنَا. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يرى أن يتوغّل في عمق دولة الرومان، فأشار عليه عمر بْنُ الْخَطّابِ: بالرجوع حتى يُحْدِثَ اللهُ تعالى فِي ذَلِكَ أَمْرًا» [6]. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أمّن دولة الإسلام من الشمال، وأسقط هيبة الروم، وأظهر قوة الدولة الإسلامية على تحدي القوى العظمى في العالم، فبادرت القبائل العربية تفد إلى المدينة معلنة إسلامها؛ حتى سمي العام التاسع بعام الوفود. وما إن حط النبي صلى الله عليه وسلم رحاله في المدينة حتى جاء المخلفون من المنافقين يعتذرون إليه، ويحلفون الأيمان المغلظة أنهم كانوا معذورين، وهم كاذبون، فنزل القرآن يفضح دخائلهم، ويكذّب أقوالهم، ويتوعدهم بأسوأ المصير. وكان ممن تخلفوا ثلاثة من الصادقين، اعترفوا بخطئهم؛ معلنين توبتهم؛ فنُهي المسلمون عن كلامهم، ثم أُمروا باعتزال نسائهم، وكان منهم كعب بن مالك، يأتي فيسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يرد عليه السلام. فلما مضى على ذلك خمسون يوماً، تاب الله عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك» [7]؛ فسجد شكراً لله.

وفي ذلك دلالة على مشروعية الهجران لسبب ديني، وعدمِ وجوب ردّ السلام على من يستحق الهَجر، وأن سجود الشكر لله عبادة مشروعة.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

________________________________________

[1] : رواه الترمذي في سننه، 3701. والإمام أحمد في مسنده، 20630.

[2]: رواه الترمذي، 3700. والإمام أحمد في المسند، 16696.

[3]: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، 1/ 218.

[4]: مغازي الواقدي، 3/ 991.

[5]: سنن أبي داود، 1680. وسنن الترمذي، 3675.

[6]: مغازي الواقدي، 3/ 1019.

[7]: السيرة النبوية لابن هشام، 2/ 536.

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة التاسعة والأربعون| غزوة حنين (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

لما هُزِمَتْ هوازنُ في حنين، وتحصن أكثر الفارين مع قائدهم مالكِ بنِ عوفٍ النصري في الطائف، ضرب المسلمون عليهم حصاراً شديداً، ولما طال الحصار، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع أعناقهم، فسألوه أن يدعها لله والرحم، فتركها، وعمل على خلخلة الجبهة الداخلية، فنادى منادِيه: من خرج من عَبِيدِ ثقيف إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون رجلاً، فأَخْبَرُوا المسلمين أن المحاصَرين يملكون من الأغذية ما يكفيهم لأكثر من سنة. وكانت المنطقة المحيطة بالطائف قد صارت ضمن سيادة الدولة الإسلامية، ولم تعد الطائف مصدرَ خطرٍ على المسلمين؛ لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل، فقيل له: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال الرحمة المهداة: «اللَّهُمَّ اهد ثقيفاً وات بهم» [1]. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيراً بأدواء الرجال ودوائهم، قال: «أخبروا مالك بن عوف؛ زعيم هوازن أنه إن جاءني مسلماً رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل، فلمّا بلغ ذلك مالكاً، نزل من الحصن خفية، حتى أتى رسولَ الله بالجعرانة، فأسلم وأحرز ماله، واستعمله النبيُّ على من أسلم من هوازن» [2].

 وكان قد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن تحبس غنائم حنين في الجعرانة، فانطلق إليها لتوزيعها، فأعطى أربعة أخماسها للمجاهدين، والخمس المتبقي، رأى النبي عليه الصلاو والسلام أن يتألف به ضعاف الإيمان من زعماء قريش، وزعماء القبائل المشاركة في المعركة، فأعطى كل واحد مائة بعير، ولم يعط الأنصار منها شيئاً، فقال بعضهم: لَقِيَ وَاللهِ رَسُولُ اللهِ قَوْمَهُ! فأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ بذلك، فقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ تَعَالَى؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ ” قَالُوا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ فَقَالُوا: الْمَنُّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، وَخَائِفًا فَأَمَّنَّاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، فَقَالُوا: الْمَنُّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ إِلَى رِحَالِهِمْ بِالشَّاةِ، وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ سَلَكُوا شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ، لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، اللهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ»، فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِاللهِ وَرَسُولِهِ قَسْمًا [3].

لله درك يا رسول الله، فهل سمع أحد في الدنيا في باب الاسترضاء أروع من هذه الكلمات، الجامعة بين الحق والصراحة، والرقة والاستعطاف، وتهدئة النفوس الثائرة، وتضرب على أوتار القلوب، وتهز المشاعر، وتستولي على الوجدان؟ دون وجود كلمةِ مداهنةٍ أو مخادعة، أو كلمةٍ مزوّقةٍ، دعت إليها المجاملة، أو عِدَةٍ كاذبة، وأماني براقة، كما يفعل دهاقينُ السياسة، وقوادُ الحروب، وزعماءُ الإصلاح، ولكنها النبوة التي تسمو عن كل هذه التفاهات، وتأبى إلا الإذعانَ للحق، والإقرارَ بالفضل لذويه.

ولما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم والسبايا جاء وفد هوازن، فقالوا: يا رسول الله، إنما في الحظائر عماتك، وخالاتك، وحواضنك، اللاتي كن يكفلنك؛ لأن مرضعته حليمة من هوازن، فشفع لهم رسول الله عند أصحابه، فردوا إليهم سبيهم.

وفي غزوة حنين سئل الرسول عن العزل، فقال: «اصنعوا ما بدا لكم فما قضى الله فهو كائن فليس من كل الماء يكون الولد» [4]. فدل على جواز العزل، وعليه جمهور الأئمة، ولكنهم اشترطوا لذلك موافقة الزوجة، وحرَّمَ ابنُ حزم العزل مطلقاً، وزعم أن دليل الجمهور منسوخ.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

___________________________________

[1] أخرجه التّرمذيّ، برقم 3942.

[2]: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، 1/ 212.

[3]: رواه أحمد في المسند، 11909.

[4]: رواه أحمد في المسند، 11456، 11730.

سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية| المقالة الثامنة والأربعون| غزوة حنين (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

أحست هوازن بالخطر الداهم، القادم من جهة المسلمين حين فتحوا مكة، وحتما ستكون قبائل هوازن هي الهدف المقبل، فأخذت تستعد لحرب المسلمين، وسلمت زمام أمورها لمالك بن عوف النصري، فاستطاع أن يحشد بفصاحة لسانه ما يزيد على خمسة وعشرين ألف مقاتل، وكان يقول: (إن محمداً لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوماً أغماراً، لا علم لهم بالحرب؛ فينصر عليهم) [1]. ونسي أنه حارب قبائل غطفان، ويهود المدينة وخيبر، وقريشاً، والروم، وهزم الجميع.

أمر مالك بن عوف جنده أن يجعلوا نساءهم، وأطفالهم، وأنعامهم، وأموالهم خلفهم؛ حتى لا يفروا، دون أن يضع في حسابه احتمال الهزيمة؛ لغروره وفرط تهوره.

فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً؛ ليأتيه بخبر هوازن، فلما رجع أكد بأن هوازن تحشد لحرب المسلمين، وأنهم قد جاؤوا بنسائهم، وذراريهم، وأنعامهم؛ فتبسم النبي عليه الصلاةة والسلام، وقال: «تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله» [2].

«فبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في إعداد العُدَّة على أعلى مستوى؛ فاستعار ثلاثة آلاف رمح من ابن عمه نوفل بن الحارث، ومائة درع من صفوان بن أمية، فقال صفوان: أغصباً؟ قال: لا، بل عارية مضمونة» [3].

وتحرك النبي باثني عشر ألفَ مقاتل إلى وادي حنين؛ فقال بعض المسلمين (لن نُغْلَب اليوم من قلة)، فانتشرت هذه الكلمة بين عامة المسلمين كالنار في الهشيم، معجبين بكثرة العَدَدِ والعُدَدِ، وغاب عن أذهانهم (وما النصر إلا من عند الله)؛ فكان لهذا العُجْبِ تداعياتٌ خطيرة للغاية، منها: عدم الاكتراث بقوة العدو، وظهورُ بعض القصور في الأداء، ولم يكتشفوا كمائن هوازن في وادي حُنَيْن، وساروا ببطء شديد؛ مما أتاح للمشركين أن يسبقوا المسلمين إلى وادي حُنَيْن، ويحتلوا المواقع الاستراتيجية، ويستريحوا قبل اللقاء، ودخل الجيش في منطقة شديدة الخطورة دون دراسة كافية.

علماً أن في الجيش المسلم كفاءاتٍ عسكريةً قيادية عالية، مثلَ خالد بن الوليد، والحُبَابِ بن المنذر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشأ الله لرسوله أن ينبه المسلمين لهذا الداء، الذي تسلل إلى قلوبهم قبل أن تحصل الكارثة؛ بل أراد الحق – سبحانه – أن يكون الدرس مزلزلاً، وتكون وسيلة الإيضاح فيه هزيمة منكرة؛ لتترك أثرًا تربويًّا أعمق من الأثر الذي تتركه الكلمات والخطب؛ ليبقى محفوراً في أذهانهم لا ينسونه أبداً، ونزل الجيش المسلم في وادي حنين يحدوه داء العجب، فما راعهم إلا والسهام تنهال عليهم من كل مكان، وفر المسلمون فراراً عشوائياً، غير متحرِّفين لقتال، ولا متحيزين إلى فئة، ولم يثبت إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحوله مجموعة صغيرة، «فقال النبي: يا عباس، نَاد: يا أصحابَ السَّمُرة”! قال: وكنت رجلاً صَيتاً، فقلت بأعلى صوتي: أين أصَحابُ السمرة! قال: فوالله لكأنَّ عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي عطفةُ البقر على أولادها» [4]. قالوا: لبيك يا رسول الله، فجاؤوا، وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشّهب.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم، أنزل نصرك» [5]. فأنزل الله السكينة على المؤمنين، وأرسل الملائكة إلى أرض المعركة، واستعرت الحرب من جديد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآن حمي الوطيس، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ» [6]، يخيّل إليهم أن كل حجر أو شجر فارسٌ يطلبهم. فركب الْمُسْلِمُونَ أكتافهم، يَقْتُلُونَ ويأسرون كيف شاءوا، وَغَنَّمَهُمُ اللهُ نِسَاءَهُمْ، وَذَرَارِيَهُمْ، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عدة فرق تتعقبهم؛ من أجل منعهم من التجمع، ومعاودة الهجوم من جديد.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

______________________________________

[1]: مغازي الواقدي، 3/ 893.

[2]:سنن أبي داود، 2503.

[3]: سنن أبي داود، 3564.

[4]: رواه احمد في المسند، 1775.

[5]: رواه مسلم، 79 /1776.

[6]: رواه مسلم، 81 /1777.