سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثلاثون | د. محمود مصري

 

                    • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  4- لا حرج على الناسي


        • عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا حكمًا من أحكام الصيام يتعلَّق بالناسي، وهو حكم مهمٌّ لكثرة إمكانية الوقوع في النسيان. وظاهر الحديث أنه لا يفسد الصوم بالأكل والشرب حال النسيان. وهو من رحمة الشارع وتيسيره على العباد. وحتى تذهب الوساوس عن الإنسان في صحّة صومه، فإن الشارع بيَّن له أن هذا الفعل الذي لا كسب للعبد فيه؛ منسوبٌ إلى الذي أطعمه وسقاه على الحقيقة، بخلاف ما لو أفطر متعمِّدًا فإن الفعل يُنسَب إليه.

والأمر النبويّ بأن «يُتِمَّ صَوْمَهُ» يدلُّ على عدم فساد الصوم؛ إذ لو أفطر لما سُمِّي “إتمامًا” ولا “صومًا”. وهذا هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وذهب مالك إلى أنه يُفطر، ويمسك باقي اليوم (وهذا معنى فليتمّ صومه عندهم، أي الصوم اللغوي الذي هو الإمساك، لا الشرعي) ثم يقضي، وهو التفسير المتماشي مع القياس، فالنسيان لا يؤثّر في المأمورات. غير أن تفسير الجمهور للحديث هو الأظهر، ويشهد له رواية الحاكم: «من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفّارة» [2]. كما أن الأصل في إطلاق الشارع أن يُحمل على الحقيقة الشرعية.

 

وثمّة مسألة ناقشها العلماء، لم يتعرَّض إليها الحديث، وهي:

      • هل يُلحق الجِماع بالأكل والشرب، بحيث أن الناسي فيه لا يُفطر؟

قالت الحنفية والشافعية وفي قول لأحمد: مقتضى القياس أنه لا يُفطر، فإذا ثبت العذر في الأكل والشرب ثبت في الجِماع. والتخصيص في الحديث بالأكل والشرب ليس لتقييد الحكم بهما؛ بل لأن الغالب وقوع النسيان بهما؛ لا به. بينما ظاهر مذهب الحنابلة أنهم حملوا الحديث على التقييد.

 

      • ومسألة أخرى تعرض: هل ينطبق الحكم على صوم الفرض والنفل؟

والجواب: نعم؛ لأن الحديث أطلق (وهو صائم) دون أن يقيّد ذلك بصومٍ معيَّن.

 

      • وثمّة سؤال آخر يتبادر إلى الأذهان: ماذا لو تكرر النسيان في اليوم وتكرر الإفطار؟

والجواب أن الحديث لم يخصّص الحكم بعدد معيّن، فيسري عليه الحكم، ولا يعدُّ مفطرًا، وهو المعتمد عند العلماء. [3]

 

ومن لطائف ما وقع في ذلك أن رجلاً جاء أبا هريرة فقال له: (أصبحت صائمًا فنسيتُ فطعِمتُ وشربتُ؟ فقال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على إنسانٍ آخر فنسيتُ فطعِمتُ وشربت؟ قال: لا بأس، أطعمك الله وسقاك. قال: ثم دخلت على إنسان آخر فنسيتُ وأطعمتُ؟ قال: أبو هريرة رضي الله عنه: أنت إنسانٌ لم تعود الصيام). [4]

 

نسأل الله تعالى أن يرحم ضعفنا وعجزنا، وألا يؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا، أن يجعلنا عنده من المقبولين الفائزين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الأيمان والنذور (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الأَيْمَانِ) 8/ 136، ومسلم في الصيام (بَابُ أَكْلُ النَّاسِي وَشُرْبُهُ وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ) 2/ 809.

[2] الحاكم 1/ 595. وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، ووافقه الذهبي.

[3] انظر حكم من أفطر ناسياً: فتح القدير 2/ 62 وما بعد. وشرح المنهاج 2/ 57 وما بعد. والكافي 1/ 477 وما بعد. والمغني 3/ 121 وما بعد.

[4] المصنّف 4/ 21.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة التاسعة والعشرون | د. محمود مصري



                    • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  3: تعجيل الفطور

        • عن سهل بن سعدٍ رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله ، قال: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». متفق عليه. [1]

يدلُّنا هذا الحديث الشريف على سنّة من سنن رسول الله في الصيام، وهي تعجيل الفطر، وهو أمرٌ مهمٌّ تظهر فيه العبودية المتمثِّلة بموافقة الشارع، وذلك أن الامتثال في الفطر مثل الامتثال في الصوم، والذي شرع لنا الصوم هو الذي شرع لنا الفطر، فالمعوّل عليه في الحالين الاستجابة للشارع.

والأكثر من هذا فإن الحديث الشريف يجعل من مخالفة السنّة في هذا الأمر علامةً على فساد أمر الناس، وأنهم ليسوا على خير، وذلك أن مخالفة السنّة عمومًا أمارة على ابتعاد الناس عن دينهم، وما ذلك المظهر الذي تجلّى بتأخير الفطر إلا واحدًا من المظاهر الدالّة على ترك السنّة، وبالتالي يدلُّ على فساد الدين. وجهة الفساد هنا أن تمام الصّومِ يكون وقت الفطر، الذي يتحدَّد بانقضاء غروب الشّمس، فالزيادة عليه نقصٌ من جهة أن ذلك تزيُّدٌ على الشرع، وهذا حقيقته اتهام الشرع بالنقص.

ثم إن الموفّق إلى هذه السنّة بشَّره النبي بمحبَّة الله له، كما في الحديث القدسيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ، قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا». [2]

 

غير أن ذلك الفساد والشرّ يكون بتعمّد تأخير الفطور، فلو حصل عفوًا دون قصد لا يضرّ.

– قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: “المـُرَاعَى نيّة التعجيل لا صورة التّعجيل، ردّاً على من يؤخّره إلى اشتباك النُّجوم احتياطًا على الصوم، حتّى لو اشتغل الرَّجُل بأمرٍ ما عن الفِطْر مع اعتقاد الفِطْر، وقد انقضى الصّوم بدخول اللّيل، لم يدخل في كراهية تأخير الفِطر، وكذلك من اشتغل بأداء عبادة كالصّلاة وغيرها كما فعل عمر وعثمان، فإنّه لا يدخل في كراهية تأخير الفطر.” [3]

– وقد قال بعض العلّماء: إنّ الامساك بعد الغروب لا يجوز، وهو كإمساك يوم الفِطْر ويوم النَّحْر عن الأكلِ. واستدلّوا بقوله ﷺ: «إذا أقبلَ الليلُ وأدبر النّهار وغابت الشّمس أفطر الصائم» [4]. فالمراد به قد صار مُفْطِرًا، فيكون ذلك دلالة على أنّ زمان اللّيل يستحيل الصّوم فيه شرعًا. [5]

– وذكر في فتح الباري عن بعض العلماء أن الحكمة في ذلك ألا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة. [6]

– قال الشيخ نور الدين عتر رحمه الله: “استحباب التعجيل بالفطر محلُّه التثبُّت من دخول وقته، وذلك برؤية غياب قرص الشمس، أو بإخبار عدلٍ واحدٍ رآه أو علم به، أو بالعلامة، مثل المؤذِّن العارف بالوقت، أو التقويم الموثوق. وننبِّه إلى وجوب التحرُّز؛ فقد دخل كثيرًا من التقاويم تغييرٌ في السنوات الأخيرة.” [7]

 

ويسنُّ للصائم الإفطار على الرُّطب أو التمر، أو الماء إذا لم يجد رطبًا أو تمرًا.

فعن سلمان بن عامر الضبِّي رضي الله عنه عن النبي ، قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْر، فَعَلَى الْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ». [8]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذا من فعله ، قال: «كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلّي على رُطَبات، فإن لم تكن رُطَبات فتُميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء» [9]. وهذه الرواية تبيِّن لنا أن إفطار النبي كان قبل صلاة المغرب. وهذا لا يخلُّ بسنّية تعجيل صلاة المغرب؛ لأن ذلك عبارة عن تمرات بسيطة.

 

وتقديم الرُّطبات على التميرات لكونها ألطف على المعدة، واختيارهما لما فيهما من السكّر البسيط الذي هو سريع الامتصاص وسهل الهضم، فيعطي الجسم حاجته من السكّريات بسرعة، فضلا عن المواد الغذائية الأخرى المتكاملة الموجودة فيهما، ويمكن في حال عدم وجودهما البدء الحلويات البسيطة غير الدسمة، لأنها تحقِّق الغرض السابق. أما الماء الذي وصفه الحديث بـ (الطهور) فهو مناسب لتهيئة المعدة للطعام.

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يتحرّى مراد الشارع ويقف عنده في جميع الأحوال، وأن ينفعنا باتباع هدي خير الأنام في سائر التوجيهات والإرشادات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ) 3/ 36، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 771.

[2] الترمذي في الصوم (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ) 3/ 73. وقال: حسن غريب.

[3] المسالك في شرح موطأ مالك 4/ 172.

[4] مسلم في الصيام (بَابُ بَيَانِ وَقْتِ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ وَخُرُوجِ النَّهَارِ) 2/ 772.

[5] المسالك في شرح موطأ مالك 4/ 173.

[6] فتح الباري 4/ 199.

[7] إعلام الأنام 2/ 405.

[8] أبو داود في الصوم (بَابُ مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ) 2/ 305، والترمذي في أَبْوَابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي القَرَابَةِ) 3/ 37، والحاكم 1/ 597، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. ووافقه الذهبي.

[9] الترمذي في أَبْوَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الإِفْطَارُ) 3/ 70. وقال: هذا حديث حسن غريب.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثامنة والعشرون | د. محمود مصري



 

                  • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        •  2- بركة السحور

        • عن أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبيُّ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». متفق عليه. [1]

يدلّ الحديث الشريف على فضل السُّحور، وأهميَّته من جهة، وما يترتّب على ذلك الفضل من تعليل الأمر به والحثّ عليه من جهة أخرى، وذلك بكلمات موجزة وفَّت بغرض بيان الفضل والأهميّة من خلال ما يحمله لفظ «بَرَكَةً» من المعاني الغزيرة.

وقد سُمِّي سَحورًا؛ لأنه قرب السَّحَر، وذلك أن وقت السحَر هو آخر الليل قبيل الصبح، وهو الوقت الذي يقع فيه السحور. والسَّحور: اسم لما يُتَسَحَّر به. وقد ورد في رواية: السُّحور، بضمّ السين: مصدر بمعنى التَّسَحُّر.

كما كانوا يسمُّونه الغداء؛ لأنه بدل منه. وقد وردت التسمية من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه يَدْعُو رَجُلا إِلَى السَّحُورِ، فَقَالَ:«هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ». [2]

وفي الحديث الندب إلى تناول طعام السحور وهو أمرُ إرشاد.

– قال ابن المنذر: أجمع العلماء أنه مندوب إليه، ولا إثم على من تركه”. [3]

والبركة هي الخير الكثير الدائم.

– قال الشيخ نور الدين عتر حفظه الله: “وقد أطلقها الحديث، مما يجعلها صالحة للأمور الدنيوية وللأمور الأخروية”.

فمن الخيرات الدنيوية: زيادة النشاط، ومدافعة الضيق الناشئ عن الجوع الزائد، وقوّة البدن.

ومن الخيرات الأخروية: اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحّرون، والتسبُّب في الذكر والدعاء وقت الإجابة، وتمرين النفس على التهجُّد والعبادة آخر الليل. [4]

وقد ورد أن رسول الله حضّ أمّته على السَّحور ليكون قوّةً لهم على صيامهم، فعن ابن عباس مرفوعًا: «استعينوا بطعام السَّحَر على صيام النهار، وبالقائلة على قيام الليل». [5]

 

ومن مظاهر هذه البركة ما ذكره ابن الملقّن رحمه الله، فقال: “ولا يبعُد أن يكون من جملة بركته ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحِّرين وقيام النائمين وصلاة المتهجِّدين، فإن الغالب ممن قام يتسحَّر يكون منه ذكر وصلاة واستغفار، وشبهه مما يثابر عليه في رمضان. وقال عبادة: كان السحور مستحبًّا ولو على ماء، وكان يُقال لها: أكلة بركة.” [6]

ثمّ إن سنّة السَّحور التي سنَّها لنا رسول الله هي من خصائص هذه الأمة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» [7]. ويدلُّ الحديث على أن مخالفة اليهود والنصارى مطلب، في كلّ ما يمكن المخالفة فيه؛ لتتميّز شخصية المسلم، ويكون سلوكه الظاهر عنوانًا على توحيده الباطن الذي تفرّد به عمّن سواه من المنتسبين إلى الملل والنحل الأخرى.

 

ويحصل السَّحور بأقل ما يسمّى طعامًا أو شرابًا، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلاَ تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». [8]

ومما سنّه لنا رسول الله تناول التمر على السحور، كما حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «نعم سحور المؤمن التمر». [9]

وكذلك فقد سنّ لنا رسول الله تأخير الفطور، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر». [10]

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يغتنم وقت السَّحَر فيما سنَّه لنا رسول الله ، امتثالًا لأمره، ليعود علينا بالبركة التي وعدَ رسول الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) 3/ 29، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 770.

[2] ابن خزيمة في الصوم (بَاب ذِكْر الدَّلِيلِ أَنَّ السَّحُورَ قَدْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَدَاءِ) 2/ 932. وللحديث شاهد من حديث المقدام بن معدي كرب، وعائشة، وأبي الدرداء، وعمر بن الخطاب.

[3] التوضيح لابن الملقن 13/ 132.

[4] إعلام الأنام 2/ 406.

[5] أبو داود في الصوم (باب من سمَّى السَّحور الغداءَ)، وابن خزيمة في الصوم (بَاب الْأَمْرِ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَى الصَّوْمِ بِالسَّحُورِ) 2/ 905. والحاكم 1/ 588. وقال: زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ وَهْرَامٍ لَيْسَا بِالْمَتْرُوكَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا، لَكِنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخَرِّجَا عَنْهُمَا وَهَذَا مِنْ غُرَرِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ. 

[6] التوضيح 13/ 143.

[7] مسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ وَتَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهِ وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ) 2/ 770.

[8] أحمد 4/ 1678. قال المنذري في الترغيب 2/ 90: إسناده قوي. 

[9] أبو داود في الصوم (بَابُ مَنْ سَمَّى السَّحُورَ الْغَدَاءَ) 2/ 302.

[10] أحمد 35/ 399. ويشهد له حديث ابن عباس: (إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نؤخر سحورنا). قال الهثيمي في “المجمع” 2/ 105: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

 

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة السابعة والعشرون | د. محمود مصري

 

 

                • الباب السادس: من أحكام الصيام

 

        • 1- إثبات الشهر:
        • عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبيُّ ﷺ، أو قال: قال أبو القاسم ﷺ:«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يحدِّد لنا توقيت بدء الصوم، وتوقيت الفطر، ويربطه برؤية الهلال، كما يبيّن التوقيت حال عدم وضوح الرؤية. 

ومعنى «غُبِّيَ»: خفي. وهذه الرواية «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» تفسِّر لنا رواية الصحيحين: «فاقدروا له»، أي أن يُعتبر الشهر ثلاثين عند وجود ما يحول دون رؤية الهلال. وهو مذهب الجمهور بخلاف الحنبلية الذين حملوا قوله: «فاقدروا له» على: ضيِّقوا له العدد، أي احتسبوا شعبان تسعًا وعشرين، فيُطلب هنا صيام يوم الشكّ، الذي هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يُر الهلال في ليلته لغيم أو نحوه، فيُحتمل أن يكون من رمضان وأن يكون من شعبان. لكن هذه الرواية «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ» واضحة في أن المراد التقدير، وليس التضييق. ويدلّ على ذلك حديث عمّار بن ياسر قال: (من صام اليوم الذي يُشَّك فيه فقد عصى أبا القاسم) [2]، الذي حمله الحنابلة على حالة الصحو. [3]

ويتركّب على هذا الحديث قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[البقرة: 189]، أُخِذَ “الهلال” من استهلال النّاس برفع أصواتهم عند رؤيته، و”المواقيت” هي مقادير الأوقات لعبادتهم وحَجِّهم. [4]

 

قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» محمولٌ على العادَةِ بمشاهدة الشّهر، وهي رؤية الهلال. وليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حقّ كلّ واحد؛ بل المراد بذلك رؤية بعضهم، فالمعنى: إذا وجِدت الرؤية بينكم فصوموا.. أي يجب الصوم على الجميع برؤية البعض، وهذا يدلّ على أنه يُلزَم أهل كلّ بلد أن يصوموا برؤية أهل بلد آخر، وهو مذهب الجمهور.

– قال ابن عابدين: “لتعلُّق الخطاب عامًّا بمطلق الرؤية” في حديث «صوموا لرؤيته».

– وقال الشافعية: إنه يُعتبَر اختلاف المطالع، فلا يجب على أهل كلّ أفق الصوم إلا بثبوت رؤية الهلال في أفقهم، واستدلّوا بقوله: «إذا رأيتموه فصوموا»، فقالوا: هو خطاب لأناس مخصوصين به.

– قال الشيخ نور الدين عتر رحمه الله: “لكن لا يخفى أنه بعد أن اتفقوا على اعتبار رؤية الواحد والاثنين رؤية للجماعة، فقد دلّ على عدم خصوص الصوم، بل إنه يعمّ جميع الناس، وذلك صريح حديث «صوموا لرؤيته». [5]

 

ثم إن قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته» يدلّ على أن الرؤية بالعين أو الأجهزة المساعدة هي الأصل في إثبات الأهلّة، والحساب هو قرينة اعتبرها بعضهم مطلقًا، كارتباط أوقات الصلاة بالساعة، لا سيّما بعد تطوّر الحساب ودقّته اليوم، وبعضهم أنكر القرينة (الحساب) مطلقًا، وبعضهم توسّط فاعتمد الحساب في الدفع دون الاستحقاق، فإذا ثبت بالحساب عدم إمكانية الرؤية فلا تقبل الشهادة بالرؤية، وإذا قالوا إنه ولد ويمكن رؤيته، فلا يقتضي الإثبات؛ لأن الإمكان ليس مقتضيًا للوقوع.

وقد حمل التابعي الكبير مطرِّف بن عبد الله وأبو العباس بن سريج الفقيه الشافعي وابن قتيبة وآخرون، حملوا «فاقدروا له» على: قدِّروه بحسب المنازل. والجمهور على أن المقصود بها: (فأكملوا العدّة ثلاثين)، كما بيَّنت الروايات الصحيحة.

لكن الإمام أبا العباس بن سريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخرى؛ بل نقل عنه ابن العربي أن قوله: «فاقدروا له»: خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، وأن قوله: «أكملوا العدّة» خطاب للعامّة. [6]

وذلك أن الفتوى ربّما تختلف باختلاف الزمان والمكان، فهذه الأمّة اليوم خرجت عن أمّيتها بتوفر أدقّ المعلومات الحسابية الفلكيّة، التي تعتمد على مراصد فلكية وأجهزة تقنية غاية في الجودة متوفّرة في أنحاء العالم. وقد ذهب إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكي فقهاء كبار معاصرون، كالشيخ مصطفى الزّرقا رحمه الله.

 

      • وثمّة سؤال يتبادر هنا، وهو: هل تُقبَل شهادة الواحد لإثبات الهلال، أو لا بدّ من اثنين؟
  • فقد قال الشافعية والحنبلية: يكفي الواحد، بشرط أن يكون عدلا عند الحنبلية، ويكفي أن يكون مستور الحال عند الشافعية. واستدلّوا بحديث ابن عمر: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» [7]
  • وقال الحنفية والمالكية: إذا كانت السماء صحوًا فلا بدّ من رؤية جمعٍ حتى يقع العلم الشرعي، أي غلبة الظنّ بصحَّة خبرهم، لأن المطلِع واحدٌ، والهمم في طلب الهلال متوفِّرة، فالتفرُّد في هذه الحال ظاهرٌ في غلط الراوي. وأما إذا لم تكن السماء صحوًا بسبب غيم أو غبار ونحوهما اكتفى القاضي بشهادة مسلم واحدٍ عدلٍ، أو مستور الحال، رجلًا أو امرأة؛ لأنه إخبار عن أمر دينيّ فصار مثل رواية الحديث عن النبيّ . وحملوا حديث ابن عمر على هذه الحال.

لكن ظاهر الحديث يدلّ على قبول شهادة الواحد العدل مطلقًا.

– قال الشيخ نور الدين عتر رحمه الله: “وفي زمننا يترجَّح هذا لقلّة علم الناس بمطالعة الأهلَّة، ووهن هممهم عن ترائي الأهلّة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله”. [8]

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصائمين عما سوى شهوده، الفائزين برؤيته في دار خلوده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) 3/ 27، ومسلم في الصيام (بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَأَنَّهُ إِذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا) 2/ 752.

[2] أبو داود في الصوم (بَابُ كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ) 2/ 300. والترمذي (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ) 3/ 61.

[3] المغني لابن قدامة 3/ 9.

[4] المسالك في شرح موطأ مالك 4/ 152.

[5] إعلام الأنام لعتر 2/ 398.

[6] انظر فتح الباري لابن حجر 4/ 122.

[7] أبو داود في الصوم (بَابٌ فِي شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ) 2/ 302.

[8] إعلام الأنام 2/ 401.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة المقالة السادسة والعشرون | د. محمود مصري



              • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        •  5: التماس ليلة القدر

        • عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يرشدنا إلى الحرص على التماس ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ويدلُّنا على أنها تكون غالبًا في الليالي المفرَدة من العشر الأخير من شهر رمضان. وهذه الليلة المباركة هي أفضل ليالي السنة، وهي من خواصّ هذِه الأمة، ويُستجاب فيها الدعاء؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم.

 

وقد ثبتت هذه الليلة بنصِّ القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وفي الأحاديث المتواترة. وتسميتها بليلة القدر هي من التعظيم، أي الليلة ذات القدر العظيم الذي لا يقدَّر قدره، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 2]، الذي يفوق ألف شهر ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، وذلك لنزول القرآن فيها، وتنزُّلِ الملائكة ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]، وعمومِ السلام والأمن العالم ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]. فتسميتها بذلك تكون لشرفها، وتكون لِمَا يَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ[الدخان: 4]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]،  وَمَعْنَاهُ: يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا سَيَكُونُ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ. [2]

 

ومعنى «تَحَرَّوْا»: أي اطلبوا باجتهاد. وفي رواية لمسلم: «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجَز فلا يُغلبنَّ على السبع البواقي»، وفي أخرى: «أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين». وفي بعض طرق البخاري: «التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى»، وفيه: “كانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر.”

والمشهور عن أبي حنيفة: أنها تدور في السنة كلِّها، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره، وصحَّ ذلك عن ابن مسعود. وعند جمع من الصوفية: أنه إذا وافق الوتر ليلة جمعة من العشر الأخير كانت هي ليلة القدر. [3]

 

والسرُّ في ذلك الإبهام لهذه الليلة المباركة أن يجتهد الناس في طلبها، ويكثُر ثوابهم في إحياء الليالي الكثيرة في العبادة والطاعات.

– وعن زرِّ بن حُبيش قال: “سألت أبيّ بن كعب فقلت: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقُم الحول يصِب ليلة القدر، فقال: رحمه الله أراد أن لا يتّكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها، ثم حلف -لا يستثني- أنها ليلة سبع وعشرين.” [4]

– وقد ذكر ابن حجر رحمه الله في الفتح الخلاف فيها على أربعين وجهًا. لكن رجّح العلماء أنها في العشر الأخير من رمضان، وفي الليالي المفردة خصوصًا، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعة وعشرين. فمن قصّر عن العشر فليطلبها في ليالي 21، 23 ، 25 ، 27، ومن قصّر عن ذلك فليطلبها في 27.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبهِ» [5]. فإن قيل: قوله في الحديث المتقدِّم: «من قام رمضان..» الحديث، يغني عن قوله: «ومن قام ليلة القدر»، الحديث، قلنا: المراد من قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر، فلم يغن أحدهما عن الآخر [6]. وأيضا لا تعارض بينهما، فإن كلَّ واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذلك.

وعلى القائم في هذه الليلة أن يتحرّى أفضل الدعاء، وأجمعه، وهو الدعاء بالمأثور، ومنه ما ورد في آية: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 202]، ويُكثر من طلب العفو والعافية. وفي البخاري أن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». [7]

 

– ومن علامات هذه الليلة ما ورد في حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ لَيْلَتِهَا، وَهِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا» [8]

– ومن علاماتها الخاصّة ذكروا أمورًا كثيرة، منها أن يرى كلّ شيءٍ ساجدًا، أو يرى الأنوار ساطعة في كلّ مكان، أو يسمع كلامًا أو خطابًا من الملائكة، لكن لا يلزم أن يطّلع كلّ أحدٍ على شيء من ذلك، فإنّها قد تحصل، ولا يُرى شيءٌ ولا يُسمع، لذلك لزم تحرّيها، وقد ثبت في الحديث: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [9]. فالفضل حاصل لمن قامها إيمانًا واحتسابًا، سواء علمها أو لم يعلمها. [10]

 

وعلى المسلم الحذر من الجدال والاختلاف في هذه الليلة وفي المواسم المباركة خصوصًا، خشية الحرمان من بركتها.

فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المسلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ». [11]

 

قال ابن الملقّن رحمه الله: “ومعنى «رُفِعَتْ»: أي رفع تعيُّنها، بدليل قوله: «فالتَمِسُوهَا»، فرفِع علمها عنه بسبب تلاحيهما، فحرِموا بركة تعيُّنها، وهو دالٌّ على أن الملاحاة والخلاف تصرف فضائل كثير من الدين، وتحرم أجرًا عظيمًا؛ لأن الله لم يرد التفرق بين عباده إنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ[هود: 118 – 119]، وقد يذنب القوم فتتعدّى العقوبة إلى غيرهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى.” [12]

ومعنى قوله: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ»: “يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثيرٍ من العمل هو خير من هذِه الجهة”، قاله ابن بطال، وقال ابن التين: “لعلّه يريد أنه لو أخبِرتم بعينها لأقللتم في العمل في غيرها، وأكثرتموه فيها، وإذا غيِّبت عنكم أكثرتم العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها.” [13]

 

نسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل الرشاد لنتلمّس مواطن مرضاته ومحبّته، ونكون حاضرين عند مواسم تنزُّل رحمته، وأن يرزقنا الاعتصام بأهله وخاصَّته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الصوم (بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ) 3/ 46، ومسلم في الصيام (بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، وَبَيَانِ مَحَلِّهَا وَأَرْجَى أَوْقَاتِ طَلَبِهَا) 2/ 828.

[2] مرقاة المفاتيح لملا علي القاري 4/ 1436.

[3] التوضيح 13/ 594.

[4] مسلم في 2/ 828.

[5] البخاري في الصوم (بَابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً) 3/ 26.

[6] شرح أبي داود للعيني 5/ 376.

[7] الترمذي في الدعوات 5/ 534.

[8] ابن خزيمة 3/ 330.

[9] البخاري في الإيمان (بَابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ) 1/16. 

[10] انظر إعلام الأنام لعتر 2/ 457.

[11] البخاري في الإيمان (بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ) 1/ 19.

[12] التوضيح 13/ 606.

[13]المصدر السابق.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الخامسة والعشرون | د. محمود مصري



                • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        •  4- الاعتكاف في رمضان


        • عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كَانَ النَّبِيُّ  يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا» البخاري. [1]


هذا الحديث الشريف يبيِّن لنا لونًا آخر من ألوان العبادة التي سنَّها لنا رسول الله في رمضان، كما أنه يوجّه المتبِّع له إلى الاستكثار من هذه العبادة خصوصًا، ومن كلّ عبادة عمومًا، إذا تقدَّمت به السنّ.

 

– قال ابن الملقِّن رحمه الله: “إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير، ليسنَّ لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر، ليلقوا الله على خير أحوالهم” [2].

– وَقِيلَ: “السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ اعْتَكَفَ قَدْرَ مَا كَانَ يَعْتَكِفُ مَرَّتَيْنِ.” [3]

 

وقوله: «كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ» فيه: دلالة على أن الاعتكاف من السنن المؤكَّدة، لمواظبة الشارع عليها، فعلى المسلم الاقتداء برسوله في إحياء هذه السنّة.

– وقالت الحنفية: الاعتكاف سنّة كفاية، أي إذا تركها أهل بلدة كانوا مسيئين.

ذُكِر عن ابن شهاب أنه كان يقول: “عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وأن رسول الله ﷺ لم يتركه منذ دخل المدينة، كلَّ عام في العشر الأواخر حَتَّى قبضه الله”. [4]

 

والاعتكاف: هو الإقامة في مسجد الجماعة بقصد الطاعة.

– قال ابن المنذر: “روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه، ثم قال: ربي لا أبرح حَتَّى تغفر لي، ربي لا أبرح حَتَى ترحمني”. [5]

ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لأمر اضطراري لا بدّ منه، كأن يكون ليس عنده من يأتيه بالطعام والشراب، فيخرج ليأكل ويشرب. قالت عائشة رضي الله عنها: (السُّنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جَنازة، ولا يَمسَّ امرأة، ولا يباشِرهَا، ولا يخرُجَ إلا لمِا لا بدّ له منه، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) [6]

 

ويبدأ بالاعتكاف -كما قال الأئمة الأربعة- قبل غروب الشمس، أما حديث «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر ثم دخل معتكَفه” فأوّلوه بأنّه تخلّى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك الوقت هو وقت ابتداء الاعتكاف؛ بل كان من قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلّى الصبح انفرد». [7]

 


والمساجد في الفضيلة سواء، في الاعتكاف وغيره من العبادات، ولا ميزة لواحد على غيره إلا ما خصّه النبي بقوله: «
لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» [8]. فالسفر لواحد من هذه المساجد للاعتكاف فيه زيادة فضل.

أما السفر لغير هذه المساجد فإنه يأخذ حكم الغرض الذي يسافَر لأجله، سواء كان السفر لمسجد أو لغيره. ويدلُّ على ذلك رواية: «لا تشَدُّ الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد»، فالمستثنى من جنس المستثنى منه، وليس المستثنى منه عام، وكذلك يرجّحه استحباب السفر لطلب العلم أو زيارة مريض أو صلة رحم، وكذلك إباحة السفر للنزهة. [9]

قوله: فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا”: الظاهر من إطلاق العشرين إنها متوالية، والعشر الأخير منها، فيلزم منه دخول العشر الأوسط فيها، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختُّص بالعشر الأخير، وإن كان هو فيه أفضل.” [10]

 

ويُستحبُّ للمعتكف الانقطاع إلى الذِّكر والتعبُّد وتجنُّب مخالطة الناس،

فقد ورد أن النبي ﷺ “كان يحتجر حصيرًا يتخلّى فيها عن الناس، فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحبُّ له مخالطة الناس، حتى ولا لتعلُّم علم وإقراء قرآن؛ بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلّي بمناجاة ربِّه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمع والجماعات.. فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كلَّ شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربِّه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همُّك عطَّل على الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذَّات، وحال بيني وبين الشهوات..

فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلَّما قويت المعرفة بالله والمحبَّة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كلّ حال، كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليا بربِّه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.

أوحشتني خلواتي … بك من كلِّ أنيسي

         وتفرَّدت فعــاينتــك … بالغيـــب جليسي”   [11]



نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإحياء سنّة الاعتكاف، وأن يجعلنا ممّن يلازم الطاعات في الخلوات والجلوات، منه الهداية وعليه التكلان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الاعتكاف (بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ) 3/ 51.

[2] التوضيح 13/ 667.

[3] فتح الباري لابن حجر 4/ 285.

[4] المصدر السابق.

[5] المصدر السابق 13/ 668.

[6] أبو داود 2/ 333.

[7] انظر المنهاج 8/ 69.

[8] البخاري في صلاة التطوّع (مسجد بيت المقدس) 2/ 60، ومسلم في الحج (سفر المرأة مع محرَم..) 2/ 1014.

[9] إعلام الأنام لعتر 2/ 460. 

[10] مرعاة المفاتيح 7/ 149.

[11] لطائف المعارف لابن رجب 191.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الرابعة والعشرون | د. محمود مصري

 

 

                • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        • 3- الاجتهاد في العبادة في رمضان

        • عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يظهِر لنا خصوصيّة العبادة في رمضان، واجتهاد النبي في العبادة في العشر الأخير منه على وجه الخصوص. ففي رواية لمسلم: «كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره».

والمئزر والإزار: ما يأتزِر به الرجل من أسفله، وهو هنا كناية عن الجدِّ والتشمير في العبادة. قال سفيان الثوري: “معنى (شدَّ المئزر) هنا: لم يقرب النساء، وهو من ألطف الكنايات”.

«وَأَحْيَا لَيْلَهُ»: يعني باجتهاده في الصلاة والذكر وتلاوة القرآن.

– وفي إحياء الليل وجهان ذكرهما الطيبي رحمه الله، فقال: “أحدهما راجع إلى نفس العابد، فإن العابد إذا اشتغل بالعبادة عن النوم الذي هو بمنزلة الموت، فكأنما أحيا نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]، وثانيهما: أنه راجع إلى نفس الليل، فإن ليله لما صار بمنزلة نهاره في القيام فيه، كأنه أحياه، وزيّنه بالطاعة والعبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: 50]. [2]

– قال النووي رحمه الله: “وفيه اسْتِحْبَاب إحْيَاء لياليه بالعبادات. وَأما قَول أَصْحَابنَا: يكرَه قيام اللَّيْل، فَمَعْنَاه الدَّوَام عَلَيْهِ، وَلم يَقُولُوا بِكَرَاهَة لَيْلَة وليلتين وَالْعشر.” [3]

– قال الملّا علي القاري رحمه الله: “يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى إِحْيَاءِ أَكْثَرِهِ”. [4]

 

«وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»: من فقه الرجل أن يحضَّ أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البِّر ويحملهم عليها، وعن ابن عباس: «أنه ﷺ كان يرشُّ على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين» [5]. وفيه ما لا يخفى من الحثِّ على إشاعة الأحوال الإيمانيّة في البيوت.

وإنما فعل ذلك؛ لأنه أخبِر أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فسَّن لأمَّته الأخذ بالأحوط في طلبها في العشر كلّه.. ولو أعلم الله عباده أن في ليالي السنة كلّها مثل هذِه الليلة، وأوجب عليهم أن يحيوا الليالي كلّها في طلبها؛ فذلك يسير في جنب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفَقَ تعالى بعباده وجعل هذِه الليلة الشريفة موجودة في عشر ليالٍ؛ ليدركها أهل الضعف، وأهل الفتور في العمل منَّا، منَّةً ورحمة. [6]

والأصل في ذلك هو سنيَّة صلاة التراويح التي هي قيام رمضان، كما في حديث السيدة عائشة: «مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا». [7]

وصلاة التراويح هي سنّة مؤكَّدة باتفاق المذاهب. وهذا الحديث يشير إلى أنّها ثمان ركعات، عدا الوتر، لكنّ الصحابة رضي الله عنهم صلّوا التراويح عشرين ركعة جماعةً، ولم يُنكر أحدٌ منهم ذلك، وكثرت الروايات عن الصحابة بذلك، فكان إجماعًا منهم، فعن يزيد بن خُصيْفَةَ عن السائب بن يزيد قال: (كانوا يقومون في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرؤون بالمئين، وكانوا يتوكّؤون على عِصيِّهم في عهد عثمان بن عفّان رضي الله عنه من شدَّة القيام). [8]

ثمّ إنّ أهل المدينة زادوها في عهد عمر بن عبد العزيز، فصارت ستَّا وثلاثين ركعة، عدا الوتر.

فذهب الأئمة الأربعة وجماهير العلماء إلى أن السنّة في قيام رمضان (التراويح) عشرون ركعة، واختار مالك أن تُزاد إلى ستٍّ وثلاثين، لعمل أهل المدينة بذلك، وقال المالكية: إن كلا الأمرين واسع. [9]

وأكثر ما قيل فيها أن تُصلَّى إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، كما ذكر الترمذي، وقال: “وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.. وقَالَ أَحْمَدُ: “رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ وَلَمْ يُقْضَ فِيهِ بِشَيْءٍ.” [10]


وهكذا فقد أخذ فقهاء المذاهب بفعل الصحابة، كما أمرهم النبي : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ» [11]. ولأن هذا يدخل تحت عموم قوله ﷺ: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقلّ، ومن شاء استكثر» [12]. وشذّ جماعة فخالفوا الصحابة والأئمة، وقالوا: الزيادة على الثمانية بدعة غير جائزة. واعتمدوا على الطعن بحديث يزيد الذي صحَّحه العلماء المعتبرون النُّقاد، وعلى أن التراويح سنّة راتبة فلا يجوز الزيادة عليها، كسنّة الفجر القبلية، وأجيبوا عن هذا بأن فعله ﷺ إحدى عشرة ركعة لا ينفي غيره، لأن العدد لا مفهوم له، أي لا يثبت للعدد مفهوم مخالف، باتّفاق العلماء. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلّى أكثر من إحدى عشرة، كما في البخاري.

وأخرج ابن حبّان وابن المنذر والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: «أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو أكثر من ذلك». [13]

وقالوا بأن حديث يزيد معارَض بما رواه مالك في الموطّأ “أمر عمر بن الخطّاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة..” وقد أجاب العلماء: أن لا تعارض، فهذا بحسب تطويل القراءة أو تخفيفها، فحيث تطول القراءة تقلُّ الركعات، وحيت تقصُر القراءة تكثُر الركعات. أو أن الإحدى عشرة كانت أول الأمر، ثم استقرّوا على العشرين.

– قال ابن عبد البرّ رحمه الله: “وقد أجمع العلماء أن لا حدّ، ولا شيء مقدَّرًا في صلاة الليل وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلّت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود”.

أما ما هو الأفضل: كثرة الركوع أو إطالة القيام؟ 

فقولها في الحديث السابق: «فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ»، يدلّ على تفضيل طول القيام، وذلك أن قراءة القرآن في طول القيام مقدَّمةٌ على الذكر الحاصل في كثرة الرّكعات. وحديث «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» يشهد لتفضيل كثرة الرّكعات. والله أعلم. [14]

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وأهلينا وأحبابنا ممن يجتهد في العبادة في المواسم الإلهية المباركات، ونسأله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته، وألا يجعلنا من الغافلين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في فضل ليلة القدر (بَابُ العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) 3/ 47، ومسلم في الاعتكاف (بَابُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) 2/ 832.

[2] الكاشف عن حقائق السنن 5/ 1625.

[3] عمدة القاري للعيني 11/ 140.

[4] مرقاة المفاتيح 4/ 1441. 

[5] أخرجه الطبراني 11/ 128. وانظر التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقّن 13/ 609.

[6] المصدر السابق.

[7] البخاري في التهجُّد (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ) 2/53.

[8] البيهقي 2/ 496 وما بعد، والمجموع للنووي 3/ 527، وصحَّحه، وكذلك الزيلعي في نصب الراية 2/ 154.

[9] انظر المجموع 3/ 527، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة أبي زيد 1/ 407.

[10] الترمذي 3/ 160.

[11] الترمذي في أَبْوَابُ الْعِلْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (بَابُ مَا جَاءَ الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ) 5/ 44. 

[12] صحيح ابن حبّان 2/ 76.

[13] التلخيص الحبير 2/ 39.

[14] انظر إعلام الأنام للعتر 2/ 80 وما بعد، بتصرّف واختصار.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثالثة والعشرون | د. محمود مصري



                • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

        •  2- صلاة التراويح:

        • عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ. وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ» متفق عليه. [1]

هذا الحديث الشريف يظهر لنا أهمية صلاة التراويح في رمضان، واحتفاء رسول الله ﷺ وصحابته الكرام بها، كما أنه يظهِر لنا من جهة أخرى عظيم رحمة رسول الله ﷺ وشفقته بالأمّة. 

“التراويح: جمع ترويحة، وهي المرّة الواحدة من الراحة. والمراد من التراويح هنا: صلاة النفل التي تُصَلَّى جماعة في ليالي رمضان. وسُمِّيَت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمَتين، وهي أيضًا قيام رمضان؛ لأنه يحصل بها القيام في رمضان؛ تيسيرًا على الناس بأن يؤدَّى القيام في رمضان أوّل الليل.” [2]

وقوله : «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ»، أي من اجتماعكم وحرصكم على الجماعة. وقوله : «إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»، أي يُفرض عليكم قيام الليل، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلِّين. وفي رواية أبي سلمة: «اكلفوا من العمل ما تُطيقون».

وهكذا فقد صرَّح رسول الله أنه امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرَض عليهم، فجمعهم سيّدنا عمر عليها عند زوال هذه الخشية؛ إذ لا شرع بعد رسول الله ، فيكون فعلُ سيّدنا عمر إحياءً لسنّته ؛ ليس إلا. 

– قال ابن عبد البرّ رحمه الله: “وَفِيهِ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في التهجُّد (بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) 2/ 50، ومسلم في صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ) 1/ 524.

[2] إعلام الأنام لنور الدين عتر 2/ 79.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الثانية والعشرون | د. محمود مصري

 

 

                • الباب الخامس: العبادة في رمضان

 

          • 1- قيام رمضان

          • عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه. [1]



هذا الحديث الشريف يدلُّنا على أن رمضان هو شهر العبادة، فعلى المسلم أن يقرن القيام بصيامه في هذا الشهر الفضيل، ثم هو يبيّن لنا أن ثمرة تلك العبادة ستكون المغفرةَ التي هي غاية طلب كلّ مسلم، والمغفرة هي الستر، فسترُ العيب والخلل والنقص الذي في الإنسان -بمقتضى طبيعته الإنسانية- هو الذي يتوقّف عليه تهيئته للمقامات الأعلى عند الله .


والمراد بقوله: «إيمَانًا» أي أنَّ فرضَه من عند الله ، و «احتِسابًا» أي أنَّ أجرَه على الله ، يَدَّخِرُهُ إلى الآخرة، لا يرجو أنّ يتعجَّلَ شيئًا منه في الدُّنيا؛ لأنّ ما يفتح اللهُ على العبد في الدُّنيا من المال ويناله من لَذَّةِ، فمَحْسُوبٌ من أَجرِهِ، ويحاسَبُ يوم القيامة به، فعلى العبدِ أن ينفي ذلك من قَلبِه، وأن ينوي بعمله الدّار الآخرة خاصّةً، فإن يَسَّرَ اللهُ له في هذه الدّار مالًا، فذلك فضلٌ منه يُؤتِيهِ من يشاء.. ومذهب أهل العلم بالله: أنّ الإخلاص في العبادات إنّما يكونُ بأن يُطِيعَ الرَّجلُ رَبَّهُ مَحَبَّةً فِيهِ، لا يستجلبُ بذلك جَنَّةَ، ولا يدفعُ بذلك نَارًا. [2]

      • لكن ما المقصود بقيام رمضان؟ وهل ينحصر هذا بالتراويح؟

– قال ابن الملقّن رحمه الله: “الـمُراد بالقيام في الحديث صلاة التراويح، كذا قاله أصحابنا وغيرهم من العلماء، والتحقيق -كما نبَّه عليه النووي- أن يُقال: التراويح محصِّلةٌ لفضيلة قيام رمضان، ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا المراد بها؛ بل في أي وقت من الليل صلى تطوّعًا حصل هذا الغرض.” [3]

– قال في طرح التثريب: “لَيْسَ الْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ قِيَامُ جَمِيعِ لَيْلِهِ؛ بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقِيَامٍ يَسِيرٍ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا فِي مُطْلَقِ التَّهَجُّدِ؛ وَبِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَرَاءَ الْإِمَامِ كَالْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ؛ وَبِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ.” [4]

ثم إن قيام رمضان لا ينحصر بالصلاة، وإنما المقصود هو أن يقوم العبد بالطاعة في لياليه من تلاوة أو صلاة أو علم شرعي أو ذكر الله . ولذلك فإننا ذكرنا هذا الحديث في هذه الأربعين المجموعة، إضافة إلى حديث التراويح الآتي، للتأكيد على هذا المعنى، ولم نقتصر على أحدهما.


      • وثمّة سؤال آخر هل المقصود بالمغفرة الصغائر والكبائر كما يدلُّ ظاهر الحديث؟

– قال ابن الملقّن رحمه الله: “ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، لكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه.. أن المراد غفران الصغائر فقط.. وفي التخصيص نظر، كما قاله النووي. لكن قام الإجماع على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحدِّ.” [5]


      • غير أن ما ثبت في هذا الحديث لرمضان من المغفرة ثبت لعبادات أخرى في أحاديث أخرى، مثل صيام رمضان وقيام ليلة القدر وصوم عرفة أنه كفارة سنتين، وعاشوراء أنه كفارة سنة، وحديث والوضوء وحديث الصلاة وحديث موافقة تأمينه تأمين الملائكة، فكيف يكون الجمع بينها؟

– قال ابن الملقّن رحمه الله: “المراد أن كلَّ واحد من هذِه الخصال صالحة لتكفيرِ الصغائر، فإن صادفتها غفرتها، وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سليمًا من الصغائر لكونه صغيرًا غير مكلف، أو موفَّقًا لم يعمل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقّبها بحسنة أذهبتها، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ[هود: 114] فهذا يكتَب له بها حسنات، ويرفَع له بها درجات.” [6]

      • والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في قيام رمضان أيضًا: هل الأفضل إخفاؤه في بيته أم صلاته في المسجد؟

استحَبَّ مالك أن يقوم في بيته، واستحَبَّ غيره قيامه في المسجد.

يُحتَجُّ لمالك بقوله : «أفضلُ الصلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتهِ إلا المكتوبةَ» [7]، ويُحتَجُّ للمخالف بفعله ، وبأن عمر رضي الله عنه استحسن ذلك من الناس لما رأى قيامهم في المسجد. ومن جهة المعنى أن مالكًا احتاط للنيّة وآثر المنفعة النفسيّة، والمخالف رأى الإِظهار أدعى إلى القلوب الآبية، وأبقى للمعالم الشرعية. [8]

 

نسأل الله تعالى أن يقسم لنا في هذا الشهر الكريم حظًّا وافرًا من الطاعات، والتقرُّب إليه بالخيرات والمبرّات، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] البخاري في الإيمان (باب تطوع قيام رمضان من الإيمان) 1/ 16، ومسلم في صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ التَّرَاوِيحُ) 1/ 523.

[2] المسالك في شرح موطّأ مالك 2/ 475، 476.

[3] التوضيح لشرح الجامع الصحيح 3/ 76.

[4] طرح التثريب في شرح التقريب 4/ 161.

[5] التوضيح لشرح الجامع الصحيح 3/ 77.

[6] التوضيح لشرح الجامع الصحيح 3/ 78.

[7] البخاري في كتاب الجماعة والإمامة (باب صلاة الليل) 1/ 256.

[8] انظر المعلم بفوائد مسلم 1/ 544.

سلسلة الأربعون الرمضانيَّة | المقالة الواحدة والعشرون | د. محمود مصري


 

              • الباب الرابع: أخلاق الصائم وسلوكه

 

        • 5- إجابة الصائم الدعوة

        • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» مسلم. [1]

لا شكَّ أن إطعام الطعام والدعوة إليه من الفضائل التي دعا إليها الإسلام في كلّ الأوقات، وزاد تأكيدها في مناسبات كثيرة، كوليمة النكاح والعقيقة ورمضان وغير ذلك، وهذا مما يقوّي المحبّة والتآلف بين المسلمين، ويبعث على التراحم بينهم، ويحقِّق تكافل المجتمع وتضامنه.

وقوله: «فَلْيُجِبْ» أي فليحضر الدعوة. قيل وجوبًا، وقيل ندبًا. وقيل: وجوبًا في وليمة العرس، وندبًا في غيرها.

«سئل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [2].

وكما أن الدعوة إلى الوليمة تجمع الأمرين، من إطعام الطعام وإقراء السّلام؛ فإن إجابة الدّعوة كذلك تحقّق الأمرين. وهذا ما فهمه الصحابة رضي عنهم من هذا الحديث المتقدِّم، فعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه (كان إذا دُعي ذهَب إلى الدَّاعي، فإنْ كان صائمًا دعا بالبركةِ ثمَّ انصرَف، وإنْ كان مُفطِرًا جلَس فأكَل). [3]

 

فالصوم إذًا ليس بعذر لعدم الإجابة. قال النووي: “وكذا قال أصحابنا، قالوا: إذا دعي وهو صائم لزمه الإجابة، كما يلزم المفطر، ويحصل المقصود بحضوره، وإن لم يأكل، فقد يتبرَّك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجمَّلون به، وقد ينتفعون بدعائه، أو بإشارته أو يتصانون عما لا يتصانون عنه في غيبته.” [4]

وفي إجابة الدعوة المأمور بها في الحديث ما هو ظاهر من تمكين التواصل وإدخال السرور على قلب المسلم، فالداعي قد أحبَّ من المدعو مؤاكلته، وتكون الإجابة بمنزلة مبادلته الرغبة في الاجتماع على الطعام، وهكذا يعمّ السرور كليهما.

وقد وجّه الهدي النبي في مثل هذه الدعوات إلى أمرين اثنين أكّدهما، وحذَّر من مخالفتهما: الأول أن تكون الدعوات للفقراء والأغنياء على حدٍّ سواء لتتحقَّق الغاية السامية منها، والثاني: الحرص على الإجابة من قبل المدعو؛ لما في ذلك ما لا يخفى من جبر الخواطر. قال رسول الله : «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». [5]

 

لكن لا بأس من التفريق بين الأغنياء والفقراء في المجلس؛ لا في الطعام، فقد دعا ابن عمر في وليمته الأغنياء والفقراء، فجاءت قريش ومعها المساكين، فقال ابن عمر للمساكين: (هاهنا فاجلسوا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون). [6]

 

ومن أجل أن التخلّف عن الدعوة هو معصية كما بيّن الحديث، كانت الإجابة واجبة؛ حتى لو كان المدعو صائمًا، فيذهب إلى الدعوة ويدعو لصاحبها، كما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما. فقول النبي في الحديث: «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ»، أي يدعو، فالصلاة في الحديث بمعنى الدعاء. وهكذا فإن الصائم يذهب إلى الدعوة، لكن إن كان في صيام الفرض فلا يجوز له أن يأكل، لعدم جواز الخروج من الفرض، وإن كان في صيام النفل جاز له الفطر، لا سيما إذا كان يشقُّ على الداعي صومه. وفي كلّ الأحوال يُندب له أن يدعو لصاحب الطعام.

– قال الطيبي رحمه الله: “الضابط عند الشافعي رضي الله عنه أن الضيف ينظر، فإن كان المضيف يتأذّى يترك الإفطار، فالأفضل الإفطار، وإلا فلا.” [7]

– قال في مرعاة المفاتيح: “وفي الحديث أنه لا بأس بإظهار العبادة النافلة، كالصلاة والصوم وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحَبُّ إخفاءها إذا لم تكن حاجة، وفيه الإرشاد إلى حسن المعاشرة وإصلاح ذات البين وتأليف القلوب بحسن الاعتذار عند سببه.” [8]

ويؤيّد أفضلية الإفطار لصائم النفل ما ورد عن أبي سعيد قال: دعا رجل إلى طعام، فقال رجل: إني صائم.

فقال النبي : «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ ثُمَّ تَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ؟ أَفْطِرْ، ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ». [9]

 

أما إذا تكرّرت الدعوة في أيامٍ متتالية فليس على المدعو الإجابة، لا سيما إذا شعر أن الداعي يرائي بطعامه. وأجاب الحسن رجلًا دعاه في اليوم الثاني، ثم دعاه في الثالث فلم يجبه، وفعله ابن المسيب وحصب الرسول. وفي رواية: قال: أهل رياء وسمعة.

– وقال ابن مسعود: (نهينا أن نجيب من يرائي بطعامه). [11]

 

نسأل الله تعالى أن يخلِّقنا بأخلاق رسول الله ﷺ في الدعوة إلى الطعام وفي إجابة الدعوة إليه. اللهم اهدنا إلى أحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنّا سيّئها فإنه لا يصرف عنّا سيّئها إلا أنت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مسلم في النكاح (باب الأمر بإجابة الداعي إلى الدعوة) 2/ 1054.

[2] البخاري في الإيمان (بَاب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلاَمِ) 1/ 12.

[3] ابن حبان 12/ 101.

[4] فتح المنعم شرح صحيح مسلم للاشين 5/ 570.

[5] البخاري في النكاح (بَابُ زَوَاجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَنُزُولِ الْحِجَابِ، وَإِثْبَاتِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ) 2/ 1048.

[6] إكمال المعلم 4/ 605.

[7] الكاشف عن حقائق السنن 5/ 1618.

[8] مرعاة المفاتيح 7/ 109.

[9] الطبراني في الأوسط 3/ 306. قال في مجمع الزوائد 4/ 53: وَفِيهِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.

[10] التوضيح لشرح الجامع الصحيح 24/ 526.