مقتطفات | الحديث المسند | د. محمود المصري

  • قال الشيخ البيقوني رحمه الله  في منظومته البيقونية:

والمُسْنَدُ الْمُتَّصِلُ الإِسْنَادِ مِنْ ♦♦♦ رَاوِيهِ حَتَّى المُصْطَفَى وَلَمْ يَبِنْ

(وَلَمْ يَبِنْ) الواو هنا حالية بمعنى لم يبعد، المقصود أن والحال أنه لم ينقطع.

الحديث المسند: هو الحديث الذي اتصل إسناده مرفوعاً إلى النبي ﷺ.

هناك عنصران في التعريف: 1- اتصال السند، 2- رفع الحديث إلى النبي ﷺ.

  • يقول الشارح رحمه الله:

“المسند: هو الحديث متّصل الإسناد من راويه إلى النبي اتصالاً ظاهراً.”

هذا التقييد (اتصالاً ظاهراً) ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله، يعني جعل من شروط المسند أن يكون الاتصال ظاهراً، معنى هذا أنه لو كان هناك انقطاع لكن هذا الانقطاع خفي غير ظاهر (كما في التدليس والمرسل الخفي مثلاً) فالحافظ ابن حجر لا يمنع أن يسمى مسنداً، ويستدلّ على ذلك أن أصحاب المسانيد خرّجوا في مسانيدهم أحاديثاً من هذا النوع، نوع من الانقطاع الخفي كالأحاديث التي فيها تدليس أو فيها مرسل خفي.

لكن في الحقيقة أننا لو أتينا إلى هذه المسانيد سنرى أن فيها أيضاً انقطاعاً ظاهراً، إذن هذا ليس بحجة، فلذلك هذا التقييد الذي ذكره الحافظ ابن حجر ما وافقه عليه العلماء. شيء آخر جعل ابن حجر هذا التعريف موافقاً لقول الحاكم، لكن في الحقيقة أيضاً لا يصح؛ لأن الحاكم يُصرّح بأنه في هذا النوع المسند يُشترط عدم التدليس (كما قال شيخنا نور الدين العتر رحمه الله).

  • نعود للتعريف:

“المسند: هو الحديث متّصل الإسناد من راويه إلى النبي اتصالاً ظاهراً.”

يقول الشيخ: “فيخرج بقيد اتصال السند: المنقطع، والمعضل، والمدلّس ونحوها.. ويخرج بقيد رفع إلى النبي ﷺ: الموقوف والمقطوع”.

إذن لا بدّ من توفر شرطي اتصال السند ورفع الحديث إلى النبي ﷺ.

  • يقول الشارح رحمه الله:

“وتعريف المصنّف للمسند هو المعتمد عند جمهور المحدثين، وإليه ذهب الحاكم، وجزم به صاحب النُخبة، وقد عرّفه ابن عبد البر: أنه ما جاء عن النبي ﷺ متصلاً كان أو منقطعاً، فهو على هذا مرادف للمرفوع (مرادف للمرفوع عند ابن البر يعني كلاهما اشترط فيه أنه قائله رسول الله ﷺ بغض النظر أنه منقطع أو غير منقطع، يعني بناءً على ذلك: المسند والمنقطع هو مسند عند ابن عبد البر، لكن هذا في الحقيقة ما ارتضاه علماء الحديث، هو جعله من صفات المتن يعني أنه جعل المسند فقط مضافاً إلى النبي  بقطع النظر على كونه موصولاً أو مقطوعاً) وعرّفه الخطيب أنه ما اتصل سنده إلى منتهاه (اشترط هنا ففط الاتصال) فيشمل المرفوع والموقوف والمقطوع” (يعني بناءً على ذلك يطون المرفوع والموقوف والمقطوع عند ابن عبد البر مسنداً، وجعله من صفات الإسناد، وهذا أيضاً ما ارتضاه العلماء).

  • حكم المسند:

“قد يكون المسند صحيحاً أو حسناً، وقد يكون ضعيفاً”.

إذن على القول المعتمد عند المحدثين بأن المسند هو المتصل ، وبين المسند والمتصل أو بين المسند والمرفوع عموم وخصوص مطلق، يعني كل مسند مرفوع ولا عكس (يعني المرفوع هو الأعم) وكل مسند متصل (فالمتصل هو الأعم).

مقتطفات | الحديث المتصل | د. محمود المصري

 

وما بسمعِ كلِّ راوٍ يتّصل *** إسنادُهُ للمصطفى فالمتّصل

هنا عندنا قال (للمصطفى) ﷺ ليس بقيد؛ قد يكون اتصل للصحابي، وقد يكون للتابعي، المهم أنه لا يوجد فيه انقطاع، لذلك قال (وما بسمعِ كلِّ راوٍ).

أيضاً هنا (وما بسمعِ) هل هذا للتقييد؟ هل فقط إذا تلقّاه بالسماع؟

يُلحق به ما تلقاه بأي وسيلة من وسائل التحمّل المعتبرة التي توفرت فيها الشروط، مثل: العرض، أو المكاتبة، أو الإجازة بشروطها المعروفة، لكن ذكر السمع باعتبار الغالب، لذلك عندما ذكروا في المعنعن أن المتأخرين استعملوا (عن) في الإجازة، وأن ذلك لا يخرجه عن قبيل الاتصال. إذن ولو استعملوها في الإجازة واعتبروا ذلك من أنواع الحديث المتصل، الموضوع فيه خلاف لكن هذا هو التحقيق والله أعلم.

  • (وما بسمعِ كلِّ راوٍ يتّصل)
    الذي سمعه كل روا من رواته ممن فوقه أو تلاقاه بإحدى الطرق المعتبرة بالتلقي سواء كان من كلام النبي أو من كلام الصحابي أو من كلام التابعي.
  • يقول الشارح رحمه الله “المتصل هو الحديث الذي اتصل إسناده بسمع كل راو ممن فوقه من أوله إلى منتاهه، مرفوعاً أو موقوفاً.
    مرفوعاً أي من كلام النبي ﷺ، وموقوفاً من كلام الصحابي، وكذلك المقطوع يدخل فيه ولا خلاف في ذلك، لكن بالنسبة للمقطوع لا نقول مقطوع موصول حتى لا يكون هناك تضاد في الألفاظ من حيث اللغة، ولذلك نقول هذا الحديث مثلاً متصل إلى سعيد بن المسيب، متصل إلى طاوس، مقيداً بذكر اسم الصحابي، هذه الطريقة أفضل حتى لا يكون هناك تضاد لغوي عندما نستعمل المتصل، ونقول هو مقطوع من جهة إضافته للتابعي، علمياً واصطلاحياً لا يوجد مشكلة، هو متصل من جهة أنه لا يوجد انقطاع في السند، ومقطوع من جهة كونه مضافاً إلى التابعي.
  •  “فخرج بقيد الاتصال: المنقطع والمعضل والمرسل والمعلق ومعنعن المدلّس قبل تبيّن سماعه”
    فإذا تبيّن سماعه نقول موصول ولو فيه راوٍ مدّلس إذا صرّح بالسماع بطريق آخر.
  • ويخرج بقيد الاتصال بالسماع: الاتصال بالإجازة كأن يقول أجازني فلان فلا يسمى هذا متصلاً”
    كما قلنا بعضهم اعتبره متصلاً، وأشار الشيخ للخلاف في الهامش، قال: أي عند ابن الصلاح وغيره خلافاً لابن جماعة، كما في التدريب وحاشية الأبياري .
  • والمتصل يشمل المرفوع والموقوف، فالمرفوع: كمالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ” – هذا إسناد رويت فيه أحاديث كثيرة كما نعرف – “مثل:«الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتِرَ أهله وماله»، والموقوف: مثل مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما” – إذن من كلام الصحابي – “مثل: «من أسلف سَلَفَاً فلا يشترط إلا قضاءً»“. كلا الحديثين موصول، لكن الأول عن النبي ﷺ من قوله، والثاني من قول الصحابي، وقلنا أيضاً أن يكون من قول التابعي.
  • يقول “ومن هنا يُعلم أن المسند من حيث إضافته إلى قائله أخص من المتصل، فكل مسند متصل ولا عكس”
    إذن العلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص مطلق، الأعم هو المتصل (فكل مسند متصل ولا عكس).
  • “حكم المتصل: هو كالمسند قد يصح أو يحسن، وقد يضعف”
    حسب توفر شروط الصحة والحسن أو عدم توفرها.

مقتطفات | محبة رسول ﷺ ومعرفته تتجلى بمعرفة سنته | فضيلة الشيخ د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

  • ومن هنا كان حرص الصحابة على نقل دقائق حياة النبي ﷺ، ولا يوجد رجلٌ في تاريخ البشرية نقلت دقائق حياته مثل رسول الله ﷺ، لم ينقلوا فقط الأحكام الشرعية والمعاملات وو.. وإنما كل شؤون رسول الله ﷺ كانت محلّ اهتمامهم، في طعامه وشرابه وقيامه وقعوده، في كل صغيرة تتعلق في شأنٍ من شؤونه ﷺ من أجل أن يتحقق التّأسّي به، والذي وجّهَنا به القرآن الكريم، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب، 21].

لذلك نرى قصص الصحابة كيف كانوا يفرِّغون أنفسهم لصُحبة رسول الله ﷺ كما كان يفعل أهل الصُّفة، بل كما كان يفعل كل الناس، حتى المشغول في الأسباب الدنيوية.

كما روى لنا سيدنا عمر رضي الله عنه، يقول (كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته خبر ذلك اليوم من الوحي، وإذا نزل فعل مثل ذلك).

  • الفائدة الرابعة من تعلم الحديث الشريف:
    هي معرفة رشول الله ﷺ، يقول الله تعالى ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون، 69]، قال العلماء هذا في معنى التّقبيح والتّوبيخ، نعى الله عزوجل على أولئك الذين لا يعرفون رسولهم.
    فالسنة هي التي تعرفنا برسول الله ﷺ، فإذا عرفناه أحببناه، وقد أمرنا بمحبة النبي ﷺ وكان ذلك من علامات الإيمان، كما قال رسول الله ﷺ:«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» كما في الصحيحين.

  • من هنا تأتي الفائدة الخامسة من تعلم الحديث الشريف:
    هي محبة رسول الله ﷺ إذا عرفت هديه أحببته، وإذا عرفته خُلُقه أحببته، وإذا عرفت سيرته أحبتته، وإذا عرفت شفقته ورحمته بالمؤمنين أحببته، وكل هذا توصلك إليه معرفة سنة الله ﷺ..

مقتطفات| ما فائدة دراسة الحديث الشريف؟| د. محمود المصري

لماذا نحن ندرس الحديث ولماذا ندرس مصطلح الحديث؟

الصحابة رضي الله عنهم حرصوا على نشر هدي النبي ﷺ في أصقاع الأرض، وانتشروا في البلاد يبلّغون عن رسول الله ﷺ هذا الدين، وبفضلهم وصل هذا الدين إلينا، وبفضل نقلهم لحديث النبي ﷺ إلينا.

فلماذا كان هذا الحرص الشديد؟      

  • الفائدة الأولى لدراسة الحديث:

إن هذا الحديث هو مبيِّن لكتاب الله عزوجل، مما لا شكّ فيه أن القرآن الكريم – الكتاب الذي أنزله الله تعالى لهداية البشر – ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة، 2]، هدىً: الهداية المجملة في هذا الكتاب لابد من بيانها من أجل الوصول إلى غاية مقاصدها، فكان ذلك وظيفة السنة النبوية، وعبّر عن ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل، 44]، فيكون موقع السنة من القرآن الكريم هو موقع المُبيِّن من المُبيَّن، فبدون السنة لا يمكن أن نتوصل لما يريده منّا القرآن الكريم.

روى السّخاوي رحمه الله عن ابن عساكر أبياتاً في هذا المعنى:

واظِب على جَـمعِ الحديثِ وكَـتْبِـهِ

واجْـهَد على تصحيحِـه في كُـتْـبِـهِ

واسْمَعْـهُ مِـن أَربَـابِـه نَـقْـلًا كــما

سَمِعُـوهُ مِن أَشياخِهـمْ تَسْـعَـدْ بِـهِ

واعْـرِفْ ثِـقَاتِ رُواتِـهِ مِن غيرِهِم

كَـيْـمَـا تُـمَـيِّـزَ صِدْقَـهُ مِن كَـذْبِـهِ

فَـهُـوَ الـمُـفَـسِّـرُ لِلكِتَابِ و إنَّـمـا

نَـطَـق النَّـبِـيُّ لـنا بِـهِ عـن رَبِّـــهِ

هذا مهم جداً:

فَـهُـوَ الـمُـفَـسِّـرُ لِلكِتَابِ و إنَّـمـا…نَـطَـق النَّـبِـيُّ لـنا بِـهِ عـن رَبِّـــهِ، الله عزوجل يقول: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم، 3-4]، لذلك العلماء سموا حديث النبي ﷺ بالوحي غير المتلو – القرآن الكريم هو الوحي المتلو وحديث النبي ﷺ الوحي غير المتلو – المعنى من الله عزوجل واللفظ من رسول الله ﷺ.

سلسلة العهود المحمدية| المقال التاسع والأخير| العهد الرابع: في طلب تعلُّم العلم وتعليمه| د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

4: أخذ علينا العهد العام من رسول الله ﷺ أن ندمن مطالعةَ كتب العلم وتعليمَه للناس ليلا ونارًا، ما عدا العبادات المؤقتة والحوائج الضرورية [1].

يكفي في فضل طلب العلم شهادةٌ وردتنا بحقِّ العالم من الحقّ جلَّ جلاله بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر: 28]. وبشارة وردتنا بحقِّه من النبي ﷺ بقوله: «مَن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [2]. فالنبي ﷺ يبشِّر العالم بأن الله لو لم يُرد به خيرًا لما فقَّهه في الدين وجعله عالما، والله يشهد للعلماء بالخشية؛ لأنه كلما كانت المعرفة بكمالات الله أتمَّ كانت الخشية أعظم. ولهذا فإن النبي ﷺ ربط بين البشارة والشهادة، حيث ورد في روايةٍ لهذا الحديث عند الطبراني الجمع بينهما: (مَن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، و﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [3].

وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أن طلب العلم على وجه الإخلاص أفضلُ من صلاة النافلة. وكان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا ينام، وجزءًا يطالع الحديث ويستنبط، وجزءًا يتهجَّد، وكان يقول: “لولا مذاكرة الإخوان في العلم، والتهجُّد في الليل؛ ما أحببت البقاء في هذه الدار” [4]. وهذا الذي اشتهر عن الشافعي أصله من قوله ﷺ، كما روى الطبرانيُّ والبزار بإسناد حسن: «فضلُ العلم خيرٌ من فضلِ العبادة، وخير دينِكُمُ الورع» [5]. وهذا ما مشى عليه السلف الصالح، فها هو التابعيُّ الجليل مُطرِّفُ بنُ عبد الله بنِ الشِّخِّير يقول: “قليلُ العلم خير من كثيرٌ العبادة، وكفى بالمرء فقهًا إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلًا إذا عُجِب برأيه” [6].

وكلُّ هذا منهم كان يعبِّر عن التوجيه المحمَّدي ﷺ في قوله: «لأن تغدو فتعلمَ آية من كتاب الله تعالى خيرٌ لك من أن تصلي مئة ركعة، ولأن تغدو فتعلمَ بابًا من العلم عُمل به أو لم يُعمل به؛ خيرٌ لك من أن تصلي ألف ركعة» [7].

يقول الشعراني رحمه الله: واعلم أن الشارع ﷺ ما نوَّع العبادات المتفاضلة إلا لعلمه ﷺ بحصول الملل للعاملين، ولو في الأمور الواجبة، فإذا حصل الملل فيها انتقلوا إلى واجب آخر، أو إلى ذلك الأمر المفضول، فإذا حصل الملل منه كذلك انتقلوا لمفضول آخر أو فاضل أو أفضل، ما لم يجدوا في نفوسهم مللا فيه.

فعُلم أن سبب تنوُّع المأمورات إنما وجود الملل فيها إذا دامت، فلو تُصوِّر إنسانًا لم يمَلَّ من الواجبات، أو مما هو أفضل؛ لأمره ﷺ بملازمتها، وترك الأمور المفضولة جملة؛ لأنه ما تقرَّب المتقرِّبون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترضه عليهم، ولكن لما كان يحصُل لهم الملل من ذلك الواجب، حتى لا يبقى في نفس العامل داعيةٌ ولا خشوعٌ ولا لذَّةٌ بتلك العبادة؛ كان العملُ المفضول الذي فيه داعيةٌ ولذَّة وخشرعٌ أتمَّ وأكمل.

غير أن العلماء طالما كانوا ينبَّهون في طلب العلم على أمرين: الأول أن العلم يُطلب على جهة الإخلاص، والثاني أنه يُطلب للعمل به، فإن لم يكن ذلك فالأولى الاشتغال بما صلُحت به النية من الطاعات.

يقول الشعراني رحمه الله في الإخلاص بالعلم: واعلم أن جميع ما ورد في فضل العلم وتعليمه إنما هو في حقِّ المخلصين في ذلك، فلا تغالط في ذلك، فالناقد بصير.

أما العمل بالعلم فقد نُقل عن داود الطائي رحمه الله قوله: طالب العلم كالمحارب، فإذا أفنى عمره في تعلُّم كيفية القتال، فمتى يقاتل؟ ويقول الشعراني: من جملة العمل بالعلم توبة العبد واستغفاره إذا وقع في معصية، فإنه لولا العلم ما عرف أنها معصية، ولا تاب منها.

وقد شبَّه النبي ﷺ العالم الذي لا يعمل بعلمه، فينتفع الناس بعلمه ولا ينتفع هو به؛ بالأرض الأجادب التي «أمسكت الماء فنفع الله تَعَالَى بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا» [8]. فهذه الأرض تمسك الماء لنفع غيرها؛ لكنها لا تتشرب بهذا الماء وتتشبَّع به لتنبت وتُثمر. كما أنه سيكون من جملة الرجال الفجرة الذين يؤيِّد الله بهم الدين، كما في قوله ﷺ: «إن الله ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر» [9].

أما إخلاص النيَّة بالعلم فجزاؤه في الآخرة الجنَّة، كما صرَّح بذلك الحديث الصحيح: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهَّل الله تعالى له به طريقًا إلى الجنَّة» [10]. وفي الدنيا ورد بعض جزائه في قوله ﷺ: «إن الملائكة لَتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالِم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» [11].

وقوله: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم» يتأول على وجوه، أحدها -كما قال الخطابي رحمه الله- أن يكون وضعُها الأجنحة بمعنى التواضع والخشوع تعظيمًا لحقّه وتوقيرًا لعلمه، ومنها: أن يكون كناية عن المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم [12]. قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْعَالِمَ بِالْقَمَرِ، وَالْعَابِدَ بِالْكَوَاكِبِ، لِأَنَّ كَمَالَ الْعِبَادَةِ وَنُورَهَا لَا يَتَعَدَّى مِنْ الْعَابِدِ، وَنُورُ الْعَالِمِ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ [13]. 

 

المصادر والمراجع:

  • تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لمحمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • جامع بيان العلم وفضله، ليوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي، ت أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، السعودية، ط1، 1994م.
  • سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، ت أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض (جـ 4، 5)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1975م.
  • شرح السنة، للحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، ت شعيب الأرنؤوط ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، دمشق وبيروت، ط2، 1983م.
  • شرح صحيح البخاري، لابن بطال علي بن خلف، ت ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 2003م.
  • شعب الإيمان، لأحمد بن الحسين الخراساني، أبو بكر البيهقي، ت عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، ط1، 2003م.
  • لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمَّدية، لأبي المواهب عبد الوهَّاب بن أحمد الشعراني، ت صهيب ملا محمّد نوري علي، دار التقوى، ط1، 2015م.
  • المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي)، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الفكر.
  • مسند البزار (البحر الزخار)، لأبي بكر أحمد بن عمرو المعروف بالبزار، ت مجموعة من المحققين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 2009م.  
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • معالم السنن (شرح سنن أبي داود)، لحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، المطبعة العلمية، حلب، ط1، 1932م.
  • المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد اللخمي، أبو القاسم الطبراني، ت طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة. 
  • المعجم الكبير، لسليمان بن أحمد، أبو القاسم الطبراني، ت حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط2. 
  • ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • [1] العهود المحمَّدية 100.
  • [2] أخرجه من حديث معاوية بن أبي سفيان: البخاري في العلم (بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ) 1/ 24، ومسلم في الزكاة (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ) 2/ 718. 
  • [3] الطبراني 929 من حديث معاوية بن أبي سفيان.
  • [4] انظر المجموع للنووي 1/ 20.
  • [5] أخرجه من حديث حذيفة بن اليمان: الطبراني في الأوسط 3960، والبزار في المسند 139. 
  • [6] أخرجه البيهقي في الشعب 1704 بإسناد حسن صحيح. 
  • [7] أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر في (بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) 1/ 79، وحسنه المنذري في الترغيب 1/ 54.
  • [8] البخاري في العلم (باب فضل من علم وعلَّم) 1/ 27، ومسلم في الفضائل (باب بيان مثل ما بُعث به النبي ﷺ) 4/ 1787. وقال بعضهم هذا مثال لمن تحمَّل العلم ولم يتفقَّه، فهو كالأرض الصُّلْبَةِ الَّتِي لَا تُنْبِتُ، وَلَكِنَّهَا تُمْسِكُ الْمَاءَ، فَيَأْخُذُهُ النَّاسُ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ. انظر شرح السنة للبغوي 1/ 289. وكذلك قال ابن بطال في شرحه على البخاري: وهذه حال من ينقل العلم ولا يعرفه ولا يفهمه. انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 1/ 164. 
  • [9] البخاري في الجهاد والسير (بَابُ إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) 4/ 72، ومسلم في الإيمان (بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ) 1/ 105.
  • [10] أخرجه من حديث أبي هريرة: مسلم في كتاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ (بَابُ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ) 4/ 2074.
  • [11] أخرجه من حديث أبي الدرداء أبو داود في العلم (باب الحثّ على طلب العلم) 5/ 485، والترمذي في أبواب العلم (بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الفِقْهِ عَلَى العِبَادَةِ) 5/ 48، وقال: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندي بمتصل. ثم أورد له إسنادًا، وقال: هذا أصح، وابن حبان في صحيحه 1/ 289، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 168.
  • [12] معالم السنن 4/ 183.
  • [13] تحفة الأحوذي 6/ 481.

سلسلة العهود المحمدية| المقال الثامن| العهد الثالث: في فِعل الخير ليُستَنَّ به| د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

 

3: أخذ علينا العهد العام من رسول الله ﷺ أن نكون في أعمال الخير من أهل الرَّعيل الأوَّل، فنبدأ بفعل الخير قبل الناس مسارعةً للخير، وليستنَّ بنا الناس [1].

ويضرب لنا الشعراني رحمه الله أمثلة على ذلك، فيقول: وذلك كما إذا رأينا إنسانًا يسأل الناس، ولا أحدَ يعطيه شيئًا، فنعطيه أمام الناس تحريضًا لهم على العطاء، ولا نعطيه سرًّا، وكذلك نحرص على أن نقوم من الليل من أوَّل ما يقع التجلِّي، وينادي الحقُّ تعالى: «هل من سائلٍ فأعطيَه سؤلَه، هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من مبتلًى فأعافيَه؟» [2]، وذلك ليتأسّى بنا إخواننا وجيراننا، فربّما قام أحدهم يتهجَّد حين يرانا، فيُكتب لنا وله الأجر. ومن هذا الباب أيضًا إظهار التصبُّر على البلايا والمحن في هذا الزمان؛ ليتأسّى الناس بنا في الصبر وعدم التسخُّط، فإن رأينا الصبر بلغ حدَّه أظهرنا الضعف حتّى يرتفع، كما وقع لأيوب عليه السلام [3].

وبناء على ما تقدَّم يقرِّر الشعراني رحمه الله أنه ينبغي لكلّ عامل سترُ عمله ما استطاع؛ إلا في محلٍّ يُقتدى به في فعله وفي كيفيته.  

ويؤيّد ذلك ما رواه مسلم عن جرير بن عبد الله،  قال: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوْ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ؛ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَر،َ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا؛ بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» [4]. 

كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «من أحيا سنَّة من سنني، قد أميتت بعدي، كان له من الأجر مثل من عمل بها، من غير أن يَنقُص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا يَنقُص ذلك من أوزار الناس شيئًا» [5].

قال الشعراني: ومعنى: ” لا يرضاها الله ورسوله”: أي لا يشهد لها كتاب ولا سنَّة بالصِّحة”.

غير أن الشعراني ينقل لنا تحذير شيخه الخوّاص رحمه الله مما قد ينتج عن إظهار العمل من علل نفسانية، وهو قوله: “لا ينبغي إظهار الأعمال إلا للأكابر من العلماء والصالحين الغوّاصين على دسائس النفوس، وأما أمثالنا ربّما يُظهر الواحد أعماله رياء وسمعة، وتلَبِّس عليه نفسه، وتقول له: إنك بحمد الله من المخلصين، وإنّما تُظهر هذه العبادة ليقتديَ بك الناس.” ويوجّه الشيخ الخوّاص مَن تحدِّثه نفسه بهذا أن يختبرها “بما لو جاء أحدٌ يفعل ذلك الخير، وينقاد الناس له مثله أو أكثر، فإن انشرح لذلك فهو مخلص، وإن انقبض خاطره فهو مراء.” ويُفسّر ذلك الانشراح بأن الله هيَّأ من كفاه مؤونة ذلك، فإذا قالت نفسه: إنما تشوَّشتُ لفوات الخير العظيم الذي كان يحصُل لك من حيث هو خير، فليقل لها: “إني معتمد على فضل الله لا على الأعمال، فإن دخلتُ الجنَّة فإنما هو برحمة الله تعالى؛ لا بعملي.”

ومن هنا نفهم تصرُّفات أئمّة كبار من أمثال النووي، الذي كان إذا درَّس في المدرسة الأشرفية بدمشق يوصي الطلبة ألا يجيئوا دفعة واحدة؛ خوفًا من كبر الحلقة.

 

المصادر والمراجع:

  • الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لمحمد بن حبان الدارمي البُستي، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، ت شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1988م.
  • سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، ت أحمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض (جـ 4، 5)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1975م.
  • لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمَّدية، لأبي المواهب عبد الوهَّاب بن أحمد الشعراني، ت صهيب ملا محمّد نوري علي، دار التقوى، ط1، 2015م.
  • المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، ت مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العهود المحمَّدية 97.

[2] مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ) من حديث أبي هريرة 1/ 521.

[3] انظر ابن حبَّان في (ذِكْرُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى مَنِ امْتُحِنَ بِمِحْنَةٍ فِي الدُّنْيَا فَيَلْقَاهَا بِالصَّبِرِ وَالشُّكْرِ يُرْجَى لَهُ زَوَالُهَا عَنْهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْعُقْبَى)، والحاكم في (ذِكْرُ أَيُّوبَ بْنِ أَمُوصَ نَبِيِّ اللَّهِ الْمُبْتَلَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

[4] مسلم في الزكاة (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ) 2/ 704.

[5] أخرجه الترمذي في أبواب العلم (بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ البِدَعِ) 5/ 44، وحسَّنه، وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم (بَابُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً قَدْ أُمِيتَتْ) 1/ 76.

سلسلة العهود المحمدية| المقال السابع| العهد الثاني: في طلب اتباع الكتاب والسنة| د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

2: أخذ علينا العهد العام من رسول الله ﷺ أن نتَّبع السنَّة المحمَّدية في جميع أقوالنا وأفعالنا وعقائدنا، فإن لم نعرف لذلك الأمر دليلًا من الكتاب والسنة أو الإجماع أو القياس؛ توقَّفنا عن العمل [1].

تأتي أهمية اتباع سنَّة النبي ﷺ من كونها عنوانًا على صحَّة الإيمان، كما بيَّن ذلك قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» [2].

ومن كونها عنوانًا على محبة الله للعبد، كما يشير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. ومن هذه الأهمية للاتباع يتوضَّح لنا منزلة المتَّبِعين عند الله تعالى والشهادة لهم بالفلاح بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].

وقد أدركَ الصحابة رضي الله عنهم قيمة اتباع النبي ﷺ والتزام السنَّة، وكانوا يتحرَّون ذلك في كلِّ حركاتهم وسكناتهم مهما كانت بسيطة. فمما ثبت عن سيدنا عمر بن الخطاب قوله، عندما قبَّل الحجر الأسود: “إني لأعلم أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك” [3].

وها هو عبد الله بن عمر يصلِّي محلولةً أزراره، فيسأله زيد بن أسلم عن ذلك، فيجيب: “رأيت رسول الله ﷺ يفعله” [4]. وابن عمر نفسه كان في سفر، فمرَّ بمكان فحاد عنه، فسُئل: لم فعلت ذلك؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا ففعلته” [5]. وهو نفسه “كان يأتي شجرةً بين مكَّة والمدينة، فَيَقِيل تحتها، ويُخبر أن النبي ﷺ كان يفعل مثل ذلك” [6].

وقد تنبَّه العارفون بالله إلى أن أسمى ما في الاتباع أن يكون العبد في حضرة الشارع يتلمَّس مواطن مرضاته دائمًا. وفي هذا المعنى يروي الشعراني رحمه الله عن شيخه عليٍّ الخوَّاص قوله: (ليس مراد الأكابر من حثِّهم على العمل على موافقة الكتاب والسنة إلا مجالسةُ الله ورسوله ﷺ في ذلك الأمر لا غير، فإنهم يعلمون أن الحقَّ تعالى لا يجالسهم إلا في عمل شرَعَه هو أو رسوله ﷺ. أما ما ابتُدعَ فلا يجالسهم الحقُّ تعالى ولا رسوله ﷺ فيه أبدًا، وإنما يجالسون فيه من ابتدعه). والمقصود من مجالسة الله ورسوله ﷺ أن يكون في حضرة الله ورسوله على بساط الموافقة يظلِّله الأنس بالله والرضا عن الله والقبول من الله.

ومن هنا كان هؤلاء الأكابر أحرصَ الناس على التمسُّك بالسنَّة وهجر البدعة، عملًا بوصية النبي ﷺ، كما ورد في حديث العرباض بن سارية، قال: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [7]. والعضُّ بالنواجذ، أي الأنياب، كناية عن التمسُّك بالشيء غاية التمسُّك خوفًا من فواته وتفلُّته.

فمهما وافق العمل السنَّة كان عظيمًا، ولو قلَّ، بينما يفقد العمل قيمته عندما يكون مبتدَعًا مهما كثُر، وقد صحَّ عن النبي ﷺ قوله: «الاقتصاد في السنَّة أحسن من الاجتهاد في البدعة» [8].

وقد بيَّن ﷺ أن التمسُك بالسنة ليس مقتصرًا على عصر الصحابة، وإنما سيكون في أمته من بعده، كما في الحديث: «من أكل طيِّبًا، وعمل في سنَّة، وأمِن الناس بوائقَه (شروره)، دخل الجنّة”، قالوا: يا رسول الله، إن هذا اليوم في أمَّتك كثير، قال: “وسيكون في قرونٍ بعدي”» [9]. فكأنهم يسألون النبي ﷺ فَمَا حَالُ الْمُسْتَقْبَلِ؟ فأجابهم: هُمْ كَثِيرُونَ الْيَوْمَ، وَسَيُوجَدُ مَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي قُرُونٍ بَعْدِي [10]. ومن هنا تضاعف أجر المتمسِّك بالسنَّة آخر الزمن، كما قال النبي ﷺ: «من تمسَّك عن سنَّتي عند فساد أمَّتي فله أجر مئة شهيد» [11]. قال المناوي: وذلك لأن السنة عند غلبة الفساد لا يجد المتمسك بها من يعينه؛ بل يؤذيه ويهينه، فيصبر على ما يناله بسبب التمسك بها من الأذى يجازى برفع درجته إلى منازل الشهداء [12].

ويضيف الشعراني مبيِّنًا أن هؤلاء الأكابر لا يتخلَّون عن هذا المقصد الشريف (الذي هو مجالسة الحقِّ) ويستبدلون به مقصدًا أدنى، فيقول: فعُلِم أنه ليس قصد أهل الله تعالى بعباداتهم حصولَ ثوابٍ ولا غيره في الآخرة؛ لأنهم في الدارين عبيد، والعبد لا يملك شيئًا مع سيِّده في الدنيا والآخرة، إنما يأكل ويلبَس ويتمتَّع بمال سيِّده.. ولو أن الحقَّ تعالى أعطاه شيئًا لوجب عليه التبري منه إلى ربِّه، ولا يجوز أن يشهد ملكه له طرفة عين. فلهذا المشهد خرجوا في جميع عباداتهم عن العلل النفسانية، فرضوا عن ربِّهم رضًا مطلقًا، ورضي عنهم رضًا مطلقًا: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4]. وهذا المشهد العظيم هو الذي قال فيه أبو الحسن الشاذلي رحمه الله يقول: “لا تكمُل عبادة فقير حتى يصير يشاهد المشرِّع في كلِّ عبادةٍ عملها.” وهذا من مشكاة قوله ﷺ: «أن تعبدَ الله كأنك تراه». ومن هنا نفهم قول أبي العباس المـُرسي: لو احتجب عني رسول الله ﷺ ساعة، لما عددت نفسي من جملة المؤمنين.

ويقرِّر الشعراني أنه لا بدَّ لمن يريد العمل بهذا العهد من شيخ صادقٍ يزيل عنه سائر الصفات المذمومة ويحلِّيه بالصفات المحمودة، ليَصلُحَ لمجالسة الله تعالى ورسوله ﷺ.

المصادر المراجع:

  •  جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 2001م.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • السنَّة، لأبي بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو الشيباني، ت محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1400هـ.
  • سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني، ت محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.
  • سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، ت أحمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض (جـ 4، 5)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1975م.
  • السنن الكبرى، لأحمد بن الحسين الخراساني، أبو بكر البيهقي، ت محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2003م.
  • شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، لتقي الدين أبو الفتح محمد بن علي، المعروف بابن دقيق العيد، مؤسسة الريان، ط6، 2003م.
  • صحيحُ ابن خُزَيمة، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، ت محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط3، 2003م.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ.
  • كتاب الزهد الكبير، لأحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي، ت عامر أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط3، 1966م.
  • لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمَّدية، لأبي المواهب عبد الوهَّاب بن أحمد الشعراني، ت صهيب ملا محمّد نوري علي، دار التقوى، ط1، 2015م.
  • مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ت حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، 1994م.
  • مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعبيد الله بن محمد المباركفوري، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية، بنارس الهند، ط3، 1984م.
  • المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، ت مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990م.
  • مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ت أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1995م.
  • مسند البزار (البحر الزخار)، لأبي بكر أحمد بن عمرو المعروف بالبزار، ت مجموعة من المحققين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 2009م.
  • المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد اللخمي، أبو القاسم الطبراني، ت طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العهود المحمَّدية 90.

[2] السنَّة لابن أبي عاصم 1/ 12. قال ابن رجب الحنبلي (جامع العلوم والحكم 2/ 393): حسن صحيح، وقال ابن حجر (الفتح 13/ 289): رجاله ثقات، وقد صحَّحه النووي في آخر الأربعين. وقال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين 135: هذا الحديث كقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.

[3] البخاري في الحجّ (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ) 2/ 149، ومسلم في الحجّ (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ)، 2/ 925.

[4] ابن خزيمة في الصلاة (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ مَحْلُولَ الْأَزْرَارِ إِذَا كَانَ عَلَى الْمُصَلِّي أَكْثَرُ مِنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ) 1/ 403، والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 340.

[5] أحمد 4870، والبزار 128، وقال الهيثمي في المجمع 1/ 174: رجال البزار موثوقون.

[6] البزار 129، وقال الهيثمي في المجمع 1/ 175: رجال البزار موثوقون.

[7] أبو داود في السنة (بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ) 4/ 200، والترمذي في أبواب العلم (بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِ البِدَعِ) 5/ 44، واللفظ له، وقال: حسن صحيح.

[8] صححه الحاكم عن عبد الله بن مسعود موقوفًا 1/ 184، وقال الذهبي: على شرطهما.

[9] الترمذي في أَبْوَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ وَالْوَرَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 4/ 669، والحاكم في المستدرك 4/117، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي.

[10] انظر مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري 1/ 264.

[11] البيهقي في الزهد من حديث ابن عباس 217، والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، 5/ 315، ح 5414. وقال الحافظ المنذري في الترغيب 1/ 41: إسناده لا بأس به.

[12] فيض القدير 6/ 261.

سلسلة العهود المحمدية| المقال السادس| العهد الأول: في طلب الإخلاص والصدق| د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

 

1: أخذ علينا العهد العامُّ من رسول الله ﷺ – ونرجو من فضل ربِّنا الوفاء – أن نُخلِص النِّيَّة لله تعالى في علمنا وعملنا وسائر أحوالنا، ونُخَلِّص سائر أعمالنا من الشوائب، حتى من شهود الإخلاص، ومن حضور استحقاقنا ثوابًا على ذلك، وإن خطر لنا طلب ثوابٍ شهدناه من باب المنَّة والفضل [1].

إخلاص النية لله هو كما قال الجنيد رحمه الله: ما أُرِيد بِه اللهُ من أيِّ عملٍ كان. قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]. أما تخليص الأعمال من الشوائب، حتى من رؤية الإخلاص؛ فهو مرتبة متقدِّمة من الإخلاص، عبَّر عنها رُوَيْم بقوله: الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفِعل [2]. فالإمام الشعراني يشير في العهد إلى مقامَين للإخلاص: الأول: إخلاص لله، والثاني: إخلاص بالله. صاحب الأول مخلِص، وصاحب الثاني مخلَص.

إن وجود سرِّ الإخلاص في العلم والعمل والحال هو الروح للعلم والعمل والحال. فكما أن العلم يحتاج إلى العمل به ليكون ذي قيمة، فإن العلم والعمل يحتاجان إلى الإخلاص ليكون القبول من الله تعالى. لذلك حصر الله عزَّ وجلَّ العبادة المشروعةَ المأمورُ بها بكونها على جهة الإخلاص، فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيِّنة: 5]، فليست العبادة المأمور بها هي على أيِّ وجه كان، وإنما هي على جهة الإخلاص حصرًا، وهذا لا يكون إلا إذا أتى العبدُ هذه الأعمال من جهة الامتثال لأمر الله تعالى، غيرَ مشوبةٍ بالغفلة، ولا بطلب الثوابِ والهرب من العقابِ.

وإذا حصل الإخلاص فإن قليل العمل عند الله كثير، ولهذا عندما طلب سيدنا معاذ بن جبل وصيةً من رسول الله ﷺ، قال له: «أخلِصْ دينَك يكفِك العملُ القليل» [3].

وذلك أن المعوَّل عليه في العمل القبول، والقبول مُناطٌ بالإخلاص، كما ورد عن النبي ﷺ:«إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتُغي به وجهُه» [4]. وأما لو خلا العمل من الإخلاص فإن مصيرَه النار، كما ورد عن عبادة بن الصامت t أنه قال: يُجاء بالدنيا يوم القيامة، فيُقال: مِيزوا ما كان منها لله عزَّ وجلَّ، فيمتازوا، ويُرمى ما عداه في النار. قال المنذري رحمه الله: إن مثل هذا لا يُقال من قِبل الرأي والاجتهاد، فسبيله سبيل المرفوع [5].

وقد تظاهرت الأحاديث والآثار التي تدلُّ على ربط قبول العمل بالإخلاص، ونذكر منها قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيَّة، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكِحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» [6]. وهو الحديث الذي قال فيه العلماء: إنه نصف الإسلام، ولذلك افتتح البخاري صحيحه بهذا الحديث العظيم.

ومن ذلك قوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» [7].

وقوله ﷺ: «إنما يُبعث الناس على نياتهم» [8].

ثم بعدَ ذلك فإن العلم والعمل والإخلاص يحتاج كلٌّ منهم إلى الصدق، وهو نسبة الشيء لصاحبه، أي التبرُّؤ من الحول والقوة في العلم والعمل والإخلاص، فلا حول ولا قوَّة إلا بالله، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه﴾ [البيِّنة: 5]. وهذا الربط بين الإخلاص والصدق، نجده فيما رواه البيهقيُّ مرسلًا (أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: الإخلاص، قال: فما اليقين؟ قال الصدق) [9].

ومن مشكاة النبوة هذا جاء قول ابن عطاء الله رحمه الله: الأعمال صورٌ قائمة، وروحها وجود سرِّ الإخلاص فيها. وسرُّ الإخلاص في العمل هو الصدق فيه [10].

ويحتاج من يريد الإخلاص في أعماله إلى ذكر الله عزَّ وجلَّ حتى يرِقَّ حجابه، ويدخل حضرة الإحسان التي يعبد الله فيها كأنه يراه، وهناك يشهدُ العملَ كلَّه خلقًا لله تعالى، ليس للعبد فيه مُدخَلٌ إلا كونُه محلًّا لبروز ذلك العملِ لا غير؛ لأن الأعمال أعراض، والأعراض لا تظهر إلا من جسمٍ، وهناك يذهب من العبد الرياء والكِبر والعُجب وسائر الآفات؛ لأن هذه الآفات إنما تجيء للعبد من شهود كونه فاعلًا لذلك العمل، مع غفلته عن شهود الخالق له، ومعلومٌ أنه لا يصحُّ الرياء والتَّكبُّر والعُجب من العبد بعمل غيره أبدًا، وما رأينا أحدًا نام إلى الصباح، وأصبح يرائي أو يُعجب أو يتكبَّر بفعل جاره القائم طول الليل أبدًا.

إن هذه الآفات المحبطة للأعمال لا تأتي إلا من نسبة العمل إلى النفس، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، فإذا تحقَّق الإخلاص بالتخلُّص من تلك النسبة، كانت ثمرته أن يُحفظ أهل الإخلاص من الفتن في الدنيا، كما ورد عن النبي ﷺ في مدح المخلصين: «طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كلُّ فتنةٍ ظلماء» [11]. وكانت ثمرته أيضًا أن يكونوا من أهل الفلاح في الآخرة، كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «قد أفلح من أخلص قلبَه للإيمان، وجعلَ قلبَه سليمًا، ولسانَه صادقًا، ونفسَه مطمئنَّة، وخليقَتَه مستقيمةً، وجعل أذنه مستمعةً، وعينَه ناظرةً» [12].

 

المصادر والمراجع:

  • الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ت إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1417هـ.
  • التعرُّف لمذهب أهل التصوف، لمحمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم الكلاباذي، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (صحيح البخاري)، لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية)، ط1، 1422هـ.
  • حكم ابن عطاء الله: شرح العارف زروق، لأحمد بن زروق، ت عبد الحليم محمود، دار الشعب، 1985م.
  • حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، السعادة، مصر، 1974م.
  • سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
  • السنن الكبرى، لأحمد بن الحسين الخراساني، أبو بكر البيهقي، ت محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 2003م.
  • شعب الإيمان، لأحمد بن الحسين الخراساني، أبو بكر البيهقي، ت عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، ط1، 2003م.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
  • الفردوس بمأثور الخطاب، لشيرويه بن شهردار الديلميّ، ت السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1986م.
  • لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمَّدية، لأبي المواهب عبد الوهَّاب بن أحمد الشعراني، ت صهيب ملا محمّد نوري علي، دار التقوى، ط1، 2015م.
  • المجتبى (السنن الصغرى للنسائي)، لأحمد بن شعيب الخراساني النسائي، ت عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1986م.
  • مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، ت حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، 1994م.
  • المستدرك على الصحيحين، للحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع، ت مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العهود المحمَّديَّة 1/ 85.

[2] التعرُّف للكلاباذي 99.

[3] أخرجه الحاكم في المستدرك في الرقاق 4/ 341، وصحَّحه، ولم يوافقه الذهبي.

[4] أخرجه من حديث أبي أمامة الباهلي النسائي 6/ 25، وقال الحافظ في الفتح 6/ 28: إسناده جيِّد.

[5] البيهقي في السنن الكبرى 1515. وانظر الترغيب والترهيب 1/ 76.

[6] البخاري في كتاب الأيمان والنذور (باب النية في الإيمان) 8/ 140، ومسلم في كتاب الإمارة (بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)، وأحمد 168، من حديث عمر بن الخطاب t.

[7] مسلم في كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ (بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ)، 4/ 1986، وأحمد 7827، من حديث أبي هريرة.

[8] أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد (باب النية) 2/ 2414، بإسناد حسن، كما في الترغيب والترهيب 1/ 25.

[9] شعب الإيمان 6857.

[10] انظر شرح زروق على الحكم العطائية 35.

[11] أخرجه البيهقي من حديث علي في الشعب 6861، ويشهد له حديث ثوبان عند أبي نعيم في الحلية 1/ 16، والديلمي في الفردوس 2/ 448.

[12] أخرجه من حديث أبي ذر الإمام أحمد 21310، والبيهقي في الشعب 108، وأبو نعيم في الحلية 5/ 216، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده حسن.

 

سلسلة العهود المحمدية| المقال الخامس| العهود المحمَّدية – التعريف بالكتاب| د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بالكتاب

إن كتاب “لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمَّدية”، قد أُخذت أحاديثه كاملةً من كتاب “الترغيب والترهيب” للحافظ المنذري (656هـ) رحمه الله تعالى، الذي كان من أعيان القرن السابع، والذي كان حافظَ عصره بلا منازع، وكان عصرِيُّه الإمام أبو الحسن الشاذلي يقول: “قيل لي: ما على وجه الأرض مجلسٌ في الفقه أبهى من مجلس الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، وما على وجه الأرض مجلسٌ في الحديث أبهى من مجلس الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري، وما على وجه الأرض مجلسٌ في علم الحقائق أبهى من مجلسك” [1].

وأما كتاب “العهود المحمّدية” فقد ذكر الشعراني رحمه الله أن الباعث على تأليفه ما رآه من كثرة تفتيش الإخوان على ما نقص من دنياهم، وأنه لم ير أحدًا منهم يفتش على ما نقص من أمور دينه إلا قليلاً، فأخذته الغيرة الإيمانية عليهم، فوضع هذا الكتاب لتنبيههم على تلك النقائص، من خلال نظرهم في هذه العهود، وتأمُّلهم في أنفسهم، ليروا ما أخلّوا به منها، ويتداركوا تقصيرهم.

وقد قسّم الكتاب قسمين:

الأول: في بيان ما أخلّ به الناس من المأمورات. وفيه ستة وخمسون ومئتا عهد.

الثاني: في بيان ما أخلَّ به الناس من اجتناب المنهيات. وفيه ثلاثة وثمانون ومئة عهد.

وأما عن تصدير الإمام الشعراني العهد بقوله: “أُخذ علينا العهد العام من رسول الله ﷺ” فقد أجاب عن ذلك بقوله: “اعلم يا أخي أن رسول الله ﷺ لما كان هو الشيخ الحقيقي لأمَّة الإجابة كلِّها؛ ساغ لنا أن نقول في تراجم عهود الكتاب كلِّها: “أُخذ علينا العهد العام من رسول الله ﷺ”، أعني معشر جميع الأمة المحمَّدية، فإنه ﷺ إذا خاطب الصحابة بأمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب؛ انسحب حكم ذلك على جميع أمته إلى يوم القيامة، فهو الشيخ الحقيقي لنا بواسطة أشياخ الطريق أو بلا واسطة.

وقد بيّن الإمام الشعراني في مقدمة الكتاب أن مجموع أحكام الشريعة ترجع إلى ثلاثة أمور: أمر، ونهي، ومرغّب فيه أو مرهّب من فعله. فإن الترغيب في فعل شيء مؤذِنٌ بالرضى عن فاعله، كما أن الترهيب من فعل شيء مؤذنٌ بالسخط على فاعله، وإن كان ذلك لم يُلحَق بدرجة الأمر والنهي الصريحَين. واستشهد بعبارة العز بن عبد السلام في قواعده الكبرى: اعلم أن كلَّ فعل مُدح في نفسه، أو مُدح فاعله من أجله، أو وُعِد عليه بخيرٍ عاجل أو آجل، فهو مأمور به؛ لكنه متردِّدٌ بين الإيجاب والندب [2].

ثم إن الشعراني رحمه الله يتحدَّث في مقدِّمة الكتاب عن نقطتين مهمَّتين في السلوك، وهاتان النقطتان الذي ينظرهما سيرى علاقتهما الوطيدة بموضوع الكتاب:

الأولى يتحدَّث فيها عن جانب عمليٍّ في التسليك، وهو التربية الخاصة للمريدين، فقد يأخذ الشيخ على المريد العهد بترك بعض المباحات، زيادةً على التزام الأمر والنهي، وذلك طلبًا لترقّيه، وعلَّل ذلك بأن المباح لا ترقي فيه من حيث ذاته، وإنما هو أمرٌ برزخيٌّ بين النهي والأمر، ويبين أن الحكمة فيه أن جعله الله مرتبةَ تنفيسٍ للمكلَّفين يتنفَّسون به من مشقَّة التكليف، إذ الإقبال على الله تعالى في امتثال الأمر واجتناب النهي على الدوام ليس من مقدور البشر، فأراد أهل الله تعالى للمريد أن يقلِّل من المباح جُهدَه، ويجعلَ موضعه فعل مأمورٍ، أو اجتناب منهيٍّ، لأخذهم بالعزائم دون الترخيصات، فترى أحدهم يفعل المندوب، مع شدَّة الاعتناء به كأنه واجب، ويجتنب المكروه كأنه حرام، ويترك المباح وكأنه مكروه، ويفعل الأولى كأنه مستحَبٌّ، ويستغفر من فعل المكروه كأنه حرام، ويتوب من فعل خلاف الأولى كأنه مكروه، ويتوب من ترك المندوب كأنه واجب.

ثم يخلُص رحمه الله من ذلك إلى صياغة نظرية التربية الخاصة عند أهل الله المتمثِّلة في أنهم “لا يوجَدوا إلا في فعل واجب، وما أُلحق به من المندوب والأولى، أو في اجتناب منهيٍّ، وما أُلحق به من المكروه وخلاف الأولى”. ومن هنا فإن الشعراني يحذِّر من الاعتراض على الشيوخ بأخذ العهد على مريديهم بترك المباح. ويستشهد على التربية الخاصة بفعل النبي ﷺ مع السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد نهاها عن أكلتين في يوم واحد، وقال: أكلتان في النهار سَرَف، والله لا يحب المسرفين [3].

والنقطة الثانية تتمثَّل في إجماع أهل الله تعالى أنه لا يصحُّ دخول حضرة الله تعالى في صلاة ولا غيرها إلا لمن تطهَّر من سائر الصفات المذمومة ظاهرًا وباطنًا، بدليل عدم صحَّة الصلاة لمن صلَّى وفي ثوبه أو بدنه نجاسةٌ غير معفوٍّ عنها، أو ترك لمعةً من أعضائه بغير طهارة، فصلاته صورية لا حقيقية، كما أن من احتجب عن شهود الحقِّ تعالى بقلبه في لحظة من صلاته بطلت صلاته عند القوم. فالنبي ﷺ يقول: إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم [4].

ولمـّا كان الخروج من الصفات المذمومة المانعة من دخول حضرة الله تعالى بالقلب واجبًا؛ فقد أجمع القوم على اتخاذ الشيخ الذي يساعد السالك على ذلك واجبًا؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومما لا شكَّ فيه أن علاج أمراض الباطن من حبِّ الدنيا والكِبر والعجب والرياء والحسد والحقد والغلّ والنفاق ونحوها؛ كلُّه واجب، كما تشهد له الأحاديث الواردة في تحريم هذه الأمور. ومن هنا فإن الشعراني يوجب الدخول في طريق القوم للتخلص من هذه الآفات الباطنة، ويبيّن أن طريقَهم كلَّها أخلاقٌ محمَّدية، سُداها ولحمتها منها [5].

 

المصادر والمراجع:

  •       حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، لجلال الدين السيوطي، ت محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، ط1، 1967م.
  •       شعب الإيمان، لأحمد بن الحسين بن علي الخُسْرَوْجِردي الخراساني البيهقي، ت عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، ط1، 2003م.
  •       قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة، 1991م.
  •       لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمَّدية، لعبد الوهّاب الشعراني، ت صهيب ملا محمد نوري علي، دار التقوى، ط1، 2015م.
  •       المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، ت محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ت.

___________________________________________________

[1] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي 1/ 315.

[2] العهود المحمدية للشعراني 1/ 76. وانظر قواعد الأحكام في صالح الأنام للعز بن عبد السلام 286.

[3] العهود المحمَّدية للشعراني 1/ 79. والحديث أخرجه البيهقي في الشعب 7/ 457.

[4] أخرجه من حديث أبي هريرة مسلم، في كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ 4/ 1986.

[5] العهود المحمَّدية للشعراني 1/ 83.

سلسلة العهود المحمدية| المقال الرابع| ترجمة الإمام الشعراني – 4 مؤلفاته| د. محمود المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أورد محمد محي الدين المليجي في تذكرة أولي الألباب في مناقب الشعراني سيدي عبد الوهاب أو ما يسمى بالمناقب الكبرى أكثر من مئة كتاب اطلع عليها هو، وذكر أن له ما يزيد عن ثلاثمئة، بعضها في خمسة مجلدات [1].

وكانت مؤلفات الشعراني رحمه الله متميِّزةً بتنوُّعها؛ إذ شملت كلَّ أنواع العلوم والمعارف الشريعة، إضافة إلى علوم الآلة، إضافة إلى علوم أخرى مثل الطب وغيره، كما تميَّزت بتجديدها في العلوم وبالابتكار، حتى إن المستشرق فولرز أكّد أن أربعة وعشرين منها تعدّ ابتكارًا محضًا أصيلاً لم يُسبق إليه أبدًا، ولم يعالج فكرتها أحدٌ قبله [2].

من مؤلفاته التي حاول فيها التوفيق بين المذاهب الفقهية الأربعة: كتاب كشف الغمة عن جميع الأمة، ثم خرّج الأحاديث التي استدلّ بها لمذاهبهم في الكتاب في كتاب مستقل أسماه المنهج المبين في بيان أدلة المجتهدين، وكان من أهم كتبه الفقهية التي لم يُسبق إلى فكرتها كتابُ الميزان الشعرانية، الذي يُرجِع فيه سبب اختلاف الفقهاء إلى أن الشريعة جاءت من حيث الأمر والنهي على مرتبتين: تخفيف وتشديد، والمكلَّفون لا يخرجون عن قسمين: قوي وضعيف، فالقوي خوطِب بالتشديد، والضعيف خوطب بالتخفيف. فلا يُؤمر القوي بالنزول إلى الرخصة، ولا يكلَّف الضعيف بالصعود إلى العزيمة. وقد رُفع الخلاف في جميع أدلَّة الشريعة وأقوال علمائها –في رأي الشعراني- عند كلِّ من عمل بهذا الميزان؛ لأنه لا يخرج قولٌ من أقوال الأئمة جميعهم عن مرتبتي الميزان: التخفيف والتشديد [3].

من مؤلفاته المهمَّة في الطريق والسلوك والترجمة الذاتية: لطائف المنن، وهو كتاب يتحدَّث فيه عما منّ الله به عليه من الخصال والأخلاق، لكن في حقيقته هو كتاب تربوي، يؤثر في قارئه، يبيّن الأخلاق العالية والسلوك الرفيع ودقائق القضايا التربوية. وكان يريد من إخوانه أن يتخلَّقوا بهذه الأخلاق التي منَّ الله بها عليه، وكان هذا هو الغرض من تأليف الكتاب. وهو أهم مصدر للسيرة الذاتية للإمام الشعراني.

ونأخذ مثالاً واحدًا على ما ورد من كتبه حول خلق من أخلاقه رحمه الله، يقول: “ومما أنعم الله به عليّ عدم خروجي من بيتي إلا إذا علمت من نفسي القدرة بإذن الله على هذه الثلاث خصال: تحمُّل الأذى عن الناس، وتحمُّل الأذى منهم، وجلب الراحة لهم” [4]. فتصوروا ماذا يمكن أن يحدث في العالم لو أن كلَّ إنسان تخلَّق بهذا الخلق.

ومن كتبه المهمَّة في السلوك أيضا الأنوار القدسية في بيان آداب العبودية، ويتحدث فيه عن الآداب التي على العبد التحلّي بها في حياته، وعن الآداب الخاصة بطلبة العلم، وعن آداب المريدين والشيوخ.

ومن مؤلفاته ذات الصلة بالسلوك والتصوف ما نقله من كلام شيخه المرصفي في رسالة سماها “الأنوار القدسية“. كذلك فقد كان كثير السؤال لشيخه الخواص، وكانت ثمرة مذاكراته مع شيخه كتابين: الأول: درر الغواص في فتاوى سيدي علي الخواص، ويتضمَّن الفتاوى التي كان الشعراني يسألها عنه طول صحبته له، والشعراني عالم كبير فلا يسأل إلا المسائل الدقيقة الغامضة. والكتاب الثاني الذي ألَّفه الشعراني عن الخواص هو الجواهر والدرر جمع فيه ما تلقّاه من شيخه الخواص واستفاده منه حال صحبته له.

ومما ألَّفه في سير علماء الصوفية الأجلاء وتراجمهم وآثارهم كتاب لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية، أو لواقح الأنوار في طبقات الأخيار، المعروف بالطبقات الكبرى، وقد نظَّر في مقدمة الكتاب للتصوُّف وأصّل له، ومن ذلك قوله: “ثم اعلم يا أخي رحمك الله أن علم التصوف، عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وأدب وأسرار، وحقائق تعجز الألسن عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام، حين عملوا بما عملوه من أحكامهم، فالتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة، إذا خلا عمله من العلل وحظوظ النفس” [5].

وكذلك ألَّف في تراجم القوم: كتاب إرشاد الطالبين إلى التخلق بأخلاق العاملين، وكتاب وصايا العارفين، وكتاب الكوكب الشاهق في الفرق بين المريد الصادق وغير الصادق، وغير ذلك.

ومن كتبه كتاب اختصر فيه كتاب الفتوحات المكية سمّاه “لواقح الأنوار القدسية” الذي اختصره في كتاب “الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر”. يقول الشعراني: “طالعت من كتب القوم ما لا أحصيه وما وجدت كتابا أجمعَ لكلام أهل الطريق من كتاب الفتوحات، لاسيما ما تكلَّم فيه من أسرار الشريعة وبيان منازع المجتهدين التي استنبطوا منها أقوالهم” [6].

وقد أفرد الشعراني كتابًا للدفاع عن الشيخ محي الدين هو “تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء“، وكتابًا آخر سماه “القول المبين في الردِّ عن الشيخ محي الدين”.

ومن مؤلفاته تنبيه المغترين الذي بيّن فيه أخلاق التصوف الحقيقية الملازمة للشريعة، وكيف أن كثيرًا من متصوفة النصف الثاني من القرن العاشر خرجوا عن ذلك المسار، وأنه أدرك مئة من متصوِّفة النصف الأول من القرن كانوا غاية في الزهد والورع والصفاء، وكانت تلامذتهم كذلك.

ولعلّ من أهم مؤلفاته في السلوك الكتابُ العظيم الذي جعل فيه مصدرَ السلوك سنَّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب “لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية“. وهذا الكتاب هو شرح لأحاديث الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. وهو موضوع هذه الدروس.

ومن اللافت أن نرى الشعراني في هذا الكتاب لا يترك شيئاً طلبه الشارع من المكلفين صغيرًا ولا كبيرًا إلا ذكره، سواء كان الطلب على جهة الوجوب أو الندب، وسواء كان مما يتصل بعلاقة الإنسان بربه أو بنفسه أو بمجتمعه، وكذلك الأمر بالنسبة للمنهيات في القسم الثاني من الكتاب، وذلك لكون الشعراني يعتبر الأحكام والآداب الشرعية هي الأساس في سلوك طريق التصوف، وهي التي تبلغ بالنفس إلى مرتبة التطهير والتزكية.

وللشعراني كتاب يشبه هذا الكتاب من حيث المبنى والغرض التأليفي، وهو كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود، ويختلف عنه بأن العهود التي فيه هي مما أخذه شيوخُه عليه في أوائل القرن العاشر، لكنه أيضا حرَّرها في إطار الكتاب والسنة.

ومن كتبه التي أفردها لتقريب تراث ابن عربي والذبِّ عنه كتاب اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وهو نوع من التأليف لم يُسبق إليه، كما شهد بذلك صاحب كشف الظنون، حاول الشعراني أن يوفِّق فيه بين أقوال المتكلمين والصوفية، معتمدًا على كلام الشيخ محي الدين في الفتوحات [7].

 

المصادر والمراجع:

  •       الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر، لعبد الوهاب الشعراني، ضبطه عبد الله محمود محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، 2012م.
  •       لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق، لعبد الوهاب الشعراني، اعتنى به أحمد عزو عناية، دار التقوى، 2004م.
  •       المناقب الكبرى، لمحمد محي الدين المليجي، مطبعة أمين عبد الرحمن، القاهرة، 1932م.

_______________________________________________

[1] المناقب الكبرى، لمحمد محي الدين المليجي 67.

[2] ذكرها الشعراني في لطائف المنن 90، وذكر إجازات علماء زمانه من المذاهب الأربعة لمؤلفاته 93 وما بعد.

[3] انظر لطائف المنن 77.

[4] لطائف المنن للشعراني 588.

[5] الطبقات الكبرى 12.

[6] الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر للشعراني 7.

[7] انظر لطائف المنن 92، 93. وفيه كلام المؤلف على كتبه.