الجزء الأول من مقال المسائل الوجودية في المنظور القرآني للدكتور عصام عيدو

الشيخ الدكتور عصام عيدو أستاذ الدراسات العربية والإسلامية والمتخصص في علوم الحديث، يقدم طرحا في المسائل الوجودية في المنظور القرآني، يشمل الكلام فيه عن التفكر والتعقل في إطار السياق القرآني، وخاصة الوارد في قصة إبراهيم عليه السلام وسؤالاته لربه التي تبعث على التأمل، وهي سؤالات تتعلق بالحياة والموت، التي هي مسألة وجودية لا يمكن للإنسان النفاذ إليها، ويشمل الحديث كذلك عن اطمئنان القلب حول قضية الوجود، وتلك أمور تدعو إلى التفكر والتعقل وعدم اتباع فكر الآباء فيما هم عليه؛ لأن الإنسان بذلك يخرج عن حدود وقيود الزمان والمكان؛ كما خرج إبراهيم عليه السلام فكان أمة قانتا لله كما وصفه الله تعالى في كتابه.

بسم اله الرحمن الرحيم

مقدمة أساسية:

لم يكن اعتناء النص القرآني بالمسائل الوجودية فقط بذكرها وسردها ومعالجتها وإنما ببيان مقدمات أساسية وجوهرية نقرأها في كل سورة وفي أماكن مختلفة أهمها التركيز على قضية التفكر والتعقل والتدبر، القضية التي جعلها القرآن الأساس في علاقته مع قارئه، وبيان أن اتباع الآباء عمى وضلال. قدم النص مسألة الآبائية على أنها عائق جوهري في تقدم الإنسان نحو فهم ذاته ومجتمعه والكون حوله وبالتالي فهم خالقه ومسائل الوجود. {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} [البقرة: ١٧٠] فعلى رغم أن الآباء سبب مادي في وجود الأبناء، إلا أن الآباء وفق النص القرآني ربما يكون عائقاً في فهم الإنسان لرسالته في هذا الكون. وعليه فإن كل إنسان مطالب بفهم مسائل الوجود انطلاقاً من قراءته الذاتية وليس من اتباعه الأعمى لآبائه وأجداده. في سياق الآبائية نجد نقاشات مهمة ومثيرة في النص القرآني تتعلق بسيرة النبي إبراهيم مع أبيه وقومه وتفكره في المسائل الوجودية الكبرى التي تتعلق بالأفول والحياة والموت وغيرها.

النبي إبراهيم والمسائل الوجودية في النص القرآني:

قدم النص القرآني النبي إبراهيم عليه السلام كشخصية رمزية من خلال الحديث عنه أنه خليل الله وأنه أمّة وأمر الناس باتباع ملته الحنيفية الخالية من الشرك. وفي تقديمه هذا استعرض النص القرآني مسائل وجودية بالغة في الأهمية، ولم يقدمها النص القرآني بشكل مفصل وواضح ومرتب وإنما قدمها في سياقات مختلفة وباعثة على التأمل. المسألة الوجودية الأولى هي مسألة الحياة والموت، المسألة التي شغلت عقل النبي إبراهيم عليه السلام والتي دفعته إلى سؤال ربه بشكل واضح وصريح: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: ۲٦٠]، ولكن النص القرآني كعادته في سرد بعض النصوص المشفوعة بحرف “إذ” يسردها بعد ذكر نهاية القصة ومؤداها. فنهاية القصة ذكرت قبل هذه الآية بآيتين عندما قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت} [البقرة: ۲٥٨]. إن اختيار إبراهيم لهذه الحجة كحجة أساسية أمر في غاية الأهمية وهو ينطوي على مسألة وجودية كبرى في النص القرآني، وهو في الوقت نفسه يفسر لنا بشكل واضح سعي إبراهيم لمعرفة كيفية إحياء الموتى عندما سأل ربه: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} إن قضية اطمئنان القلب التي أشار إليها إبراهيم حيال هذه المسألة الوجودية كانت نابعة من الشك، وهي مسألة ساورت قلب إبراهيم وأراد لها الحسم، وأراد لها فيما بعد الفصل بين الغيب والشهادة، بين طاقة الإنسان وقدرة الله، وبين قدرة البشرية وقدرة المعبود، بين قدرة المخلوق وقدرة الخالق. وقد برهن الله له دون أن نعرف حقيقة تحصّل اليقين عند إبراهيم بعد تنفيذ ما أمره الله عندما قال له: {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم} يبدو في هذه الآية أن إبراهيم أدرك قدرة الله في إعادة أجزاء هذه الطيور إلى بعضها ومن ثم إعادة الروح إليها. ولكن من المؤكد أنه لم تتحصل لديه القدرة بنفسه على إحياء الموتى. حيال هذه المسألة الوجودية التي لا تزال غامضة في السياق الإبراهيمي ولكن التي تناولها القرآن بوضوح في سياقات أخرى كما سيأتي لاحقاً. نجد أن إبراهيم تجاوز هذه الحجة الأساسية الأولى في جداله إلى المسألة الوجودية الثانية وهي الحجة الثانية المُفحِمة والتي يبدو أنها شغلت فكر النبي إبراهيم عليه السلام وعقله كما نقرأ في سورة الأنعام عندما جادل قومه وأباه في الأصنام والكواكب التي يعبدون: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} [الأنعام: ٧٤] هذه الأصنام التي أثبت النبي إبراهيم لقومه بطلانها عبر حجة أساسية تتعلق بمسألة وجودية كبرى هي مسألة الحدوث والعدم والقدم والتغيرات والتسلسل والخلق والأفول. ومفتاحها لخصه القرآن في آيتين: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: ٧٥]، وآية {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: ٨۳] إذن هي الحجة الوحيدة والأساسية المُسكِتة التي سيستخدمها النبي إبراهيم عليه السلام مع قومه والتي تبدأ في النظر في ملكوت الله (الغيب) وليس عبر اتباع الآباء، والتي ستكون محور الجدالات الكلامية فيما بعد في كل السياقات الفلسفية والدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية والتي ستبنى عليها الكثير من المسائل الكلامية المتعلقة بقضايا قدم العالم وحدوثه وبدايته ونشأته وتغيرات الكواكب بل وأكثر من ذلك ستكون الأساس الكلامي للمحنة الكبرى في تاريخ الإسلام وهي محنة خلق القرآن.

عبر هذا التسلسل المنطقي  في سورة الأنعام {فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكون من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين} [الأنعام: ٧٩]، هذا التسلسل التدريجي من الكوكب إلى القمر فالشمس مثير للانتباه في قضية علاقة الإنسان بسطوع الحق وبيانه، فالشمس في بيانها ليست كالقمر، والأمر كذلك للقمر بالنسبة للكواكب. ولكنها كلها في أضوائها في نهاية الأمر آفلة وزائلة. وهذا الأفول هو محور الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه وهي محور الحجة الكبرى التي تتعلق بالمسألة الوجودية الدينية التي تدور حول الحياة والموت والغيب والشهادة والملك والملكوت، والدنيا والآخرة. لهذا، فإن توجيه الوجه الذي هو زائل وآفل كالأفلاك نحو فاطر السموات والأرض يجعله أبدياً سرمدياً. إن هذه الحجة التي علمها الله إبراهيم عليه السلام أرست نقاشاً كلامياً عميقاً في كل الديانات التوحيدية، وبشكل خاص في الدين الإسلامي وانبنى على هذه الحجة مدارس كلامية وأدبيات مطولة.

بالرجوع إلى سورة البقرة نجد أن هذه الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه كانت الحجة الثانية التي اعتمد عليها إبراهيم في إسكات خصمه عندما قال: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب}. إن قدرة إبراهيم على التفكر في ملكوت الله وفهم حركة الكواكب وجريانه خوّلته استخدام هذه الحجة التي تبدو لأول وهلة بسيطة إذا راعينا مسألة الأفول. ولكن إذا راعينا مسألة الجهات ومسألة شروق الشمس وغروبها، فإنَّ الحجة تبدو مركبة معقدة. ولذلك كان الجواب: {فبُهِت الذي كفر}.

لم يقدم النص القرآني المسائل الوجودية كنص سردي وصفي، وإنما قدمها بوصفها مسائل إيمانية، ولا تكمن قيمتها إلا بالقيمة الكبرى الإيمانية التي تكمن وراءها. لا معنى لفهم الإنسان لقضية الحياة والموت إن لم يكن هذا الفهم سبباً في أن يمتد جسده المادي إلى عالم أوسع من عالمه المادي الذي يعيش فيه، وبالتالي تتحول شهادته إلى غيب، ويتحول عالم الملك إلى عالم الملكوت. في هذا التحول لا ينتقل الإنسان بفكره من أسر الصورة إلى فضاء التجريد فقط ولكن يكتسب بذلك السعادة التي لا تقتصر على حدود عالمه المادي. هذه التحول كثفه النص القرآني في هذا الوصف: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} هنا يخرج الوجه الذي وضع في أصله الطيني ليكون مكاناً للجهات الستة فيسبح في عالم الملكوت حيث لا جهات ولا زمان ولا مكان. إن فهم هذه الرمزية مهم في فهم الشخصية الإبراهيمية وفهم كل الصفات التي أوردها الله في شأنه مثل: {إن إبراهيم أمة} [النحل: ١۲٠] ففي حجة إبراهيم الخارجة عن قيود الزمان والمكان والنابعة من توجه الوجه إلى فاطر السموات والأرض يصبح الشخص أمة حقيقية. وهو ما حصل حقيقة في شأن إبراهيم ولذلك أمر الله الناس باتباع ملته {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} [البقرة: ١۳٥]، {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: ١۳٠].

الحياة والموت:

            من المسائل الوجودية التي عني بها النص القرآني بشكل جلي مسألة الحياة والموت، فقد تكرر في النص القرآني ذكر الحياة الأولى والثانية والموتة الأولى والموتة الثانية كما في الآية التالية: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: ۲٨] وهي آية تعبر عن دوران الإنسان في فلك متجدد من الموت والحياة، وهي فكرة تؤكد المسألة الوجودية التي تمت الإشارة إليها سابقاً عند الحديث عن إبراهيم وهي فكرة الأفول وفكرة الوجود الغيري أو الوجود الإنساني الذي يفتقد إلى وجودٍ حقيقي ذاتي يمده. هذا الحدوث والتجدد الذي يراه ويلمسه الإنسان بشكل دائم والذي يقرأه في النص القرآني يدعوه للتفكر والتدبر الدائم في وجوده ومحدودية عالمه المادي ومحدودية الزمن الذي يعيشه. وفوق ذلك فإن الله في سورة “الحج” تحدى الناس جميعاً عبر امتحان وجودي قاسٍ يقول فيه: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذي تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: ٧۳] في هذه الآية التي تقول بشكل غير مباشر إن الإنسان غير قادر فعلياً على خلق شيء يشبه ذاته. بمعنى آخر، هذه الآية توجه تحدياً وإعلاناً للإنسان فحواه: أنت حرٌ من عبودية الله في حال قدرتك على خلق ذاتك. والتصوير بالذباب كان لأجل المبالغة، والقضية الأساسية أن الله تعالى يصرح في القرآن أن مسألة الحياة والموت مسألة وجودية لا يمكن للإنسان النفاذ إليها ولا يمكن له التحكم فيها ولا يمكن له أن يغير مسارها، وأن تغيير مسار الحياة والموت هو تغيير في القدرة الإلهية، وأن هذا التغيير هو بمثابة الحرية من هذه المنظومة الكونية التي خطها الله عبر هذه المسألة الوجودية التي لخصها الله في هذه الآية {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون} [المؤمنون: ٨٠] {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها  وكذلك تُخرجون} [الروم: ١٩] {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} [الروم: ٤٠] {إن الله لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} [الروم: ٥٠] وهو الذي صرح به النبي إبراهيم عليه السلام: {والذي يميتني ثم يحيين} [الشعراء: ٨٠]. إن مسألة الحياة والموت هي جوهر الوجود الإنساني على هذه الأرض هي الكينونة التي عبر الله عنها من خلال هذا التركيب {كن فيكون} [يس: ٨۲] حيث قال في كتابه: {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.

الجزء الثاني من مقال “محمد في القرآن : التأسيس الكلامي لصيغة الشهادة” للدكتور عصام عيدو

يسلط الدكتور عصام عيدو الضوء على علاقة الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام برسالته والقرآن – كلمة الله – من خلال دراسة صيغة الشهادة، والإشارة إليه إما بالاسم وإما بالضمائر وإما بصيغة الأمر، مما يفتح باب النقاش حول المعني من الخطاب القرآني في مختلف الآيات وإذا ما كان المراد مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام بعينه، أم البشرية كلها؛ ومن خلال تطرقه لمفاهيم لغوية وبلاغية وتفسيرية وكلامية، يقدم لنا في هذا البحث مدخلا مختصراً في التأسيس الكلامي لصيغة الشهادة.

بسم الله الرحمن الرحيم

تحليل اسم النبي “محمد” في النصوص القرآنية:

تضمنت هذه السور المدنية التي ورد فيها ذكر النبي محمد عدة دلالات أسست لفهم المسلمين لعلاقة القرآن بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، أو صورة النبي محمد في القرآن. ففي سورة آل عمران التي اشتملت على ذكر بيت آل عمران وقصة مريم وعيسى عليهما السلام كما اشتملت على مجموعة من النصوص المتعلقة بأهل الكتاب وبرسلهم يأتي ذكر النبي محمد عليه الصلاة والسلام في السياق نفسه ليؤكد العبرة ذاتها من سرد تلك القصص الكتابية في القرآن، وهي أن محمداً لم يكن إلا رسولاً، وما رسالته وطبيعتها وطبيعته وحياته ومماته إلا كطبيعة وحياة وممات بقية الرسل الآخرين الذين جاء ذكرهم في هذه السورة القرآنية. وفي هذا تأكيد آخر على المبدأ التنزيهي الافتتاحي في أم الكتاب “الفاتحة” المُحْكَمة – التي أتتْ كل أسمائها بأداة التعريف – الذي ينص على أن الحمد منطلقه الإبهام يشترك فيه الكل ومآله رب العالمين، وما محمَّد إلا رسول كغيره من الرسل استووا مع البشر في البشرية وامتازوا عنهم في وظيفة البلاغ، وهم أمام الله ضمير “نحن” في “نعبد” أمام “أنت” في “إياك”.

في سورة الأحزاب، وبنفس الصيغة الحصرية، تُسرَد الجملة الاسمية “وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين”، ولكن يفترق مدلول الصيغة هنا عن مدلولها في آل عمران ليصب في نهاية الأمر في نقاش كلامي حول قضية طال الجدل حولها وهي قضية ختم النبوة القضية التي حسمها إجماع أهل السنة والجماعة بناء على نصوص القرآن والسنة الواضحة والتي خالف فيها مجموعة من الفرق الهامشية التي ارتأت مجموعة من التأويلات لهذا النص بالذات ولغيره من النصوص النبوية التي جاءت صيغها بشكل مجمل وغير صريح. في هذه الآية التي اشتملت على عدد من الكلمات المفتاحية ككلمة “الأب” و”الرسول” و”الخاتم” و”النبي” “الرجال” دار جدل كلامي حول مدلول هذه الكلمات بغية فهم صورة النبي محمد في القرآن. فالآية هنا وبشكل بسيط تصوره على أنه ليس أباً لأحد. ولكنه رسول وخاتم النبيين. فما علاقة نفي الأبوة بإثبات الرسالة وختم النبوة. وما علاقة إثبات الرسالة بختم النبوة. وهل تقديم الرسالة على النبوة من باب تقديم العام على الخاص. أياً يكن فإن هذه الآية شغلت المفسرين قديماً وحديثاً ودخلت في بنية الجدل الكلامي الإسلامي فيما يعرف بباب النبوات. واستقرت صورة النبي محمد عليه الصلاة والسلام وفق الرؤية السائدة على أنه رجل اصطفاه الله من بني قريش، وظيفته تبليغ رسالة رب العالمين، وبه ختم الله النبوة فكان آخر الأنبياء وأحد أولي العزم من الرسل. وأنه يولد ويموت كما يولد ويموت جميع البشر. إلا أن الله خصه بخصائص تميز بها عن غيره من البشر وكذلك عن الأنبياء منها المقام المحمود يوم القيامة.

في الآية الثالثة التي اشتملت على ذكر النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يمكن الإشارة إلى أمرين اثنين، الأول هو أن هذه الآية وردت كآية ثانية ضمن سورة “محمد”. والآية الأولى هي “الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم”. ثم ثنيت بهذه الآية “والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم”. في هذه الآية نجد أن ذكر الإيمان بما نزل على النبي محمد عليه الصلاة والسلام مقرونٌ بالإيمان والعمل الصالح. وهذا أمر يعكس ترتيب نزول هذه السورة فهي سورة مدنية متأخرة في النزول. أياً يكن، فإن ذكر الإيمان بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام ملفت للنظر في هذه الآية إذا ما قورن بكل السياقات التي ورد فيها ذكر الإيمان بالله والعمل الصالح في القرآن الكريم سواء في الفترة المكية أو الفترة المدنية. وبالتالي فإن هذه الآية تؤسس الشطر الثاني لكلمة الشهادة “أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله” وبذلك تدخل هذه الآية في بنية النطاق الكلامي الإسلامي.

في الآية الرابعة التي وردت في سورة الفتح – والتي لا تتناغم دلالياً فحسب مع اسم السورة الافتتاحية الأولى “الفاتحة” بل تتسق مع موضوعاتها المتعلقة بالضلال والهدى والصراط – نجد أن ذكر النبي محمد عليه الصلاة والسلام جاء في صيغة الجملة الاسمية التقريرية “محمد رسول الله” وهي كأنها تقرير للفظة الشهادة السابقة “أشهد أن محمداً رسول الله” وتقرير لما جاء في سورة الأحزاب “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله” وكذلك تقرير لما جاء في آل عمران “وما محمد إلا رسول” ففي كل هذه الآيات هناك قاسم مشترك على فكرة الرسالة. أو تقديم النبي محمد عليه الصلاة والسلام على أنه رسول. هذا القاسم المشترك الذي أكد عليه القرآن يرسم صورة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام على أنه حامل لهذه الكلمة الإلهية، أي رسول، أي أنه حامل الرسالة، فوظيفته بلاغية. وهي من هذه الجهة لم تكن من بُنى مباحث الإلهيات في علم الكلام المباحث التي تناولت ذات الله وصفاته وأفعاله وقضيتي الربوبية والألوهية. في هذه المباحث لا نجد أي ذكر للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما نجد في مباحث النبوات – وهو المبحث الثاني الكلامي – نقاشات حول بشرية الأنبياء ووحدة مصدر شريعتهم، وقضية ختم النبوة القضية الكبرى التي أشار إليها القرآن المدني في سورة الأحزاب.

تحليل الحضور الاسمي للنبي محمد في القرآن:

هذا الحضور الاسمي للنبي محمد عليه الصلاة والسلام لا يلغي حضوراً كبيراً له من خلال الخطاب الإلهي العام في القرآن الذي أشير إليه آنفاً. الخطاب الذي دار الجدل حوله، هل يفسر أو يترجم على أنه موجه إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام بالدرجة الأولى أو أنه خطاب موجه للبشرية وذلك كالخطاب في قوله تعالى “يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً” فمن المعلوم أن هذه الآية وردت بعدما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام الوحي (جبريل) وأمره بالقراءة “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، وأوجس خيفة منه، وطلب من زوجته خديجة أن تزمله كما هو معلوم في مشهور السيرة وصحيح الأحاديث. فهل يضع المسلم في حسبانه عندما يقرأ هذه الآية في صلاته أو في تلاوته التعبدية للقرآن أن الخطاب موجه للنبي محمد عليه الصلاة والسلام في لحظة تاريخية معينة متعلقة بقصة معينة أم أنه يقرأها كخطاب عام موجه إليه؟ تكاد تذهب الكتب التفسيرية التقليدية جميعها إلى القول الأول في مثل هذه الحالة وغيرها من الحالات التي وردت في خصوصها نصوص السيرة والأحاديث المشهورة الصحيحة وأن المراد في مثل هذا الخطاب هو النبي محمد عليه الصلاة والسلام. لكن هذا الرأي السائد لا يقف حائلاً أمام الذاهبين إلى القول الثاني الذين يعتقدون أن هذا الخطاب خطاب عام موجه إلى كل مسلم يقرأ كتاب ربه.

الحضور الاسمي للأنبياء في القرآن مقارنة بالنبي محمد:

لكن اللافت للنظر أن الحضور الاسمي الضئيل للنبي محمد عليه الصلاة والسلام في القرآن رافقه حضور مكثف لغيره من الأنبياء خاصة أولئك الأنبياء الذين أشارت إليهم النصوص الإسلامية بأنهم “أولو العزم من الرسل” كإبراهيم ونوح وموسى وعيسى عليهم السلام. فبإحصائية سريعة، نجد أن إبراهيم عليه السلام ورد اسمه في القرآن المكي والمدني حوالي سبعين مرة، ونوح حوالي خمس وأربعين مرة، وعيسى – الذي ورد اسمه أحياناً بلفظة عيسى وأحياناً بلفظة المسيح – ورد اسمه حوالي خمس وثلاثين مرة. الأكثر وروداً هو النبي موسى عليه السلام، فقد ورد اسمه حوالي مئة وخمس وثلاثين مرة. هذا الورود لم يكن مقتصراً على فترة واحدة من الفترات القرآنية، أعني الفترة المدنية أو المكية، فقد غطى الورود الفترتين. لكن يلاحظ بشكل عام أن أغلب السياقات التي ورد فيها ذكر هؤلاء الأنبياء في السور المكية لم تكن سياقات جدلية، أي لم تكن في سياقات الجدل مع أهل الكتاب، وإنما في سياقات سرد قصص الأنبياء السابقين، في حين أن القرآن المدني أعاد سرد تلك القصص في سياق جدل كلامي مع أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية. والمثال الأبرز لهذين السياقين يمكن دراسته في قصة النبي عيسى عليه السلام في سورة “مريم” المكية، وسورة “آل عمران” المدنية.

الغاية من الحضور الاسمي للنبي محمد وغيره من الأنبياء في النصوص القرآنية:

أياً يكن، فإن المسلم أمام هذا الحضور الاسمي المكثف لهؤلاء الأنبياء المعروفين بأولي العزم من الرسل ولغيرهم من الأنبياء الآخرين وبعد قراءة معمقة للقرآن الكريم آخِذَةٍ في الاعتبار البعد التنزيهي الذي أكدت عليه سورة الفاتحة في بدايتها وبعد التأمل في نهايات تلك القصص القرآنية التي ختمت في مجملها بعبارات كتلك التي تقول: “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” و”ما كان حديثاً يفترى” يدرك أن الأساس لتقليل الحضور الاسمي للنبي عليه الصلاة والسلام وتكثيف الحضور الاسمي للأنبياء الآخرين منبعه واحد وغايته جوهرية تقوم على قضية التنزيه، القضية التي شغلت القرآن المكي بأجمعه والتي تأسست عليها الصيغة الأولى للشهادة “أشهد أن لا إله إلا الله”. لذلك نجد أن سياقات ورود الحضور الاسمي للنبي محمد عليه الصلاة والسلام ما هي إلا تركيز على الصيغة الثانية وهي قضية الوظيفة التبيلغية “محمد رسول الله”. وعلى ضوء هذا يمكن فهم النصوص القرآنية التي سُرِدت من خلالها قصص هؤلاء الأنبياء سواء هؤلاء الذين حملوا شريعة أو لم يحملوا وسواء أكانوا من أولي العزم أو من غيرهم.

الجزء الأول من مقال “محمد في القرآن : التأسيس الكلامي لصيغة الشهادة” للدكتور عصام عيدو

يسلط الدكتور عصام عيدو الضوء على علاقة الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام برسالته والقرآن – كلمة الله – من خلال دراسة صيغة الشهادة، والإشارة إليه إما بالاسم وإما بالضمائر وإما بصيغة الأمر، مما يفتح باب النقاش حول المعني من الخطاب القرآني في مختلف الآيات وإذا ما كان المراد مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام بعينه، أم البشرية كلها؛ ومن خلال تطرقه لمفاهيم لغوية وبلاغية وتفسيرية وكلامية، يقدم لنا في هذا البحث مدخلا مختصراً في التأسيس الكلامي لصيغة الشهادة.

بسم الله الرحمن الرحيم

من اللحظة الأولى التي نزل فيها الوحي على النبي محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء استقبلت البشرية من جديد خطاباً سماوياً يخاطب فيه ذاتاً مبهمة قد تكون ذات النبي محمد عليه الصلاة والسلام كما تؤكد على ذلك جملة من التفاسير والترجمات القرآنية عندما تقوم بتفسير وترجمة الآية القرآنية الشهيرة “اقرأ باسم ربك الذي خلق” فتضيف عند تفسيرها للأمر الإلهي “اقرأ”، (أي يا محمد). بينما استقبلت تفاسير وترجمات أخرى هذه الأوامر على أنها إطلاقاتٌ مجردة عن شخصية النبي عليه الصلاة والسلام أو أنها كانت في البداية له ولكن الرسالة الأساسية المقصود منها هي الإنسان.

الفاتحة والأساس التنزيهي:

هذه الثنائية التي تظهر من خلال الأوامر الإلهية والتي تتجلى من خلال الإله الآمر والعبد المأمور نبياً أو إنساناً تختفي كلياً في السورة الافتتاحية المكية التي حملت عدداً من الأسماء ذات المعاني الجوهرية وذلك كاسم “أم الكتاب” و”السبع المثاني” و”الفاتحة” و”الحمد”. في سورة الفاتحة – التي أقرتها نصوص الشريعة الإسلامية على أنها الصيغة النصية للاتصال بين الله والعبد يومياً عبر خمس صلوات يقرأها المسلم عدداً من المرات والتي وصفتها مجموعة من الأحاديث على أنها الصيغة التي من خلالها تتناصف الصلاة بين الله والعبد – نجد أن شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام تغيب كلياً من أول السورة إلى آخرها ولا تحضر إلا عبر الاشتقاق، أي اشتقاق اسمه “محمد” من كلمة “الحمد” الكلمة الأولى التي ابتدأت بها السورة. في هذه السورة التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، حمد، استعانة، والدعاء عبر جملة اسمية ففعلية تلعب الضمائر دوراً كبيراً في فهم البنية الكلامية وما تشتمل عليه من تفاصيل أهمها فهم طبيعة علاقة النبي محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن. ففي المقطع الأول الذي يشتمل على جملة اسمية ابتدأت بالحمد، وهو الاسم “المصدر” الذي اشتَّق منه اسم المفعول “مُحمَّد” والذي يفترض ضمنياً أن هناك محمِّداً سواء كان الخالق أو المخلوق. وبالابتداء بـ “الحمد لله رب العالمين” امتزج الكل (الخالق والمخلوق والنبي محمد) في فعل “الحمد” عبر تمجيد تنزيهي لا نعرف مصدره ومنطلقه، هو “الحمد” فقط. ولكن نعرف مآله ومستحقه وبمن يختص “لله رب العالمين”.

بهذه الصيغة التكرارية لم تؤسس الفاتحة مجرد صيغة شعائرية طقسية ترنيمية يتلوها المسلم، وإنما صيغة تشتمل على بنية كلامية تنزيهية تحدد بإبهاميتها تنزيهاً واضحاً. فالإبهام مراد. هذا الإبهام ينتقل فيما بعد إلى المقطع الثاني والثالث من سورة الفاتحة، المقطع الذي يحتوي على الاستعانة والدعاء عبر صيغة متجددة “نعبد” “نستعين” وعبر الدعاء بـ “اهدنا” عبر ضمائر تدور بين أنت (الله) وبين نحن دون تمييز بين النبي محمد والناس. في هذه السورة هناك تأسيس لفهم علاقة النبي محمد بالقرآن، وهو تأسيس للمفهوم التنزيهي أو التجريدي وبناء الصلة بين الإنسان والله بشكل مباشر. هنا يصبح النبي محمد عليه الصلاة والسلام حاملاً للوحي أو حاملاً للكلمة. من أجل ذلك ربما لا نجد في كتب علم الكلام الإسلامية جدلاً كلامياً حول شخص النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فهناك جدل أصولي حول قضية الاجتهاد والخطأ، ولكن القرآن أسس بوضوح علاقة النبي محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن وقدمه كحامل للكلمة الإلهية فهو في السياق الإسلامي كمريم في السياق المسيحي. مريم التي حملت الكلمة، مريم التي لم يتأسس الجدل الكلامي حولها وإنما تأسس الجدل الكلامي حول المسيح كلمة الله كما تأسس الجدل الكلامي حول كلمة الله القرآن.

صيغة “الحمد” في القرآن:

كلمة الحمد “ح، م، د” وردت في القرآن بعدة صيغ منها المصدر “الحمد” وأتت مضافة لكلمة “الله”. ووردت بصيغة “حمد” مضافة إلى “رب” “سبح بحمد ربك”. ووردت بصيغة المبالغة من اسم الفاعل “الحميد” وأتت مركبة مع عدد مع الصفات “غني حميد” “الغني الحميد” “الولي الحميد” “حميد مجيد” “العزيز الحميد” حكيم حميد”. ووردت مضافة إلى الصراط “صراط الحميد” ومركبة مع صفة “العزيز”: “صراط العزيز الحميد”.

لم تذكر كلمة الحمد في القرآن مضافة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإنما وردت مضافة فقط إلى لفظ الجلالة أو كلمة الرب. وكذلك فإن الصيغة المبالغة من اسم الفاعل “حامد” الذي يصدر منه الحمد لم يوصف بها في القرآن إلا الله سبحانه وتعالى. فهو الذي يصدر منه الحمد.

لم يأت ذكر كلمة “الحمد” في القرآن بصيغة المفعول إلا في وصف النبي محمد عليه الصلاة والسلام أو وصف مقامه مرة بذكره كما هو اسمه “محمد” ومرة بصيغة المفعول “محمود” وصفاً للمقام الذي سيبعثه ربه عليه يوم القيامة.

الصيغة الفريدة التي وردت في القرآن في هذا السياق هي صيغة “أحمد” في سورة “الصف” وهي قول الله تعالى على لسان نبيه عيسى عليه السلام: “ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد” بهذه الصيغة التفضيلية “أحمد” التي تفترض أن هناك حامد وأحمد.

أياً يكن فإن كلمة “محمد” وردت في القرآن أربع مرات:

  • {وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: ٤٠]
  • {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: ۱٤٤]
  • {وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم} [محمد: ۲]
  • {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: ۲٩]

من اللافت للانتباه أن صيغ اسم المفعول كلها وردت في الفترة المدنية ولم يرد أي منها في الفترة المكية. وإذا أردنا التركيز على الاسم “محمد” فإنه ورد في أربع سور مدنية عنونت واحدة منها باسم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهي السورة السابعة والأربعون حسب ترتيب المصحف العثماني. بالإضافة إلى هذه الأماكن الأربعة ورد ذكر النبي محمد بصيغة أحمد بسياق البشارة به من قبل النبي عيسى عليه السلام في سورة الصف “ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد” وهي أيضاً سورة مدينة.

فاعلية الإنسان: قراءة قرآنية معاصرة لبيان دور الإنسان يطرحها الدكتور عصام عيدو

الشيخ الدكتور عصام عيدو أستاذ الدراسات العربية والإسلامية والمتخصص في علوم الحديث، يقدم أطروحة مهمة في إدراك فاعلية الإنسان في الحياة وبيان مهامه التي ذكرت في القرآن الكريم، وذلك من خلال آيتي سورة النحل، الآية رقم (٧٥) والآية رقم (٧٦)، وهو يحاول أن يبين أهمية فاعلية الإنسان من خلال معرفته لقيمة العمل التي تتضح في النحل، ويبين أن هناك ربطا بين المثالين في الآيتين وبين سلوك النحل في صنع العسل وقضية التوحيد ومفهوم العبودية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

“ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء”
فاعلية الإنسان

 

أورد الله تعالى في سورة النحل – السورة المكية – مثالين متتاليين فيهما عدد من الثنائيات المتقابلة: {رَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: ٧٥ – ٧٦]. هذان المثالان وردا عقب ذكر النحل، الكلمة التي سميت السورة باسمها، وفوق ذلك فإن موضوعات هذه السورة تدور بمجملها حول رمزية النحل التي تقوم على الفاعلية وقيمة العمل والكسب والسعي والعمران. فجوهر الوحي الإلهي الملقى إلى النحل يتلخص في هذا الأمر الإلهي {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} [النحل: ٦٩]، سلوكاً يعكس دأباً وسعياً دون استنكاف ودون ملل في سبيل صنع شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس وفيه عبرة لقوم يتفكرون ليس في الشراب فحسب بل في هذا السعي الدؤوب لهذا النحل.

لا يمكن قراءة هذين المثالين اللذين وردا عقب ذكر النحل بمعزل عن هذه الصورة المتحركة واللوحة التمثيلية لسلوك النحل في صنع العسل. في هذا السياق يمكن فهم هذه الثنائيات المتقابلة التي وردت في هذين المثالين: في المثال الأول عبد مملوك، لا يقدر على شيء في مقابل من رزقناه منا رزقاً حسناً، ينفق منه سراً وجهراً. في المثال الثاني: أبكم، لا يقدر على شيء، كَلٌّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأتِ بخير في مقابل من يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.

بمراجعة سريعة لمجمل التفاسير التي فسرت هذين المثالين نجد أن قضية التوحيد كانت القضية الجوهرية في ذكر هذين المثالين، فبما أن سورة النحل سورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وكان القرآن المكي يعنى بطبيعة الحال وبشكل أساسي بقضية التوحيد والمعاد، فإنه يمكننا فهم السبب الذي دفع بالمفسرين – وبناء على بعض أسباب النزول – للذهاب إلى ربط هذين المثالين بقضية المقارنة بين الكفر والإيمان أو بين عبدة الأصنام والموحدين أو بين الصنم عديم القدرة وبين الله القادر أو بين الكافر الكسول والمؤمن الفاعل أو بين شخص معين ورد سبب النزول باسمه وشخص آخر مقابل له. أياً يكن، ومن خلال قراءة سياقية لهذين المثالين في ضوء رمزية النحل وفاعليتها ندرك وبشكل ملحوظ العلاقة القوية والجوهرية التي أراد النص القرآني أن يشير إليها هنا، وهي المقارنة بين الفاعلية الناتجة عن الخير والعطالة أو البطالة أو العدمية الناتجة عن التثاقل أو الكسل.

بتحليل هذين المثالين، نجد في المثال الأول صورة تمثيلية لعبد مقيد مسلوب الإرادة والأهلية، ليس لديه القدرة والفاعلية للعمل. في هذه الصورة التمثيلية لا يمكن بحال أن يستحضر الذهن صورة العبد الرقيق الذي يملك سيده حق رقبته. الصورة تتكلم عن عبدٍ خضعت إرادته وعقله لجهةٍ ما فأصبح مملوكاً مسلوباً لها، لا يقدر على عمل شيء إلا في نطاقها. هذه الصورة ينبغي أن تستحضر في مقابل الصورة الثانية لعبدٍ آخر لا يرى فيما يملك إلا أنه رزق من الله ساقه إليه. وهنا لا بد أن نعود قليلاً إلى الوراء لندرك قضية مركزية مهمة أكد عليها النص القرآني {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: ٧١]؛ في هذا السياق، نحن أمام عبدٍ حرٍ من نزعاته النفسانية التي تنطوي على الحرص والشهوة والطمع والغضب والحسد ولا يرى في أرزاق غيره إلا عطايا من ربه الكريم، ولذلك فإن مآل هذا الرزق لدى هذا العبد هو الإنفاق منه سراً وجهراً ليقينه التام بأن الأمر مقدر، وهنا تتحرر طاقة الإنسان وفاعليته وتنطلق من عقال الاضطرابات النفسانية المقيدة والتي تجعل الإنسان عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء. بالإضافة إلى عامل الرزق هذا لابد أن ندرك أن هناك عامل آخر أكد عليه النص القرآني، وهو نص لاحق جاء عقب هذين المثالين: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: ٧٨]؛ هنا يكتمل المشهد التصويري حيث يؤسس النص القرآني لمفهوم المساواة بين جميع الناس ذكوراً وإناثاً. فالكل خرج إلى الوجود لا يعلم شيئاً. ولكن قابلية العلم موجودة وهي متحصلة عبر السمع والأبصار والأفئدة. والإنسان باختياره إما أن يجعل هذه المنافذ (السمع والأبصار والأفئدة) مقيدة لا تقدر على شيء مملوكة، أو يجعلها فاعلة حرة منطلقة من عقالها تنفق سراً وجهراً. والكل دون استثناء له ميزة التسخير التي ذكرها الله تعالى عقب ذلك عندما قال في جملة من الآيات: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ … فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: ٧۹ – ٨٢].

في المثال الثاني، تظهر قضية الفاعلية بشكل واضح أيضاً عبر هذه الثنائيات المتقابلة “أبكم” “لا يقدر” “كَلٌّ”. صفة انعدام القدرة تكررت مرتين في المثالين، وهي جوهرية في الإشارة إلى انعدام الفاعلية والتثاقل والعدمية والكسل والانحباس. لكن في هذا المثال هناك صفتان جديدتان مثيرتان من حيث الاستخدام: الأولى: “أبكم” وهي صفة وردت في القرآن مع صفات أخرى كالعمى والصمم في سياق وصف الكافرين، ولكنها وردت هنا فريدة وحيدة دون وصف العمى والصمم ولأول مرة في القرآن وبسياق الذم لشخص لا يتكلم. ومن المعلوم أن هناك نصوص عديدة في التاريخ الإسلامي تذم الكلام وتمدح الصمت ولكن السياق هنا يذم الأبكم مقابل مدح ذلك الرجل الذي يأمر بالعدل. في هذا التقابل يمكن فهم تلك الفاعلية وتلك العدمية. الفاعلية في تغيير المجتمع، في نصرة المظلوم، في الأخذ على يد الظالم، في السعي، في الكسب، في العمران. الأبكم هنا ليست حالة سكوت فقط، البُكم هنا حالة عدمية لا تقوم بالتغيير، ترى السوء في المجتمعات وتغض البصر. هنا يمكن فهم ذلك التقابل الثاني بين “الكَلُّ على مولاه” ذلك الرجل الذي لا يمكنه أن يتكلم أو يتحرك إلا بما يأمره سيده، فمعروفه معروف سيده ومنكره منكر سيده. فهو عاطل عن رؤية الخير بنفسه، عاجز عن إدراك المعروف والمنكر ومعنى العدل دون تحديد سيده، في مقابل ذلك الرجل مَن “هو على صراط مستقيم”، فوصف الآخر بأنه على صراط هو وصف يعبر عن فاعلية هذا الآخر وعمله، وكلمة “على” تحمل هنا مضموناً مليئاً بالحركة. فهو متمكن من هذا الصراط لا أحد يملي عليه، فاعل فيه، سيد نفسه، حرٌ في إرادته وقدرته، منطلق في كسبه وعمله، آمر بالعدل، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر.

 

الجزء الثاني من مقال المسائل الوجودية في المنظور القرآني للدكتور عصام عيدو

الشيخ الدكتور عصام عيدو أستاذ الدراسات العربية والإسلامية والمتخصص في علوم الحديث، يقدم طرحا في المسائل الوجودية في المنظور القرآني، يشمل الكلام فيه عن التفكر والتعقل في إطار السياق القرآني، وخاصة الوارد في قصة إبراهيم عليه السلام وسؤالاته لربه التي تبعث على التأمل، وهي سؤالات تتعلق بالحياة والموت، التي هي مسألة وجودية لا يمكن للإنسان النفاذ إليها، ويشمل الحديث كذلك عن اطمئنان القلب حول قضية الوجود، وتلك أمور تدعو إلى التفكر والتعقل وعدم اتباع فكر الآباء فيما هم عليه؛ لأن الإنسان بذلك يخرج عن حدود وقيود الزمان والمكان؛ كما خرج إبراهيم عليه السلام فكان أمة قانتا لله كما وصفه الله تعالى في كتابه.

الغيب والشهادة والحكمة الإلهية من الخلق

بسم اله الرحمن الرحيم

 

هذه الورقة هي الجزء الثاني المكمِّل للجزء الذي نوقش فيه مسألة الأفول والحياة والموت. في هذا الجزء ستُناقش مسألتان: الغيب والشهادة، والخير والشر والحكمة الإلهية من الخلق

 

الغيب الشهادة:

ما وراء مسألة الحياة والموت هناك قضية وجودية أخرى ركز عليها النص القرآني بشكل جلي، هي مسألة الغيب والشهادة. وقد تجلى هذا الربط بين القضيتين قضية الحياة والموت وقضية الغيب من خلال هذا النص القرآني: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس ١١-١٢].

جاءت مفردة الغيب كصفة أولى في وصف المتقين في سورة البقرة: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة ٢-٤]. التصدير بوصف الإيمان بالغيب له مدلول بالغ الأهمية في فهم صفات هذا الصنف من الناس في مقابل الأصناف الأخرى الذين استعرضهم النص القرآني وهم الكافرون والمنافقون، كما أن هذا الوصف له مدلول مهم في فهم نظرية المعرفة أو ما يعرف بالابستمولوجيا الإسلامية ومداخلها ومخارجها. بخصوص المسألة الأولى وهي مسألة فهم صفات المتقين نجد أن كلتي الآيتين الثالثة والرابعة من سورة البقرة انتهتا بتقديم وتأخير “مما رزقناهم ينفقون” “وبالآخرة هم يوقنون” والمعهود حسب الترتيب المعهود أن تكون الجملة على الشكل التالي: “هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب وينفقون مما رزقناهم، ويؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويوقنون بالآخرة” وهو نظم فيه اختصار للكلام أكثر من النظم القرآني. الجواب التقليدي الذي يذهب إليه أغلب المفسرون هنا هو التأكيد على ما يعرف بـ “موافقة الفاصلة” أي الموافقة الصوتية التي تقع في آخر الكلمة في آخر كل سورة، وهذا ملاحظ في كلمات “يوقنون” “ينفقون” “مفلحون”… ولكن بقراءة دقيقة لصفة الإيمان بالغيب ولنظرية التقديم والتأخير في البلاغة العربية يمكننا إدراك مسار آخر في فهمنا لهذا التركيب القرآني المهم. فمن المعلوم أن جوهر التقديم والتأخير في البلاغة العربية يقوم على أساس فكرة تقديمِ ما حقُه الاهتمام، وفي حالتنا هذه، نجد أن ما قُدِّم كان حقه الاهتمام على ما أخِّر. فقضية الرزق قضية جوهرية في النص القرآني وفهمها من المسائل البالغة الأهمية في فهم قضية المساواة والخير والشر والعدالة والظلم والتفاضل. ولهذا فإن الإيمان بالغيب يعتمد بالدرجة الأولى على أن الاعتقاد بأن الرزق مقدم على الإنفاق وليس العكس. والأمر كذلك في موضوعة الإيمان بالآخرة؛ إذ الإيمان بالغيب يعتمد بالدرجة الأولى على أن الآخرة سابقة في الوجود على الإيمان البشري بها. إن هذا التقديم له حظ كبير في الدلالة، وليس تقديماً موسيقياً بحتاً فحسب، إنه تقديم يراعي جوهر هذه المسألة الوجودية التي تتعلق بقضية الغيب.

قدم النص القرآني تعريفاً آخر للغيب من خلال مفهوم البر -أو الخير حسب تأويل أغلب المفسرين- الذي انتقد فيه الفهم السائد الذي يقوم على أن البر يتعلق بتولي الوجوه قِبل الجهات والأمكنة. في هذا السياق لا بد أن نعود مرة أخرى إلى الشخصية الإبراهيمية ومقاومتها للصورة ومقاومتها للقيود الزمانية والمكانية الصنمية التي مشى عليها قومه، والتي انتهت به إلى الخروج عنها وإعلان براءته منها وإعلان دستوره “إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين”.

في هذا النموذج الإبراهيمي، {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: ٧٩]، وفي مفهوم الغيب الذي قدمه النص القرآني {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون…} وفي مفهوم البر التفصيلي الذي استعرضته سورة البقرة {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ…} [البقرة: ١٧٧] يتجلى بشكل واضح أن المقصد الأساسي وراء قضية الغيب والشهادة هو الخروج من قيد الصورة إلى فضاء وعالم أرحب؛ هو إيجاد امتداد لهذا العالم الذي يعيشه الجنس البشري؛ هو الخروج من قيود الصور والألوان والأصناف والأنماط والأعراق والأجناس والبدايات والنهايات والأزمات والتقلبات والتغيرات إلى فضاء تنقلب فيه كل هذه الموازين فيصبح كل هذا الوجود بكل ما فيه وسيلة بيد الإنسان مسخر له؛ وهو ما يتجلى في آية {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: ۲٩]، فيدرك الإنسان فعلياً حقيقة معنى “لكم” فتصبح الأشياء بيده لا في قلبه. وبهذا يمكن القول إن القرآن قدم تصوراً أساسياً من خلال هذه المسائل الوجودية لعدد من المفاهيم الإيمانية والأخلاقية والروحية كمفهوم الزهد والتوكل والسعادة.

بالانتقال إلى مفهوم الشهادة المفهوم الذي يقابل مفهوم الغيب نجد بدايةً أن مفردة الشهادة مشتقة من الفعل شهد الذي يفيد الرؤية والنظر خلافاً لمفهوم الغيب. ولكن بملاحظة أولية أيضاً نجد أن عالم الغيب مُطَلِّعٌ على عالم الشهادة، أي أن عالم الغيب يرى ويُبصر عالم الشهادة بينما عالم الشهادة لا يمكنه الاطلاع على عالم الغيب.

القرآن أشار بشكل واضح أن الله سبحانه وتعالى هو العليم الوحيد المطلع على عالم الغيب وأنه لا قدرة لأحد ولا يمكن لأحد معرفة ما يدور في عالم الغيب {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام:٥٩]، {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: ۲٩]، ولكن الله يجتبي رسلاً يطلعهم على بعض غيبه {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [آل عمران: ۱٧٩]، {تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا}[هود: ٤٩]، والغيب المراد هنا هو أخبار الأقوام السابقين.

في سورة البقرة التي ورد فيها وصف المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، وورد فيها تعريف البر الذي يقوم على الإيمان بالغيب، وورد فيها قصة النبي إبراهيم عليه السلام المتعلقة بتقلبات الكواكب في مجادلته للملك، نجد نصاً ذا صلة هنا يتعلق بتغير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. جوهر الجدل الذي ترتب على التغيير في القبلة هو فكرة التمسك بالجهات، الفكرة التي أراد القرآن نقدها وإعادة بناءها لدى المؤمنين، وإعادة إحياء المسار الإبراهيمي الذي يتلخص بمقولته {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}. في هذا السياق، من اللافت أن نجد أن النص القرآني استخدم في وصف وظيفة المسلمين ووصف وظيفة النبي محمد عليه الصلاة والسلام صفة “الشهيد”: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: ١٤۳].

 بهذا الترتيب الهرمي، يصبح المسلمون أمة وسطاً، (ويجب ألا ننسى هنا أن إبراهيم في هذا السياق كان أمة. الأمة هنا تعني الخروج من عباءة الصور والأمكنة والجهات) ويصبح الرسول شهيداً على الناس. في شهادة المسلمين على الناس وشهادة الرسول على المسلمين ثمة أمرٌ لا بد أن نسأل عنه هو: ما هو محور الأمر الذي سيشهد به المسلمون على الناس، والأمر كذلك بالنسبة للرسول؟ إن فهم الشهادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن فهم قضية التحول في جهة القبلة، ولا يمكن أن يفهم بمعزل عن الصورة الكبرى التي استهلها الله في الآية السابقة: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: ۱٤۲]، فبينما تبدو القبلة في عيون السفهاء جهة مُحكَمة لا تقبل التعديل، فإنها تبدو في عيون المؤمنين جهة تتغير حيث وجهُ الله وحيث صراطه المستقيم. في هذا الصراط المستقيم يتضح معنى الأمة الوسط، وهو معنى يتلخص في التوجه نحو مقصد الله في الكون نحو وجه الله في الكون، ليس إلى المشرق وليس إلى المغرب. ولأجل هذه المهمة سيكون المسلمون شهداء، وسيكون الرسول عليهم شهيداً. في هذه المهمة عودة إلى الرسالة الإبراهيمية التي لخصها في مقولته: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وهي الملة الحنيفية الخالية من الشرك التي دعا الله الناس إليها في القرآن ولأجلها حمل إبراهيم وصف “الأمة” ولأجلها أيضاً جعل الله هذه الأمة أمة الوسط، الأمة التي تنتهج نهج إبراهيم النهج الذي لا تقيده الصور والجهات والأمكنة والأصناف والأنماط والأعراق والأجناس، النهج الذي يقوم على صراط الله المستقيم، الصراط الذي يؤسس لمقولة {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ۱۱٥].

 

الخير والشر والحكمة الإلهية في الخلق:

المسألة الوجودية الأخرى التي اعتنى بها النص القرآني هي مسألة الخير والشر وبيان الحكمة الإلهية من المظالم والمفاسد والكوارث والمصائب والشرور التي حدثت وتحدث للجنس البشري. والنص القرآني في الحديث عن موضوع الظلم والعدل في القرآن واضحٌ في أن الله لا يريد الظلم لعباده، وأنه لا يُقدّر الظلم، وأن الظلم منشأه فعل العباد، وأن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن الظلم الحاصل في الأرض. وبالتالي فإن كل النتائج الكارثية التي تقع في الأرض ما هي إلا نتائج المظالم والمفاسد الكبرى التي يرتكبها الإنسان، وأن هذه الكوارث لا تستثني في شمولها أحداً: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: ۲٥]، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: ٤۱]، فالفساد هو نتيجة الكسب الناتج عن الجنس البشري.

لكن في المقابل هناك أسئلة وجودية كبرى لا يزال العقل الإنساني يفكر فيها ولا يجد لها جواباً، وهي: هل الله يريد الشر؟ هل يجب على الله فعل الأصلح؟ هل صورة الله ينبغي أن تكون – وفقاً للتصور الإنساني – صورة جميلة تنتهي بفعل الخير والأصلح للبشرية؟ ولماذا ينجح الأشرار في التاريخ؟ وما هو منطق صعود وهبوط القوى؟ هل المنطق وراء الصعود والهبوط هو الحق المجرد والخير والإيمان أم يمكن للباطل أن ينتصر؟ هذه الأسئلة خلقت جدلاً كلامياً كبيراً في كل الأديان التوحيدية ومنها الدين الإسلامي وتولد منها مدارس كلامية كبرى عرف منها المدرسة الاعتزالية التي تبنت رؤيةً تقول إنه يجب على الله فعل الأصلح، والمدرسة الأشعرية التي لا توجب على الله شيئاً والتي تقول إن الله يريد الخير والشر ويريد الإيمان والكفر ولكنه لا يرضى بالشر ويرضى بالخير. وكلا المدرستين استمدت من القرآن تأويلاتهما.

وبشكل مختصر، يمكن القول إن النص القرآني واضح في تحديد أن الإنسان مسؤول عن أفعال نفسه، وأنه غير مسؤول عن أفعال غيره، وأنه مسؤول عن الظلم الواقع في الأرض، وأنه حر في اختياره، وأنه مميز في هذا الاختيار عن الملائكة، ولهذا جعله الله خليفة وجعله نسقاً مختلفاً في الخلق عن الملائكة، وأن الله مكَّن الإنسان من جميع الأرض وسخر له ما فيها وأعطاه قابلية العلم، وأن منافذ التعلم عنده مختلفة عن منافذ تعلم الملائكة، وأن الإنسان في امتحان دنيوي يسعى فيه إبليس حرفه عن الصراط المستقيم، وأنه في هذا الامتحان إلى يوم يبعثون.

وقد ساد الرأي الكلامي الأشعري التقليدي على أنه لا يتوجب على الله فعل الأصلح وأن الله عادل ومتفضل على عباده. وبالتالي فإن الشر الموجود في الأرض مراد من قبل الله ولكنه لا يرضى به وأن هذا الشر هو من فعل الإنسان وهو نتيجة للمظالم والمفاسد التي تكسبها النفس البشرية جميعها على هذه الأرض.