الفصل السادس من الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

آداب الداعي القلبية

 

كما ذكرنا في هذا البحث الأساليب والوسائل التي يتوصل بها الداعي إلى الغاية التي ينشدها من المدعوين، فبقي أن نذكر ما هو أهم من ذلك كله، وهو الأساس وهو روح الدعوة وهي الآداب القلبية، فالأساليب والوسائل التي مر ذكرها مثل الجسد والآداب القلبية كالروح لهذا الجسد فجسم بلا روح يعتبر جيفة وإن كان في هذا الظاهر حسنا فلابد له أن يتعفن.

والمقصود في هذا الفصل ذكر هذه الآداب باختصار وإلا فهي تحتاج إلى شرح طويل: والأساس في هذه الآداب: النية الصالحة الخالصة لوجه الله الكريم، وبقية الآداب هي:
1. الإخلاص.
2. الصدق بأن يوجه ظاهره وباطنه إلى الدعوة إلى الله.
3. الانطواء في نية الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وكمل ورثته من رجال الدعوة إلى الله الصادقين.
4. استشعار فرح الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة أفراد أمته.
5. الشفقة والرحمة للمدعو.
6. المحبة في الله للمدعو.
7. الدعاء والوجه القلبي للمدعو خصوصًا الدعاء له في ظهر الغيب وفي جوف الليل.
8. عدم رؤية الأفضلية عليه فالأمور بخواتيمها.
9. أن يعتقد الداعي أن الثمرات التي تظهر من دعوته وعمله إنما هي بتوفيق الله وإرادته وببركة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، وما هو إلا مجرد سبب فلا ينسب إلى ذاته شيء، قال تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: ١٧].
10. ألا يحمل في قلبه شيئًا على من آذاه أو من شتمه بل يدعو له بالهداية.
11. ألا يصدق ما يقال من الثناء عليه ولا يركن إليه.
12. أن يقمع النفس عن محبة المنزلة في قلوب الخلق ونفوذ الكلمة فيهم وعلى أن ترى لهم حقًّا على من استمعوا إليها أو انتفعوا به بأن ينقادوا إليه أو يكونوا تحت تصرفه ورهن إشارته.
13. ألا يستنكف الداعي أن يتلقى النصح ويستمع الوعظ من غيره من الدعاة وإن كان في الظاهر أقل منه، فالداعي الصادق لا يرى أحدًا أقل منه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها هو أحق بها» [1].
14. ألا ينظر إلى ما في أيدي الناس من الدنيا، قال تعالى: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين} [الحِجْر: ٨٨].
15. عدم اليأس مهما كان المدعو.

إشادة وتوضيح
بقلم راجي عفو مولاه الغفور أبي بكر العدني بن علي المشهور:
الحمد لله الملهم من يشاء إلى ما يشاء والصلاة والسلام على نبي الدعوة المبعوث بالهدى والرحمة وحسن التصرف مع المسلمين بالتي هي أحسن وأساس الإحسان الحكمة وعلى آله الكرام وصحابته الأعلام وعلى من اهتدى بهديهم وسار في نهجهم إلى يوم القيامة، وبعد:
فقد اطلعت بروية وتمعن لرسالة الولد المبارك محمد عبد الرحمن السقاف حول أسلوب الدعوة إلى الله فوجدتها تفي بغرضها التعليمي الدعوي وتسهم في إيضاح أسلوب العمل الدعوي بين الشباب ومتى ما قررت لطلاب العلم المهتمين بالدعوة بين الشباب ومتى ما قررت لطلاب العلم المهتمين بالدعوة إلى الله سيكون مردودها جيِّدًا وخاصة أنها فريدة في نوعها في هذا الفن التعليمي.

فكثير من شباب الدعوة يبنون حديثهم ونشاطهم في الدعوة على التجربة والمشاهدة والحق أن الدعوة فن وأسلوب وفقه خاص، ومتى ما استوعبها الداعي صار قوله وفعله أكثر أثرًا على السامع وألزم للإقناع والاستجذاب.

وبما أن الدعوة في عصرنا تعاني أزمة الازدواجية والعشوائية وتقمص الأدعياء فالرسالة بلا شك ستضع لبنة الترتيب الأولى للداعي الشاب بحيث يعرف كيف ينوي وكيف يبدأ العمل ومتى يتكلم ومتى يصمت وإني إذ أشكر هذا الولد على تفانيه في خدمة الدعوة أشكره أيضًا على كتابة هذه الرسالة النافعة. وأسأل الله أن ينفع بها ظاهرًا وباطنًا.

 

[1] رواه الترمذي 2611.

الفصل الخامس من الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مراحل الدعوة الفردية ووسائلها وأساليبها

 

للدعوة الفردية مراحل لابد للداعي أن يراعي التدرج فيها مع المدعو، فإنه إن لم يراع هذا التدرج قد يرجع بنتيجة عكسية، وهذه المراحل هي المقصودة من هذا المبحث عن الدعوة الفردية.
ودلت كثير من الآيات والأحاديث والسيرة النبوية على التدرج، مثال ذلك قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: ١٢٥] فهذه مراحل:
أولا: الدعوة بالحكمة وتأليف المدعو بأساليب الحكمة المختلفة.
ثانيًا: بالموعظة الحسنة وهي مرحلة التعريف.
ثالثًا: الجدل بالتي هي أحسن لتصحيح الميول والأفكار الخاطئة، والمراحل المقصودة في هذا المبحث هي:
المرحلة الأولى: التأليف.
المرحلة الثانية: التعريف.
المرحلة الثالثة: التكليف.
فلابد للداعي أن يسير وفق هذه المراحل، لأن بالتأليف تنشأ المحبة، ومن أحب شيئا سهل عليه الاقتناع به ومعرفته عن قرب، ومن عرف شيئا واقتنع به سهل عليه البذل في سبيله، كما قيل: “من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل”. أو: “من يعرف المطلوب يحقر ما بذل”.
وكذلك يجب على الداعي أن يراعي في هذه المراحل شخصية المدعو، فقد تختلق بعض الأساليب من شخص إلى آخر.
وأذكر لكل مرحلة من هذه المراحل أصلًا لابد أن يتحقق به الداعي لكي يتعامل من منطلقه مع المدعو، ومفتاحًا للدخول على المدعو، وأساسا تبني عليه المرحلة.

المرحلة الأولى: التأليف:
وهي مرحلة التعارف التي تبنى عليها بقية المراحل، والأصل في هذه المرحلة بالنسبة للداعي: شعوره باحتياجه للمحبة في الله وبث هذه الروح في الآخرين، ومفتاح هذه المرحلة بالنسبة للمدعو والدخول عليه وبداية العلاقة: هو المقابلة الطيبة بالوجه الطلق والابتسام.

وسائل هذه المرحلة:
1. طلاقة الوجه والبشاشة والابتسام.
2. التعرف على الاسم وحفظه ومخاطبته به بعد ذلك عند اللقاء.
3. التقدير والاحترام للمدعو.
4. حسن الخطاب وحسن الاستماع وإن كان الموضوع غير مهم.
5. اختيار الموضوع المناسب.
6. عدم مفاتحته بالمسائل الدينية من البداية.
7. محاولة معرفة شخصية المدعو بدون إشعاره بذلك، إما بالسؤال عنه من يعرفه، أو بتناول الحديث معه.
8. ملاحظة الشيء الحسن في المدعو وامتداحه فيه دون مبالغة، كما قال صلى الله عليه وسلم للأشج لما قدم عليه: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» [1].
9. لابد من إبقاء خيط صلة يربطه به قبل الافتراق، مثل رقم الهاتف.
10. الزيارات.
11. الهدية، خصوصًا إذا كان لها مغزى طيب «تهادوا تحابوا» [2]. ((هدية المؤمن سواك)).
12. البدء بالسلام والمصافحة، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ثلاثة يُثبتنَ لك الود في قلب أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتدعوه بأحب الأسماء إليه، وتوسع له في المجلس».
13. التبشير والتيسير، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «يَسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفروا» [3].
والأساس في هذه المرحلة:
النظر بعين الرحمة الشفقة للمدعو … وعدم الشعور بالأفضلية عليه.

المرحلة الثانية: التعريف:
وهي مرحلة مهمة وحساسة تحتاج إلى دقة في الأسلوب وعدم استعجال لحسن تلقي المدعو.
والأصل في هذه المرحلة الشعور بالمسئولية تجاه أفراد الأمة وإرادته الخير للجميع وهذا يصبر الداعي على مشقة هذه المرحلة.
ومفتاح هذه المرحلة: معرفة ما تتوق إليه نفس المدعو وما هو متعطش له، سواء أكان ميوله للروحانية أو العقلانية أو العلمية أو غيرها من التوجهات فيدخل عليه منها ليوصل إليه الشيء الذي يريده.

وهذه المرحلة تنقسم إلى قسمين:
1. تصحيح الميول والمفاهيم الخاطئة.
2. تعليمه ما لا يعلم أو تذكيره بما يعلم.

وسائل هذه المرحلة:
1. اختيار الوقت المناسب والتأكد أن المتلقي صار متقبلًا للتلقي.
2. اختيار المكان المناسب.
3. اختيار الحال المناسب.
4. استخدام الأساليب غير المباشرة في التعريف ويظهر ذلك كثيرًا في سيرة الداعي الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم:
* محاولة إثارة ما في باطن المدعو من معلومات.
* استدراج المدعو للسؤال عن موضوع معين.
* توجيه سؤال واستفسار مصطنع.
5. تهيئة المستمع للإنصات بأي وسيلة من وسائل شد الانتباه:
* ذكر حدث غريب.
* وقائع الأحوال.
* قصة مؤثرة.
* أسلوب الكلام.
* اطلاعه على صور مؤثرة.
6. عدم الإكثار والإطالة في التعريف بل يكون متدرجًا.
7. إهداء الكتاب والشريط في موضوع تريد أن توصله إليه أو معلومة خاطئة عنده تريد أن تصححها.
8. دعوته لحضور مجالس العلم والذكر التي تناسبه.
9. تعريفه بالعلماء وطلبة العلم.
10. عدم إشعاره بمحاولتك جذبه للانتماء لمنهج معين.
11. ذكر فضيلة العلم شرفه، وتوسيع معنى طلب العلم مع بيان الفارق بين حقيقة العلم وصورته.
والأساس في هذه المرحلة: ((خاطبوا الناس على قدر عقولهم)) وقول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ((حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) [4].

المرحلة الثالثة: التكليف:
وهي الغاية التي يريد أن يصل إليها الداعي من المدعوين وهو أن يخرج رجالًا دعاة إلى الله، يخدمون هذه الأمة بوصف الإخلاص والصدق والتآخي في الله والتآزر لنصرة دين الله، والأصل في هذه المرحلة: إقناع الداعي وشعوره بحاجة الأمة إلى أكبر عدد من الدعاة المصلحين وأن جميعهم مؤهلون لذلك، وهذه المرحلة تنقسم إلى قسمين:
1. تحميل المدعو هم الدعوة إلى الله.
2. تنمية قدراته للعمل في سلك الدعوة إلى الله وتوجيه الفكر والطاقة لخدمة الدين.
أولا: تحميل المدعو هم الدعوة إلى الله وحثه عليها، ومفتاح هذه القسم غرس عظمة الدين في قلبه، وإشعاره بالمسئولية الملقاة على عاتقه، وقد قدمنا مسئولية كل شخص وكيف ترفع الأوهام التي عند المدعو، والتي قد تمنعه عن الدعوة إلى الله.

وسائل هذه القسم:
1. ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الحث على الدعوة إلى الله وقد ذكرنا بعضهم في المقدمة والفصل الأول.
2. ذكر حال الأمة وما هم فيه من تخلف، وتكالب للأمم عليهم، خصوصًا المجتمع الذي يعيش فيه.
3. ذكر أحوال الدعاة والجهاد الذي هم فيه، وما نالوه من جهادهم، خصوصًا من عرفه المدعو أو يمت له بصلة.
4. التذكير بعظمة الدعوة وأنها مهمة الأنبياء والمرسلين وأن مدار صلاح الأمة عليه وأساس بلاياها وتسلط الأعداء عليها تركها.

ثانيًا: تنمية قدراته للعمل في سلك الدعوة بتوجيه الطاقة والفكر:
أما الفكر فيعمله في معرفة الأساليب المناسبة لإنقاذ الناس، أما الطاقة لتوجيهها في سبيل الخدمة للدعوة إلى الله.

ومفتاح هذا القسم: بعث الثقة في قلبه بالقدرة على نفع الأمة.

وسائل هذا القسم:
1. حقه على الاجتهاد على غيره.
2. حثه على التفكير ولو يوميًّا في شيء يخدم الأمة.
3. التعاون معه على تنفيذ الأفكار التي يأتي بها.
4. تعويده على زيارة غيره ولو تكون أولًا بصحبة الداعي.
5. حثه على التذكير والوعظ في المجالس الخاصة، ولو أن يذكر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
6. تعريفه بأن الدعوة لا تنحصر بمجرد إلقاء الخطب والمواعظ.
والأساس في هذه المرحلة: مراعاة قدرات الناس قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ٢٨٦].

 

[1] رواه مسلم كتاب الإيمان 24.
[2] موطأ مالك 1413، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة وابن عساكر: «وتصافحوا يذهب الغل عن قلوبكم». ورمز السيوطي في الجامع لحسنه، وأورد أحاديث بمعناه بعضها حسن. اهـ الجامع الصغير (1/202) وروى الطبراني: «الهدية تذهب بالسمع والقلب».
[3] رواه البخاري.
[4] رواه البخاري برقم 124.

الفصل الرابع من الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

معنى الدعوة الفردية ومشروعيتها وخصائصها

 

تعريف الدعوة:
إعمال الفكر في إنقاذ الناس من البعد والغفلة عن الله، إلى القرب والذكر، بمختلف الوسائل والأساليب، والعمل بذلك مع الإخلاص لله وقصد وجهه الكريم [1].

الدعوة الفردية:
عموما: هي توجيه الخطاب لشخص أو أشخاص قليلين على انفراد.
خصوصًا: هي إعمال الفكر لإنقاذ شخص معين من البعد والغفلة عن الله … إلى القرب والذكر بمختلف الوسائل والأساليب.
والناس فيها على صنفين:
1. منهم من يدعو إلى الخير وينصح بلسانه كل من يراه، وإذا رأى منكرا أنكره حسب استطاعته، ولكنه لا يبقى على صلة بالمدعو.
2. منهم من يدعو بعض الأشخاص إلى الخير، ويتعرف بهم ويؤلفهم ويؤاخيهم ويتابعهم، بغرض أن يكونوا بعد ذلك أعوانًا في الدعوة إلى الله ضمن منهج متكامل سليم قويم، يتسع لجميع الخلق فيجمعهم على فكرة واحدة وتوجه واحد.

مشروعية الدعوة الفردية:
جاءت مشروعيتها لعموم الأمر من الله ورسوله لجميع المؤمنين أن يقوموا بواجبهم من التبليغ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النِّعم» [2]. وفي رواية: «خير لك من الدنيا وما فيها». ولكونها مأخوذة من عمل الداعي الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم الذي أمرنا بالاقتداء به، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: ٢١].

خصائص الدعوة الفردية وفوائدها [3]:
1. مخاطبة المدعو عن قرب وانفراد، مما يتيح للداعي الفرصة للحديث عن كثير من المواضيع التي يصعب مخاطبة الملأ بها.
2. دوامها واستمرارها، وإمكانية التكرار في العمل والمدرسة والشارع.
3. سهلة وميسرة على جميع الناس: العالم، والطالب، والعامي، والعامل.
4. تتيح للمدعو فرصة أكبر للسؤال عن الأشياء الخاصة.
5. تساعد على اكتشاف الطاقات والمواهب، وتوجيهها التوجيه الصحيح.
6. تكسب صاحبها خبرة التعامل مع الناس على مختلف طباعهم وشخصياتهم.
7. بها تخرج دعائم الدعوة، والأشخاص الذين يحملون على عواتقهم هم الأمة.
8. بعيدة عن الرياء والسمعة وحب الجاه، لأنها مستورة عن الأعين.
9. تحمل من يقوم بها على مجاهدة نفسه حتى يكون قدوة حسنة.

 

[1] من (مقاصد حلقات التعليم) للحبيب عمر بن محمد بن حفيظ..
[2] البخاري 2787، ومسلم 4423.
[3] من فقه الدعوة الفردية لمحمد نوح/ بتصرف.

الفصل الثالث من الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأوهام والتخيلات التي تُثَبِّط عن الدعوة إلى الله

 

لقد علمنا في الفصل السابق أن الدعوة واجبة على الكل ولكن إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا الأغلب من الناس مقصرين في القيام بدورهم ومسئوليتهم في هذا الأمر.
فإذا تفحصنا وجدنا لهذا التقصير أسبابًا ومعظمها أوهام وتخيلات وتصورات خاطئة وسببها إمَّا وساوس شيطانية أو أهواء نفسية، أو تأثر بأفكار سلبية، من آثار ترسبات الغزو الفكري الدخيل على الأمة، فنجد لكل صنف من الناس أسبابًا تمنعهم عن الدعوة، وبعضها متداخلة وبعضها تشمل الأصناف كلها:

أولًا: العلماء:
وهم نوعان من العلماء المخلصون الصادقون والعلماء المترسمون المشتغلون بدنياهم:
(أ) العلماء المخلصون منهم أوهام تمنعه عن الدعوة إلى الحق، وهي [1]:
1. أن يقول: إني غير عامل بعلمي … فكيف أُعلِّمه وأدعو إليه؟ وقد ورد في ذلك من الوعيد ما لا مزيد عليه! فيقال لهذا العالم: التعليم للعلم من جملة العمل به، والذي يُعلِّم ولا يعمل أفضلُ بكثير من الذي لا يعمل ولا يُعلِّم، فالعمل فرض، والتعليم فرض، فمَن ترك العمل والتعليم فرضين، ومن علم ولم يعلم عمل أحد الفرضين.
2. أن يقول: إن الدعاء إلى الله والإرشاد لعباد الله تعالى مرتبة رفيعة، ومنزلة شريفة، وهي من شأن أئمة الهدى، وأنا لست كذلك؛ فيجمله تواضعُه على السكوت عن الدعوة إلى الله. وهذا التواضع مذموم، وهو من التوهمات الفاسدة؛ لأن (الحق لا يمنع عن الحق) فعليه أن يجتهد في الدعوة إلى الله مع تحقيق والانكسار، وذلك هو الكمالُ.
3. أن يشغل نفسه بمواصلة الأوراد والعبادات، ويرى أن ذلك أفضل من الدعوة إلى الله. الحق أنَّ الدعوة إلى الله مع الإخلاص أفضل من نوافل العبادات اللازمة لتعدي النفع إلى الغير، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» [2]. ولكن يجب أن يرتِّب أوقاته، فيجعل وقتًا للدعوة والتعليم، ووقتًا للعبادة والأوراد فلا يقصِّر في أحدهما.
4. أن يقول إذا خاطبه أحد بالدعوة: أنه لا فائدة من دعوتي مع انتشار الفساد وغلبة الباطل القائم في الناس.
ونقول لهذا: إن المقصود من الدعوة إلى الله هو البلاغ عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع بذلِ الجهد وتحقيق الصدق والإخلاص، أما هداية الخلق فأمرها إلى الله قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: ٥٦]. وقال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: ٤٨].
وكذلك فإن إذا كثر الدعاة والمرشدون رفع الله البلاء عن الناس والباطل لا يقف أمام الحق مهما كان شديدًا، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
(ب) العلماء المترسمون المشتغلون بدنياهم [3].
وتمنعهم عن الدعوة عدة أسباب:
1. اشتغالهم بدنياهم وأمور معاشهم، ومداهنة أهل الباطل.
2. التسويف وتزجية الأوقات من حين إلى حين.
3. توهم أحدهم أنه لو دعا إلى الخير انكشف حاله للناس وسوء فعله وقبيح سيره، فيسقط بذلك من أعين الناس وهو حريص على ذلك.
4. منهم من يشتغل بالعلوم غير النافعة في الدعوة إلى الله والترغيب والتخويف؛ كاشتغال البعض بعلم الكلام وغيره أو التوسع في علوم الآلات.

ثانيًا: طلاب العلم:
وقد تثبط طالب العلم نفس الأسباب السابقة للعلماء وكذلك:
1. أن يتوهَّم أن الدعوة وظيفة العلماء، فيقول: لابدَّ لي أن أتضلع في العلم أولا حتى أصل إلى رتبة عالية فيه، ثم بعد ذلك أدعو وأعلم.
وهذا قد تدخل عليه شبهة في نيته، وخلل في قصده، فإن كان حقيقة قصده بالتعلم النفع؛ فباب النفع مفتوح له باستمرار مع عدم النقص عليه في التعلم، والعلم يزكو بالإنفاق.
كذلك فإن طالب العلم الصادق مع الله في طلبه كلما ازداد علمًا ازداد معرفة بجهله، فلا سبيل إلى أن يرى نفسه متضلعًا، والذي يرى نفسه أنه متضلع في العلم، وصالح للدعوة، فهذا قد يكون مصابًا بالعجب بنفسه والعياذ بالله.
2. أن يخاف أن يسأل فيحرج أو يخطئ أمام الناس فيستصغرونه، وهذا من أمراض القلوب، وإرادة الرفعة والتفات الخلق إليهن وعدم قبول المذلة في سبيل الله؛ وقد كان كبار الصحابة رضوان الله عليهم إذا سُئلوا عن شيء لا يعلمونه قالوا: لا نعلم.
3. أن يقول: لعلني أخطئ فيعاقبني الله على ذلك، وهذا نقول له: يجب أن تفرق بين الدعوة إلى الله، وحَدْوِ الناس إلى الله بالترغيب والترهيب، والتذكير بأيام الله وآلائه وبوعده ووعيده، وبين الفتوى والتدريس، وكذلك فلا عليه أن يقول ما يعلم، ويسكت عما لا يعلم [4].

ثالثًا: أصحاب المناصب والمقامات:
وقد تعرض لهؤلاء بعض المثبطات السابقة، كذلك:
1. أن يتوهَّم أحدهم أن وظيفته هي إقامة مظهر المنصب والمقام الذي هو فيه، وأن ذلك يعتبر منه كفاية في الخدمة، وهذا نقول له: كما أن الله شرفك بهذا المنصب، فلابد من أداء حق الله فيه، وهو استخدامه في خدمة دينه وشرعه.
2. أن يكون همه هو التفاف الناس حوله، وتعظيمهم له. وهذا نقول له: اتق الله في هذا المظهر الذي جعلك الله فيه، واعلم أن الله قادر على تبديلك وتبديله، فعليك أن تستغل محبة الناس والتفافهم عليك بدعوتهم إلى الخير.
3. قد يتوهم أنه إذا دعا إلى الخير والتمسك بتعاليم الدين أن كثيرًا من الهيشات [5] الذين حوله سينفرون عنه؛ لأنه شقاق على نفوسهم، وهذا نقول له: ليس المقصود هو اجتماع أكبر عدد ممكن ولكن نوعية الناس وتأثرهم بهذا المنصب هو المهم. وكذلك على صاحب هذا المنصب أن يدعو من حوله برفق حتى لا ينفروا عنه.
4. عدم الفهم لما أنشئتْ من أجله هذه المقامات والمناصب.

رابعًا: العوام:
والأوهام التي تعرض لهؤلاء أكثر من غيرهم لغلبة الجهل، فمن هذه الأوهام:
1. أن يقول أحدهم: يجب عليَّ أولًا أن أؤمِّن مستقبلي وأجمع المال وأبني المنزل، ثم بعد ذلك أدعو إلى الله.
2. أن يقول بعضهم: أنا غير مخاطب بالدعوة إلى الله، وإنما هي وظيفة العلماء. وهذا نقول له ما تقدم في الفصل الثاني من مسئوليات العامي في الدعوة إلى الله.
3. الفهم الخاطئ لمعنى الدعوة إلى الله:
(أ) يظن بعضهم أن الدعوة منحصرة في التعليم والوعظ والتذكير وهو لا يحسن ذلك. وهؤلاء نقول لهم: إن الدعوة إلى الله تشمل جميع الخدمات والسلوكيات باليد، واللسان، والقلب، فالزيارة في الله دعوة، والابتسامة العذبة دعوة، والدعاء دعوة، وهكذا.
(ب) يظن بعضهم أن المقصود من الدعوة هو دعوة الكفار إلى الإسلام فقط. وهذا مفهوم خاطئ، فالدعوة تشمل جميع الخلق، المسلم والكافر، فإن من المسلمين الفساق والعصاة.
4. يقول بعضهم: «دع الخلق للخالق، إذا شاء هداهم وإذا شاء أضلهم». قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: ٢٧٢]. وهذا نقول له: لقد فهمت القرآن على غير وجهه، فإذا كان الأمر كذلك فما الداعي من إرسال الرسل وإنزال الكتب.

 

[1] الفقرات ذوات الأرقام 1و2و3 من كلام البركة الإمام الحداد بتصرف من كتاب الدعوة التامة.
[2] رواه الترمذي عن أبي أمامة، وقال: حسن صحيح 2609، والدارمي 291.
[3] الدعوة التامة ص 26.
[4] بتصرف وزيادة من مقدمة الدعوة التامة ص 26.
[5] الهيشات: الجماعات المختلطة.

الفصل الثاني من الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 من هو المكلف بالدعوة إلى الله؟

 

قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وآله وسلم: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: ١٠٨]. أوضحت هذه الآية الكريمة أن الدعوة إلى الله هي سبيل جميع المؤمنين المتبعين لسيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وهي واجبة على كل مسلم لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر … أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا ثم تدعونه فلا يستجيب لكم) [1].
وقال عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [2].
وفي الحديث: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [3].
فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب بهذا الحديث كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان بالقيام بدوره في الدعوة إلى الله؛ ولكن كل شخص مسئول على حسب استطاعته كما أوضح ذلك الحديث السابق، فالعالم مسئول وطالب العلم مسئول، وصاحب المنصب والمقام مسئول، والعامي مسئول.
ونذكر هنا مسئولية كل شخص:

أولًا: العالم:
وهو مسئول عن تبليغ علمه وإيصاله إلى عامة الناس والجهال وطلاب العلم، ومَنْ سأله عن ذلك بلسان حاله ومقامه، قال الإمام الحداد: “ومن قصَّر عن الدعاء إلى الله وإلى دينه من المتأهلين له مع التمكن منه، فإنه داخل تحت عموم الوعيد الوارد في حق من كتم ما أنزل الله من البينات والهدى، وفي ذلك وعيد شديد وعذاب وبيل، وذم من الله بليغ. قال الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: ١٥٩]. وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار}. إلى قوله: {فما أصبرهم على النار} [البقرة: ١٧٤].
وقد أخذ الله المواثيق والعهود على الذين آتاهم كتابه وعلمه وحكمته في أن يدعو عباده إلى ذلك ويبينوه لهم كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} [آل عمران: ١٨٧].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سُئل عن عِلم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» [4]. والسؤال بلسان المقال ظاهر جلي، ولا يبعد أن يكون السؤال بلسان الحال مثله أو قريبا منه، وقد قيل: «لسان الحال أفصح من لسان المقال». فإذا رأى ونظر العالم بدين الله، المذكر بأيام الله الداعي إلى سبيل الله، إلى الجاهلين بالعم الغافلين عن الآخرة، المقبلين على الدنيا، لم يسعه إلا أن يبين لهم ما يجب عليهم من حق الله ويلزمهم من طاعته وإقامته أمره واجتناب معصيته وركوب نهيه” [5].
ثم إنه يجب أن يتفرغ للدعوة والتعليم جماعة تكون وظيفتهم وديدنهم، فهؤلاء المتجردون المنقطعون لدعوة الخلق إلى الله هم أهل الفلاح وأهل الخلافة الكاملة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك من كان من العلماء مشتغلًا ببعض أسباب المعاش، يجب عليه أن يقتطع من وقته جزءًا للتعليم والدعوة وإلا صار ممن يكتم العلم، والله وليُّ الهداية والتوفيق.

ثانيًا: طالب العلم:
طالب العلم مسئول في طلبه من عدة وجوه، فعليه:
1. أن يحسن نيته في طلب العلم فينوي به نفع نفسه وغيره، وينوي به الدعوة إلى الله وإحياء السنة وتعليم الجهال، إلى غير ذلك من صالح النيات [6].
2. أن يعمل بعلمه حتى يصير قدوة حسنة ومثالًا يقتدى ويهتدى به؛ فإن الدعوة بالعمل أبلغ من اللسان، وكما قيل: «يؤثر عمل واحد في ألف ما يؤثر ألف قول في واحد». ويعمل بعلمه كذلك لكي لا يكون حجة للعامة على الدين.
3. أن يُعلِّم من لا يَعْلَم، خصوصا العلم الواجب؛ ليبارك الله في علمه ويزيده، قال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: “المال تنقصه النفقة … والعلم يزكو بالإنفاق”.
وفي حق من تعلم بنية صالحة وعمل بعلمه وعلم غيره، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منه نقية قَبِلَت فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أَمْسَكَت الماء فنفع الله بها ناسًا فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله به … فعلم وعلَّم، ومثل مَن لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلتُ به) [7].
وورد عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال: “من علم وعمل وعَلَّمَ فذلك يدعى عظيمًا في ملكوت السموات”.

ثالثًا: أصحاب المناصب والمقامات، والمنسبين للبيوت المشرفة، والمنتمين للعلماء [8]:
والدعوة من هؤلاء أزين وبهم أليق، وخاصة أن الناس إليهم ملتفتون وعليهم مجتمعون، وقيامهم بوظائفهم الاجتماعية تحت مظلة الاهتمام بالدعوة إلى الله ونشرها يجعل لتلك المقامات مكانة في القلوب، وهيبةً لدى الأعداء، وقبولًا عند العوامِّ والخواصِّ، ونذكر منها مسئولية هؤلاء فعليهم.
(1) أن يراعوا حق ما أقامهم الله فيه وتفضل به عليهم، قال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: ٧].
(2) أن يراعوا حرمة من خلفوهم وانتسبوا إليهم بالاقتداء بهديهم، والسير بسيرهم، والتشبه بهم، والاطلاع على مناقبهم وأعمالهم وأحوالهم، قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب} [الطور: ٢١].
(3) أن يحسنوا للناس تصوير منهج أولئك الأكياس من خلال معاملاتهم وإسدائهم المعروف وتخلقهم، وأن يربئوا بأنفسهم عن مجالسة الجهَّال والأشرار.
(4) أن يبذلوا وجاهاتهم ووسعهم في خدمة الدعوة النبوية والدعاة، وخيار الناس، ونصرة المظلوم.

رابعًا: عوام الناس:
والعوام مخاطبون بالدعوة من عدة وجوه:
1. أن يقوموا على رعيتهم من زوجات وأولاد وأهل وخدم بتعليمهم الواجب عليهم، وأمرهم بالطاعات، وزجرهم عن المعاصي، قال صلى الله عليه وآله وسلم:
(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته) [9].
2. أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر بقدر الاستطاعة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [10].
3. أن يبلغوا عن رسول الله ما بلغهم، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بَلِّغُوا عنِّي ولو آية» [11]. والله المستعانُ على ذلك.
بهذا اتضح أن الأمة كلها مخاطبة بأفرادها وجماعاتها بالدعوة إلى الله لكن القاعدة التالية: (كل على حسب مسئوليته وبقدر استطاعته).
فائدة: وليعلم الجميع أن من نوى خدمة الأمة هداه الله إلى طريقها ووفقه لذلك، قال الإمام الجنيد: “من فتح على نفسه باب نية حسنة فتح الله له سبعين بابًا من أبواب التوفيق”.

 

[1] رواه الترمذي من حديث حذيفة، وقال حسن. انظر: تخريج الإمام العراقي للإحياء.
[2] رواه مسلم في كتاب الإيمان 70، وابن ماجه 4003، وأحمد 10651.
[3] رواه مسلم، كتاب الإيمان 71.
[4] رواه الترمذي 2573، وأبو داود 3173، وأحمد 7255، وابن ماجه.
[5] الدعوة التامة ص 13.
[6] يروى عن الإمام الحداد هذه النيات في طلب العلم يستحب ذكرها في بداية المجالس العلمية وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، نويت التعلم والتعليم والتذكر والتذكير والنفع والانتفاع والإفادة والاستفادة، والحث على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والدعاء إلى الهدى، والدلالة على الخير، ابتغاء وجه الله ومرضاته وقربه وثوابه سبحانه وتعالى).
[7] رواه البخاري في كتاب العلم 77، ومسلم في الفضائل 4232.
[8] راجع كتاب (الدليل المناسب لأصحاب المقامات والمناصب) للحبيب أبي بكر العدني المشهور.
[9] رواه البخاري 4801، ومسلم 3408.
[10] رواه مسلم، رقم 70.
[11] رواه البخاري 3202، والترمذي 2593، وأحمد 6198.

الجزء الأول من سلسلة الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف: في الحث على الدعوة إلى الله

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الأول

في الحث على الدعوة إلى الله

وهو منقول من كلام الإمام الحداد في مقدمة كتاب الدعوة التامة

 

قال الله العلي العظيم القوي المتين في كتابه العزيز المبين لرسوله الصادق الأمين {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: ١٠٤].

فالدعاء إلى الله وإلى سبيله ودينه وطاعته وصف الأنبياء والمرسلين ودأبهم، وبه وله بعثهم الله وأمرهم وأوصاهم، عليه وحثهم وحرضهم، وعلى ذلك اتبعهم واقتدى بهم ورثتهم من العلماء العاملين والأولياء والصالحين من عباد الله المؤمنين، فلم يزالوا على كل حال[1]. وفي كل زمان وحينٍ يدعون الناس إلى سبيل الله وطاعته بأقوالهم وأفعالهم، على غاية من التشمير في ذلك ابتغاء لمرضاة الله وشفقة على عباد الله ورغبة في ثواب الله واقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»[2]. وقال عليه الصلاة والسلام: «الدال على الخير كفاعله»[3]. وما ورد من الآيات والأخبار والآثار في الأمر بالدعاء إلى الله وإلى سبيله وفي فضل ذلك كثيرة شهيرة، وكل ما ورد في نشر العلم وتعلمه وفي فضل الوعظ والتذكير بل وفي فضل الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل ومندرج في فضل الدعاء إلى الله تعالى وإلى سبيله فإن جميع ذلك من أنواعه وأقسامه. (انتهى كلام الإمام الحداد).

 

[1]على كل حال: أي أنه لا يمنعهم من الدعوة إلى الله طروء شيء عليهم من الأحوال كالقبض والبسط والفرح والحزن وغيرها من الأحوال التي قد تؤثر على الكثير من الدعاة وهذا شأن
الكمل من الرجال.
[2]رواه مسلم 4821، والترمذي 2598، وأبو داود 3993، وأحمد.
[3]رواه الترمذي في العلم 2594، وأبو داود في الأدب، ورواه مسلم بلفظ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».