توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٧) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التوكل على الله

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: يجب أن تقوم أمورنا على أساس التوكل على الله، بعد أن يرتفع مشهود قيام الأعمال، فإذا قمتَ بها صرت مشغولًا بالمعبود في قالب العبادة، وصرت مشغولًا بواحد هو “الله”، وماذا يعمل مَن كان شغلَه “اللهُ”؟ هذا الذي نريد أن نجتمع عليه، ولا عليكم مِن قاصٍ ودانٍ، ولا إنس ولا جان.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٨) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بعض الضوابط في العمل الدعوي

 

قال رضي الله عنه ونفعنا به: نقْلُ الأخبار في كثير من الأحيان يكون بدافع حسن عند الواحد منا، ينقل خبرًا ليس موكولًا إليه، وينقله بحسَب ما فهمه، أحيانًا يكون الموكول إليه عدَّل فيه، أو اتفقوا على ترتيب آخر، فذاك ينقل الخبر الأول، فتحصل ربْكة بعد ذلك… فلهذا نقول: مما يحتاج أن يتعلموه في هذه الشئون أن يتقيَّد كل واحد بما أُوكِلَ إليه، وما عدا ذلك يبقى فيه على سبيل الاحتياط، فممكن أن يقول: أنا سمعتُ ذلك، لكن يمكن أن يكون فيه تعديلًا ولا يبلغ الأخبار من عنده ما دام هناك ممن أوكل إليه إبلاغها، ويتركها تأتي عن طريقه، حتى لا تكون هناك أخبار متضارِبة متناوَلة متقلِّبة، فتربك السير نفسه في هذا العمل.
إذا سمعتَ خبرًا عن مهمة شخص آخر بأن عليه أن يقوم بكذا أو كذا مثلًا فلا تستعجلْ؛ لأنه يطرأ التعديل، ويطرأ الترتيب يحصل في نواحٍ متعددة في أمور كثيرة احتفالات، خَرجات، زيارات، جلسات في أوقات، فتحصلُ ربكات كثيرة؛ بسبب الاستعجال بالإخبار، وقد تأتي من تضييع الموكول إليه نفسه، ولكن في مثل هذه الحالة يتأتَّى الخطاب ويتأتى الترتيب معه، ومع ذلك ينبغي أن نحتاط في مثل هذه الأمور؛ لأن النفس بطبيعتها تحب الإعلام بالخبر، فأحيانا يعتبرونه من القوادح في الإخلاص، لكن الطريق إلى هذا بالملاحظة وتربية النفس، من دون ترك الأعمال.
يجب المواصلة والسير في العمل، إلا أن على كل واحد منا أن يلاحظ جانب إخلاصه ويسأل الله ذلك، والحق يعينه، فإن خفت أن يضيع الأمر، فأشِرْ إليه مع الاحتياط، لكن الأمر مجزومًا به من عندك، وهكذا تقع في بعض الأحيان ربكة للذين يتلقون الأخبار بأنفسهم في أمر معين، يومًا بكلمه هذا، ويومًا آخر يكلمه هذا، فلا تدري الآن تأخذ بكلام من فيهم.
لكن من الجميل لما يعرف واحد معين يكون هو المسئول عن مثل هذا، بحيث يقال لنا: إنه إذا جاءك فلان، يكون هو المقرر والمتفق عليه.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٦) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حقيقة العلاج

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: إذا نظرنا للواقع هذا نجد حقيقة العلاج والدواء والإنقاذ، من خلال هذا العمل الذي أنتم فيه، إنْ تَمَّ للواحد منكم على الوجه المطلوب فهو واحد من أهل الإنقاذ، وأهل المداواة وأهل العلاج.
أخذُ العلم الشريف على وجهه وعلى طريقه، ومن محله بالنية الخلصاء مع نية العمل به، والقيام بحق العمل، والحرص والهمِّ الكبير على تبليغه ونشْره في الناس، فتلك هي طريقة الأنبياء والرسل، إذا قامت وتمَّت تمَّ العلاج للأمة، وانكشفت الغمة، وانجلت الظلمة، وتفرَّجت الكربة، وصَلُحَ حال الناس.
وإذا أصرُّوا على نومهم، وأصروا على غفلتهم، وأصروا على إهمالهم، وأصروا على استخفافهم بأمر الخالق الحق الفاطر، فالخسران عليهم واقعٌ لا محالة، {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١-٣].
لا بد أن تعرفوا عظمة مهمتكم، وعظمة هذا الشأن الذي أنتم فيه، هذا شأن اتصال بنبوة … برسالة … بوحي … بالإله … بالخالق … بالرحمن … بالقادر … بالقوي … بالقهار … بالجبار … بالبارئ … بالذي بيده ملكوت كل شيء، وسر اتصال بموجب سعادة الأبد، والخلد في دار الكرامة، كل ذلك أمر عظيم … عظيم … عظيم، خرجت عظمته من صدور الغافلين، وعقول الذين حُجِبوا عن حقائق الدين، أو التَهَوا[1] بالترهات والبطالات.
إن شاء الله يُوفَّق الله كل واحد منكم، حتى يعرف واجبه ومهمته، ويكون كلُّ واحد منكم ممَّن تقرُّ بهم العين، وممن يعالجون ويداوون، ويكونون سببًا لإنقاذ الأمة إن شاء الله، إنه وقد أكرمك بالمجيء إلى هذا المنزل[2] ، أو أسمعك مثل هذا الحديث، فقد هيَّأ لك السبيل، ويسَّر لك الطريق، وذلَّل لك الصعاب، وذلَّل لك العِقابَ[3] ، وفتح لك الباب، فتكون لو رضيت بأن تَغفُل أو تُهمِل أو تترك أو تُدبِر أو تخالف حُجَّة شديدة عليك، بعدما قرَّب ويسَّر ورتَّب وحبَّب، فتُعرِض أنت عنه، وتغفل وترضى بشيء من المخالفات أو المعاصي.
فيكم كثيرٌ يسري نظر العناية إليهم، ويتهيَّئون لرضوانه الأكبر، وفيكم أناس يتقلَّبون بين الدواعي، دواعي كذا، فلا يزال يقوم ويقعد، ما عرف يمشي صحيح، وإلا فوقه[4] أدِلَّاء على الطريق، مادِّين أيديهم، سيمسكون بيده وسيمشون به، ولكن إذا ما انتهض ماذا يعملون به؟ كل منكم ينتبه.
الآن أتكلم وأنا وإياكم في الدنيا في هذا المبنى المبارك، والحال مشهود لأهل السماء، وخيار أهل الأرض، وبعد هذا اليوم ستظهر نتائج هذا الكلام وعواقبه وثمراته، «وكلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو موبقها»[5] . الله يكرمنا وإياكم بصدق الإقبال، ويلحقنا بحبيبه مولى بلال.
إن شاء الله لا يرجع أحدٌ منكم خائبًا، لكن ساعدوا على بلوغ هذا الأرب، والقيام بهذا الأمر الكبير العظيم، واصدُقُوا مع الله، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد، كما ذكر ذلك في كتابه، ما يأتي البُعد إلا من جهة الإنسان نفسه، الله يبارك فيكم، وينظر إليكم ويسعدكم، وحيثما اتجهنا ومشينا نكون في ذكر لكم ولأحوالكم، نسأل الحق أن يوفر الحظ لنا ولكم.

 

[1] من اللهو.
[2] إشارة إلى دار المصطفى للدراسات الإسلامية بتريم-حضرموت.
[3] أي: ذلَّل لك العقبات.
[4] أي معه.
[5] عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو موبقها». رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والترمذي.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٥) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

صور الأعمال وروحه

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به[1]: الله ربي وربكم أرسل حبيبه محمدًا، وكلَّفنا أن نخطب ونجتهد وننشر ونبلغ وندعو، وكل ما يكون من الإمامة، في دخول المحراب، والجلوس للتدريس، وإلقاء الكلمات، والتحضير للدروس، فهذا كله صور للخير بما فيه السفر، بما فيه اللقاء بالإخوان، بما فيه الكتابة، هذه صور الخير وأين روحها؟ رُوحها ليس إلا بروحك، فإن الروح لا يحل إلا في الروح، فالصورة هذه إذا كانت بروحها اتصلت روحك بتلك الروح، أي بروح الخير، فسَرَت السراية في أرواح مَن حواليك.
والروح التي فيك جمعيَّتُك على الله، وأدبُك معه، وصدقك وإخلاصك له، وذِلَّتك بين يديه، وتفانيك في محبته، وانطواؤك في أحبابه.
فهذه الأشياء رُوح، إذا حلت في روحك تكتسب منها الصور الخيرية، وتكتسب أيضًا منها روحًا فتخاطبها رُوحك، وإلا بقيت صورة تخاطب الصور «إن الله لا ينظر إلى صوركم»[2]، وأنها بلا نظرة غير موصلة فيما تصل إلى مكان، كما عمل أناس أعمالًا كثيرة، وصورًا كثيرة، ذهبوا وذهبت صورهم.
وكما اغترَّ الآن أناس بكثير من الصور الخيرية، فهم في هذه الصور، لو انكشف لهم الحجاب عن حقيقة ما هم فيه لَبَكوا على أنفسهم في صور الخير؛ لأن الحجاب فيهم، والقطيعة فيهم، والبعد فيهم، والحرمان فيهم، والبُعد عن الصالحين فيهم، وصور الخير عندهم، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه مشكلة أكبر، قال تعالى {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} [الغاشية: ٣] عَمِلت، ولكن جَنَت التعب، قامت بصور من الخير، يعني صلوات وزكوات ومحاضرات ودروسًا، والنتيجة نَصَب {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: ٣-٥]، {ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} [الغاشية: ٨-٩] رَضِيت عن تلك الأعمال والسعي الذي قامت به؛ لأنه ما أثمر النصَب، بل أثمر مرافقة، وأثمر قُربة، وأثمر محبوبية، وأثمر نجاة، وأثمر تقريبًا، وأثمر تنعيمًا، وأثمر خلودًا في المجاورة {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} [الغاشية: ١١]؛ لأنهم أعرضوا عن اللغو في الدنيا، فجاءوا إلى مكان ليس فيه لغو، الذين يحبُّون اللغو في الدنيا، لا بد أن يأتوا إلى مكان كله لغو، وكله عويل[3]، وكله بكاء، وكله فوضى، (فالجزاء من جنس العمل).

 

[1] يوم الأحد 2 من شهر شوال 1420 هـ.
[2] رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكنْ ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.
[3] أي: نحيب ونُواح.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٤) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ثمرةُ مقابلةِ الأرواح

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به[1] : النُّصرة لدين محمد من خزائن وجود الله وكرمه، تحصل فيكم وبكم وعلى أيديكم، يحصل ذلك إذا حصلت مقابلةُ الأرواح، لو لم تقابل أرواح سادتنا الصحابة حبيب الرحمن ما جاءت النصرة على يد أحد منهم للدين أبدًا، ولا قاموا بموقف حميد أبدًا.
ولكن لما قابلت أرواحُهم روحَه الشريفة سُقِيت من تلك الروح، ولما سُقِيت كانوا في جهادهم وهم في مقابلة معه، وكانوا في أذكارهم وهم في مقابلة معه.
ولما اشتد الحال عليهم في غزوة اليمامة، جعلوا شعارهم «وامحمداهْ * وامحمداهْ»[2] ، وكان صغارهم وكبارهم يتمثَّل له وهو في الجهاد، أو في القيام بالغزوة سيد الوجود ولقاؤه والشوق اليه، فكانت المقابلات دائمات، فبها قابلَهم الحق تعالى بما هو أهله، وأجرى على أيديهم ما أجرى، فتوجهوا بهذه المقابلات.
كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: {أكرم الناس عليَّ جليسي، لو استطعتُ ألَّا يقع الذباب على وجهه لفعلتُ}[3] . لو نقدر أن نُوصِل الذين يريدون السفر إلى أماكنهم ومنازلهم على رءُوسنا لأحببنا ذلك، ولكن إذا تقابلت الأرواح مع الأرواح، نرجو فيما يأتي من أعمارهم أن يطلع[4] في الصحائف ما يناسب هذه المقابلة، وما يناسب هذا الاستقبال، فإنَّ عرْضها قوي في كل يوم، وفي كل أسبوع على حضرة الداعي الذي دعانا، والهادي الذي هدانا، والراعي الذي رعانا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وفوق ذلك كله رب العزة والجلال تعالى الذي يَرقُب منا النوايا والمقاصد، والإرادات والحركات والسَّكنات.
وجِّهُوا هِمَمكم، وأقبلوا بكلياتكم على ربكم سبحانه وتعالى، وإن شاء الله تعقبها اجتماعات.
عامتكم[5] ستحصُلُ لهم اجتماعات كثيرة في الدنيا على النصرة للشريعة إن شاء الله، وعلى زيادة في ظهور نور هذه الشريعة، وظهور شُعاعها في الأقطار، ثم بعد ذلك الاجتماعات في البرازخ، والاجتماعات في يوم القيامة، والاجتماع في دار الكرامة لمن سبقتْ لهم من الله الحسنى، جعلنا الله وإياكم منهم.
وهكذا توجُّهكم يتم وأنتم محافظون على خِلَع حصَّلها الكثير منكم، في اهتمامه أو همِّه بنشر الخير، أو تعلُّق بالجناب النبوي وبمتابعته وبالقيام بسُنته وبآدابه، ولا تتركوا القرآن وتلاوته بالتدبر، ولو قلَّ ما تقرؤه كلَّ يوم، لكن بالحرص على التدبُّر، لا تسمح بتركه، ثم لا تسمح بتركه، ثم لا تسمح بتركه أبدًا.
اجعل لك نصيبًا مِن تأمُّل القرآن وتدبُّره في كل يوم، وفي كل ليلة، كذلك ما قبل الغروب وما بعده إلى العشاء، وما قبيل الفجر، وما بعده إلى الإشراق، حافظ عليه بجهدك ما استطعت.
كما أخذتَ الإشارة إلى أنه ربما تجد الذي ينتقد، والذي يعارض، والذي لا يلتفت إليك، والذي يستهزئ بك، فاصبرْ. كذلك تجد أيضًا الذي يمدحك، والذي يستقبلك، وتجد الذي يقابلك بالبشاشة، وتجد الذي يتواضع لك فلا تغترَّ بشيء من ذلك.
كما قلنا لك لا تلتفتْ إلى مَن يسُبُّ، لا تلتفتْ إلى مَن يمدح؛ لأن الأمر حالٌ بينك وبين ربك، نريده يقوم ويصفو حتى يرضى عنك، ومَدْحُ الناس ظنٌّ، وسبُّ الناس ظنٌّ، وظنون الخَلْق لا تُغنِي من الحق شيئًا، والمسألة حالُك أنت مع الله تعالى، فلا تتأثر بمدح، ولا تتأثر بذمٍّ، ولا تُصدِّق المدَّاح ولا تُصدقِ السبَّابَ، ولا تلتفت إلى كلام أحد منهم. واعلم أن القول قول الله تعالى: {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} [الأنعام: ٧٣].
فَلْيَرَ منك انكسار القلب معه دائمًا، فيكون عندك جل جلاله، «أنا عند المنكسِرة قلوبُهم مِن أجلي”[6] .
وكثير من الذين حضروا هذه المحاضر نرجو لهم في لحظات الوفاة أن تبدو لهم صورة هذه المجامع، وما فيها من الأرواح، وعند ذلك تكاد أن تطير أرواحهم شوقًا إلى الأئمة الذين يحضرون فيها.
بل يبدو لكثير منهم ويلتاح لهم نور الإمام للكل، والمقدَّم على الكل، فيُتوفَّوْن على حالة من الشوق، تُذكِّر بشأن الصحابة الذين كانوا يموتون على الشوق إليه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
فحافِظوا على علائقكم، وحافِظوا على ارتباطاتكم، فإنها سلاسل مؤدية إلى النهايات، والمراتب الرفيعات، والمرافَقَة لسيد الكائنات، وورثَتِه القادات، ثبَّتَنا الله وإياكم، وأعاننا الله وإياكم، وحرَسنا الله وإياكم.
الآن في ساعة الوداع[7] ، لا شك أن عددًا جَمًّا من الملائكة وغيرهم من الأرواح معكم، وينظرون منظركم، في ختام هذه الأيام والليالي، ولا نزال في ختامٍ بعد ختام، إلى الختام الكبير بعد ذلك.
فاغتنموا هذه الساعة، وإن شاء الله تقع لقاءات كثيرة، في خيرات وفيرة، وكلٌّ يدعو الله تعالى لأهل معرفته من أجل الله، وللذين صاحبهم من أجل الله تعالى خاصة، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات في المشارق والمغارب.
واعلموا أنه مُقبِلٌ عليهم خيرٌ كبير، مُقبِلٌ عليهم ما وعد به البشير النذير، والسراج المنير، لا بد أن يتم، لكن نحن ما نريدك أن تكون خارج الدائرة، ولا خارج الزمرة، ولا خارج الجماعة، كن منهم، وألصِقْ نفسك بهم، وربك إذا رآك متشبِّثًا وعِزَّتِه لن يتركك ولن يرميك، إلا إذا أنت رضيتَ بالرمية ورضيتَ بدعوة عدوِّه فلا تَلُمْ إلا نفسك.
وإلا فمقبلٌ على الأمة خيرٌ كبير، تظهر فيه راية الحبيب في الشرق والغرب، والجنوب والشمال، ويهتف الكون بـ «لا إله إلا الله * محمد رسول الله»، ويحكم باسمه تعالى وباسم رسوله صلى الله عليه وسلم، فعلينا أن نترقَّب عطاء الله تعالى، ونتهيأ للدخول في دوائر المخصوصين بعناية الله، والممنوحين منه اختيارَه واصطفاءه واجتباءه.

 

[1] بعد صلاة الفجر أثناء خطابه لتوديع طلبة الدورة الرابعة 1419 هـ.
[2] انظر: “البداية والنهاية” لابن كثير، و”الكامل في التاريخ” لابن الأثير.
[3] قال ابن عباس: (أكرمُ الناس عليَّ جليسي الذي يتخطَّى الناسَ حتى يجلس إليَّ، لو استطعتُ ألَّا يقع الذباب على وجهه لفعلتُ) -وفي رواية- (إن الذباب لَيقعُ عليه فيؤذيني). انظر “التبيان في آداب حملة القرآن” للإمام النووي.
[4] أي: يظهر في الصحائف أو يكتب فيه.
[5] أي: أكثركم أو أغلبكم.
[6] قال الإمام السخاوي في “المقاصد الحسنة”: ذكره في “البداية” للغزالي. اهـ. وذكره الإمام المناوي في “فيض القدير شرح الجامع الصغير”.
[7] أي: وداعُ طلبةِ الدورة، ويكون ذلك عادة بعد صلاة الفجر في مصلَّى أهل الكساء بدار المصطفى.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣١) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في مظاهر عظمة الرسالة

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: لقد جئتم في حقبة من الزمن، يريد الجبار فيها أن يُظهِر بعض عظمة النبي المؤتمَن، وعظمةَ رسالته، وبقائها على مر الدهور والعصور، وأن يُجدِّد دِينَه على رغم كل كَفور.

إنْ تحدَّث الناس عن إقبال، أو ما يسمى بصحوة أو رجعة إلى الدين، أو توجُّه إلى الدين في مشارق الأرض ومغاربها، فإنما هو مؤشر لذوي العقول؛ أن رب الأرض والسماء سيُنجِز وعْدَه الذي به وعد، وسيحقِّق ما أخبر به نبيُّه محمد، وسيربح الذين وفَّوا بالبيعة، وقاموا بحق العهد.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٣) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التهيؤ للوفاء بالعهود يظهر معاني نداء الأذان

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: يجب أن تأخذوا في بالِكم بعضَ المقصود من مهامكم في خدمة هذا الدين وهذه الدعوة، وأن تتهيَّئُوا مع من حواليكم مِن كل مَن تقدرون عليه، أو تقدرون على الإفادة أو الاستفادة منه لأحوال قُربٍ من الرب والصلة به، تحملكم على صدق الوفاء بالعهد ببذل الأرواح والأنفس والأموال في نصرة هذا الدين.
لا بد أن نتهيَّأ للوفاء بالعهود، ونهيِّئ مَن حَوالينا، ونطرق أبواب التقرُّب وتزكية النفوس حتى نكون على قدم ثابت في الوفاء بعهد الله، بأن نكون مستعدين لبذل الأنفس والأرواح والأموال في أي وقت.
ولا بد بعد ظلام الليل من نور الفجر، والأمة الآن في مثل ظهور الفجر الكاذب يختفي فيظهر بعد الفجر الصادق وهذه بداياته، فكاذب الفجر يبدو قبل صادقه، ينتشر ويقوى، فيقال: طلعت الشمس وذهب الليل.
بعد ذلك يعرف الكل معنى: الله أكبر، ومعنى: أشهد أن محمدًا رسول الله، ومعنى: الصلاة خير من النوم، ومعنى: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
ربُّكم يختار مَن يريد، فعلينا أن نتعرَّض لفضله، ونعلم أنه سيختار جندًا ينسبهم إلى نفسه ويضيفهم إلى حضرته ويقول عنهم {وَإِنَّ جُندَنَا} [الصافات: ١٧٣]، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: ٣١] إحاطة بها، بل كل جندي من جنود الله صحَّت له الجندية فلا يعلم فضل الله عليه إلا الله، {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ} [السجدة: ١٧]، لا بد أن يُحقَّق الوعد، ويُخذَل الوغد، وينتفي البُعد، ويحق السعد.
الرسالة ما هي هُزُؤٌ ولا سخرية، ولا هزلٌ ولا كذب، هذه رسالة محمد أصدق الناس لهجةً، ومواعيدها حقٌّ لا ريب فيها، نحن إن شاء الله خُدَّامها، ورجال التصديق بها، والعمل لها، والسير في دربها، والاستضاءة بنورها، وإنْ ضحكَ مَن ضحك أو سخر مَن سخر، وقد قال سيدنا نوح {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: ٣٨- ٣٩]، و {عندَ الصباحِ يَحمدُ القومَ السُّرَى}[1]، و {عند جُهينة الخبرُ اليقين}[2]، {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: ١٤] {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: ٦].

 

[1] من قول عبد الله بن رواحة:
عندَ الصباحِ يَحمدُ القومُ السُّرَى وتنجلي عنهم غياباتُ الكَرَى
[2] رواه الخطيب عن ابن عمر.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٠) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المواعيد التي وعد الحقُّ بها أحبابَه

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به[1]: حيَّاكم الله، خُذوا الدروس، زكُّوا بها النفوس، قَوُّوا بها الأساس، تطهَّرُوا بها من الأرجاس، ادخُلوا بها في خيار الناس، الذين هم في صفاتهم ناس.
هذه الشئون كلها، والاهتمام بالدعوة إلى الله في القرى والأماكن التي أنتم فيها، مسئوليةٌ علينا، ومحلُّ نظر من أصحاب الرسالة هذه والدعوة، بما فيهم كبارهم من الأئمة {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: ١٠٥]، هم ليسوا مقصِّرين في شيء، التقصير من جهتنا، هم ما واحدٌ منهم مقصِّر، أشهدُ بالله ما واحد منهم مقصر إلا ما كان منا، فلا يغيب عن أذهانكم أنها مرتبطة بسلسلاتها إلى أصلها، وهم يَرقُبون في هذا الوادي[2] نهضة في عودة الصفات المفقودة المحبوبة لله. هذا طلبُهم؛ مدُّ حبال الارتباط القلبية بالمنهج ورجاله وأصله صلى الله عليه وسلم، لتقوم قائمة الحق والخلافة عن النبوة، وتتحقق كما وعدوا بها.
والوعد المتجدد من عهده صلى الله عليه وسلم، كلما احتل مكانَه في الخلافة عنه خليفةٌ أُرسِلَ بالوعد نفسه، وأُلقِي إليه وهكذا، وكلهم مرتقبون وعدَه، ولو رأوْا تحقيقه فينا لسُرَّت قلوبهم، وارتاح بَالُهم، وانتعشت خواطرهم. الله يحقق رجاءهم فينا، ولا يخيِّبهم إن شاء الله {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [لقمان: ٩].
فالمواعيد التي أُلقِيَت للنبي صلى الله عليه وسلم في أمته -يعني في مدة حياتهم في الدنيا-والمواعيد الملقاة له على أمر العُقبَى، وكلُّ تلك الوعود ملقاةٌ على خلفاء النبوة على قدْر خلافتهم، يُلقَى عليهم من معانيها وتراجمها، لكل واحد منهم ما يلتصق به، وما يختص به من تلك المواعيد، سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة.
فما أوسعَ وأعظم ما وعدَ، وما أعظمَ وأوسع ما خبَّأ {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: ١٧] كلام صدق، وهذه الاكتشافات الواسعة والعطاءات الكبيرة، فالحال فيها أيضًا {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ} لا نزال نحن مُخبِّئين[3] لهم أشياءَ لا يعرف أحد عنها شيئًا، حتى هم لا نزال مخبِّئين لهم ما لم يعلموا، وقد طَربت أرواحهم، ودُهِشت عقولهم، ولا خيرَ فاتَهم، ولا يزال الحال {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: ١٧] بسبب أن الذي أخفى لا يحيط بعلمه محيط، لهذا بقوا هم هكذا أمام عطائه.
ولذلك القرآنُ يتكلم عنهم، وهم عنه يتكلمون. القرآن يتحدث فيهم وهم به يتحدثون، والقرآن كما سمعتم وصْفه {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: ١٠٩].

 

[1] يوم الأحد 2 من شهر شوال 1420 هـ.
[2] أي: وادي ابن راشد على وجه الخصوص؛ لأنه موطنهم، ومنه كانت انطلاقتهم في خدمة هذا الدين، وكذلك هم يرقبون الانتهاضة في العالم كله؛ لأن دعوتهم عالمية، فقد وصلت آثارُهم إلى أصقاع العالم، وخصوصًا جنوب شرق آسيا والهند وأفريقيا ونحوها.
[3] مخبِّئين: أي مخفين، من الإخفاء.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٢٩) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في التسابق في ميدان الدعوة

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به[1]: الحمد لله الذي أكرمنا وإياكم بالفكر في هذا الميدان، والانضمام إلى هذا الميدان، والدخول في هذا الميدان، والاتصال بأهل هذا الميدان، ولم نكن لذلك أهْلًا، ولكن هو أهْل بأن يُعطِي مَن ليس بأهل. إن لم نكن أهْلًا لرحمتك أن نَبلُغها فرحمتُك أهْلٌ أن تَبلُغنا يا رب العالمين[2].
إذا أحسنتم الهمة، فالأمة الآن في بدايات في جوانب، ثم تقع نهايات عجيبات، يقولون: من لم يجدها في البدايات لم يشاهد في النهايات[3]، و: من لم تكن له بداية مُحرِقة لم تكن له نهاية مشرقة.
فالأمة الآن في بدايات مواعيد من سيد السادات وخير البرِيَّات، الناطق بأصدق الكلمات، أعظم أمين ائتمَنه اللهُ على أسرار غَيْبه، ما لم يأتمن غيرَه سواه، وَعَدَ مواعيدَ، فأُمته الآن في بداية هذه المواعيد، فنريد أن تتعاونوا حتى تكون بداية قويمة سليمة إذا تعاونتم عليها هكذا، ستكون نهاية عجيبة عظيمة شريفة كبيرة عزيزة.
والنهايات هذه التي نذكُرها مَن وجد نصيبًا منها فأكثر ما تكون الغبطة بها وقتَ صفِّ الصفوف في المحشر؛ لأن بعض الصفوف مغبوطة زيادةً، ومرتبتها في القُرْب تختلف، والرعاية التي عليها تختلف، فبعضها منظورة بعين وِداد أخصَّ، وبعضها نورها شديد الإشراق، هي مئة وعشرون صفًّا[4]، وأهل الصف الواحد يتفاوتون في المراتب تفاوُتًا.
الخلاصة أن الحق تعالى أكرَمَنا بحبيبه، والصفوفُ هذه كلها بعد ذلك إنما تتشرف بالنسبة إليه، وتتسابق إلى القرب منه، لأنه قائدها كلها وإمامها، فمرجعُها إليه، وهو يمشي بها إلى الجنة، ورايتُه تُظِلُّها كلَّها، هذه الصفوف منها ما ينبهر بعضهم مِن بعض، ويغبط بعضهم بعضًا لما يرونه من المراتب التي هيَّأها الله لهم. أما أهل الإيمان من الأمم السابقة فيقولون: كأن هؤلاء كلهم أنبياء! حينما يبصرون تلك الرايات الكبيرة تمر بينهم، فعسى لنا ولكم نصيب وافر وقِسْم كبير، {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: ٢٧ – ٢٨]، وجعَلَنا من خواصِّ صفوف الحبيب. عسى يتحنَّن علينا.
الحمد لله على ذلك، والذي بعثه بالحق لا يوجد في الخَلْق أحسن جوابًا منه، سيدنا علي بن أبي طالب كان ممَّن يفهمون هذه الحقائق، قال لهؤلاء الذين ما قَدَروا كيف يعملون[5]، حينما خرجوا يريدون أن يُسلِموا، فجاءُوا إلى سيدنا علي، فقال لهم: “أقبِلُوا عليه مِن خلفه صلى الله عليه وسلم، وقولوا له: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: ٩١]، فقد قالها إخوة يوسف ليوسف فقال لهم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: ٩٢]”، وهو لا يحب أن يكون أحد أحسن جوابًا منه. فجاءوا إلى عنده صلى الله عليه وسلم، فالتفت إليهم وقال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: ٩٢][6].
وهو ما يحب أن يكون أحد أحسنَ جوابًا منه، ليس تلك الليلة فقط، أو تلك الساعة التي كلَّمهم فيها، بل هو الآن وفي هذه اللحظة ما يحب أحدًا من الخلق أن يكون أحسن جوابًا منه أبدًا.
مَن الذي أوجده لنا هكذا؟ ومَن الذي حلَّاه بهذا الوصف لنا؟ وَمن الذي ذكَّرنا به وذكَّره بنا؟ مَن الذي جعل بهذا الوصف وهذا الحال وهذا العطف وهذا النوال؟
الحمد لله على ذلك، وإذا حَمِدنا الله على ذلك فقد حمدناه على جميع النعم. فَهِمْتُم إن شاء الله، أكرمنا الله بنور الفَهْم، وأخرجنا من ظلمات الوهم.

 

[1] ليلة الأربعاء 20 من شهر ربيع الثاني 1419هـ.
[2] مِن دَعوات الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: اللهم إن لم أكن أهْلًا أن أَبلُغ رحمتك، فإن رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتُك وسعتْ كل شيء، وأنا شيء، فلتسعْني رحمتك يا أرحم الراحمين.
[3] وفي “الحكم العطائية” (من أشرقت بدايته أشرقت نهايته) أي: مَن عَمَّر أوقاتَه في حال سلوكه بأنواع الطاعات، وملازمة الأوراد، والاهتمام بأمر الدعوة، أشرقت نهايته بإفاضة الأنوار والمعارف. وأما مَن كان قليل الاجتهاد في بدايته، فإنه لا ينال مزيد الإشراق في النهاية.
[4] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهلُ الجنة عشرون ومئة صفٍّ، ثمانون منها من هذه الأُمة، وأربعون من سائر الأمم…”. رواه الترمذي وابن ماجه.
[5] أي: يتصرفون.
[6] قال عليٌّ لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: ائتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، فإنه لا يرضى أن يكون أحدٌ أحسنَ منه قولًا. ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). انظر “زاد المعاد”.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٢٨) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أقسام العهد

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: تجديد العهد وذِكر العهد يبعث كوامِنَ[1] في أرواح أرباب الإيمان، لأن للعهد معهم صَولةً وجولة، من قبل أن يَبرُزوا إلى هذا العالم، وإلى هذا الكون، كانت بينهم وبين الرب الخالق الواحد الجبار الباقي المبدي سبحانه وتعالى، فكلُّ عهد إن كان منطويًا في ذلك العهد فهو عهدٌ محمود، وعهدٌ مبارك، وعهدٌ طيب، وإن لم يندرج وينطوِ في ذلك العهد فلا خيرَ فيه ولا بركة ولا نور، ولا نتيجة له، ولا ثمرة تحمد قط.
فالعهودُ المحمودةُ التي اندرجت في ذلكم العهد بُعِث الأنبياءُ لتجديدها بين الأمم، فكل نبيٍّ يأتي يجدد العهد الذي تمَّ بين الخَلْق وبين ربهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}، وأنا وإياكم كنا عندهم، وكنا سمعنا ذاك النداء، وإن نسينا أو تناسينا، قلنا له: بلى، قلتم لمن؟ هو بنفسه خاطبكم {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}. كنت معهم في ذاك المحضر، قلنا له: بلى {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢].
جدَّد الأنبياء عُهود الخلق مع الخالق، فجاء خاتم الأنبياء، فانفتح بابٌ في التجديد كبير؛ لأنه ما أحد أكرم على الله منه، فجدَّد أكرمُ الخَلْق العهد بين الخلق والخالق، فجدَّد العهد أكرمُ مخلوق لأكرم خالق، تركَنا على محجَّةٍ، على ضوء، على نور، على ضياء، على إشراق، على هداية، على سَناء، على اتصال، على إدراك، على شُهود، على معرفة، على حق يقين، وعين يقين، وعلم يقين، فجزاه الله عنا أفضل ما جزَى الأنبياءَ والمرسلين عن أممهم أجمعين.
بِهِمَّته وعظمته صارت العهود متجددة في أُمته، كلٌّ على قدْر وراثته، كأن الحق سبحانه وتعالى أنبأنا عن عظمة تجديد حبيبه لعُهوده، وقال في صريح كتابه مخاطِبًا له: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: ١٠]، ما أعظم يد حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ما أعظم منزلتها عند الربِّ. الصحابةُ بايَعوا تلك اليد اللحمية لكن قال الله هذه صورتها، أما المعنى: فقد بايعتموني؛ لأن رعايتي مع هذه اليد، لأن عنايتي مع هذه اليد، لأن محبتي لهذه اليد، لأن رضاي مع تلك اليد {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: ١٨]. فرضوان الله مع تلك اليد الطاهرة {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: ١٠] فمَن أراد أن تكون معه يدُ الله فليَمُدَّ يدَه ليد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وأكرمَ اللهُ الأمة بهذه التجديدات للعهود، على أشكال ومعانٍ كثيرة، مختلفة ومتنوعة، ومن ذلك ما يحصل للأُمة من تجديد على رأس كل مئة سنة، على رأس كل قرن، فتحصل معانٍ في التجديد كبرى وقوية، وجمعَنا اللهُ وإياكم على ظهر الأرض، وأراد لنا أن نُحيِي في هذا الوقت والزمن على رأس قرن من القرون الهجرية القرن الخامس عشر، واجَهْنا القرنَ بما فيه. أما فضلُ الحق وعمله وإحسانه للأمة في التجديد فلن ينقص، ولن يتخلف، ولن يتأخر بلا شك ولا ريب، ولكن نصيب كل واحد منا من هذا النور ومن هذا التجديد ما هو؟ وما مقداره؟ وإلى أين يصل؟
لا شك أنكم تستشعرون النعمة من نواحٍ كثيرة بعد غياب أمور كثيرة، ظهرت أمور كثيرة بعض الشيء، وفُقِدت أشياء حُزِن على فَقْدها فعادت بوجه أكبر مما كان، وكانت قلوب موجودة في البلدة تتقطع على هذا الدِّين، وتحرص على إقامة العهود وتجديدها، فما تجد لها سبيلًا لأن تنطلق، أو لأن تتحرك، أو لأن تتكلم، وكان ما كان، هيَّأ الله لكم الفرصة في هذا الزمان، وفي هذا الوقت لو تريد أن تمشي من طَرَف اليمن إلى طرَفه، تُذكِّر في كل قرية لن يُعرِّضك أحد إلى خطر كتعذيب أو قتل أو نحو ذلك، هذا الذي عمله سبحانه لك، فما الذي عملته أنت له؟ وهيَّأ لك الفرصة والسبيل، ومدَّ لك البلاد والبساط، وليس اليمن وحدها، ويفتح لك غير اليمن، وسيفتح لك شرق الأرض وغربها سبحانه وتعالى، فقل لي أنت ماذا تعمل له؟
يجب أن تأخذوا نصيبكم من إدراك: أنتم تتعاملون مع مَن؟ وتنطلقون من أي ميدان؟ وجود الحلقات للرجال والنساء، ومتابعة أبناء المدارس ورَبْطهم بالمساجد، ووجود المجلات الطيبة والنشرات الطيبة، والاعتناء بنشر الأشرطة الحسنة ما بين الناس، ووجود تشاوُر وتعاوُن بينكم، كل هذه مظاهر مِنَّة من الحق سبحانه وتعالى، وأَشائِرُ مقدمات لما خُبِّئ لهذا القرن، هذه أشائر المقدمات، تأتيكم بعدها المقدمات، ويواجهكم بعدها ما أبرمه الحقُّ في قضائه الذي لا يُرَد.
تحتاج هذه الأشائر للمقدمات منَّا إلى مقابلة لها بمعنى الشكر، ومعاني الشكر تتركَّز على قاعدة النظر في هذه الأشائر، كيف نقوِّمها؟ كيف نرفعها؟ كيف نُعدِّل المائل منها؟ كيف نوسِّع قواعدها؟ كيف نُثبِّت دعائمها؟ نظرُنا في هذه الأمور هو معنى كبير وقاعدة للشكر.
شُكر الله في مقابلة هذه الأشائر إنْ حَسُنَ منا، وإن جاء على وجهه، ستأتي المقدمات على وجه عظيم من وجوه إحسانه هو، إذا قابلنا هذه الأشائر نحن بوجوه إحسان منا يقابلنا هو بالمقدمات بوجوه إحسان منه، وما نسبة إحساننا إلى إحسانه! لسنا بشيء، وإحساننا في أوامره هذه وتعاليمه هو إحسان منه أيضًا، فإن قبلنا هذا الإحسان منه، الذي يُجرِيه في قوالب عملنا، وسعينا بتفكيرنا وتواضعنا وذِلَّتنا، وطلبنا للتطهير وللتزكية، وانفتاح صدورنا وانشراحنا للإخوان وللناس، وتحمُّلنا للسباب والشتائم والكلام علينا والانتقاد، وقابلنا المنتقد بالدعاء له وبالإحسان إليه، وبرعاية حقِّه، وما إلى ذلك، فهذا إحسان من الله يُجرِيه في قوالبنا، نحن إن قبلنا منه هذا الإحسان فاجأَنا هو بإحسان من عنده آخر، ليس على مستوى قوالبنا، ولا يَجري بأيدينا نحن، بل يُجريه على يده مباشرة {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: ٦].
كيف فردٌ من العباد يكون في نُصرته (الله)! نُصرتك أنت ما معناها؟! هذا الذي يكون في نُصرتك أحاط عِلمًا بمعاني نصرتك من حيث تعلم، ومن حيث لا تعلم، أنت قد تتصور أنَّ نُصرتك تيسِّر لك شيئًا من الظواهر أو المظاهر، أو تسلِّمك من العذاب في الآخرة -مثلًا يُدخِلك الجنة- وأَنعِمْ بهذه النُّصرات التي تتصورها، لكن في حياتك، وفي مختلف شؤونك، وعند موتك، وفي برزخك، وفي آخرتك، وبعد دخولك الجنة، مَعانٍ من نصرتك، أنت لا تَقرُب من فَهْمها، فضلًا عن أن تحيط بها، هو ينصرك بها، فأنت لو كنت في نصرته تنصر بقدر طاقتك وهِمَّتك وعقلك وإدراكك ووسعك، لكن لما يكون هو في نُصرتك، فالآن هذه ليست بطاقة بشر، ولهذا تدرك الإشارة في قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: «ولا خَطَرَ على قلب بشر».[2]
معاني النصرة شأنها أكبر من أن نتخيَّله أو نَحصُره أو نَقصُره بعقولنا، لكن لو قدرتَ أن تجعل رب العرش في نُصرتك فما أدري كيف أَصِفُ سعادتك؟! فمعاني السعادة التي عندك ما يُحاط بها؛ لأن الذي في نصرتك رب العرش العظيم، مُكوِّن الأكوان.
وأنت تقدر على ذلك، بصدقك في مثل ما تجد من ملاحظات تقوم بها في سَيْرك وفي عملك وفي واجباتك، تَصدُق فيها، فبذلك تتسبَّب لأن يكون في نُصرتك رب السماوات والأرضين، ورب الأولين والآخرين، فما أعظم ما تُدعَى إليه إذا تأملتَ وعقلتَ، وإذا تدبرتَ وإذا فهمت.

 

[1] الكوامن: المقصود بها المعاني التي تستقرُّ في النفس.
[2] الحديث: «أعددتُ لعبادِيَ الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذن سمعتْ، ولا خَطَر على قلب بشر». رواه البخاري ومسلم.