سلسلة شرح كتاب أيها الولد للإمام الغزالي (٥) يشرحه الحبيب الحسين السقاف

يواصل الحبيب الحسين السقاف مدرس العلوم الشرعية شرحه لرسالة الإمام الغزالي أيها الولد، وفي هذا الجزء من الشرح يتحدث عن تمكن الإيمان من القلب، ويتناول تعريف الإيمان وانقسامه إلى قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ومدى الارتباط بينهم، ويشرح أهمية حضور النية الصالحة في مجالس العلم، وذكر أسباب سلب الإيمان من العبد.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان

وعندما يدخل الإيمان قلبا فإن ذلك القلب يصبح متيقنا بـ”لا إله إلا الله” واللسان ينطق بها والجسد والجوارح تترجم معنى تلك الشهادة أعمالاً لا أقوالاً فالقول عمل اللسان والاعتقاد عمل القلب والجوارح تؤكد ذلك الإيمان بالأعمال الصالحة، لذلك فإن عمل المؤمن على وفق ما يعتقد، وهو معنى من معاني الإيمان.

ولئن تسائلنا عن وجه الارتباط ما بين قول اللسان واعتقاد الجنان والعمل بالأركان فعسى أن نجد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجوارح تخاطب اللسان في كل يوم قائلة ((اتق الله فينا لأنك إذا استقمت استقمنا، وإذا اعوججت اعوججنا)). والكَلِم الطيب حين نتلفظ به فإن أنواره تغمر قلب القائل وقلب المستمع، وحين يكون الذاكر هو القائل وهو المستمع تتضاعف الأنوار ويصبح أكثر الناس ذكراً أكثرهم إيماناً لأن الذكر مذكور عند ربه مما يحله في ساحات القرب بعيدا عن وسوسة الشيطان. ثم يصبح هو ذكراً، بحيث يذكر الله تعالى عند رؤيته ويتبارك المكان في حضرته ويهرب الشيطان فلا يقرب مجلسا هو فيه لأن جسده في الدنيا وروحه مذكورة في الأعلى فإن نسي العبد ربه في ساعة فقد نسي نفسه ولن تعود إليه إلا إذا ذكر الله.

لقد جعل الله تعالى دخول الجنة بكرم منه، وجعل الجنة قريبة من المحسنين في عباداتهم وأعمالهم، لذلك يقتسم العباد الجنة بأعمالهم، لا بعلمهم فالعلم شاهد ضدك حتى تعمل به فاذا عملت به صار لك، فإن أتى الانسان إلى مجلس علم بنية العمل حصل على أربعة جوائز من الله تعالى:

  1. يرزق فهم العلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق شيخ بالسند المتصل
  2. يوفق للعمل به
  3. ينتفع بعلمه
  4. ينفع غيره بهوتلك أعظم الجوائز
  5. يسلم من سلب الايمان

وهذه عبارة تقطع الأوصال إذ ينبغي أن نحافظ على إيماننا بأكثر مما نحافظ على جوهرة غالية تراك تفعل بها، هل ستلقيها بيد طفل يلهو بها ويلقيها في القاذورات أم ستصونها وترعاها كما ينبغي؟ وما أدراك ما سلب الايمان. إنه تعاسة الدارين والويل والبثور، ولئن عرفنا أسباب سلبه فلعلنا نتحاشاها:

 

أول هذه الأسباب هو الأمن من مكر الله، بأن لا يبالي العبد بتهديد الله للمنحرفين من عبيده، ولا يخاف من وعيده لهم فيقدم على الذنب غير هياب لأنه خالط أهل الكبائر .

 

وثانيهما الابتداع في الدين

: كأن ينهج درباً مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عتيه وسلم والسلف لصالح الذين جاؤوا بعده – ويأخذ العلم عمّن هبّ ود دون سند ودون يقين، وعلاج ذلك ان يأخذ العلم من أهل السند المتصل.

 

وثالثهما: الاستهانة بانسان محبوب عند الله (نبيّ أو ولي أو صحابي أو تابعيّ..)

 وليحذر من يحتقرهم بلسانه أو بقلبه فتلك قاصمة الظهر، إذ سيعقب ذلك إعلان للحرب من الله عز وجلّ، فالله تعالى يعلن الحرب في موضعين عند التعامل بالربا وعند عدواة أحد أوليائه، حرب لا يهزم فيها الا طرف واحد، الطرف البشري. ذلك أن الطرف الآخر خالق الكون كلّه لا يدركه شىء مما يدركه البشر. ومن حفظ الوليّ أن ستره الله تعالى عن الناس ولم يكشف حاله حتى لا يعظموه ويحتقروا غيره. يظلّ مخفياً بين الناس لننظر باحترام إلى كل الناس – كما خفيت ليلة القدر بين العشر الأواخر من رمضان وكما خفيت الصلاة الوسطى بين باقي الصلوات .

الأعمال من الله وقبول العمل من الله، وحاشاه أن يرد أحداً، ولو أطلعنا الله تعالى على اليسير من رحمته لأحببناه حباً جماً ولحرصنا على أنفسنا أن تصرف إلا في طاعة الله.

 

سلسلة شرح كتاب أيها الولد للإمام الغزالي (٤) يشرحه الحبيب الحسين السقاف

يواصل الحبيب الحسين السقاف مدرس العلوم الشرعية شرحه لرسالة الإمام الغزالي أيها الولد، وكلامه في هذا الشرح عن أهمية العلم النافع وأثر تطبيقه على العبد، والوصول إلى الجنة لا يمكن إلا بالعمل، والحديث عن مراتب العلم وأعلاها، وذكر الفروق بين العلم والمعلومات، والأسباب التي تجعلنا نعمل أعمالا صالحة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع، ذلك أن العلم المجرد يبقى في خزينة الأوراق وطيّ السجلات إلى أن يتحول إلى عملٍ يلمَسُ أثره وتظهر تطبيقاته وينتفع من عوائده؛ والإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل الأركان، والعبد يبلغ الجنة بفضل الله تعالى ولكن بعد أن يستعد بطاعته وعبادته، ولو بقي على الإيمان مجرداً من العمل فأول ما يخشى عليه أن يُسلَبَ الإيمان، فإن لم يسلب الإيمان سيصل إلى الحساب خائفاً مفلساً، فكيف سيكون له حظ في الجنة وقد ورد أن الله تعالى يقول “ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم”.

وأنت أيها الحالم لن تنال أجراً ما لم تقدم عملاً، يقول سيدنا علي رضي الله عنه:- “من ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمنٍّ، ومن ظن أنه ببذل الجهد يصل فهو مستغنٍ”، إنّ طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، ولو كان العلم المجرد كافياً لك ولا تحتاج إلى عمل لكان النداء: “هل من سائل … هل من مستغفر … هل من تائب ..” ضائعاً لا فائدة منه.

والمشتغل في فضل النفس ومناقب الدنيا يظن أن العلم المجرّد سيكون نجاته وأنه في غنىً عن العمل، وهذا ما يعتقده الفلاسفة، يظنون ذلك لتعسهم ولا يدرون أنهم إذا لم يعملوا بما علموا فإنّ الحجة عليهم ستكون أكثر تأكيداً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أشد الناس عذاباً يومَ القيامة عالمٌ لا ينفعه الله بعلمه”

وعالم بعلمه لم يعملن معذبٌ من قبل عباد الوثن

وضرب الغزالي على ذلك مثلاً رجل ببريّة عنده سيوف قواطع وحراب لوامع لكنه لا يستخدمها ولا يمدّ إليها يداً، جاءه أسد، فماذا يفعل؟ إن لم يستخدم ما لديه من سلاح هلك. العلم بحاجة إلى تطبيق وإلاّ سيبقى علماً مجرداً محصوراً بين دفتي كتاب أو في جوانب دماغ لا يستفيد منه.

العبادة الصحيحة بحاجة إلى علم، لأن الجهل لا يحلل حراماً ولا ينقذ من عقاب إلا إذا كان المرء منعزلاً عن الآخرين لا يستطيع الاتصال بهم ولم يعلّمه أحد من قبل أما إذا كان بإمكانه الإتصال بالعلماء فلا عذر له بجهله ولا ينجيه سوى أن يلزمهم ويأخذ عنهم مبادئ وأحكام دينه فيعبد ربه عن علم ودراية، قال تعالى {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل، ٤۳].

واعلم أن أعلى مراتب العلم :-

  1. أن تعمل بكل ما تعلم أو بكل ما علمت، وتعلم غيرك،وتدعو الناس الجاهلين إلى العلموأنت بهذا عاملٌ وداعية إلى الله تعالى، ومثلك يدعى (الوارث النبوي) لأن الأنبياء يورثون العلم والدعوة إلى الله وأنت تعلمت وتدعو إلى الله عز وجل، ومن أراد أن يحوز هذه المرتبة فعليه اتباع ما يلي:-
  • إخلاص النية
  • أن يلتزم شيخاً يأخذ عنه العلم، فالعلم في الصدور لا في السطور
  • أن يدوّن ما يُملى عليه ويحرص على أن لا يفوته شيء
  • أن لا يؤجل عمل يومه إلى غده، بل يعمل بالمسألة فور تعلمها ويعزم على تنفيذها عزماً قوياً
  1. أن يعلم غيره وأةل ما يبدأ بزوجته وأولاده والمقربين منه،عند ذلك تظهر عليه الأنوار بسرعة، ويعطى أسرار، ويترقى في مقاعد الأبرار، وهذا يحتاج منه إلى تخطيط للحياة والمستقبل، والعمل بما علم حتى يأتيه الموت .
  2. أن تعمل ببعض ما تعلم إلى جانب تعليم ودعوة غيرك إلى العلم في دائرة دعوتك إلى الله، والداعي يغلب عليه تعليم ودعوة غيره، وربما ينقص عمله قليلاً مما يجب .
  3. أن تعمل بعشر ما تعلم كالزكاةبأن تخرج من مالك ربع العشر فإن أخرجت ممن علمك ربع عُشره فسوف تعطى نور العلم، يقول العلماء “من عمل بآدب الإستنجاء متبعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر عليه نور العلم”. نقطة الإنطلاق من موطن الخلاء، فكيف إذا عمل بسنن الوضوء والصلاة والعبادات لا شك أنه ستظهر عليه أنوار وأسرار وعطيّات، من ملك مالاً كثيراً يترتب عليه أمراًن: الزكاة وهي فرض، والصدقات وهي تطوع، فمن اكتفى بالزكاة فقد أسقط الفرض ونال أجره، ومن زاد عليها بالصدقات فإن الله عز وجل يعطيه الأجر ويحبه ويقربه ويزيد في ماله، كذلك العلمُ، إذا عملت بجزء منه تحصّل أجراً لكنك إذا زدت فإنك تتنور أكثر وتقرّب أكثر وتحصل من إرث النبوة على حصّةٍ أكبر وتذوق حلاوة الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
  4. أن تعمل بالعلم ولو مرة واحد، عندها تنسب إلى أهل العلم لكنك لن تكون من خواصتهم.
  5. أن لا تعمل بالعلم ولكن تعلّم غيرك وبهذا لا تخلو من خير وتنال أجر التعليم لكن يفوتك سرّهكمن يدعو الناس إلى طعام ولا يأكل، ينال أجر الدلالة، بعض الناس لا يستطيع حضور مجالس العلم لكنه يستطيع أن يتكفل بنفقات طالب علم، فيحصل على أجر مماثل لأجره ويعتبر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من جهّز غازياً فقد غزا”.
  6. لا تعمل ولا تعلّم غيرك لكنك تعزم أن تعمل في المستقبليُرجى لك بعض الخير إن كنت صادقاً في عزمك، وتوفّق لعمل الخير، لكنك في أدنى المراتب.

إن ما تتعلَّمه بحاجة إلى تطبيق وبدون التطبيق يبقى العلم نظرياً سرعان ما يزول وينمحي، مريضٌ يضع الدواء إلى جانبه ينظر إليه ولا يشربه، كيف سيبرأ؟ جائع يقلّب كتاباً في علم الطبخ ويتعلّم تحضير الطعام وتقديمه ومكوناته وفوائدها هل يشبعه ذلك؟ أو يحفظ حياته؟ طبعاً لن يغني ذلك شيئاً. كذلك المتعلم دون تطبيق ينظر إلى الخير لكن يده لا تصل إليه.

هناك فرق بين العلم والمعلومات، بالعلم نهتدي إلى ما يريده الله منّا وإلى ما يحبه فينا، وبالمعلومات لا ندرك ذلك؛ بالعلم تُختصر المسافة بين العبد وربّه فيدرك من الإلهام أضعاف ما حصل من علم؛ ولكن جامع المعلومات أشبه بالحاسوب – آلة تختزن علماً –  لذلك ينبغي أن يطّلع المربي على ما نقرأ من علوم وبإمكانه أن يرشدنا إلى طريق نسلكه يوّر علينا وقتاً وجهداً ويوصلنا إلى نتيجة مرضية توصلنا إلى سر العلوم وتأخذ بيدنا إلى ما فيه خير .

لو قرأنا العلم مئة سنة ثم لم نعمل به لم ينفعنا ذلك العلم شيئاً بل سيزيد المسؤولية التي نحاسب عليها.

دون سعي لن ندرك شيئاً من خير العلم، فالجزاء على قدر الكسب، ولا يكفي للإنسان إذا أخطأ أو وقع في ذنب أن يقول “تبتُ إلى الله” ولا يكفيه أن يهجر العمل السيء فقط بل يريد الله منا أن نعمل صالحاً بدل عملنا السيء. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها))، لتثبت فعلاً أنك تائب. ألا ترى أن الأعمدة الخمس التي بني عليها الإسلام ليس فيها إلا عمود واحد قولي وما تبقى أعمدة قوامها العمل؟ لا يعمر بناء الإسلام بالأقوال؛ إنه يحتاج العمل والتضحية ونكران الذاتت والتفاني في خدمة الدعوة، هكذا قامت دولة الإسلام!

ولو جمعنا ألف كتاب في ذاكرتنا لا نتهيأ لرحمة الله تعالى إلا بالعمل {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم: ۳٩]، {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا} [الكهف: ۱۱۰]، إذ لا أجر بدون عمل أي نفع يجره عليك علم الكلام وعلم الخلاف والطب والدواوين والأشعار والنجوم والعروض والنحو والتصريف غير تضييع العمر بخلاف ذي الجلال كل يوم ينظر الله في قلبك ويقول لك: ((عبدي طَهَّرت ما ينظر الناس منك سنين، وما طَهَّرت موضع نظري إليك ساعة)) ثم يقول لك ((ما تصنع لغيري وأنت محفوف بخيري.. أما أنت أصمّ لا تسمع؟))

هل سألت نفسك لماذا أعمل أعمالاً صالحة؟ إنك تعمل ذلك لخمس أسباب:

  1. امتثالاً لأمر الله وتحقيقاً لعبوديتي له
  2. لأن الذي يعمل صالحاً يكون مظهره مظهر افتقار إلى الله عز وجل.. لأن الكفار كانوا يقولون {لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: ۱٨٤]، ولو أراد الله أن يهدينا لهدانا، ولو أن الله تعالى أعطى عبده نعمة من غير أن يطلبها ربما يجحدها أو ينسبها إلى نفسه فيدخل في كفر آخ، كما قال قارون {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: ٧٨].
  3. فلا يردع العبد إلا المنع وقديما قالوا “كل ممنوع مرغوب”، وكذلك قد يكون المنع سبباً لأن تقرع باب ربك بذل وانكسار وتناديه في الأسحار (يا من ليس لي سواه إليك أرفع حاجاتي وأنت أعلم بها مني..)وحاذر ان يراودك خاطر سوء فتقول: أدعوه ولا يستجيب لي، إنه يستجيب دعاءك فيعطيك إياه في الوقت الذي يريده هو لا الذي تريده أنت، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سلوا الله كل شيء حتى شسع نعالكم..)) أي: حتى الشريط الذي تشدون به النعال إلى أرجلكم، وعوّدوا أولادكم أن يقولوا يارب أطعمنا، يارب اسقنا، يارب اكسنا، ثم أحضروا لهم الطعام والشراب والكساء وقولوا لهم: هذا من عند الله تعالى، فينشؤون على محبة الله تعالى الذي يوفر لهم كل شيء.
  4. إذا قمت بعمل صالح فانوِ به الترقي إلى أعلى مراتب الجنة واطلب صحبة الحبيب المصطفى صلوات الله عليه، موقناً أن عملك لن يبلغك تلك المراتب مالم يتفضل عليك الله برحمته ويشفع لك رسول الله عند ربك.
  5. اطلب مع العمل حصول الصلة مع حضرة ربك وكلما قويت صلتك كان المدد أشد وأبقى {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ۱۳۱].

 

سلسلة شرح كتاب أيها الولد للإمام الغزالي (٣) يشرحه الحبيب الحسين السقاف

يواصل الحبيب الحسين السقاف مدرس العلوم الشرعية شرحه لرسالة الإمام الغزالي أيها الولد، وكلامه في هذا الشرح ينطوي على أهمية الأعمال الصالحة للمريد، وانقسام الأعمال إلى أعمال جوارح وأعمال القلوب، وكيف يقوم العبد بحق العبودية لله، وكيف أن الحياة تطيب وتزكو بهذه الأعمال الصالحة، وطرق التوصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها الولد: لا تكن من الأعمال مفلساً، ولا من الأحوال خالياً، وتيقن أن العلم المجرد لا يؤخذ باليد.

هذه من بداية التوجيهات والتوصيات التي وصى بها الإمام تلميذه النجيب.

لقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته عن المفلس فأجابوه: بأنه من لا درهم له ولا دينار، فصحّح لهم أفكارهم ونقلهم إلى الهداية التامة وأخبرهم بأن المفلس يوم القيامة من يأتي بصلاة وزكاة وصيام وحج ونافلة، ثم تفتح صحائفه فتجده قد اغتاب هذا وسفك دم هذا وهضم حق هذا واعتدى على هذا، فأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى استنفذت، وما قضيت الحقوق فجعل الملائكة يطرحون عليه من أوزار أصحاب الحقوق ثم طرح في النار. ذهبت أعمال ذلك المفلس ولو كان له أعمال ثابتة يبقى أثرها بعد موته لانفتح له باب رجاء إذ كل عمل ينقطع بالموت لا ينفع، فالعمل يجب أن يتوجه لما بعد الموت؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).

ضع نفسك دائماً موضع التهمة؛ حاسبها ولُمها وعاقبها وإياك أن ترخي لها القياد، فإنك إن فعلت جمحت بك إلى دروب الهوى واستعصت على الانقياد والأعمال التي تبقى لما بعد الموت هي التي يشقّ على النفس فعلها في الدنيا، فكلما ثقل عمل نفسك فاعلم أنك ستجده يوم القيامة عظيماً وكبيراً، فالله تعالى يتعاهد هذا العمل الخالص لوجهه فيربيه وينمّيه كما يربي أحدنا مُهره، حتى تصبح الحبة من القمح مثل جبل أحد هكذا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا تكن من الأعمال مفلساً ولا من الأحوال خالياً.

والأعمال تنقسم إلى أعمال جوارح وأعمال قلوب، كلاهما حين يتحدان يثمران حالة إيمانية أقرب إلى السكينة وصفاءً يخالط النفس الجافية فيهذبها ويطفئ حدتها، فترق وتلين وتأنس وتحلق مع الروح التي تنشط حين تخف وطأة النفس عليها فتحلقان في سديم علويّ منسجم ليس فيه صخب ولا سغب ولا عُقد ولا مشكلات.

وتصبح الحياة عند ذلك الإنسان مجرد جسر متين يعبره بثقة نحو الآخرة التي تنسّم بعض حلاوتها في تلك الأحوال التي أنعم بها الله عليه في دنياه.

يلحّ الغزالي على تلميذه أن لا تخلو أعماله من أحوال ترفد عزيمته وتمدّه بمعان من الإيمان العميق تطيب عندها الحياة وتزكو ويتعزز بها الإقبال على الله عز وجل، والتماس الأعمال التي ترضيه من صلاة وصدقة وتكافل وقولة حق وذكر وقرآن ودعوة إلى الله بالتي هي أحسن، هذه كلها أعمال جوارح وقد تنفرد أعمال القلوب عن أعمال الجوارح وقد تشاركها وتخالطها. فالإخلاص والتواضع ومحبة الله ورسوله ومحبة المسلمين والزهد في الدنيا وحسن الظن بالله والتنزه عن الحق والحسد والضغينة والنفاق والرياء والغش. لا ينفي عنك ذلك إلا قيام بحق العبودية لله عز وجلّ وسلوك عند رب خبير يخلصك من تلك العلل بحاله وقاله ثم يستنبت في قلبك خصال الكمال فيجعله مهبطاً لواردات الخير والبشائر وموئلاً للطيبات الصالحات من النيات والعقائد إلى أن يدخلك عالم المعرفة الحقيقة ثم يقول لك: (ها أنت وربّك) (عرفت فالزم … عرفت فالزم).

قم بحق العبودية لله سبحانه وضمّ عمل القلب إلى عمل الظاهر تنضج لك ثمرة عملك وترى أثر ذلك في عبادتك ويتغيّر (الحال) الذي أنت فيه فيصبح مقاماً تنتقل به إلى مقام ثان فثالث فرابع. مقام العبودية يرتقي بك إلى مقام المراقبة إلى مقام الإخلاص إلى مقام الشوق إلى مقام المحبة إلى مقام الرضا. الأعمال ترفدك بأحوال والأحوال توصلك إلى مقامات والمقامات تنتهي بك إلى تسليم كامل لله عز وجل وشهود أن لا فاعل ولا محرّك في هذا الوجود إلا الله عز وجلّ، عندها تكون قد وصلت إلى الإيمان الكامل الذي قال فيه سيدنا عليّ رضي الله عنه (لو كشف القناع ما ازددت يقيناً..

اجعل من أورادك (حسبنا الله ونعم الوكيل) فإن ذكرت الله بها مع الشروط الواجب توفرها من إخلاص ومداومة واتباع لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن صدقت في ذلك كله شملك حال الذكر فتشهد أنه ما في الوجود من شيء إلا وهو في نظر الله عز وجل، فتحسّ بالسكون، هذا السكون هو بداية حال الطمأنينة والركون إلى الله عز وجلّ، وتجدك لا تتأثر بالمتغيرات واضطرابات الاقتصاد العالمي بعكس ما يشعر به غيرك من قلق وتذبذب وخوف.

من يكثر من (حسبنا الله ونعم الوكيل) يحصل له الأنس، فإن تمّ له ذلك ازداد طمأنينة وتسليماً وتفويضاً، عندها يدخل في مقام التوكل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * {:{آا يدخل في مقام التوكليضاً..فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}[آل عمران: ۱٧۳]، ثم يرتقي في مقام التوكل كلما ازداد ذكر الجوارح وازداد الإخلاص في القلب، يترقى من توكل إلى تسليم إلى تفويض {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر، ٤٤]، إلى فناء في الله عز وجل إلى انطواء في الله عز وجل، وهذا كله في مقام التوكل. هذه المعاني تفهم ذوقاً بالروح والسائر إلى الله عز وجل تنفتح له المعاني فتحاً ولا يمكن شرحها لمن لم يذقها، فهي لا تعرف إلا بالذوق، فلو أنفقتُ دهراً وأنا أشرح لك طعم البقلاوة لن تستطيع معرفة طعمها ما لم تذقها، أختصر لك مجلدات كثيرة إن قدمت لك قطعة صغيرة منها وقلت لك: ذق، وهكذا يفعل المربّون الكبار يقدمون لتلاميذهم بادئ الأمر قطعة صغيرة من (طيّب ذواقهم) حتى إذا هام وسكر وانجذب قالوا له: لم يبق لك شيء مجاني، اعمل واكدح وجاهد لتكسب ذلك الذواق.

ووصف لنا ربنا تعالى الجنة وسمى لنا بعض النعيم فيها إلا أنه أخبرنا: (أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). نتخيل الحقيقة ولا يمكن أن نتصورها، حتى وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يعتبر وصفاً كاملاً (جامعاً مانعاً) لأنه في حقيقته أعظم ويوم القيامة سيكشف لنا الحجاب، فنرى مالم يخطر على قلب بش..

ولكن قد نتوصل إلى الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق:

  • رؤيته في المنام
  • عن طريق وجود سرّه في ورثته من العلماء وأهل بيته
  • بالاتصال بذلك النور المودع في تركته صلى الله عليه وعلى آله: آدابه، سنته، أخلاقه، معاملاته، وكلما عملت بسنة أو بأدب أو بخلق أخذت نوراً من أنواره واتصلت به صلى الله عليه وسلم.

ولعلك تلتمس صلة في مدينة عاش فيها وسار في دروبها وطرقاتها، خلف فيها حجرات ومسجداً ومنبراً وروضة ثم ضمت جسده الطاهر، في طوافك بتلك البقاع تحسّ بروحانيته صلى الله عليه وسلم.

وتجد شيئاً من صلة أيضاً فيما ترك من ممتلكات بسيطة، عباءة وسيف ودرع وقميص وعمامة ونعال وعصا وخاتم، وقلامة أظفار وأشعار تتناقلها الأجيال وما يزال فيها ذلك الألق وتلك الروحانية العالية لسيّد العالمين والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

سلسلة شرح كتاب أيها الولد للإمام الغزالي (٢) يشرحه الحبيب الحسين السقاف

يواصل الحبيب الداعية الحسين السقاف مدرس العلوم الشرعية شرحه لرسالة الإمام الغزالي “أيها الولد،” ويتناول في هذا الجزء من الشرح الكلام عن تخصيص وقت لطلب للعلم، وبيان كيفية الطلب المرجو منه النفع، والحديث عن المقصود الأسمى لطلب العلم، ومظان قبول العبد عند ربه.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال الإمام الغزالي وهو ينصح مريده: “أيها الولد كم من ليال أحييتها بتكرار العلم، ومطالعة الكتب، وحرّمت على نفسك النوم.. لا أعلم ما كان الباعث فيه؟ إن كان نيل عرض الدنيا وجذب حطامها وتحصيل مناصبها، والمباهاة على الأقران والأمثال، فويلٌ لك ثم ويلٌ لك!”

هذا هو الغزالي كما عهدنا طريقته، يخاطب المريض أو المريد أو التلميذ واضعاً يده على موطن الداء ليختصر المسافة ويصل إلى الهدف بسرعة؛ وهنا إشارة إلى أن طالب العلم ينبغي له أن يخصص وقتاً لمن ليله لمدارسة العلم فمدارسة العلم تسبيح، ولأن يعود أحدنا إلى بيته بعد حضوره محاضرة علمية أو درساً شرعياً فيمضي ساعة في بيته يراجع ما استمع إليه وما دوّنه في كراسته ذلك ذكرٌ وتسبيح، فخصّص من ليلك ساعة تتدارس فيها علماً كما تجعل فيه صلاة وقراءة قرآن؛ بمدارسة العلم تحيا الأمم على حسن تقتصر العبادات الأخرى على صاحبها بالنفع، وبذلك كان العلماء ورثة الأنبياء.

كذلك الطالب عندما يرجع إلى بيته فيراجع ما ألقي عليه من دروس يكسب فوائد ثلاثة:

  • يعتبر ممن تدارس العلم فيحصل أجر إحياء ليلته بمدارسة العلم.
  • ‌ويحصّل أيضاً ثواب العمل بالعلم لأنه حين يناقش مسألة علمية ويضع خطة لما يجب عمله وما يجب تجنبه إنما يعمل بعلمه وينال ثواب ذلك.
  • بكتابته لمسائل العلم وتدوينها في كراسة خاصة يؤدي دور ناشر العلم إذ لو مات مخلفاً هذه الكراسة سينتفع بها من يأتي بعده. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…) وذكر منها (أو علم ينتفع به)؛ هذا الدرس الذي تكتبه يعتبر من العلم الذي ينتفع به لأنه قد يستفيد منه ولدك أو حفيدك أو زوجتك وبناتك، يقرؤون ما دوّنت فتكتب في الناشرين العلم.

وعلى عادة الأب الحازم والمعلم الصارم يستطرد الغزالي متسائلاً: “وحرّمت على نفسك النوم؟! لا أعلم ما كان الباعث فيه؟ إن كان نيل عرض الدنيا وجذب حطامها وتحصيل مناصبها، والمباهاة على الأقران والأمثال فويل لك ثم ويل لك”.

تلك دعوة الغزالي رحمه الله إلى تحرير النية وإخلاص العمل.. ينبه طالب العلم لعله في غيابة عن أمره، هل تطلب مرضاة الله في سهرك ذاك؟ أم تطلب مزاحمة أهل المناصب في مناصبهم حتى إذا قرعت بابهم قبلوك؟ هل تريد الزواج من ابنتهم؟ أم تبتغي لك محلة في قلوبهم فينالك قسم من أموالهم أو يغمرك نعيمهم؟ ويل لك وألف ويل. حذار أن يأتيك الناس يلتمسون منك الآخرة فتطلب منهم الدنيا. فيعرض ربك عنك لأنك بعت آخرتك بدنيا زائلة، وكذب عملك قولك، تدعو الناس إلى إخراج حبّ الدنيا من قلوبهم وتهفو عيناك إلى ما بأيديهم من دنيا.

أما إذا كنت تجمع مسائل الفقه وتمعن في حفظ الغرائب والمشكلات لتبرز في المحافل وتتصور المجالس وتشير إليك الأصابع بأنك الحافظ الجامع الذي لا يقف أمامه أحد ولا يجاريه أحد، وتنهال عليك المدائح ويتردد اسمك في الشرق والغرب، فهل ظفرت؟ هل نلت ما تبغي؟ لا والله فجهنم توقد بعالم ومنفق وشهيد، يُسأل أحدهم لماذا فعلت ما فعلت، فالعالم يقول: يا ربّ تعلمت العلم وعلمته أبتغي وجهك فيُقال له: كذبت لقد تعلمت ليقال: عالم وقد قيل (خذوه فألقوه في سواء الجحيم) وكذلك يفعل المنفق والشهيد – لقد أرادوا بفعلهم الشهرة والرياء – ظفروا بحمد الناس وأخطأهم رضا الله عنهم وقبوله عملهم لأنه لم يكن خالصا لوجهه الكريم.

أما إذا كنت تجد وتجتهد وتتفوق في جمع العولم تريد الانتفاع بما في عبادتك وعملك، ثم تنقل تلك المعرفة إلى غيرك من المسلمين فتلك هي وراثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا انتشر الإسلام وعلى هذه النقطة يرمز الإمام الغزالي الاهتمام: “إن كان قصدك فيه (أي في طلب العلم) إحياء شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وتهذيب أخلاقك، وكسر النفس الأمارة بالسوء فطوبى لك، ثم طوبى لكـم، ولقد صدق الشاعر حين قال: سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل

إنه – جزاه الله خيراً – يعلمنا نيات طلب العلم أو إحياء الليل في طلب العلم، إذ علينا أولاً أن ننوي إحياء شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما كيف يتم إحياء تلك الشريعة فبإحياء كل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما أتناول مسألة أنوي بها إحياء سنة رسول الله أكون نائباً لرسول الله في هداية الأمة مما يقربني إلى حضرة رسول الله وإلى ذاته الشريفة.

والنية الثانية: هي أن ننوي بها تهذيب أخلاقنا، وبخاصة أخلاقيات القلوب وأخلاقيات التعامل مع الحق سبحانه وتعالى، وأخلاقيات التعامل مع الحبيب صلى الله عليه وسلم وأخلاقيات التعامل مع الناس. نقص تلك الأخلاقيات سبب رئيس لحجاب يقوم بين العبد وربه أو بين قارئ القرآن وبين فهمه أو فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لابد أن أدقق النظر فيما أنا فيه، أبحث عما ينقصحني وأنظر في العلة التي تخيم في قلبي، وأبحث عن طبيب ذي خبرة وتجربة (سلك الطريق ثم عاد ليخبر القوم بما استفاد) ألزمه وأتبع مشورته ونصحه وإن كان فيها ما يؤلم، لأن أنفع الدواء المرّ، ولا تدع للشيطان ثغرة بينك وبينه، فإنه سيحرص على أن يوقع بينكما، اتخذه مرآة لك تصقل عليها طباعك وتحكم تصرفاتك فقد تكون غارقاً في مرض عضال وأنت لا تدري، إن قال لك: (أنت مريض) فتقبل ذلك منه واطلب العلاج بسرعة خشية أن يسبقك الأجل ويختطفك الموت فتلقى الله بقلب مريض فلا ينفعك مال ولا بنون ولا قلب.

يقولون: (إن نصف العلاج بيد المريض) فإن كانت معنويات المريض عالية وهمته سامية يؤمن بأن الشفاء من عند الله تعالى {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}[الشعراء: ٨۰]، ويؤمن بأن طبيبه ماهر مدرّب مجرّب مجاز من جامعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزميل لكلية أطباء القلوب تأتيه منها آخر الأبحاث والتجارب ويتواصل معه أساطين ذلك العلم المتوارث شيخاً عن شيخ إلى رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله. إذا رسخ لديه هذا الاعتقاد فإن شفاءه سهل لأنه جمع علماً إلى تجربة، أما إذا لم يكن مؤمناً بطبيبه فأنصحه أن لا يعذب نفسه، فالإنسان يعطى على قدر ما يطلب والطبيب لن يجدي علمه شيئاً مادام مريضه غير مقتنع به.

والنية الثالثة أن يبقى في حالة تواضع وفقر علمي يسأل الله تعالى أن يزيد في علمه {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: ۱۱٤]، ومتابعة التفكير في الأمور يورث الرويّة والحكمة الاتقان.

الإمام الشافعي رحمه الله يعتبر من شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، هذا الأستاذ زار تلميذه مرة فأصرّ التلميذ على استضافة شيخه وأمر ابنته أن تعد لهما عشاء ففعلت، ثم ذهبت لتنظر إلى الإمام الشافعي وهو يأكل تريد أن تتعلم منه أيضاً، فرأت الإمام يأكل بنهم وإفراط وهو أمرٌ مستهجن من مسلم عادي فما بالك من مثل الإمام الشافعي، ثم رأته يتكئ بعد العشاء ويخلد إلى النوم على حين قام أبوها إلى قيام الليل حتى انبلج الصباح؛ فذكرت لأبيها ما رأت من الإمام الشافعي فأذن لها أن تسأل الإمام الشافعي عن ذلك؛ فسألته بأدب: لقد رأيت منك عجباً يا سيدي الإمام. تبسّم الإمام لها وقال: ما رأيت يا بنية؟ قالت: رأيتك تأكل فتفرط ورسول الله ما شبع من طعام قط، ثم إنك بعد الطعام اتكأت ثم نمت ما قمت من ليل ولا في سحر. أعجب الإمام بفطنة الفتاة وأجابها: يا بنية، لقد علمت أن أباك لا يدخل إلى بيته إلا الحلال الطيب، ولقد أحببت أن أكثر من أكل الحلال لأستعين به على طاعة الله، أما ما رأيت من اضطجاعي ونومي فلقد كنت أفكر في مسألة أخدم بها المسلمين حتى طلع الفجر، تلك المسألة كانت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخي انس بن مالك حين وجده يبكي لأن عصفوره طار من يده مخلفاً ساقه في يد الصغير فجعل الصغير ينظر إلى الساق مرة وإلى السماء مرة ثم يبكي، فاقترب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترضيه وهو يضحك قائلا:ً (يا أبا عمير ما فعل النغير؟ حتى هدأ الطفل وابتسم). اهتدى الشافعي رحمه الله بهذه القصة إلى سبعين مسألة فقهية كان منها أنه يجوز مناداة الصغير بكنية (أبا عمير) (ذا الأذنين) وهي كنية أنس بن مالك رضي الله عنه ومنها أنه يجوز مشاركة الطفل في أفراحه وأحزانه ولو كانت ساذجة بسيطة لأن ما نراه ساذجاً بسيطاً يكون عند الطفل بالغ الأهمية، ومنها أنه يستحب جبر خاطر الطفل واسترضاؤه حتى يسكت وأن نتنزل إلى مستواه في التفكير، ولقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من ترضّى طفلاً حتى يرضى ترضاه الله تعالى يوم القيامة حتى يرضيه. لقد أحيا الشافعي ليلته تلك يُعمل الفكر في حادثة وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستنبط منها أحكاماً وعلماً وفهماً وسلوكاً وأخلاقاً، وحري بنا أن نحاول اعمال الفكر في هذه الحادثة أيضاً لعلنا نهتدي إلى أمور ونستنبط معرفة وعلماً. هكذا يرتقي أولو العلم درجات ويقطعون المسافات ليصلوا إلى مرضاة ربهم سبحانه ويكسرون نفسهم الأمارة بالسوء، فطوبى لهم وحسن مآب.

سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل

ها هو الإمام وقد علمنا نيات طلب العلم أو إحياء الليل في طلب العلم، وينبغي أن يكون هدفنا الأول هو إحياء شريعة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، ذلك يقربنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعل بيننا وبينه جسر تواصل دائم وإمداد لا ينقطع ونور لا ينطفئ؛ وشيئاً فشيئاً ينكشف أمامك الطريق وتسير على بيّنة من الأمر لأنك على هدي رسول الله تقتفي أثره وتترسّم خطاه صلى الله عليه وعلى آله.

سلسلة شرح كتاب أيها الولد للإمام الغزالي (١) يشرحه الحبيب الحسين السقاف

للإمام الغزالي رسالة: أيها الولد، يشرحها الداعية الحبيب الحسين السقاف مدرس العلوم الشرعية، وتتضح أهمية الرسالة في أنها تقرر مبادئ العالم والمتعلم مع سرد لأهم النصائح التي وجهها الإمام الغزالي لتلميذه، وفي هذا الشرح الذي يبدأ به الحبيب الحسين يبين فيه علاقة الشيخ بالمريد في سلوكه إلى الله، وبيان مدى قوة تلك العلاقة التي تعبر عن نسبة الشيخ للمريد ونسبة المريد للشيخ، وأثر تلك العلاقة في تعظيم المريد لشيخه وحبه له، وهذه كلها أمور تعبر عن الصلة بالله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لابدّ للسالك المتلقي من أن تكون له مكاتبات مع شيخه من خلال رسائل بينهما إنما هي وصايا أو توجيهات غالباً ما يبدؤها التلميذ أو المريد وقد يبادر الشيخ إلى ذلك فيسأل تلميذه سؤال الحكيم ليلفت انتباهه إلى أمر معيّن أو إلى حكمة يريد تزويده بها. تلميذ الغزالي رحمه الله طلب من شيخه خلاصة لما تلقاه عن شيخه من علوم فكانت هذه الوصايا الثمينة التي جمعها الإمام الغزالي رحمه الله في هذا الكتيّب الصغير ليرشد تلميذه إلى نوع العلوم الذي ينفعه ويؤنسه في قبره ويكون زاداً له لآخرته. وقد حثه فيها على التعمق في طلب العلم والعمل به على وجه الإخلاص إذ العلم بلا عمل جنون والعمل بغير علم لا يكون.

يلفت نظرنا في هذه النصائح صفتان:

  • صفة النسبة: فقد نسب تلميذه إلى نفسه وهذا دلالة على قبول الطلب وإرشاده إلى سريان المدد إلى كل مستمع أو قارئ كما أنه إشارة إلى الشفقة والمحبة التي يبدؤك بها الغزالي حين يخاطبك كولده؛ فهو إطلاقاً يريد لك الخير ويدرأ عنك كل ما يريبك ويسيء إليك لكنه لا يخلو أحياناً من شدة المعلم الحازم أو الأب المنضبط الصارم الذي يقطب جبينه ويعبس لكن قلبه يقطر رحمة.
  • صفة المحبة والتعظيم: للشيخ الذي تتلقى عنه والطاعة المطلقة لما يطلب منك فعله لأنه لا يريد لك إلا الخير ولا يسألك على صنيعه أجراً {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}[الإنسان: ٩]، ذلك مثل الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبّ يتغلغل في حنايا القلب وامتثال متين لأوامره وتوجيهاته الصادرة عنه لفظاً أو إشارة أو حتى حركة وجه؛ فيفعلون أو يمتنعون وفقاً لتلك الإشارات الذكية الصادرة عنه صلى الله عليه وعلى آله. ونحن يجب أن نحب الإمام الغزالي مع أننا لم نره ولم نجالسه، بل قرأنا ما كتب وسمعنا شيوخنا يثنون عليه، ويحمدون خصاله، من ذلك أحببناه وإن لم نره. اللهم وإنا نحتسب لديك هذا الحبّ فيك لأنه أحسن إلى الأمة ودافع عن العقيدة وكبت أعداءها.

وقد يقول قائل: إن الإنسان تكفيه النصيحة والمشورة من كتاب الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فنجيبه إن نصيحة القرآن والسنة أشبه بصيدلية ملئت بأنواع الأدوية، أنت تحتاج إلى صيدلي بارع يصف لك الدواء المناسب والجرعة اللازمة والمدّة اللازمة. وقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار من تلك الصيدلية ما يناسب كل فرد، فكثير من الصحابة سألوا عن أفضل الأعمال أو أحب الأعمال إلى الله عز وجلّ فقال لأحدهم: الصلاة على وقتها وقال لآخر: لا تغضب وقال لثالث: برّ الوالدين ونصح فلاناً بالصوم وشجع فلاناً على قيام الليل وعلم فلاناً ما يقول إذا أراد القيام بعمل.

أخذ صلى الله عليه وسلم من صيدلية الوحي ما يناسب كل مريض، وورث ذلك العلم لعلماء الأمة، فلابدّ من الأخذ برأيهم وطلب المشورة منهم والنصح. وإذا لم تصلك نصيحة من كلام الله أو من كلام رسوله، فذلك دعوة لك لأن تتعلم وتعمل بما تتعلمه، ودعوة لك لأن تتواضع فلا تتردد في قولك: (لست أدري) إني سألك سائل عن شيء خفي عليك؛ ولك في رسول الله أسوةٌ عندما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم قائلاً: ما المسؤول بأعلم من السائل، وهذا توجيه آخر للإنسان المسلم عالماً كان أم من العوام.

وإن استنصحك إنسان فأشر عليه بما جاء في كلام الله تعالى أو في أحاديث المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله. واعلم أن علامة إعراض الله عنك هو في إعراضك عنه. فالإعراض من الله تعالى مترتب على الإعراض من العبد (إنّ الله لا يملّ حتى تملوا). تخلف منافقون عن غزوة الخندق وانسحبوا من الجيش المسلم مدّعين أن بيوتهم عورة، كذبهم الله تعالى بقوله)(: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ، لكنهم كانوا فرحين لأنهم تخلفوا فكشف الله أمرهم وكره انبعاثهم فثبطهم لأنهم طووا كراهية واستعلاءً على المؤمنين.

واعلم أيضاً العمر واحدة من ساعات ثلاث:

  • ساعة تمضيها في طاعة الله بجميع أنواعها، يفرح بها المؤمن والمقرّب من الله تعالى يود لو عمل أكثر.
  • ساعة تمضي في معصية يندم عليها المؤمن والمقرّب لا يقترب منها أبداً ونتيجتها حساب أو عتاب أو عقاب أو عفو.
  • ساعة انقضت في مباح هي يوم القيامة حسرات لأنها لم تستغلّ كما يجب يتمنى العبد لو حضر مجلس علم والإنسان يستطيع أن يخفف من تلك الحسرات بتنظيم الوقت ومحاسبة النفس. وإذا لم تستطع أن تحاسب نفسك فاتخذ لك صديقاً ينصحك وتسمع منه وتستجيب له، أو يتعاون الزوجان على هذا الأمر، فتستحيل حياتها رغداً ونعيماً مقيماً.