موازين القرآن في النظر إلى الأكوان وأهلها وشأن الخشية والرجاء في القلوب للحبيب عمر بن حفيظ

محاضرة مكتوبة للحبيب المربي عمر بن حفيظ، تتضح أهميتها عند قراءتها في بيان أثر النظر إلى تعاليم القرآن التي تقتضي أن نعظم الله في القلوب دون غيره، وندرك من خلالها أن المؤمن بالله أعظم مكانة من أي مشرك صاحب حضارة، وأن العجائب لا تنقضي في تقليب قلوب عباده، وأن الصدق هو الأساس لعلافة الإنسان بربه، وأننا أحق بالأنبياء من غيرنا من تلك الأمم التي لا تعظمهم.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله مُكرِمنا بالوجهةِ إليه والوقوفِ بين يديه، والتشبُّه بمن أُكرِموا بالتذلُّل له جل جلاله، لِننال نصيبَنا مِن عزَّته، فلا عزيز إلا مَن أعزَّه، ولا منصورَ إلا مَن نصرَه، ولا مُكرَماً إلا مَن أكرمه، لا إله إلا هو، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ مَن واليتَ، ولا يعزُّ من عاديت، تباركتَ ربَّنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، فحقِّقنا بحقائق الاستغفار وتُب علينا يا تواب في السر والإجهار توبة نصوحاً نرقى بها مراقِي الزيادة من استمطارِ رحماتك في آناء الليل وأطراف النهار برحمتك يا أرحم الراحمين.

وقد ذُكِّرتم بالأعمار، وذكرتم باستقبالِ العام الجديد، وذُكِّرتم بهجرة المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، وذُكِّرتم بطلب المزيد من الفضل من الله الحميد المجيد المبدئ المعيد، ويواجهكم في أول العام الهجري الجديد ذكرى للنبي موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، ولها يومٌ سمي يوم عاشوراء، ويتقدمه يومٌ يسمى يوم تاسوعاء، ذكرَه عليه الصلاة والسلام، وعزم على صيامه مع صيام عاشوراء، وقال: إن عشت إلى قابل لأصومن التاسع، وجاء في رواية: لأصومن التاسع والعاشر، كما صح في الحديث أنه لما هاجر وقدم المدينة وجد اليهودَ يحتفلون بيوم عاشوراء ويصومونه، فسألهم عنه فقالوا: إنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى، وأغرق فرعون وقومه، فنحن نصومه شكراً لله تعالى، فقال سيدنا المصطفى: أنا أحق بموسى منكم، وفي لفظ: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر الناس بصيامه. وقال: صيام يوم عاشوراء يكفِّر ذنوبَ العام الذي قبله.

 ونحن أحق بموسى منكم، أي أنا وأمتي أحق أن يعرفوا قدرَ الأنبياء من خلال معرفتِهم بمُرسل الأنبياء ومنبِّئهم، وهو الله جل جلاله، أنا وأمتي أحق أن نعرف القدر لأهل القدر، وأهل القدر عند الله والمكانة مِن خلقه أنبياؤه ورسله، قَبل سواهم من أهل الأرض والسماء، فمجَّد الأنبياءَ والمرسلين سبحانه وتعالى، فقالوا يوم القيامة عند البعث من القبور: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: ٥۲]، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: ۱٧۱ – ۱٧۳].

فيا أهل الإيمان بالله: كل ما يطارد قلوبَكم من إقامة عظمة لأي أجناس من أجناس الكائنات فوق عظمة الأنبياء فهو الكفر، وهو الظلمة، وهو النفاق، وهو السوء، وهو القلبُ للموازين، وهو العكسُ للحقائق، وهو المخالفةُ للخالق، وهو المخالفة لخيرِ الخلائق، فاحذروا أن يملكَ قلوبَكم شيءٌ مِن تعظيم أيِّ كائن من الكائنات قبل تعظيم الأنبياء، لِم؟ لأن العظمةَ في الأصل ليست لشيء من الكائنات، لكن للمكوِّن، وهوالله تعالى في علاه، والمكوِّن يعظِّم مَن يشاء ويمجِّد من يشاء ويرفع من يشاء، فما عظَّم في الكائنات كأنبيائه ورسله، فأعظمُ الكائنات بجميعِ أصنافِها أنبياءُ الله ورسله، اعتقد ذلك، تحقَّق بذلك، أصدق في ذلك، ذُق ذلك، ذق هذا المذاق حتى لا يكونَ في قلبِك شيءٌ في الكائنات أعظمَ وأعزَّ من أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم، فهم الأعزُّ عند الله، وهم الأكرم عند الله، وهم أتقى الخلائق {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ۱۳]، ثم الملائكة المقربين، ثم الصدِّيقين من غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم عموم الملائكة، ثم عموم البشر من المؤمنين {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} (وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}[البقرة: ۲۲۱].

 فإذا تسرَّب إلى القلب أنَّ أحداً من المشركين صاحب حضارة، أو صاحب صناعة، أو صاحب فكرة، أو صاحب مال، أو صاحب اختراع، أعظم عندك من أدنى مؤمن وما في المؤمن دني فأنت تخالفت مع القرآن ومع ميزان الرحمن {وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} وانظر نصبَ هذا الميزان واضحاً جلياً في كلام ربك: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: ٦] هؤلاء شر البرية الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هل عرفت؟ عرفت أين يضع ربك خلقه؟ تريد وضعاً آخر غير هذا؟ أعوذ بالله، هذا وعد ربك: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}  وهذه ميزاتهم الكبرى لا يدركها مخترع ولا صانع ولا واحد طلع في الفضاء لمدة ستة أشهر أو سنتين ثم رجع إلى الأرض ما يحصل هذا المصير، {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.

اللهم احشُ هذه القلوبَ خشيةً منك، وهل تُحشى خشيةً منه إلا إذا حُشِيت نورُ معرفةٍ به؟ وإنما يخشون على قدرِ معرفتِهم، كما يحبون على قدرِ معرفتِهم، كما يرجون على قدرِ معرفتِهم، وبقدر ما يعرفونه سبحانه وتعالى، يرجونه، ويخافونه،ويخشونه، ويحبونه جل جلاله {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: ۱٦٥] تعالى في علاه {ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} اللهم اجعلنا ممن يخافك ويخشاك ويتقيك.

وفي عجائب تقليبك للقلوب، نعيش على ظهر الأرض … وقلوب خوفُها من الحوادث، وقلوب خوفُها من الحروب، وقلوب خوفُها من السقطات، وقلوب خوفُها من الفقر، وقلوب خوفُها من المرض، وقلوب خوفُها من الأسلحة الفتَّاكة، وقلوب تخافك أنت، وأنت الذي سيَّرتَ هذه القلوب، ويا مقلب القلوب والأبصار انزَع من قلوبنا خشيةَ سِواك، وأملاها بخشيتك، وانزع عنها رجاء سواك واملأها برجائك، اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحداً غيرك … يا الله، ولهذا ذكر الله لنا وصفَ الصادقين في تبليغ رسالات الله بعد النبيين والمرسلين فوصفهم بهذا الوصف: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: ۳٩] هل تعرف معنى ولا يخشون أحداً؟ {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} .

 اطلب الصدقَ مع ربك في تحقيق الخشية منه، فإنَّ غيره لا يستطيع أن يصلك ولا أين يضرك ولا أن ينفعك إلا بأمره هو، وقدرته هو، وإرادته هو، وتقديره وإذنه هو جل جلاله وتعالى في علاه {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان: ۱] فأي شيء يأخذك غيره؟ أي شيء يقطعك؟ {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}، {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا}، الله أكبر، تحداهم الله بجميع ما أوتوا أن يخلقوا ذباب {إنَّ الذين تدعُون مِن دون الله لن يخلقوا ذباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} تقدم الإنسان، وتطور، قل له: يخلق ذباباً … تجده عاجزا، فرداً وجماعات، شعوباً ودولاً، عاجزون، {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أصلهم مخلوقون، مُكوَّنون، هذا الذي تمجِّده وتعظِّمه بداية تكوينه كان نطفة مهينة، هو ذا نفسه، واليوم تصفق له، هو هذا كان نطفة ثم تحول إلى علقة، من الذي حوله؟ لماذا نسيتَ الذي حوَّله وخلقه من النطفة وذهبت تمجد هذا الإنسان، ثم تحول إلى مضغة، ثم تحول هيكل عظمي، ابتنى فوقه اللحم، نُفخ فيه الروح، يُسِّر له السبيل وخرج … بقدرة من؟ ترتيب من؟ {وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} كما قال صدق ربي جل جلاله وتعالى في علاه.

فأنزلِ الأشياءَ منزلتَها، العظمة لله جل جلاله، كيف يصل إلى الله قلبٌ صورُ الأكوان مُنطبعةٌ فيه؟ معظِّم إنسان، معظِّم حيوان، معظِّم جماد، معظم هواء، معظم فضاء، معظم أرض، معظم سماء، معظم بحر معظم بر، وكلها ذي احتوت قلبه، متى يعرف الله هذا؟ امتلأ قلبه بالكائنات، والمكون أين محله!؟ فَضِّ قلبك حتى تعرفَ عظمةَ المكون فتصغر الأكوان كلُّها في نظرِك، ولا تساوي ذرة من قدرة الله جل جلاله، ومن عظمة الله تعالى، وما خلقها إلا لتعرفَ عظمته، وإلا لتعرفَ ألوهيته، وإلا لتعرف ربوبيتَه جل جلاله وتعالى في علاه،

فواعجباً كيف يُعصى الإله ** أم كيف يجحده الجاحد؟

ولله في كل تحريكة ** وتسكينة أثر شاهد

وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه الواحد

 لا إله إلا هو {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} عيني آية، وأذني آية، ويدي آية، ولساني آية، ورجلي آية، وبطني آية، وجهاز تنفُّسي آية من آياته تقول لي: اتقِّ ربك، عظِّم ربك، مجِّد ربك، وحِّد ربك، خَف من ربك، ما العين إلا منه {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ *وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ *وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: ٨]، {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: ۳] {أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: ۲۱].

 وكم يشاهد الناس معاني من قوله تعالى {أمسكَ رزقه} منع هذا أن يتغذى والغِذاء أمامه، حالَ بينه وبينه بأي سبب، بعُد عنه، جاءت كارثة أفنت ماله، سلط الله عليه عدوا، وقَّف أرصدته كما يقولون أو عمل له ما عمل وانتهت {أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} بهذه الأفكار وهذه التصورات {أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أتباع الأنبياء أتباع الوحي المنزل من السماء {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} لك الحمد يا ربي على أعينِنا فارزقنا طاعتَك بها، لك الحمد على آذاننا، فارزقنا طاعتك بها، لك الحمد على أفئدتِنا فارزقنا طاعتك بها، وارزقنا فيها خشيتك ومحبتك ورجاءك يا أكرم الأكرمين، {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ويقولون متى هذا الوعد، الكلام اللي عندكم من الأنبياء والرسل إلى خاتم الرسل سيدنا محمد متى هذا؟ متى القيامة هذه؟ ومتى الوقوف بين يدي الرب هذا؟ ومتى الحساب هذا؟ {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عند الله} في تحديد الساعة والزمن {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ولكن لا بد يجي {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} مُعاينة {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الذي كان مغترا والذي كان متكبرا والذي كان متغطرسا والذي كان عنده ما عنده، والذي كان زاهيا بماله والذي كان زاهياً برئاسته … {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} هذا الذي كنتم تتكبرون وتتقولون متى هذا الوعد ومتى ومتى {وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ} {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وقد بنيت أموري على الأساس {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} فيا رحمن ارزقنا كمال الإيمان، واجعل توكُّلَنا عليك صحيحاً.

 ومَن صحَّ منه التوكلُ على الله فحسبهُ الله {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ۳] أي كافيه {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: ۳٦] ارزقنا صحة التوكل، ارزقنا حقيقة التوكل عليك والاعتماد عليك يا رب العالمين {قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} وقال في آيات أخرى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قال الله: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء: ۳٩]، {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} [الانعام: ۱۰] يعني هذا النَّمط من المسار المُعوَج موجود في الأزمنة كلها، كفرة فجرة ينتقدون الأنبياء، يكذبون بالرسل، يقابلون بمناهج الحق ووحيه أفكارهم واختراعاتهم، قد قالوا هكذا وعملوا هكذا {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ} [الأنبياء: ٤۲]، قل مَن يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن؟ من يحرسكم من الرحمن؟ {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا}.

يقول صاحب أنطاكية لقومه: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: ۲۰ – ۲٥]،  عجَّل الله بروحه للجنة، قتلوه القوم وخابوا وخسروا، وفاز هو، فلما قتلوه شاهدَ الجنة والنعيم والجزاء قال: {قيل ادخل الجنة، قال يا ليت قومي يعلمون} ينقذون أنفسَهم مِن هذا الزيف والغي والظن الباطل، ينقذون أنفسهم من النار إلى هذه الجنة {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ} وقومه من بعده كم جلسوا؟ هلكوا، هم اليوم قُتلوه وبعد بكرة راحوا {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} قُتلوا وراحوا، هو قُتل إلى الجنة وهم قُتلوا إلى النار، فمن الفائز بربك؟ قل لي من الفائز منهم؟ هؤلاء المغترِّون الذين كذبوا الرسل، أم هذا الذي قُتل عليه الرضوان!؟ هذا الذي جاء من أقصى المدينة يسعى حامل هَم الدعوة: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى * قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} حبيب النجار عليه رحمة الله تبارك وتعالى ورضوانه، لما درى المسار في المدينة في مواجهة المرسلين الذين أرسلهم سيدُنا عيسى إلى تلك القرية أنطاكية قام يؤدي دوره {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} ماذا عندك؟ هل لك حاجة؟ هل لك مصلحة؟ تجارة أو غيرها؟ يدعو قومه إلى الله ويناصر المرسلين {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وأنت تتبعهم هؤلاء؟ {وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} قتلوه، {قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} نصحهم وهو حي، ونصحهم وهو ميت، انظر أهل الخير والحق والتقوى كيف يتعاملون مع الناس، ينصحونهم ويريدون لهم الخير أحياء وأمواتا.

 وغيرهم من أهل السوء والباطل … يتآمرون على السوء والشر في الدنيا، وإذا تجمعوا في الآخرة لعن بعضهم بعضاً {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: ۳٨] هذا وصف الباطل، هذا وصف أهل الزيغ والشر، {حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ} ضاعِف العذاب عليهم، زِدهم، هذا وصية بعضهم ببعض، نهاياتهم، قال لكل واحد ضعف، كل واحد يأخذ نصيبه، ولكن لا تعلمون {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ } لماذا تزيدون علينا وأنتم مثلنا؟ فقالت أولاهم لأخراهم: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} لماذا تُفضَّلون علينا ؟ نشرب الخمر وتشربون، نسكر وتسكرون، نعصي وتعصون، نسبُّ الأنبياء وتسبون، نترك الواجبات وتتركون، لماذا تريدون العذاب لنا وحدنا دونكم!؟ ما لكم علينا من فضل {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} انقطعت آمالُهم، انقطع رجاؤهم لأنهم انقطعوا عن صاحب الأمر، انقطعوا عن مَن بيده ملكوتُ كل شيء في الدنيا، وخالفوه وعصوه، انقطعت، قال: {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} إلا أين يسكنون؟ {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} اللهم اجعلنا مِن أهل الجنة، اللهم اجعلنا مِن أهل الحق والهدى، اللهم اجعلنا مِن أهل خوفك ورجائك، ننفع عبادَك أحياءً وأمواتا، ونريد لهم الخير أحياءً وأموات يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.

قال سيد أهل الحق الحامل لحقائق الرحمة عن الحق في المنافقين الذين يقول الله فيهم: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} قال لو أعلم أني حين لو زدت عن السبعين غفر لهم لزدت عن السبعين، هذا الذي يحمله قلبُه صلى الله عليه وصحبه وسلم، وهكذا قلوب السالكين مِن بعده.

 نحن أحق بموسى منكم، فنحن معشر الأمة أحق بتعظيم الأنبياء، أحق بتعظيم أهل الله مِن غيرنا من الناس، ونحن أولى بجميع الأنبياء لأننا آمنا بهم أجمعين ببعثة النبي الأمين محمد عليه الصلاة والسلام {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: ۲٨٥].

 وجاءت الآيات الكريمة وفضل الله تبارك وتعالى مُنسابٌ على الأمة من جميع الجوانب، ونزلت على المصطفى محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، وقرأها، وقرأها الصحابة من بعده، وحثهم على قراءتها كل ليلة، وقال على الآيتين من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه، ماذا تكفيانه؟ الهموم والغموم والبلايا والآفات والمصائب والأحزان والقيام، كفتاه، فلما نزلت وقرأها صلى الله عليه وصحبه وسلم {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قرأها الحبيب، قال الله قد فعلت، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال الله قد فعلت، قرأها صلى الله عليه وسلم: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال الله قد فعلت، قال: {وَاعْفُ عَنَّا} قال قد فعلت، {وَاغْفِرْ لَنَا} قال قد فعلت، {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال قد فعلت، الحمد لله يا ما أعظمَ هذا الرب ويا ما أجزلَ عطاياه، {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا} {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعفُ عنا واغفِر لنا وارحَمنا أنتَ مولانا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} آمين يا الله.

كما استجاب لأوائلنا يستجيب لأواخرنا، وما ذا إلا مع ذا، وما ذا إلا من بركة ذا، فلك الحمد يا رب، جعلتنا في خير الأمم فثبِّتنا على أقوم قدم، في حُسن الاتباع لحبيبِك الأكرم، في كل ما خصَّ وكل ما عم، في كل ما نوته القلوب أو تحركت به الأعضاء أو نطق به الفم، يا أكرم الأكرمين.

 زيَّنكم الله بزينة الاتباع لحبيبه، وهي الزينة التي يتفاخر بها في مواقف القيامة كلِّها وفي الجنة، حتى في الجنة، بل نصيبك من الجمال والزينة في الجنة نصيبك من زينة سنة محمد في الدنيا، فإذا نظرتَ إلى هذه الحقيقة عرفتَ أن زينةَ الجنة وجمالها وزينةَ أهلها وجمالهم من جمال النبي محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، لأن كلها قائمة على سنته، نعم والله نصيبك من جمال الجنة وزينة الجنة بقدر نصيبك من زينة متابعته، نصيبك من زينة الاقتداء به، من زينة سنته، إذاً فحقيقة الزينة هو، وسنته، ومنه قامت الجنة وزينتها، ومنها أعطيت وقُسِّمت الجنة لأهل الجنة ولأصحاب الجنة على قدر زينتهم من تبعية حبيب الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالله يزينَّا بهذا الشرف يا الله، لنا عيونٌ تلطَّخت وتوسَّخت، أبعِد عنها وسخَها وقذرَها وزيِّنها بزينة الاتباع لنبيك الذي كان جلُّ نظره الملاحظة، ونظرُه إلى الأرض أطول مِن نظرِه إلى السماء، والذي قال ما يكون لنبي أن تكون له خائنة الأعين، ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين، بصر شريف، شرَّفتَه وكرَّمتَه وقلتَ عنه: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النحم: ۱٧ – ۱٨] صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، تأدبَ بأدبِك فقلت: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:  ۱۳۱] فما امتدَّت عينه إلا إليك ولا نظر من خلقك إلا لمن يذكرك ممن أحببت وقلت له: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: ۲٨]، فشرِّف نظرَنا بهذه التبعية بخير البرية، شرِّف هذه العيون يا الله حتى تتهيأ أن تراه، حتى تتهيأ أن تراه، في الحياة في الوفاة في يوم القيامة، وإذا رأت العيون وجه الأمين المأمون استعدت لدخول الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم، لكن عين ما ترى وجه محمد في القيامة ما تدخل دار الكرامة، يقول صلى الله عليه وسلم “الويل لمن لا يراني يوم القيامة.”

يا الله وهبتَ لنا أسماعاً تلطَّخت بكثير من الذنوب والمخالفات مما سمعَت من غيبة ومن نميمة ومن كذب ومن هزوء ومن استهزاء، ومما سمعَت مِن شيء مما حرمتَ من الآلات، فطهِّر أقذارَ أسماعنا ونزِّهها عن كدوراتها، وزيِّنها بتبعيةِ سمعِ حبيبك محمد يا الله، وإذا حضرت مجلس وجاء ربُّ العرش وزين بصرك، زيَّن سمعك، خرجت بفائدة عادت عليك العائدة، بُسطت لك المائدة، يا رب زيِّنا يا رب أكرِمنا، فهي سوق عطائك وساحات هباتك يا جزيل العطية، اربطنا بخير البرية، وبلِّغنا أقاصي الأمنية …

فوا شوقَ الفؤاد لخير عيش ** مع الأحباب في الغُرفِ العلية

عسى الرب الكريم بمحض فضل** يبلِّغنا أقاصي الأمنية

إذا عرفنا أننا أحقُّ بالأنبياء والأولياء فما عشقنا كافراً ولا فاجراً ولا عاصياً ولا غافلاً عن الله، وعشقنا الأنبياء والأولياء والأصفياء، فحينئذ نحب التحية لهم والاقتداء بهم ونواليهم ونودهم في الله، ونتذكر معاني أهل الرتب العُلى حينما يذكرون أصحابهم وأربابهم وأقرانهم، ويقولون:

لجيران لنا في الأبطحية ** بعثتُ مع النُّسَيمات التحية

وأودعتُ النسيمَ حديثَ حبٍّ ** قديم كان من يوم القضية

قال بيني وبينهم محبة من أجله هو، ما أحببتهم إلا له، ولحبي إياه، من متى هذه المحبة برزت في قلبك؟ قال في القلب من يوم القضية، يوم قال الله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} وكانوا في المجمع حاضرين وأنا واددتُهم وخاللتُهم وأحببتهم من تلك الساعة.

وأودعتُ النسيمَ حديثَ حبٍّ ** قديم كان من يوم القضية

دفين في الفؤاد به حياتي ** إذا صال الفناء على السوية

دفين في الفؤاد مخزون وسط القلب، محبة سابقة للحق ولأهل حضرة الحق من الأصفياء والأنبياء والأولياء،

 دفين بالفؤاد به حياتي، قال بهذا الحب العظيم حياتي إذا صال الفناء على السوية، إذا خرجت الروح من الجسد وصال الفناء على السوية، بُنيتي الجسدية أنا حي، وإن أخذوا جسدي ودفنوه في التراب أنا حي بهذه المحبة، به حياتي إذا صال الفناء على السوية

تزمزم لي الحداة بذكر ليلى ** وما هي يا فتى بالعامرية

يقصد أعلى مراتب المعرفة بالله. لا تظن أنها شيء من الخلق ولا بني آدم، وما هي يا فتى بالعامرية، فماذ يحصل لك؟ قال

فأصبو ثم أصبو ثم أصبو **  ولا كالصبوات العُذُريَّة

وليست للغواني والأغاني ** ولا للشهوات الدنيوية

ولا للفانيات بأي معنى ** ولكن للأمور العلوية

 دع أولئك في صبواتهم الناقصة الهابطة، أنا عندي صبوة أشد إلى فوق، فأصبو ثم أصبو ثم أصبو، ولا كالصبوات العذرية.

  هكذا الخلق فيمن أراد أن يُعليهم ومن أراد أن ينزل بهم ويخفضهم جل جلاله، ارفعنا ولا تخفضنا، ارفعنا إلى أهل تلك المراتب، ولكن للأمور العلوية، ما هذه الأمور العلوية؟

حقائق من رقائق قد تسامت ** بأوجِ الحضارات القدسية

مناظر للنواظر من قلوب**  مطهرة زكيات نقية

وأرواح تطير إلى علاها ** بأجنحة الغرام المقعدية

فتسرح في رياض من جنان** وتأوي للقناديل المضيئة

فواشوق الفؤاد لخير عيش ** مع الأحباب في الغرف العلية

عسى الرب الكريم بمحض فضل**  يبلغنا أقاصي الأمنية

كثير من الأيدي في القيامة من المكلفين من هذه الأمة لا تصافح يدَ محمدٍ أبداً، ومن الأعين مالا يرى وجهه أبداً، والعياذ بالله، وأولئك الفاسقون وأولئك المبعدون، ثم من الذين يصافحون يده والذين ترى أعينهم وجهه مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، وأقاصي أمنية فوق فوق فوق.

وإذا قَبِل الحق تبارك وتعالى فجزءٌ من هذه الأمنية يجتمع الجميع على الحوض المورود ويُسقَون من ذاك الشراب بيد صاحب المقام المحمود، ومَن يأذن له بالسقيا على حوضه المورود، وأقاصي الأمنية فوق ذلك، عسى الرب الكريم، إنما كل واحد يعرف أمنية على قدره وأقصاها على قدره، وعند الله تبارك وتعالى مالا يُكيَّف ولا يوصف، عسى الرب الكريم بمحض فضل يبلغنا أقاصي الأمنية

فيا رب واجمعنا وأحباباً لنا ** في دارك الفردوس أطيب موضع

فضلاً وإحساناً ومنّاً منك يا ذا **الفضل والجود الأتم الأوسع

فأحسِنوا مقابلةَ الأيام، تمر علينا الآن ليالي من السنة قد مرَّت، كان هنا في أول ليلة أعمارنا أطول، عمر كل واحد منا أطول من الليلة، كان في أول ليلة عمرك أطول من الآن بست ليال، الآن خمس قد راحت، خمس ليال قد راحت أنت في الليلة السادسة، أول ليلة في السنة كان عمرك أطول من الآن بخمس ليال، نقصت الخمس الليالي هذه والباقية بتمشي شوية شوية، فانتبه واغتنم ويجيك يوم تاسوعاء صم، يجيك يوم عاشوراء صم، مهما تيسر لك وسِّع على العيال، مَن وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله عليه طول سنته، يحبون في هذه الأيام الفاضلة يتفقدون السنن النبوية، يتفقدون زيارة العالم، يتفقدون عيادة المريض، يتفقدون سنة تقليم الأظافر لمن طالت أظافره، يتفقدون بقية السنن النبوية الواردة في مثل هذه الأيام خاصة، الله يكرمنا وإياكم فيها، الله يجعلها لنا وسائل ارتقاء ومعارج دنو مِن حضرته وزيادة في الإيمان واليقين،

يا رب تبارك في أعمار من شئت، فبارك في أعمارنا، بارك في أعمارنا، عمر كل واحد منا ومنهم بارك في ساعاته، بارك في أنفاسه، بارك في لحظاته، بارك في أيامه، بارك في لياليه، بارك في أسابيعه، بارك في شهوره، بارك في سنواته، بارك في خاتمته، يا الله، اجعل البركة الأوسع في خاتمةِ عمر كل واحد منا يا الله ، نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.

 يا تواب تب علينا، يا تواب تب علينا، وارحمنا وانظر إلينا، وارحمنا وانظر إلينا.

 

صناعة الأبناء الصالحين الناجحين؛ رؤية نافعة للوالدين يقدمها الشيخ العلامة حسان الهندي

يواصل الشيخ العلامة حسان الهندي مدرس العقيدة بمعهد الفتح الإسلامي دروسه حول تربية الأبناء وصناعتهم، وهنا محاضرة في تربية الأولاد يوضح من خلالها أهمية أن تكون تلك التربية على أعين الآباء وبطريقة صحيحة، ويرسل رسالة للآباء أن يدركوا النجاح الشمولي الذي يعود على الأبناء بالنفع في الدنيا والآخرة، ومعرفة المسئوليات العقلية والقلبية والروحية والسلوكية والاجتماعية ومراعاة النجاح فيها، وتحديد الوسائل التي يبني الإنسان من خلالها ابنه الناجح.

 

ناقوس الخطر: مقال عن التقسيم العقائدي للعالم الإسلامي وخطورته للحبيب أبي بكر المشهور

ناقوس الخطر هو خطر تقسيم العالم الإسلامي من الناحية العقائدية إلى طوائف دينية، وهذا الأمر يوضح معالم الخطورة فيه الحبيب الأديب أبو بكر المشهور، وينطوي كلامه على خطورة تقسيم العالم الإسلامي إلى سنة متطرفة بعيدة عن أهل السنة الأساسيين وشيعة مقنعة بعيدين كذلك عن الشيعة الأساسيين، ويبين أن أهل السنة ضد الأنماط التي لا تلتزم بالمنهج الوسط، وأثر هذا التقسيم على العالم الإسلامي الذي ينقله إلى صراع دموي، وبيان الموقف المفترض على العقلاء اتخاذه.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تتسارع الأحداث وتنطوي على مفاجآت تلو المفاجآت، ولعل أخطرها من وجهة نظر المرصد النبوي: تقسيم العالم العربي والإسلامي عقائدياً إلى: سنة متطرفة وشيعة متعجرفة. وهذا التوصيف لا يأتي من فراغ، وإنما هي الخطة التي خرجت من رحم المفهوم الذي سبق توصيفه في فقه التحولات بمسمى: السنة المصنعة والشيعة المقنعة.

فالسنة المصنعة قد أفرزت على مدى السنوات المتلاحقة موذجاً من التطرف حمل مسمى الخوارج  دون تفصيل بين أهل السنة الشرعية والسنة المصنعة، أو ما تسمى في فقه التحولات بالسنة الأساسية والسنة السياسية، وهي كذلك مبدأ المذهب الإمامي فهناك شيعة مقنعة، أو هي بلغة فقه التحولات: شيعة أساسية وشيعة سياسية. والبرنامج الذي ينطلق في مسيرة الاكتمال والتطبيق على نموذجين:

الأول: اصطدام السنة المصنعة مع الشيعة المقنعة.

الثاني: ذوبان السنة الأساسية والشيعة الأساسية ضمن الصراع المعد لهذه المرحلة: سنة متطرفة وشيعة متعجرفة، وهذا ما يخطط له وينفذه رعاة الأبلسة في العالم الإسلامي المستضعف، ولسنا نحن هنا ضد الفريقين، ولكنا ضد سياسة العنصر المدبر للاصطدام بين الفريقين إن لم يلتزم الجميع بمنهج النمط الأوسط.

وقد نُفّذ المشروع الإبليسي تحت سمع ونظر القوى المتنفذة في الواقع المحلي والإقليمي على أفضل الوجوه المقررة، وما علينا إلا التأمل فيما دار، وفيما يدور في العديد من الأوطان العربية منذ فجر الربيع العربي كما يسمّى، وهو آخر نماذج السياسة الدجالية في الأمة إلى اليوم.

إن هذا التحليل المطروح يحمل تحذيرين هامين لمن ألقى السمع وهو شهيد:

التحذير الأول: انتقال العالم العربي والإسلامي من مرحلة التعدي المذهبي الهش إلى صراع مذهبي دموي بين فريقين هما كما سبق توصيفهما:

(1) سنة متطرفة لا غير.

(2) شيعة متعجرفة لا غير.

ويقف الشرق الراعي للتطرف السياسي الدولي في جانب التّشَيُّع المتعجرف، كما يقف الغرب الراعي للتطرف السياسي الدولي في جانب التسنن المتطرف، وقد خلط الشرق والغرب أوراقهما لتحقيق هدف شيطاني دجالي واحد كما هو في بعض مجريات المرحلة المعاصرة.

وهذا الوقوف في حد ذاته ليس جديداً، وإنما هو يعود مرحلة بعد أخرى بصور متنوعة، وكلا النموذجين يحققان المبدأ الدجالي الشيطاني “فرق تسد”: الشرق السياسي، والغرب السياسي، وكلاهما رغم افتراقهما في نظر الناس، وفي مخرجات السياسة لكن قاسمهما المشترك تحقيق هدف الشيطان في البشرية، وهذا ما يعنيه الشعار المتداول “فرق تسد”، أي:  تجزئة المجموع لتتم السيادة للمسبب الأساسي في سياسة التجزئة والمستثمر لها. وبهذه السياسة الشيطانية تسيّر شؤون العالم المعاصر إلا من رحم الله.

التحذير الثاني: عند حصول المحظور يصعب الرجوع للمربع الأول إلا بمدفوعاتٍ وضحايا كثيرة، وتلطُّخٍ بالدَّم والذم، وهذه مشكلةٌ وليست علاجًا.

الموقف المفترض

إذن والحال كما أشرنا ويؤيد هذه الإشارة ما يدور في الواقع المعاصر، فلا بد لنا من اتخاذ موقف ما ولو من باب الافتراض، وهذا ما يجب على العقلاء والمتنفذين النظر فيه:

  • أن نرجع للعلم الشرعي لنحسم من خلاله المشكلة
  • أن نترك العلم الشرعي كما هو الحال الآن ونجعل آراء المجموعات هي الحكم والفيصل
  • أن نجمع بين العلم الشرعي وآراء العقلاء بشروط
  • أن نتبع العلم الشرعي المسيس على صفته التقليدية
  • أن نتبع العلم الشرعي المسيس على صفة التطرف
  • أن نتبع العلم الشرعي على صفته الطائفية بين الإفراط والتفريط

ولكل واحد من هذه الأقسام رجاله وأتباعه ومؤيدوه، بل وهناك قسم آخر، وهم الذين يرون حل المشكلة في ترك الشرع الشريف بحذافيره، ليأخذوا تجارب الأمم المتقدمة كما يسمونها، وقد فعلوا. ولا أعلم من زماننا إلا التكتل لدى كل مجموعة على ما تراه مناسباً لها، وما تعتقده سبباً في نجاح أسباب حياتها، وهذا هو ما أفرزته المراحل إلى اليوم على كلا المحورين، الحكم والعلم.

والحكم: قرار الملك والاقتصاد إذ بهما يستقيم الأمن والاطمئنان بكل صوره.

وأما العلم: فقرار الضبط الشرعي والاعتقاد، وبهما يستقيم الدين والعلاقات الاجتماعية.

وباختلافهما يختل الأمن والاقتصاد، والضبط الشرعي للعلم والاعتقاد، وهذا هو عين ما نعانيه في أوطاننا المسلوبة، وثرواتنا المنهوبة، وعواطفنا المشبوبة.

وحق لنا أن نقول ما قاله الحق سبحانه {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: ۱٥٦-۱٥٧].

ولا زلنا في انتظار الإجابة ممن يعنيهم الأمر، أيُّ الطُّرُق المشار إليها سلفاً يجب أن نسلكها لعلاج المشكلة إن كان هناك من يقدر حجمها؟ وأما إذا لم يكن هناك من يقدر فقد حق لنا أن نقول:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حياً          ولكن لا حياةَ لمن تنادي

ونارٍ لو نَفَخْتَ بها أضاءتْ       ولكن ضاع نفخك في الرمادِ

 

سلسلة تفسير الفاتحة: بيان أول المقاصد القرآنية من خلال تفسير سورة الفاتحة يبينها الشيخ علي هاني

الشيخ المفسر اللغوي علي هاني يستمر في تفسير سورة الفاتحة، وفي هذا الجزء من التفسير يذكر ويحدد المقاصد الشرعية من سورة الفاتحة واشتمالها على جميع معاني القرآن من الناحية الإجمالية، ومعلوم أن قضية المقاصد من القضايا المهمة التي يشتغل بها المسلم، لأنها مهمة، ولكن الأهمية تتفاوت فتكون أعلى إذا كانت متعلقة بكلام الله عز وجل وخاصة سورة الفاتحة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال البقاعي:
فالغرض الذي سيقت له الفاتحة وهو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة، وباستحقاق العبادة والاستعانة، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم، لإفراده بالعبادة، فهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك؛ لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق، والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا.

******

تفصيل المعاني والإشارات التي دلت عليها الفاتحة، ثم بيان اشتمالها على جميع معاني القرآن اشتمالا إجماليا:
اعلم أن هذه السورة اشتملت على جميع معاني القرآن وأمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن

 

أولا: تفصيل المعاني والإشارات دلت عليها الفاتحة

1) تعليم عباده كيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه ويتذللون له ويثنون عليه بأوصاف كماله وجلاله، والإقرار باختصاصه بالربوبية والرحمة الواسعة الثابتة والتصرف في الدنيا والآخرة، والخضوع لله والتسليم لأمره وبيان استحقاقه تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة.

2) وفي مقدمة السورة {الحمد لله} وهذا فيه أن كل حمد وثناء فهو مستحق لله سبحانه وكل كمال وكل نعمة منه سبحانه وهو مصدرها سبحانه و تستوجب الحمد.

3) وكلمة رب فيها معنى التربية والإنماء وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق وفي العالمين فمنه عز وجل، فليس في الكون متصرف بالإيجاد ولا بالإشقاء والإسعاد سواه، و{إياك نعبد وإياك نستعين} اجتث جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم.

4) بيان واسع رحمته في {بسم الله الرحمان الرحيم} فذكر الرحمة في أول الكتاب – وهي التي وسعت كل شيء – وفيها وعد بالإحسان، الإشارة إلى شمول نعمته تعالى جميع الخلق، وبيان العلاقة بين الله وعباده بأنها علاقة رحمة لا عداوة، والدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب ولذلك كررهما في الفاتحة، وبيان أنه المستحق وحده لأن يتبرك ويستعان ويبتدأ باسمه سبحانه لا معبوداتهم الباطلة؛ لأنه (الرحمن) ذو الرحمة العظيمة الواسعة التي تعم الوجود كله السموات والأرض، والدنيا والآخرة، المدبر للوجود برحمته، ومن أعظم رحمته إرسال الرسل وإنزال الكتب فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، وهو الرحيم بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم ويثيبهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا يكلفهم إلى ما في طاقتهم، ورحمته الثابتة متعلقة بهم لا تعد ولا تحصى، وقد كررها مرة ثانية تنبيها لنا على غاية رحمته وأن علاقته الأصلية بعباده الرحمة.

5) وفيها تقديم الدالِّ على الرحمة وهو (الرحمن الرحيم) على الدالُّ على الجلال والهيبة وهو (مالك يوم الدين) وتقديم الدالّ على الوعد، وهو (أنعمت عليهم) على الدالّ على الوعيد، وهو (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) لأن الترغيب أبعث للنفوس، ولأن رحمته تعالى سبقت غضبه، وفيها تقديم أمر الآخرة على أمر الدنيا وأن من طلب الهداية حصل خيري الدنيا والآخرة وأنها هي النعمة الحقيقية.

6) واشتملت على التعريف بالمعبود – تبارك وتعالى – بأربعة أسماء، وهي مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها ـ كما سيأتي توضيحه ـ، وهي: «الله، والرب، الرحمن، الرحيم ».

7) وفيها ذكر الأمور التي اختص بها تعالى لا يشاركه أحد فيها، وهو إيجاده للعالمين وتربيته لهم، ورحمته الواسعة العميمة الثابتة، وملكه ليوم الجزاء بجميع أحواله إيجادا وملكا وملكا وتصرفا، والخضوع له الذي هو المقصود الأصلي لذلك اليوم، وفيها النظر للترغيب (رب، الرحمن الرحيم) والترهيب (مالك يوم الدين) للدنيا والآخرة ثم لما تميز بذلك سبحانه أكمل تميز وبان أنه المنفرد بهذه الأمور التفت إليه سبحانه وبين أنه المستحق وحده لأن يستعان وأن يعبد وهذان الأمران اللذان يدور عليهما عبادة العابد وفيهما الإقرار بأنه عبد لله وأن الله سبحانه هو المعبود المستعان وحده.

8) وفيها الوعد والوعيد فذكر يوم القيامة، وبيان أنه تعالى هو الذي يملكه يملك إيجاده والتصرف فيه والحكم وغير ذلك من أحواله، فـمعنى الدين في {مالك يوم الدين} الجزاء والخضوع والانقياد لجزائه، وأن العالم كله يكون فيه خاضعا لعظمته ظاهرا وباطنا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، وهذا يتضمن الوعد والوعيد وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك {الصراط المستقيم} وهو الذي من سلكه فاز ومن تنكبه هلك، وفيها الترغيب والترهيب بالهداية والإنعام والغضب والضلال، وذلك يستلزم الوعد والوعيد.

9) وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم – حسنها وسيئها – وتفرُّدَ الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل. وكل هذا تحت قوله {مالك يوم الدين}.

10) وفيها تخصيص العبادة بكل أنواعها لله وإفرادها له دون غيره والإخلاص فيها، والإقرار أنه المستحق وحده للعبادة، وتشمل التكليف بالأصول والفروع، الأصول: من توحيد واستعانة وتوكل واعتماد وتفويض ونحوها، والفروع: من صلاة وصوم وغيرها من أمور الفروع، كل ذلك في {إياك نعبد وإياك نستعين}.

11) وفيها الاستعانة به على كل الأمور، والإقرار بأن المعونة من عنده، والقدرة له والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، والاستعانة به تعالى لا سيما الهداية بالثبات والزيادة من الهداية للصراط المنعم عليهم، والسؤال بإلزام صراط الفائزين المنعم عليهم الذين هم مغايرون للمغضوب عليهم والضالين، والإنقاذ من طريق الهالكين، والاستعانة بالله أن يجنبه صراطهم ونتيجته السيئة.

12) فيها ذكر الصراط المستقيم، فهو سبحانه قد وضع لنا صراطا سيبينه ويحدده وتكون السعادة في الاستقامة عليه، والشقاوة في الانحراف عنه، وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله وهيبته والرجاء لفضله واستقامة على صراطه.

13) وفيها الأخبار والقصص ففي قوله تعالى {صراط الذين أنعمت عليهم} تصريح بأن هناك قوما تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم فاستقاموا عليها فكانت سببا لسعادتهم دنيا وأخرى، ونجاتهم مما أصاب الظالمين فاعتبروا بها كما قال تعالى لنبيه يدعو إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} حيث بين أن القصص إنما هي للعظة والاعتبار.

14) وفيها ذكر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أنعم الله عليهم بالإسلام والإيمان الراسخين وغاية الصلاح والتقوى والفوز بسعادة الدنيا والآخرة وإنعام الله في الدارين، وفي قوله تعالى {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} تصريح بأن من البشر من تعمد العصيان والمخالفة، فاستحق الغضب وكان محفوفا بالغضب الإلهي والخزي في هذه الحياة الدنيا، ومن الناس من حاد عن الطريق وضل فكانت عاقبته الخزي، والقرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق عنادا، والذين ضلوا فيه ضلالا، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله.

15) فيها تعليم كيفية دعائه سبحانه، فالفاتحة تعلمنا آداب و كيفية السؤال فمن ذلك:

أ‌) أن يقدم العبد بين يدي دعائه و سؤاله أمورا يحسن تقديمها: كالضراعة إلى الملك سبحانه و التعظيم والإجلال وأن يحمده بمحامده اللائقة به سبحانه، ويثني عليه ويمجده، ثم يذكر العبودية وأن العبادة ليس إلا له، ثم يذكر الاستعانة وأنه لا استعانة إلا منه، ويتبرأ إليه من حوله وقوته، ويستعين الله على كل أموره لا سيما الهداية، فيطلب الهداية والإعانة عليها لأنها ملاك الأمر وفيها سعادة الدارين.

ب‌) وفيها من طرق الدعاء أن لا يخص الإنسان نفسه بالدعاء بل يسأل مطلوبه في حق المؤمنين كافة {إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا} فقد جاء فيها (اهدنا) ولم يقل (اهدني) فإن الدعاء كلما كان أعم كان الى الإجابة أقرب، فإنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة فإذا أجاب الله تعالى دعاءه، في حق البعض فهو أكرم من أن يرده فالفاتحة مشتملة على تعليمه المسألة وبيان كيفيتها اللائقة بالكاملين.
قال بعض العلماء [1] إذا تأملت الفاتحة وجدتها تحتوي مقاصد القرآن:
• فـ(الحمد لله) تشتمل سائر صفات الكمال التي استحق الله لأجلها حصر الحمد له تعالى
• و(رب العالمين) يشمل سائر صفات الأفعال
• (الرحمن الرحيم) يشمل بيان شمول رحمته وعظمتها وسعتها وثباتها التي منها كل ما قص القرآن علينا من نعمه تعالى على عباده كالنعم المذكور في سورة النحل والأنعام وغيرهما
• و(مالك يوم الدين) يشمل أحوال يوم القيامة.
• (إياك نعبد) يجمع معنى الديانة والشريعة والتوحيد بكل معانيه
• (إياك نستعين) يجمع معنى الإخلاص لله والاستعانة والافتقار والاعتراف بالكمال له سبحانه وافتقار العبد
• (اهدنا الصراط المستقيم) يشمل الأحوال الكاملة من عبادات ومعاملات وآداب وأحوال ظاهرة وباطنة وأحكام الدين كله من عبادات ومعاملات وآداب
• (صراط الذين أنعمت عليهم) يشير إلى أحوال المنعم عليهم المستقيمين الفاضلين أخيار العباد من النبيين والصديقين والصالحين أمما وأفرادا
• (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) يشمل سائر قصص الأمم الكافرة الجاحدة من المغضوب عليهم والضالين ويشير الى تفاصيل ضلالاتهم المحكمة عنهم في القرآن.

 

ثانيا: بيان اشتمالها على جميع معاني القرآن اشتمالا إجماليا:

الفاتحة تشتمل معانيها على مجمل معاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية، فإن معاني القرآن إما علوم تقصد معرفتها وإما أحكام يقصد منها العمل بها
1) فالعلوم :
أ‌) علم الأصول (العقائد): ومعاقده معرفة الله تعالى وصفاتِه وتوحيده، وإليها الإشارة بقوله {رب العالمين الرحمن الرحيم} ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله تعالى {أنعمت عليهم} والمعاد المُومَى إليه بقوله تعالى {مالك يوم الدين} .
ب‌) علم الأخلاق: وهو علم ما به يحصل الكمال وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقة الاستقامة في منازل هاتيك الرتب العلية وإليه الإشارة بقوله: {إياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم}
ت‌) علم القصص والمواعظ والأخبار عن الأمم السالفة السعداء والأشقياء وما يتصل بها من وعد محسنهم ووعيد مسيئهم وعد من أخذ بالصراط المستقيم وتبشيره بحسن المثوبة ووعيد من لم يأخذ به وإنذاره بسوء العقوبة، والوعد يشمل ما للأمة وما للإفراد فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما والوعيد كذلك يشمل نقمهما وشقاءهما وهو المراد بقوله تعالى:{أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.
2) الأحكام :
علم الفروع وأسُّه العبادات وهو المراد بقوله: {إياك نعبد} والعبادات بدنية ومالية، وهما مفتقران إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولا بد لها من الحكومات فتمهدت الفروع على هذه الأصول
أ‌) إما: عمل الجوارح وهو العبادات والمعاملات.
ب‌) وإما عمل القلوب أي العقول وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة
• وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام كما تقدم.
• ولباب مقصود القرآن متضمن في الفاتحة، وذلك أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الله سبحانه وتعريفهم ما يرضيه، وأعظمه عبادة الله وحده {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} بكل معاني التوحيد: من، واستعانة وتوكل وافتقار و حمد وثناء وخوف ورجاء وأهم هذه العباده معرفة الله تعالى معرفة تامة {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فهو هذا مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول.
وقد تبين من مجموع ما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلا، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة – تصريحا وتضمنا علم إجمالي بما حواه القرآن من الأغراض إذ كل كلمة من كلماتها، وكل آية من آياتها، تشير من قريب أو بعيد، إلى جملة محتويات القرآن الكريم، ومقاصده المتعددة، وموضوعاته المتنوعة، بما فيها من عقائد وذلك يدعو نفس قارئها الى تطلب التفصيل على حسب التمكن والقابلية ,ولأجل هذا فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على التذكر لما في مطاويها، وقد قال كثير من المفسرين:إنها براعة استهلال رائعة للقرآن، وبسبب هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى (أم القرآن).

ولعل في ذلك كله تنطوي حكمة وضعها فاتحة للمصحف وإيجاب قراءتها في كل ركعة قال سيد قطب:يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى؛ وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن؛ وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا، غير الفرائض والسنن. ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت: “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب” إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها.

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: مَقَاصِدُ الْقُرْآنِ سِتَّةُ ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ؛ وَثَلَاثَةٌ مُتِمَّةٌ الْأُولَى تَعْرِيفُ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ كَمَا أُشِيرُ إِلَيْهِ بِصَدْرِهَا [وهو الله سبحانه عرفه بالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم] وَتَعْرِيفُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِيهَا وَتَعْرِيفُ الْحَالِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ الْآخِرَةُ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وَالْأُخْرَى تَعْرِيفُ أَحْوَالِ الْمُطِيعِينَ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وَحِكَايَةُ أَقْوَالِ الْجَاحِدِينَ وَقَدْ أُشِيرَ إِلَيْهَا بِ {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} وَتَعْرِيفُ مَنَازِلِ الطَّرِيقِ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِهِ «حَلُّ الرُّمُوزِ وَمَفَاتِيحُ الْكُنُوزِ»:الطَّرِيقَةُ إِلَى اللَّهِ لَهَا ظَاهِرٌ (أَيْ عَمَلٌ ظَاهِرٌ أَيْ بَدَنِيٌ) وَبَاطِنٌ (أَيْ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ) فَظَاهِرُهَا الشَّرِيعَةُ وَبَاطِنُهَا الْحَقِيقَةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ إِقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنَ الْمُكَلَّفِ.
وَيَجْمَعُ الشَّرِيعَةَ وَالْحَقِيقَةَ كَلِمَتَانِ هُمَا قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإياك نَعْبُدُ شَرِيعَةٌ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ حَقِيقَةٌ.

 

[1] مع تصرف وتغيير في بعض الأمور

ارتباط حقائق الصلة بالله وتوحيده بالصلة بعبده المصطفى للحبيب عمر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين مُكرِمنا وإياكم بتوالي مِنَنِهِ الكبيرة، وأياديه الكثيرة، ومِنَحِه الوفيرة، وهو سبحانه لنا خيرُ ذخيرة، اللهم لك الحمدُ يا مَن أرسلتَ إلينا عبدَك المصطفى محمداً بالحقِّ وبالهدى، فجعلتَ لنا به بين جميع الأممِ عزاً وشرفاً ومجداً، اللهم أدِم صلواتِك على منقذِنا من الضلالة، معلِّمنا بعد الجهالة، مُبصِّرنا مِن العماية، فاتح أبواب الرحمة والهداية، عبدك المجتبى.

 

محمد المبعوث بالهداية ** والحقِّ والتحقيق والولاية

إنسان عين الكشف والعناية ** وروح معنى جملةِ المظاهر

 

 أدِم صلواتِك عليه وعلى آله وأهلِ بيتِه الطاهر، وعلى أصحابه الغُرِّ النجومِ الزواهِر، وعلى مَن تبعَهم بإحسانٍ في الباطنِ والظاهر، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياءِ والمرسلين أكابرِ الأكابر، وعلى آلهم وصحبِهم والملائكة المقربين، وجميعِ عبادِك الصالحين، وعلينا وعلى أهلِ مجمعِنا ومَن يسمعُنا، وعلى المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، يا مجيبَ الدعوات، يا قاضيَ الحاجات، يا مُنيلَ الطلبات، يا مُفرِّجَ الكربات، يا ربَّ الأرض والسموات، يا عالمَ الظواهر والخفيات، يا ذا العطايا السنيّات، والمِنَح العليَّات، يا مجيب يا قريب يا سميع يا كريم يا رحمن … يا الله.

ولقد جمعكم على حقائقِ الاتصالِ به، مِن البابِ الذي فتحَه، عبده الذي قرَّبه وفضَّله ومنحَه المصطفى محمد، وإن كان للأممِ من قبل شرفُ القربِ من الله والاتصالِ به عبر التبشير بهذا النبي، والإيمانِ به قبل بُروزِه ومجيئه، وأخذِ العهدِ عليهم أن إذا بُعِث أن يؤمنوا به، فإنَّ حظَّ هذه الأمة كبيرٌ ووفير، وشرفَها عزيزٌ ووسيعٌ بالاتصال به، اتصلت به الأممُ مِن قبل قُرباً إلى الحق عز وجل.

وأسرار هذه الاتصالات هي التي يجب أن تأخذَ مأخذَها مِن مداركِنا ومعارفِنا ومشاعرِنا، بحكمِ الإيمان بالله الذي خلق، وأنَّ إليه مرجعَنا ومرجعَ الأولين والآخرين، ومرجعَ كلِّ شيء، كما منه مُبتدأ كلِّ شيء، لم يشاركه تعالى أحدٌ في الخلق والإيجاد؛ فليس له مِن شريكٍ في المرجِع والمعَاد، مرجعُ كل شيء إلى هذا الإله الحق، مَن آمن ومَن كفَر، ومَن أطاع ومَن عصى وفجَر، كلُّهم مرجعهم، مرجِع جميع الكائنات، لكن هذا المكلَّف من جنس الكائنات، الإنسان والجن، الكلام عليهم وإليهم أهم، ونحن منهم، بل ثلةٌ من هذه الأمة التي أُكرِمت بالإيمان بهذا النبي، وتصديقِ هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

يجب أن ندركَ أسرارَ الصِّلاتِ القلبية والروحية بالله، التي لا ترجمةَ لها إلا في الصِّلةِ بأحبابه، ولكنَّ أولهم وأولاهم، وسيدَهم وأعلاهم، ومقدَّمَهم وأرفعَهم محمد، المرسوم اسمه على قوائمِ عرشِ ربي، وعلى أبوابِ جِنان ربي: محمد، مرفوع الذّكر بأمرِ الرافعِ الخافض، المنادَى مِن الحقِّ تعالى بهذا الخطاب والنِّداء: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ۱-۳]، ذكرُه مرفوعٌ، رفعه الله، فليتشرَّف كل مَن سوى الله بذكرِ محمد؛ محبةً وشوقاً، تعظيماً وإجلالاً، فليتشرَّف كل مَن دون الله مِن مَلكٍ وإنسٍ وجنٍّ وحيوانات، تشرَّف الجذعُ الذي حَن، والحجَر الذي سلَّم، والظبي الذي تكلم، تشرفت بهذا الحبيب الأعظم.

وبالحرص على خصوصية في الصِّلة به، والشرف الذي ذكرناه مؤبَّد مخلد، بأبديَّة مكانةِ النبي، ونبوة النبي، ورسالة النبي، ومحبة الرحمن للنبي، وتقديمِ ربِّ العرش لهذا النبي، ودوام اصطفاءِ الحيِّ القيومِ لهذا النبي، فما أجلَّها من صِلات، كم بعدَها وقبلَها قامت صلات أفراد وجماعات بأفراد وجماعات، اضمحلت وتلاشت فيما يُذكر مِن صِلة، بقي بعدها سوؤُها وشؤمُها؛ لانقطاعها عن سرِّ الصلة بهذا الجناب دام شؤمُها وعذابُها، والحال بين أصحابها تقطَّعت بهم الأسباب، يلعن بعضُهم بعضاً.

 أفراد وجماعات اتصلت بأفراد وجماعات مِن قبل ومن بعد، ما أخبار اتصال هامان وقارون بفرعون؟ وما ذا دام مِن هذا الاتصال؟ وما نتيجة هذا الاتصال؟ وشُووِر هامان من قِبل فرعون: ما تقول في موسى؟ الدلائل كلها تدل أنه رسول الله جاء من عندنا، كيف بعد أن كنتَ إلهاً تُعبد تصير عابد؟ لا تؤمن به، قامت هذه الصلات على إدارة هذه الأفكار وإدارة هذه المسالك فما أفادتهم؟ ما نفعتهم؟ ما كان نتائجها؟ هذا هلك، وهذا تجلجلت به الأرض، وهذا غرق في الماء، ويلعن بعضُهم بعضا! ويوم القيامة {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }[غافر٤٦].

لكن موسى كان له صلة بالله، وكان والله لموسى صلة بمحمد، محبةً وتعظيماً وإيماناً وتكريماً، ومدحاً وثناءً، وصل به إلى حدِّ أن قال: اجعلني من أمة محمد، كان لموسى صلة بمحمد فما نتائج صلة الكليم؟ بقيت، عَظُمت، وقيل له: تمَلَّ في ليلة الإسراء والمعراج، وإذا أكرمنا حبيبَنا بالخصوصية الكبرى فأنت أول من يُطالع سنا أنوارِها في طلعتِه الغراء؛ سيتردد بين حضرتِنا وبينك، قال في نص الحديث: (فلم أزل متردِّداً بين ربي وموسى) صلوات الله على سيدنا محمد وسيدنا موسى والأنبياء والمرسلين، اتصل به الأنبياء، اتصل به الملائكة.

يا أهل العقول، يا أهل الإيمان: إن كان في الخبر الصادق عن خير الخلائق أنَّ خالقَ السموات والأرض يجعل العبادةَ لأمين الوحي جبريل بمحبةِ مَن يتجددُ في الأرض ظهورُ محبتِه له تعالى، وإذا أحبَّ عبداً نادى جبريل: (يا جبريل إني أحب فلاناً ابن فلانٍ فأحبَّه) هذا الملك الذي وُكّل بالتنزيل، تنزيل الوحي على الأنبياء (إني أحب فلاناً ابن فلان فأحبه)، فيعقد اللهُ صِلةً بين جبريل وبين كل محبوب.

إذا كانت العبادةُ لله مِن الملأ الأعلى مربوطة بالصّلات بالمحبوبين فرداً فرداً، فمَن سيد هؤلاء المحبوبين؟ مَن مقدَّم هؤلاء المحبوبين؟ ألا تعبدُ الملائكة ربَّها بتعظيم محمد؟ بمحبة محمد؟ بالصلة بالنبي محمد؟ نعم وعزة ربي، بل مِن أجلِه وسرِّ الصلةِ به يستغفرون لمن آمن به، يستغفرون لمن اتبعه: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: ٧]، مَن هؤلاء؟ أتباع محمد صلى الله عليه وسلم {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم} وتنتشر المحبة إلى ذكر: {وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

لا يأتي جاهل يُجهلِّنا بقيمةِ الصلة، ولا يقول لنا: أنتم تنسون ذكرَ ربكم وتذكرون محمد! نقول: اخسأ، اخسأ، {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}، مَن قال لك أن ذا يتناقض مع ذا؟!، هذا بذا وهذا بذا، ولا يُذكر محمد إلا وُذكر الله، ولا ذُكر الله إلا وذُكِر محمد، على وجه الحقيقة إذا ذُكر الله سبحانه وتعالى، بل جاء في تفسير الآية {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} أن قال: لا أُذكر إلا وذُكِرتَ معي، قال الله: لا أُذكر إلا ذُكرتَ معي صلى الله عليه وسلم، ولا نقدر نذكره إلا نقول: رسول الله، نبي الله، عبد الله، ما ترى اسم ربي قبله أمام عينك؟ ما يذكر إلا وذكر ربنا معه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

وإذا كان الأولياء إذا رؤوا ذُكر الله فمحمد إن رؤي وإن ذُكِر وإن ذكر وصفه ذُكر الله، إن ذُكر بلدُه ذكر الله، إن ذُكر أصحابُه ذُكر الله، إن ذُكر آلُ بيته ذكر الله، محمد مركز ذكر الرحمن، معدن ذكرِ الرب الكريم المنان، أصلُ ذكرِ الحيِّ القيوم، لا ذكر الله أحدٌ قبله ولم يذكر الرحمن من الخلق أحدٌ قبل محمد، محمد ذكر الله قبل أن يُخلق جبريل، محمد ذكر الله قبل أن يُخلق ميكائيل، محمد ذكر الله قبل أن يُخلق إسرافيل، محمد ذكر الله قبل أن يُخلق العرش، محمد ذكر الله قبل أن يُخلق الكرسي، محمد ذكر الله قبل أن تُخلقَ الجنة، ومحمد ذكرَه الله قبلَ خلقِ الكل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فمن ذا يفرِّق؟ الله عاب الكفار في القرآن التفريقَ بينه وبين رُسلِه، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً}، ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورُسلِه، ما لأحدٍ حق مِن أتباع الأنبياء أن يقول: يا إبراهيم خلاص عرَّفتني ربك ما لي دخل بك، روِّح أنت وحالك وخلنا أنا والرب! الرب يقول لك: اتبع إبراهيم، الرب يقول لك: عظِّم إبراهيم، الرب يقول لك: اتبع ملة إيراهيم، ولا لأحد حق يجي من أتباع سيدنا موسى يقول: يكفيني دليتني على الله، والآن اتركني مع الله! الله قال له اتبع موسى، الله قال سِر وراء موسى؛ ولهذا قال لأخيه سيدِنا هارون: ما منعك ألا تتبعني؟ أفعصيت أمري؟ قال: لا لا ما أنا حول العصيان، أنا ما أعصي الله ولا أعصيك يا موسى، {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، يعني أنا ألاحظُك وألاحظُ حالَك والمكانةَ عندك حتى وأنت غائب هناك، لا أريد أن تتأثر وتقول شيء {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، فأنا لاحظت عاطفتَك وشأنَك وأنت بعيدٌ مني، { َن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ …} إلى آخر القصة.

هذه الشئون إذا علمناها في حقائق الإسلام والإيمان، حتى لا يضحك علينا أحد في معنى التوحيد، ما عرفت الملائكة توحيداً ترفض فيه تكريمَ المقربين لا مِن أهلِ السماء ولا مِن أهل الأرض، هذا توحيد ما عرفته الملائكة ولا عرَفه النبيون، ولا عرفته الصحابة، فمن أين يأتي معنى التوحيد أن تحتقر صالحاً؟ أو أن تُنْزِل قدرَ عارف أو عالم أو ولي؟ أو أن لا تتوسل بأحد منهم! مِن أين جاء هذا؟ الصلةُ بهم صلةٌ بالحي القيوم جل جلاله وتعالى في علاه.

مجالسُهم رياض الجنة والحقُّ جليسُهم، القائل: (أنا جليس من ذكرني)، (ولو جئتني بعبادة أهل السموات والأرض، وحبٌّ فيَّ ليس، وبغضٌ فيَّ ليس لم يُغنِك ذلك عندي شيء) لم يُتقبل ذلك منك حتى تحبَّ في الله وتبغض في الله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: ٥٥].

ألا إذا علمنا هذه الحقيقة فإن صلةَ الأمة بنبيها أساسٌ في صلاح حالها، وفي صحة إيمانِها وإسلامِها وإحسانِها، وقُربها مِن ربِّها، وعملِها بشريعته، وقيامِها بكتابه، وتطبيقِها لسنةِ محمد، قوة صلتِها بهذا النبي صلى الله عليه وسلم إيماناً، وقد فرض اللهُ الإيمان به على جميعِ الملائكة وعلى جميعِ الأنبياء والمرسلين مِن قبلِه صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} ما هذا العرض القوي! ما هذه العناية الكبرى من حضرة الربوبية {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}ما هذه العناية بمحمد؟ ما هذه الرفعة لقدرِ محمد؟ أما هو هذا التوحيد؟ أما هو هذا الإيمان؟ أما هو هذا الإسلام؟ {قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

وحُقَّ له أن يقولَ في بيان بعضِ الحقيقة: (لو كان موسى حياً ما وسعَه إلا اتباعي)، ولو كان موسى حيا على قيد الحياة الدنيا ما وسعه، ماله طريق إلى الله إلا اتباعي، ما له مدخل، ما له تحقيق رضا، ماله فوز بقرب إلى من هذا الباب، ماله طريق، من أين يدخل؟ من أين يصل؟ لو كان موسى كليم الله صلوات الله وسلامه عليهم، فكيف بمن سواهم؟

على الأمة أن تراجع صلتها بهذا النبي في أحوالها وشئونِها كلِّها، إيماناً وطاعةً واتباعاً، استتبعونا لأفكارهم، استتبعونا لخِطَطِهم، استتبعونا لمسالكهم مقابل أن نترك الحبيب؟ أن ننقطع عن حُسن تبعيَّته؟ لمن؟ وإرضاءً لمن؟ ولماذا؟ ولكنهم أقاموا الأمورَ على الاستتباع السيء ليبسطوا أيديَهم بالسوء، ومن البداية كان الناس يتحدثون عن احتلالات في العالم الإسلامي من قِبل دول الكفر، ما كان لها مدخل ولا وسيلة ولا حقيقةَ سببٍ مباشرٍ ولا أبوابٍ من مخالفة هذا النبي أبداً، دعاة السفور كانوا هم أبوابَ الاحتلالات، دعاة الانحلال المتأثرين بكلام الكفار، المستهزئين بمظاهر الشريعة هم سببُ تسلُّط الكفار ودخولهم إلى بلاد المسلمين قديماً وحديثاً، أيادي مِن بين المسلمين جاءت إلى بلدان مشهورة في العالم العربي أخذت بحجاب النساء وكشفته أمام الناس بأيديها هكذا، ليحوِّلوا الأحوال وليقيموا تلك الثورات الخبيثة، وعلى يدِها دخل الكفار، ودخلت مناهجُ الكفار، وهكذا ضعف الصلةِ بالجناب الشريف يوجب التلف {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦۳].

أيها المؤمنون: مِن هدايا الحق في مثلِ هذا الشهر أن تهتديَ القلوبُ لمعرفةِ مرتبة صلتِها بالحق ورسوله، وما مكانة هذا الرسول عندها، وما منزلته لديها، مقتداً، مُطاعاً، مُتَّبعاً، مُهتدىً بهديه، محبوباً، مجلًّا، معظماً، مكرماً {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: ۱٥٧]، اللهم اجعلنا منهم، آمين … أقيمُوا سرَّ هذه الصلة بهذا الجناب الأشرف في ذواتِكم وأهلِكم، وأبنائكم وبناتكم، من خلال ما يدور وما يُقال وما يُحكى وما يُذكر.

وأما مدحُه، فمن العجب ما مِن كتابٍ نزل من السماء إلى ظهر هذه الأرض مِن أيام آدم إلى القرآن إلا وفيه مدح النبي، فيه مدح: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، ابن آمنة بنت وهب بن عبدمناف، صاحب ذكر المولد في هذا الشهر، فيه مدح هذا النبي، كل كتب الله المنزلة صلى الله عليه وصحبه وسلم.

والعجب أن ما أُمرنا به مما يتعلق بتعظيم هذا النبي وجدنا الرحمنَ يسبقنا أمرنا أن نصلي عليه، بدأ بنفسه قال: {إِنَّ اللَّهَ ..} [الأحزاب: ٥٦]، هو الذي صلى قبلنا! الله الله، فماذا نعمل نحن وصلاتنا؟ أمرنا أن نحبه أحبه هو قبلنا، أمرنا أن نمدحه هو أثنى عليه قبلنا، فلا محبتنا تصل مكان، ولا مدحنا يصل مكان، ولا صلاتنا عليه تصل مكان، بالنسبة لصلاة الله ولمدح الله ولمحبة الله، ولكننا نتشرف، لكننا نُكرم، لكننا نسعد، لكننا نفوز بذكرِه، بمحبته، بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، أحيانا اللهُ متمسِّكين بسنته وطاعته، واستعمل ألستَنا في مدحِه ونُصرته، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 ولقد رسم الصحابة معاني هذه الصلات بهذا الجنابِ الأشرف، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ورزقنا حسن المتابعة.

 اللهم اجعلنا ساعة عطاء، وغفرٍ للخطأ، وبركة تعودُ عوائدُها على الحاضرين والسامعين والمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، يا رب قلتَ: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، فبِحقِّ تَنزيلِك ومَن أنزلتَ عليه هذا التنزيل اجعلنا والحاضرين والسامعين مِن الذين آمنوا به وعزَّروه ونصرُوه واتبعوا النورَ الذي أنزل معه، يا الله. حقِّقنا بذلك، وكلُّ متحققٍ منا بالإيمان به زِده إيماناً، وارفع له في الإيمان رتبةً ومكاناً يا الله، وكلُّ مَن عظَّمه منا بقلبِه وعزَّره فزِده مِن هذا النور والتعظيم، والإجلال والتكريم يا الله، كلُّ من وفقتَه منا لنُصرتِه في نفسه أو ماله أو أهله أو حالِه أو عمِله، أو قولِه أو فعله في جميع شئونه فزِده نصرةً لك ولهذا الرسول يا الله، حتى تجعلَنا مِن خواصِّ أنصاره، آمين، ومَن وهبتَه الاتباعَ للنور الذي أُنزل معه فاستضاء بذلك الشعاع، فشهِد عينَ اليقين وحقَّ اليقين فوفِّر اللهم حظَّه مِن هذه المنن والعطايا والمِنح الكبيرة يا حيُّ يا قيوم يا الله.

ومَن كان معنا أو في بيوتنا أو في جوارِنا حُرِم شيئاً مِن هذه الأوصاف فابعِد اللهم هذا الحرمانَ بفائض امتنان تُعطيه وصفَ الإيمان ووصفَ التعزِير والتعظيم، ووصفَ الاتباع للحبيبِ الكريم ووصفَ النصرةِ له … يا الله، لا حُرم مِن التحقُّق بهذه الأوصاف رجلٌ منا ولا امرأة، ولا أحدٌ مِن أهالينا وقراباتنا، وأبنائنا وبناتنا، وذوي أرحامِنا وجيرانِنا، وطلابِنا وأصحابِنا وأحبابِنا، ومَن يسمَع وأهلهم أجمعين، لا حُرِم واحدٌ مِن حُسنِ الاتصافِ بهذه الأوصاف فيدخلَ مع المفلحين، آمين.

يا الله بحقِّه عليك اجعلنا مِن الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النورَ الذي أنزل معه، يا الله واحشُرنا جميعاً في زُمرته، يا الله وأورِدنا جميعاً على حوضه، يا الله وأظِلنَّا جميعاً بظلِّ لوائه، يا الله وأرِنا وجهه في دارِ الكرامة مِن غيرِ سابقةِ عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب يا الله … يا الله … يا الله.

يا مَن أنتم بين يديه، وهو الناظر إليكم والحال لا يخفَى عليه، سرائرُكم كظواهرِكم بين يديه، ساقَكم إلى رحابِ كرمِه، وأحضركم إلى موائدِ مِننِه، إنه الله، لو شاء لرمى بكم حيث ما أراد، ولجعلكم مع الأعداء والأضداد، فجاء بكم إلى أبوابه، وساحات جودِه وكرمِه وتأمُّل عجيب خطابِه له الحمد، فنادوا هذا الإله، واسألوه بمصطفاه، يُنعم عليكم ويجود، ويسعدكم بأعظم السعود، إنه البر الودود.

يا أحبابي، يا إخواني، يا أصحابي، يا طلابي .. إنه الله … إنه الله، أقول لكم إنه الله … إنه الله، أنتم بين يديه، وهو الناظر إليكم، والحال لا يخفى عليه، يا الله خُذ بأيدينا وأيديهم، وقلوبِنا وقلوبِهم، ونواصينا ونواصِيهم إليك … إليك يا الله … إليك يا الله … إليك يا الله، لا لسواك، لا لسواك، كائناً ذلك السوى ما كان يا رب، في أرض ولا في سماء، في دنيا ولا في آخرة، في ظاهر ولا في باطن، في حسٍّ ولا في معنى، إليك يا رب، لا لسواك.. بحقِّك عليك لا ترمِ بنا لغيرك، خذ بأيدينا، انظر إلينا، قرِّبنا إليك، أوصِلنا إليك، أكرِم وفادتَنا عليك … يا الله.

وفي شهر ربيع هذا أرِنا آثارَ محبتِك لهذا النبي في واقعِ أمته، وفي أحوالِ أمته، وفي شئون أمته يا الله … يا الله … يا الله، لك الحمد والمنة فأتمم علينا النعمة، وعامِلنا بما أنت أهله في كل مهمَّة، والحمد لله رب العالمين.

التجديد في الفكر الإسلامي: رؤية إيجابية في معرفة عناصر التجديد الواعي يقدمها الحبيب أبو بكر المشهور

يقدم الداعية الأديب والفقيه والمؤرخ الحبيب أبو بكر المشهور في هذا البحث كلاما في غاية الأهمية يتعلق بقضية دائما ما تطرح هذه الأيام ألا وهي قضية التجديد في الفكر الإسلامي، لكن بمفهوم شرعي يبين فيه أهم منابع الفكر الإسلامي وعلاقتها بالتجديد، ثم تحديد مفهوم التجديد وشروطه وقواعده وأسسه، وكيفية الارتقاء به، ومن هنا فالكلام في هذا الإطار يحمل أهمية كبيرة لأنه يبين كيف يكون التجديد في الفكر الإسلامي، وكيف يمكن الربط بين التراث ودعاوى التجديد.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي أحيا الإنسانية برسالة التوحيد والتجديد، رسالة القرآن والسنة الحاملة شرف الإبلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة في سائر العبيد، والصلاة والسلام على نبي السلام والرحمة والمحبة القائمة على (التعاون والأخوة واجتماع الكلمة) لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض وأسود إلا بالتقوى، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، فإن حاجة الأمة إلى (معرفة عناصر التجديد الواعي) في ملة الإسلام العالمية أمر بارز الضرورة، وواجب الإشهار حيث أن الجمود والركود لا يتناسب مع رسالة التشريع العالمية، وفي هذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم (بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء الذين يحيون من سنتي ما أمات الناس) وأحيا سنن النبوة بث الروح الإيمانية في الشعوب لتفقه سر الرسالة وفق النصوص الشرعية (الكتاب والسنة).

وبهذا الفهم والتجديد الواعي الخالي عن النقض والبتر والإقصاء للآخرين، ستهتم الأمة مستقبل الإسلام من مرقومات ماضيه وحاضره…

أ- بيان منابع الفكر الإسلامي:

تنطلق منابع الفكر الإسلامي من أصول المرحلة التي برزت فيها الرسالة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مقيدة بما يلي:

1) القرآن
2) السنة الصحيحة
3) الأخلاق النبوية الشرعية: ضابط هذه الأصول، قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: ٨٩].
4) التراث المذهبي والذوقي المعتدل {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩۰].

ب- مفهوم التجديد وشروطه وقواعده:

يتميز الإسلام بمرونته ووسطيته واعتداله بين كافة الديانات السابقة وهذا ما تفسره الآية القرآنية المعبرة عن وظيفة هذه الأمة بين الأمم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [المائدة: ١٤۳].

والوسطية والاعتدال (في الإسلام) هي مادة التجديد بين طرفي الإفراط والتفريط، ولما كانت الأمم السابقة قد وقعت في مزلقة الإفراط والتفريط، ولم تخرج منها بعث الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحمل لواء التجديد، وإعادة فهم حقيقة التوحيد، بعيداً عن الغلوّ والإفراط والتفريط، وهذا ما يميز ديانة الإسلام عالميّاً أمام بقية الديانات. إضافة إلى أن رسالة الإسلام تحتفظ في ثوابتها الشرعية أصول التجديد، وإعادة الترتيب للديانة والتدين من داخلها، كلما شابها بفعل إفراط الاتباع وتفريطهم خطأ الفهم، وانحراف العادات والعبادات. كما أن من خصائص هذه الملّة قدرتها على التوازن في كافة المراحل المتقلبة سواء كان القرار إسلامياً أم كان القرار غير ذلك، فالديانة الصحيحة لا تنحرف في قلوب، وحياة في قلوب، وحياة الأمة المدركة ثوابت ديانتها، بل تظل مستمرة الحركة والإفادة والمعالجة ما بين حدها الأعلى عند الاكتمال أو حدّها الأدنى عند الضرورات والتحولات. وفي هذا الجانب نجد الديانة ذاتها في فقه العبادات – مثلاً – تنحى هذا المنحى في وسطية الإلزام تبعاً للأعذار الشرعية، والحاجات الضرورية فالقصر والجمع والإفطار للمسافر والمريض والحائض والنفساء وغير ذلك مما يعرفنا سماحة الإسلام وسعة ضوابطه. ومثل هذا يبرز لنا أفق الشمول الشرعي لهذا الدين الحنيف.

إن مفهوم التجديد في ديانة الإسلام يحمل معانِ وقواعد وثوابت عميقة الهدف والغاية وكلّها تنبع من داخل النصّ الشرعي وتنطلق من خلاله، وتُرضخ الفهم البشري والاجتهاد الذاتي للانطواء الواعي للنص، وفهم مدلولاته العالمية وإشاراته المتجاوزة حدود الزمان والمكان، وهذا ما يميزنا نحن أمة القرآن والسنّة في مفهوم التجديد، حيث أن في إطلاق هذا المفهوم، وعدم تقييده بالنصوص الشرعية خروج خطير، وتجاوز مثير، وشر مسستطير، كان العديد من المستشرقين قد تناوله وأخذ به، وملاحقة التعليل في شأنه؛ ليجعلوا منه جسر وصول إلى لبّ العقيدة وتفكيكها.
فهذا كتاب المستشرق هاملتون جيب كمثال من الأمثلة أسماه “دعوة تجديد الإسلام” [1] نجده ينحى في هذا الشأن منحىً تحليلياً عقلانياً مجرداً يتلاءم مع فهمه للتجديد، فيقول في ص8: “إن جميع المؤلفات على وجه التقريب المكتوبة بالإنجليزية أو الفرنسية من قبل الكتاب المسلمين تتحول إلى مؤلفات تقريضية تبريرية لأن كافة المؤلفين يهدفون إلى الدفاع عن الإسلام والبرهان على ملائمته لما يعتقدون أنه يمثل التفكير بحاضر”. ثم يقول: “والسيد محمد إقبال الشاعر، والعالم الهندي هو استثناء هام. فهو يبحث بصراحة في محاضراته الست حول إعادة بناء التفكير الديني في الإسلام”.

ولهذا فإن مفهوم التجديد للفكر الإسلامي في كل مراحله ينبع من أسس وشروط هامه …

المصدر الأول للتجديد: كتابُ الله تعالى جل جلاله.
المصدر الثاني للتجديد: سنّة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
المصدر الثالث للتجديد: اجتهادات المذهبية الإسلامية الأولى.
المصدر الرابع للتجديد: الاستفادة من مستجدات العلوم الحديثة بعد مطابقتها بالأصول.

جـ- تنشيط عنصر التجديد، واستنباط مقومات الارتقاء بالفكر الإسلامي:

يجب أن نفصل أولاً بين الإسلام كأصول ثابته، وبين فكر المسلم وتفكيره، فالأصول متسمّة بالعالمية، والعقل الإنساني متسم بالقصور في الفهم والاستنباط، فحيناً يصيب وحيناً يخطئ.

والعلماء الذين ينطلقون في مسيرة التجديد هم غالباً مجتهدون في فهم النصوص ومتأثرون بثقافة المرحلة والقرآن والسنة تحمل لغة العالمية، وترقى فوق مستوى الفهم والثقافة المرحلية، وتتجدد هذه اللغة القرآنية والنبوية، مع تجدد الحياة، وتطور مظاهرها وظواهرها؛ لأن وظيفة الأصلين ربط الإنسان من خلال النص والتجربة والملاحظة بالحق المعبر عنه في قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ…} [فصلت: ٥۳]؛ هذا فيما يخصّ آفاق المعرفة ومستجدات العلوم، أما ما يخصّ الاجتهاد الفقهي والاعتقادي، فالتراكم المتوراث فيه الغنية والكفاية، اللهم إنّ اتباع المذاهب والمدارس يلزمهم النظر إلى مفهوم التجديد الفكري في أسلوب التعايش، وتبادل المعرفة العلمية بسعة الأفق، وكمال التفاهم المفضي إلى السلامة والتقارب بين المذهبيين، وعلماء الفروع واتباعهم، وترك ما لا تحتاج إليه الأمة من نافلة القول في علم الكلام، وتفريعات المسائل والافتراضات، وإعطاء العلم الشرعي موقعه من صفة العالمية بابتعاث الثوابت الجامعة للأمة على القواسم المشتركة.

ومن هذا المنطلق فإن سعة الإطلاع والأخذ بالعلم والغوص في مراتبه ونماذجه – مادياً وروحياً – ينـزع بالعقل الواعي إلى شهود المعنى القائل “لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها”؛ وما صلح به أولها هو تجاوز التعقيدات الناشئة عن الظلم والبغي والتنافس التي وصفها الله تعالى بقوله: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الجاثية: ١٧]. كما يؤدي هذا الشمول في الفهم والإدراك إلى اكتشاف مستجدات الحضارة في الأصلين ذاتهما باعتبارهما الوثيقة الأولى لإصدار مرسوم الحضارة المادية والروحية في العالم الإنساني المعاصر؛ إلا أن الأصلين يضعان المرسوم الحضاري – مادياً وروحياً – تحت إطار معين:

أولاً – إعادة قراءة الحياة في العالم باسم الرب – سبحانه – {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١] [2].
ثانياً – توثيق مرقومات الحضارة والتطور والمعارف – روحية ومادية – بالعلم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }[العلق: ٤-٥] [3]. فالتجديد هنا أمرٌ لازمٌ مع كلِّ قراءةٍ ومع كلِّ توثيق.

وهذا يعيدنا إلى ضرورة مراجعة مدركات الوعي المعاصر وخاصة في اتباع الإسلام والبحث الجاد في شأن التركيبات الفكرية التي ينطلقون بها في معرفة الإسلام وتجديد منابع الفكر فيه.

إن تنشيط عنصر التجديد في الفكر الإسلامي، واستنباط مقومات الارتقاء به تستلزم الشروط التالية:

1. الإيمان المطلق بعالمية الفكر الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان.
2. الاستفادة الفعلية من مستجدات العلم الحديث، وآفاق التطور الذي بلغ إليه العقل الإنساني كمعرفة.
3. القراءة التاريخية الشرعية للمراحل المؤثرة في عالمية الإسلام وتجاوز ثقافتها وسلبياتها.
4. اعتماد القراءة الواعية للكتاب والسنة الشريفة لاستنباط ثوابت التجديد فيها.
5. إعادة النظر في المناهج التعليمية وأسلوب التأهيل للمعلمين، وإحياء التعليم الأبوي الشرعي.

د- التجديد في إطار ترسيخ سماحة الدين الإسلامي ويسره واعتداله وانفتاحه على البشرية جمعا:

كان مجيء الرسالة السماوية الخاتمة إلى العالم هو مجيء السلام والرحمة والمحبة والقرآن يؤكد هذه المبادئ التي حملها القرآن، وأودعت في صور المُبلغ الأمثل صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ۱٠٧].

فالدعوة الإسلامية كانت – ولا زالت – تحمل للعالم كله أسس العلاج السليم للانفعالات، والتطرف والغلو والإفراط والتفريط، وتضع بديلاً عنها جملة من القيم الشرعية، التي تستقيم الحياة الكاملة الآمنة المطمئنة إلا بها، ومنها:

1) الإيمان التام بضرورات الروح معادلاً للمادة لإقامة ميزان العدل في الوجود، إذ لا غنى عن أحدهما في مسيرة الحياة البشرية، ولا مجال لترجيح أحدهما على الآخر دون النظر في التوجيه الرباني للخلق، ويتحقق تجديد العلاقة الوثيقة بين مطلب الروح والمادة بمعرفة الوظائف التالية:
1- وظيفة الروح ومطالبها الشرعية.
2- وظيفة الجسد ومطالبه الشرعية.
3- وظيفة النفس ومطالبها الشرعية.
4- وظيفة العقل ومطالبه الشرعية.

ويمكن معرفة هذه الوظائف ومطالبها بواسطة العلم سواء كان العلم الشرعي مع العلم التجريبي أو اتباع مناهج من قد سبق علماً وتجربةً، مع الوقوف والحذر أمام الانحرافات والمحاذير.

2) معرفة حقوق الإنسان رجلاً وامرأة بالعلم الشرعي:
وهو التعرّف الشرعي الواعي في مسألة الحقوق والواجبات بين الجنسين، وبين الفقر والغنى، والشريف والوضيع، والصحيح والمريض، والكبير والصغير، من عمق الأصول الشرعية لا من التعريفات بالوضعية، وضرورة حماية الأعراض والدماء، والأنفس والأموال، وعدم الاستهانة أو التحقير حيث يعتبر الإسلام ذلك ذنباً عظيماً (حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم )، والتجرد الكامل عند فهم مدلول التجديد من كافة المفاهيم الخاطئة حول الحقوق، والناشئة من تراكمات المراحل واختلاف مفهوم العلماء والحكام والمفكرين.

3) مفاهيم الحريّة والملكية وامتلاك القرار:
وتتحدد هذه المفاهيم بالثوابت الشرعية، وليست بالقوانين الوضعية حيث تنحصر القوانين الوضعية في تحديد علاقة الإنسان بالوظائف والمهمات والمصالح المتبادلة. أما الديانة فإنها تتحد كافة أبعاد الحرية والملكية والامتلاك لقرار الحكم والعلم مع معادل المراقبة والخوف من الواحد القيوم. وقد عز منا هذا المفهوم أن نستقصي المتابعة لتقييم القوانين والأطر الاقتصادية والاجتماعية المقتبسة من العَالمين الغربي والشرقي، والنظر فيما يطابق فهم الشريعة للاستفادة مما يمكن الاستفادة منه في الأطر الممكنة، دون مخالفة للشريعة وثوابتها.

4) تعميق الأخلاق النبوية، وتبني غرسها في صدور الأجيال:
وتعتبر الأخلاق النبوية أساساً في معالجة كافة شؤون التجديد، وخاصة أن المراحل المتقلبة قد أورثت اتباع مدرسة الإسلام ضعفاً في تطبيق الأخلاق النبوية، ومجاراة عجيبة وجريته للانحدارات التوليفية القادمة من العَالمين الغربي والشرقي، ونزعت بكثير من ضحايا المراحل إلى تجاوز خطير في قضايا الأخلاق والآداب المتبعة؛ ولعله من الصحة بمكان إذا قلنا أن المرحلة الغثائية ذات العلاقة المباشرة بالبرنامج الاستعماري قد تلخت كلية عن الأخلاق كأساس من أسس التربية والتعليم سواء كان في محاظن التعليم والدراسة أو في المواقع الأخرى مما أوجد انفصاماً خطيراً بين التربية والتعليم.

5) بناء منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كدعوه لا كوظيفة:
بما أن وظيفة الأمة بعمومها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في كتاب الله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: ۱۱٠]، فإن التجديد في الفكر الإسلامي متوقف على إعادة فهم المسلمين من داخلهم لهذا المبدأ الشرعي العظيم، وما يترتب على دراسة وغرس مهماته في نفوس الأجيال المسلمة تنشأ عليه، وتشيخ وتموت في سبيله. وإن الانفصام الخطير الذي حصل في الفصل بين التربية والتعليم في المرحلة الحديثة قد رافقه أيضاً فصل خطير آخر بين وعات الشعوب والأدب بالمعروف والنهي عن المنكر حتى صار وظيفة بعد أن كان دعوة وقضية. وهذا الأحداث البدعي يلزم حملة التجديد فهم المشروع الإسلامي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير إفراط ولا تفريط..

ه- معرفة موقعنا في العالم الإنساني وثوابت المعاملة مع الوجه الآخر:

مع رغبتنا الأكيدة في تجديد الفكر الإسلامي ليواكب حاجة الأمة من جهة، ولوضعه في موقعه الصحيح من مسيرة الحضارة الإنسانية يجب علينا أن نتوازن عاطفة وعقلاً بين تجاوزنا لكل قديم، وذوابنا في الجديد أو في كل جديد، فالكثيرون من حملة الفكر المعاصر من جعلوا الوجه الآخر بديلاً أو معادلاً للإسلام كله، ومنهم من جعل الإسلام في كفة والمستجدات النظرية والتطبيقية في كفة أخرى، ومنهم من فقد توازنه أمام الوجه الآخر فرفض كل جديد وأغلق النافذة والوصيد.

وللخلوص من هذه الأزمات يجب أن تحدد الهويات الذاتية قبل الاعتداد بما يتفوق فيه الآخرون، وهذا لن يتم إلا بالدراسة الواعية لموقعنا التاريخي في ركب الحضارات الإنسانية وفهمنا الواعي لدور الإسلام في ثوابته العالمية من إثراء المرحلة الأخيرة في التاريخ الإنساني. ثم التقييم الصادق لأسباب هبوط المسلمين وتفوق غيرهم في كثير من شؤون الحياة لينتج من هذا التقييم إعادة النظر في مسألة الافتخار بالماضي على غير ثوابت، وأيضاً إعادة ترتيب الحاضر للمزج بين الأصالة في الإسلام، وعنصر الجديد والتجديد في مستجدات الفكر والمعرفة والثقافات والإعلام.

وتشترط لهذا المشروع ما يلي:

1. التوفيق الواعي بين نصوص الأصلين – الكتاب والسنة – وبين ما يتناسب من المواثيق والنصوص الدولية وخلفياتها الفكرية في التجربة الإنسانية مع عدم تجاهل الفوارق التاريخية والفكرية والاجتماعية.
2. رفع مستوى مفهومنا للعالمية في الخطاب القرآني باعتباره رسالة مشتركة مع الوجه الآخر.
3. فهم التاريخ في مسيرته المعرفية – كتراكم متنامي لا ينقطع بعضه عن بعض – فالسابق يضع قواعد العمل اللاحق، واللاحق يطور وينمى ويجدد عمل السابق وهكذا.
4. وضع المنهج العقلاني موضع الاهتمام في الدراسات الشرعية دون الخروج عن مبدأ الإيمان بالغيب، وما وراء الطبيعة.
5. أخذ قاعدة نجاح الإسلام في العالم الغربي والشرقي من مستوى تأثيره في الشعوب لا من مستوى افتراءات الخصوم والساسة.
6. إعادة اكتشاف الإسلام كدعوة عالمية متنامية من داخل النصوص، ومتفاعلة مع كل جديد يخدم الفطرة ويطوّرها.
7. توسع مدارك النخبة الفكرية والعلمية في الواقع الإسلامي لتستوعب ضغوط الواقع المبرمج، وتتجاوزه إلى الإبداع المطلق من خلال تجديد مدلول القرائتين: قراءة النصوص والتراث الإسلامية، وقراءة الحضارة والتطور المعرفي الإنساني المتنامي.
8. وبهذه الرؤية التجديدية المتنامية يمكن بدء مشروع الأفق الجديد في رسم الحياة الإنسانية المتماسكة ديناً ودنياً، مادة ورحاً.

والله الموفق

 

المراجع

إسلامية لماذا؟  لسعد الدين الحسيني
لماذا ضعفت النهضة العربية، محمد وقيدي – احميدة التيفر
الصموده الإسلامية، د. يوسف القرضاوي
دعوة تجديد الإسلام المشتشرق، ملتون جيب
الدعوة إلى الإسلام، أحمد المحمود
الدلائل النبوية المعبرة عن شرف المدرسة الأبوية، أبوبكر المشهور

 

[1] إصدار دار الوثبة – دمشق .
[2] وهذا دفع عالمي لكافة الحضارات المقرؤة باسم الإنسان.
[3] وهذا تقرير رباني ببدء مرحلة العلم التوثيقي القائم على البحث والملاحظة والاستنتاج والتوثيق.

فاعلية الإنسان: قراءة قرآنية معاصرة لبيان دور الإنسان يطرحها الدكتور عصام عيدو

الشيخ الدكتور عصام عيدو أستاذ الدراسات العربية والإسلامية والمتخصص في علوم الحديث، يقدم أطروحة مهمة في إدراك فاعلية الإنسان في الحياة وبيان مهامه التي ذكرت في القرآن الكريم، وذلك من خلال آيتي سورة النحل، الآية رقم (٧٥) والآية رقم (٧٦)، وهو يحاول أن يبين أهمية فاعلية الإنسان من خلال معرفته لقيمة العمل التي تتضح في النحل، ويبين أن هناك ربطا بين المثالين في الآيتين وبين سلوك النحل في صنع العسل وقضية التوحيد ومفهوم العبودية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

“ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء”
فاعلية الإنسان

 

أورد الله تعالى في سورة النحل – السورة المكية – مثالين متتاليين فيهما عدد من الثنائيات المتقابلة: {رَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: ٧٥ – ٧٦]. هذان المثالان وردا عقب ذكر النحل، الكلمة التي سميت السورة باسمها، وفوق ذلك فإن موضوعات هذه السورة تدور بمجملها حول رمزية النحل التي تقوم على الفاعلية وقيمة العمل والكسب والسعي والعمران. فجوهر الوحي الإلهي الملقى إلى النحل يتلخص في هذا الأمر الإلهي {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} [النحل: ٦٩]، سلوكاً يعكس دأباً وسعياً دون استنكاف ودون ملل في سبيل صنع شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس وفيه عبرة لقوم يتفكرون ليس في الشراب فحسب بل في هذا السعي الدؤوب لهذا النحل.

لا يمكن قراءة هذين المثالين اللذين وردا عقب ذكر النحل بمعزل عن هذه الصورة المتحركة واللوحة التمثيلية لسلوك النحل في صنع العسل. في هذا السياق يمكن فهم هذه الثنائيات المتقابلة التي وردت في هذين المثالين: في المثال الأول عبد مملوك، لا يقدر على شيء في مقابل من رزقناه منا رزقاً حسناً، ينفق منه سراً وجهراً. في المثال الثاني: أبكم، لا يقدر على شيء، كَلٌّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأتِ بخير في مقابل من يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.

بمراجعة سريعة لمجمل التفاسير التي فسرت هذين المثالين نجد أن قضية التوحيد كانت القضية الجوهرية في ذكر هذين المثالين، فبما أن سورة النحل سورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وكان القرآن المكي يعنى بطبيعة الحال وبشكل أساسي بقضية التوحيد والمعاد، فإنه يمكننا فهم السبب الذي دفع بالمفسرين – وبناء على بعض أسباب النزول – للذهاب إلى ربط هذين المثالين بقضية المقارنة بين الكفر والإيمان أو بين عبدة الأصنام والموحدين أو بين الصنم عديم القدرة وبين الله القادر أو بين الكافر الكسول والمؤمن الفاعل أو بين شخص معين ورد سبب النزول باسمه وشخص آخر مقابل له. أياً يكن، ومن خلال قراءة سياقية لهذين المثالين في ضوء رمزية النحل وفاعليتها ندرك وبشكل ملحوظ العلاقة القوية والجوهرية التي أراد النص القرآني أن يشير إليها هنا، وهي المقارنة بين الفاعلية الناتجة عن الخير والعطالة أو البطالة أو العدمية الناتجة عن التثاقل أو الكسل.

بتحليل هذين المثالين، نجد في المثال الأول صورة تمثيلية لعبد مقيد مسلوب الإرادة والأهلية، ليس لديه القدرة والفاعلية للعمل. في هذه الصورة التمثيلية لا يمكن بحال أن يستحضر الذهن صورة العبد الرقيق الذي يملك سيده حق رقبته. الصورة تتكلم عن عبدٍ خضعت إرادته وعقله لجهةٍ ما فأصبح مملوكاً مسلوباً لها، لا يقدر على عمل شيء إلا في نطاقها. هذه الصورة ينبغي أن تستحضر في مقابل الصورة الثانية لعبدٍ آخر لا يرى فيما يملك إلا أنه رزق من الله ساقه إليه. وهنا لا بد أن نعود قليلاً إلى الوراء لندرك قضية مركزية مهمة أكد عليها النص القرآني {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: ٧١]؛ في هذا السياق، نحن أمام عبدٍ حرٍ من نزعاته النفسانية التي تنطوي على الحرص والشهوة والطمع والغضب والحسد ولا يرى في أرزاق غيره إلا عطايا من ربه الكريم، ولذلك فإن مآل هذا الرزق لدى هذا العبد هو الإنفاق منه سراً وجهراً ليقينه التام بأن الأمر مقدر، وهنا تتحرر طاقة الإنسان وفاعليته وتنطلق من عقال الاضطرابات النفسانية المقيدة والتي تجعل الإنسان عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء. بالإضافة إلى عامل الرزق هذا لابد أن ندرك أن هناك عامل آخر أكد عليه النص القرآني، وهو نص لاحق جاء عقب هذين المثالين: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: ٧٨]؛ هنا يكتمل المشهد التصويري حيث يؤسس النص القرآني لمفهوم المساواة بين جميع الناس ذكوراً وإناثاً. فالكل خرج إلى الوجود لا يعلم شيئاً. ولكن قابلية العلم موجودة وهي متحصلة عبر السمع والأبصار والأفئدة. والإنسان باختياره إما أن يجعل هذه المنافذ (السمع والأبصار والأفئدة) مقيدة لا تقدر على شيء مملوكة، أو يجعلها فاعلة حرة منطلقة من عقالها تنفق سراً وجهراً. والكل دون استثناء له ميزة التسخير التي ذكرها الله تعالى عقب ذلك عندما قال في جملة من الآيات: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ … فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: ٧۹ – ٨٢].

في المثال الثاني، تظهر قضية الفاعلية بشكل واضح أيضاً عبر هذه الثنائيات المتقابلة “أبكم” “لا يقدر” “كَلٌّ”. صفة انعدام القدرة تكررت مرتين في المثالين، وهي جوهرية في الإشارة إلى انعدام الفاعلية والتثاقل والعدمية والكسل والانحباس. لكن في هذا المثال هناك صفتان جديدتان مثيرتان من حيث الاستخدام: الأولى: “أبكم” وهي صفة وردت في القرآن مع صفات أخرى كالعمى والصمم في سياق وصف الكافرين، ولكنها وردت هنا فريدة وحيدة دون وصف العمى والصمم ولأول مرة في القرآن وبسياق الذم لشخص لا يتكلم. ومن المعلوم أن هناك نصوص عديدة في التاريخ الإسلامي تذم الكلام وتمدح الصمت ولكن السياق هنا يذم الأبكم مقابل مدح ذلك الرجل الذي يأمر بالعدل. في هذا التقابل يمكن فهم تلك الفاعلية وتلك العدمية. الفاعلية في تغيير المجتمع، في نصرة المظلوم، في الأخذ على يد الظالم، في السعي، في الكسب، في العمران. الأبكم هنا ليست حالة سكوت فقط، البُكم هنا حالة عدمية لا تقوم بالتغيير، ترى السوء في المجتمعات وتغض البصر. هنا يمكن فهم ذلك التقابل الثاني بين “الكَلُّ على مولاه” ذلك الرجل الذي لا يمكنه أن يتكلم أو يتحرك إلا بما يأمره سيده، فمعروفه معروف سيده ومنكره منكر سيده. فهو عاطل عن رؤية الخير بنفسه، عاجز عن إدراك المعروف والمنكر ومعنى العدل دون تحديد سيده، في مقابل ذلك الرجل مَن “هو على صراط مستقيم”، فوصف الآخر بأنه على صراط هو وصف يعبر عن فاعلية هذا الآخر وعمله، وكلمة “على” تحمل هنا مضموناً مليئاً بالحركة. فهو متمكن من هذا الصراط لا أحد يملي عليه، فاعل فيه، سيد نفسه، حرٌ في إرادته وقدرته، منطلق في كسبه وعمله، آمر بالعدل، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر.

 

الجزء الأول من سلسلة الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف: في الحث على الدعوة إلى الله

كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفصل الأول

في الحث على الدعوة إلى الله

وهو منقول من كلام الإمام الحداد في مقدمة كتاب الدعوة التامة

 

قال الله العلي العظيم القوي المتين في كتابه العزيز المبين لرسوله الصادق الأمين {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: ١٠٤].

فالدعاء إلى الله وإلى سبيله ودينه وطاعته وصف الأنبياء والمرسلين ودأبهم، وبه وله بعثهم الله وأمرهم وأوصاهم، عليه وحثهم وحرضهم، وعلى ذلك اتبعهم واقتدى بهم ورثتهم من العلماء العاملين والأولياء والصالحين من عباد الله المؤمنين، فلم يزالوا على كل حال[1]. وفي كل زمان وحينٍ يدعون الناس إلى سبيل الله وطاعته بأقوالهم وأفعالهم، على غاية من التشمير في ذلك ابتغاء لمرضاة الله وشفقة على عباد الله ورغبة في ثواب الله واقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»[2]. وقال عليه الصلاة والسلام: «الدال على الخير كفاعله»[3]. وما ورد من الآيات والأخبار والآثار في الأمر بالدعاء إلى الله وإلى سبيله وفي فضل ذلك كثيرة شهيرة، وكل ما ورد في نشر العلم وتعلمه وفي فضل الوعظ والتذكير بل وفي فضل الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل ومندرج في فضل الدعاء إلى الله تعالى وإلى سبيله فإن جميع ذلك من أنواعه وأقسامه. (انتهى كلام الإمام الحداد).

 

[1]على كل حال: أي أنه لا يمنعهم من الدعوة إلى الله طروء شيء عليهم من الأحوال كالقبض والبسط والفرح والحزن وغيرها من الأحوال التي قد تؤثر على الكثير من الدعاة وهذا شأن
الكمل من الرجال.
[2]رواه مسلم 4821، والترمذي 2598، وأبو داود 3993، وأحمد.
[3]رواه الترمذي في العلم 2594، وأبو داود في الأدب، ورواه مسلم بلفظ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».

سلسلة تفسير الفاتحة: مسائل في تفسير الاستعاذة يعرضها الشيخ علي هاني

يتابع فضيلة الأستاذ الشيخ المفسر علي هاني تفسيره للفاتحة ومقدماتها، وهنا يفسر مسائل الاستعاذة ويبين أصل مادتها اللغوية، ويسرد معاني كلمة الشيطان وكلمة الرجيم، ويذكر مواضع الاستعاذة والغرض منها، ولماذا قدمت في بداية القرآن، مع ذِكر لطائفها وألفاظها.

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

تفسير الاستعاذة

 “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، “وفيها عشرة مسائل

 

المسألة الأولى:

الأصل في مادة (ش، ط، ن): هو التجاء واعتصام وتحرز الشيء الغض الطريّ إلى شيء قويّ متين يمنع ويعوق أخذه وتناوله، وإصابة الشر المواجه له ويعصمه، ومن لوازم الأصل؛ اللصوق والملازمة.

يقال: العُوذ من اللحم: ما عاذ من اللحم، أي: لزم ولصق بالعظم فلم يتخلص منه؛ لأنه اعتصم به واستمسك به، والعُوذ من الكلأ: ما لم يرتفع إلى الأغصان ومنعه الشجرُ من أن يُرعى؛ لأنه نبت في أصل شجر سمي بذلك لأنه اعتصم به واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به واعتصم به ولزمه، ُيقال: عاذ بفلان، وعاذ بحصن.

والحاصل في معنى العَوْذ: اللجَأُ إلى شيء يقِي من يَلجأُ إليه ما يخافه مع لصوق وملازمة واعتصام. وكلمة “أعوذ” تشعر بأن هناك شيئا يَخاف منه المستعيذ، وبأن المستعيذ عاجز عنه لا يملك القوة لدفعه، وأنه يحتاج إلى غيره فيعوذ بمن يدفع عنه غائلة ما يخاف منه، ويتقوى به على ما يعجز عنه. 

فمعنى (أعوذ بالله): أستجير وألتجئ وأعتصم به سبحانه محتميا مع الملازمة واللصوق، من شر الشيطان العاتي المتمرد الذي يريد أن يغويني ويضلني وأن يضرني في ديني ودنياي، ويصدني عن فعل ما أمرت به، ويحثني على فعل ما نهيت عنه، وأحتمي بالخالق السميع العليم من همزه ولمزه ووساوسه فلا يدفع عني شره إلا الله رب العالمين. والسر في الاستعاذة أن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله تعالى؛ ولهذا أمر اللهُ تعالى بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عن الإنسان إلا الذي خلقه. 

واستعمال المضارع في أعوذ: للدلالة على استمرار صدور العياذ متجددا وعدم انقطاعها؛

ولأن معنى الاستعاذة تتعلق بالحال والمستقبل.

 

المسألة الثانية:  اشتق لفظة الشيطان معناها

اشتقاق لفظ الشيطان: من (شَطـَنَ) بمعنى بَعُدَ يقال شطنت الدار بعدت، فشيطان: فيعال من شطن بمعنى بعُد فهو:

أ) المتمرد العاتي العصِيُّ الآبي الممتلئ شراً ومكراً المتمادي في الطغيان الذي بعُد بطبعه وتمرده عن:

  • كل خير وصلاح ورشاد وعن الحق والخير والهدى والرحمة، فهو شرير.
  •  وهو بعيد عن رحمة الله  ولذلك سمي شيطانا.

ب) والشيطان عدو حذر الله تعالى منه؛ إذ لا مطمع في زوال علة عداوته، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيأمره أولًا بالكفر ويشككه في الإيمان فإن قدر عليه؛ وإلا أمره بالمعاصي، فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة، فإن سلِم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب، وهو لا يترك إغواء الإنسان ولا يترك سلاحه إلى أن يتحقق موتُ الإنسان، فعلى الإنسان أن لا يترك سلاحه وهو الذكر لله سبحانه فإن الله تعالى قال: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: ۱٠۲]، وهكذا الشيطان ما دام الإنسان متسلحا بالذكر لا يقدر عليه فإن وضع سلاحه تبعه فأغواه.

 

المسألة الثالثة: الشيطان أعم من شيطان الجن:

الشيطان ليس خاصا بإبليس بل كلُّ عاتٍ متمردٍ من الإنس والجن والدواب شيطان كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}[الأنعام:112]، {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}[الناس: 4 ـ 6] وإبليس إمام الشياطين ورئسهم.

 

المسألة الرابعة: معنى رجيم

أصل الرجم: الرمي بالحجارة، فالمطرود يرجم بالحجارة، أي: يُرْمَى بها لإبعاده أو قتله أو التخلص من شره؛ لأنه يكره لسوء فعله، فالناس إذا نبذوا أحداَ وكرهوه وأرادوا إبعاده و التخلصَ منه وإهلاكَه رجموه بالحجارة، ومنه استعير الرجيم.

فالرجيم بمعنى: المهان المحقر المطرود المبعد من كل خيرٍ وكرامةٍ  وعن منازل الملأ الأعلى؛ قال الله تعالى: {فاخرج منها فإنك رجيم} [الحجر: 34]، وهذا يدل على أنه في غاية الإجرام والحقارة والكراهية، منبوذٌ مطرود من كل خير ورحمة، كما يرجم المجرمون بالحجارة ويكرهون ويطردون؛ لأن الرجم لا يكون إلا لمن هو كذلك. وذلك استعارة أو كناية، فليس المراد به الرجم المذكور في {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10]، ولما عصى إبليسُ ربَّه وأصر على معصيته ورفض طاعته طرده ولعنه وأبعده من منازل الملائكة وجعله رجيما دوما.

ورجيم: فعيل بمعنى مفعول صرف من مفعول إلى فعيل كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وكَفٍّ خَضِيبٍ، أَيْ: مَخْضُوبٌ، وفعيل أبلغ من مفعول لأنه يدل على الثبوت وقوة الوصف مع أنه واقع.

 

المسألة الخامسة: الحكمة من الاستعاذة

يستعيذ المؤمن عندما يقرأ القرآن، وعليه الاستعاذة كلما أحس بوساوس الشيطان وخواطره السيئة، والغرض من الاستعاذة:

أ) الاحترازُ من شر الوسوسة، ومعلوم أن الوسوسة كلام خفي في قلب الإنسان، ولا يطلع عليها أحد، فكأن العبد يقول: يا من يسمع كلَّ مسموع، ويعلم كلَّ سر خفي أنت تعلم وسوسة الشيطان، وتعلم غرضه منها، وأنت القادر على دفعها عني، فادفعها عني بفضلك؛ فلهذا السبب كانت الاستعاذة يقترن بها كثيرا اسما السميع العليم {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأعراف:200]، {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[فصلت: 36].

ب) وهي اعتراف لله تعالى بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعه، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان، وقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا} [الإسراء: 65]، وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طرِيدًا، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.

ج) وهي طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله.

 

المسألة السادسة: سر تقديم التعوذ

قدم التعوذ الذي هو من درء المفاسد على قراءة القرآن، تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أنه يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمعِ متفرِّق أمره؛ لينال سؤلَه ومرادَه بإعراضه عن العدو الحسودِ وإقباله على الولي الودود.

 

المسألة السابعة: ألفاظ التعوذ

لفظ التعوذ على خمسة أوجه:
– “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمختار عند القراء.
– و” أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم”.
– و” أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي”.
– و”أعوذ بالله المجيد من الشيطان المَرِيد”.
– و”أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم” وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

المسألة الثامنة: في فضل التعوذ

أ) روى البخاري عن عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:16] قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ» فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» فَقَالَ: أَتُرَى بِي بَأْسٌ، أَمَجْنُونٌ أَنَا، اذْهَبْ”

ب) روى مسلم: “عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي”.[1]

ج ) روى مسلم: عن “سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قال: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ”. [2]

 

المسألة التاسعة:

أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه.

 

المسألة العاشرة: القواطع عن الله تعالى وعلاجه

القواطع عن الله أربعة: الشيطان، والنفس، والدنيا، والخلق.
فعلاج الشيطان: الاستعاذة والمخالفة له.
وعلاج النفس: القهر.
وعلاج الدنيا: الزهد.
وعلاج الخلق: الانقباض والعزلة حيث لا تنفع المخالطة والصبر على أذاهم وإلا كانت أحسن.

 

 

[1]رقم (2203) باب فضل التعوذ

[2](2708) بَابٌ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَغَيْرِهِ

 

الأغراض الموضوعية للبلاغة النبوية للشيخ العلامة د. نور الدين عتر

فضيلة الدكتور نور الدين العتر أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة بجامعة دمشق يقدم في هذا المقال تعريفا للأغراض الموضوعية للبلاغة النبوية وتنوعها، ويبين فيه أنها تبدأ بهداية الإنسان، وأنها شَمِلت المرأة وبين كيفية الرفق بها، وتكلَّمت عن مواضع أغراض الذم والمدح ومواطنه، وإبطال ما كان يصنع أثناء الرثاء في الجاهلية، ومعرفة أن أغراض البلاغة النبوية وأبوايها الرئيسة تنقسم إلى ثمانية أبواب.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هذا البحث يبرز مزيد عظمة البلاغة النبوية، وإبداعها في المضمون بعد معرفة سموها وخصائصها التي ارتقت بها على البلغاء والفصحاء في الأسلوب والشكل.

إن معظم كلام الأدباء والبلغاء يتحدث عن المرأة أو الطبيعة، والأدب العربي في عهد البعثة كانت معظم أغراضه تدور على الغزل، والمدح، والهجاء، والفخر، والوصف، والرثاء، ونحو ذلك مما هو معروف. والقسم الكبير من شعر الشعراء وعواطفهم يحوم حول المرأة، حتى ليكاد يعادل هذا الباب في الآداب العالمية شطر الأدب الإنساني، وقسم كبير من هذا النوع تعلق بالمرأة بعامل العاطفة المعروفة.

أما البلاغة النبوية فإنها جاءت بدعوة وهداية للإنسانية، تشمل جميع نواحي الحياة، وشتى آفاق الإنسان والحضارة والثقافة، حتى إن طرقت شيئاً من أبواب الأغراض الأدبية المعروفة، فإنما تطرقها من سمة الإبلاغ لهذه الرسالة، وبيان الحكم الإلهي، أو الموعظة أو العبرة.

تحدثت البلاغة النبوية عن المرأة، فقررت وحدة جنسها الإنساني مع الرجل كما في حديث: (النساء شقائق الرجال) [1]، وأشارت إلى رقة المرأة وحاجتها إلى التلطف (رفقاً بالقوارير) [2] وأناطت بها مسؤولية البيت والعمل التربوي الكبير: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولية عن رعيتها) [3] ولاحظت ما فطرت عليه من الحشمة والخفر، وقد جاءت تقرر ما غرست عليه الفطرة الإنسانية، فتحدثت عن الكاسيات العاريات، وكسا النبي الكريم أسامة بن زيد قُبطِية. [4] فانظر إلى هذا السمو الرفيع في الحديث عن المرأة، وبيان تأثير هذا الثوب إذا لبسته.

قال الشريف الرضي في شرح الحديث: وهذه استعارة والمراد أن القُبطِية برقتها تلتصق بالجسم، فتبين حجم الثديين والرادفتين، وما يشتد من لحم العضدين والفخذين، فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء … فجعلها عليه الصلاة والسلام لهذه المحَال كالواصفة لما خلفها، والمخبرة عما استتر بها. وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى. وإلى هذا الغرض رمى عمر بن الخطاب في قوله: “إياكم ولبس القُباطي، فإنها إلا تشِف تصف”. فكان رسول الله صلى الله عليه وآله أبا عذر هذا المعنى، ومن تبعه فإنما سلك نهجه وطلع فجه). [5]

قال الرافعي في التعليق على هذا الشرح: (وهذا كلام حسن، ولكن في عبارة الحديث سراً هو من معجزات البلاغة النبوية لم يهتد إليه الشريف على أنه حقيقة الفن في هذه الكلمة بخلاصتها، ولا نظن أن بليغاً من بلغاء العالم يتأتى لمثله، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يقل: أخاف أن تصف حجم أعضائها، بل قال: حجم عظامها، مع أن المراد لحم الأعضاء في حجمه وتكوينه، وذلك منتهى السمو بالأدب. إذ ذِكرُ “أعضاء” المرأة في هذا السياق وبهذا المعرض، هو في الأدب الكامل أشبه بالرفث ولفظة “الأعضاء” تحت الثوب الرقيق الأبيض تنبه إلى صور ذهنية كثيرة هي التي عدَّها الشريف في شرحه، وهي تومئ إلى صور أخرى من ورائها، فتنزه النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك، فضرب الحجاب اللغوي على هذه المعاني السافرة …

وجاء بكلمة العظام لأنها اللفظة الطبيعية المبّرأة من كل نزعة، لا تقبل أن تلتوي، ولا تثير معنى، ولا تحمل غرضاً، إذ تكون في الحي والميت، بل هي بهذا أخص، وفي الجميل والقبيح، بل هي هنا أليق، وفي الشاب والهرم، بل هي في هذا أوضح. والأعضاء لا تقوم إلا بالعظام، فالمجاز على ما ترى، والحقيقة هي ما علمت. [6] وكذلك الشأن في الأغراض الأدبية الأخرى، فإنها إنما تدخل في البلاغة النبوية من باب آخر جديد غير المعاني والمقاصد المعروفة بالتداول بين الأدباء.

فالمدح والذم في هذه البلاغة في حدود بلاغة الرسالة، المدح للخير وأهله، والذم للشر وأهله. وانظر معي هذا الحديث الذي جمع بين فطرية المدح والذم معاً في أواخر أسلوب وأبلغه: (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة) [7] فالحديث يحذر مما سيقع فيه الناس من الحرص على الرئاسات، وما يترتب على ذلك من الخطر العظيم، والمسؤولية الجسيمة بعد تنعم تافه يسير في الدنيا (فنعمت المرضعة)، أي في الدنيا كما تؤدي إليه من المنافع واللذات العاجلة، (وبئست الفاطمة) أي عند الانفصال عنها بموت أو عزل أو ما سوى ذلك، فتنقطع تلك اللذات والمنافع، وتبقى الحسرة والمسؤولية. وتأمل هذا الأسلوب البليغ للتحذير من الحرص على الإمارة، فقد ضرب المرضعة مثلاً للإمارة الموصلة صاحبها إلى المنافع العاجلة، والفاطمة، وهي التي انقطع لبنها مثلاً لمفارقتها عنها بالعزل أو الموت، والقصد ذم الحرص عليها وكراهة طلبها. وقال القاضي: شبه الولاية بالمرضعة، وانقطاعها بموت أو عزل بالفاطمية، أي نعمت المرضعة الولاية، فإنها تدر إليك المنافع والملذات العاجلة وبئست الفاطمة المنية، فإنها تقطع عنك تلك اللذائذ والمنافع. وتبقى عليك الحسرة والتبعة، فلا ينبغي لعاقل أن يُلِم بلذة تتبعها حسرات، وألحقت التاء في بئست دون نعم، والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثاً جواز الإلحاق وتركه، فوقع التفنن في هذا الحديث بحسب ذلك.

وقال في شرح المصابيح: شبه على سبيل الاستعارة ما يحصل من نفع الولاية حالة ملابستها بالرضاع، وشبه بالفطام انقطاع ذلك عنها عند الانفصال عنها، فالاستعارة في المرضعة والفاطمة تبعية.

فإن قلت: هل من فائدة لطيفة في ترك التاء من فعل المدح، وإثباتها مع الذم؟ أجيب بأن إرضاعها أحب حاليها للنفس، وفطامها أشقها، والتأنيث أخفض حالتي الفعل، فاستعمل حالة التذكير مع الحالة المحبوبة التي هي حالة الفطام عن الولاية لمكان المناسبة في المحلين. انتهى.

وفي شرح المشكاة إنما لم يلحق التاء بنعم لأن المرضعة مستعارة للإمارة وهي وإن كانت مؤنثة لكن تأنيثها غير حقيقي، وألحقها بئست نظراً إلى كون الإمارة حينئذٍ ذاهبة.

وفيه أن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أشد مما يناله من النعماء، فعلى العاقل أن لا يلم بلذة يتبعها حسرات. هذا فضلاً عما في أسلوب الحديث من التقابل بين الجملتين، وسهولة ألفاظه وقلة عددها مع عظمة المعنى، وسعة المدلول الذي دلت عليه تلك الألفاظ القليلة. كما نلاحظ قوة الحسم في اختتام الجملتين بالتاء المربوطة التي تلفظ هاء عند السكت، في المرضعة، الفاطمة وإحكام سبك الكلمات، وتناسب وقعها. لتتعاون كل العوامل التي ذكرنا والتي لم تذكر لتقوية رسم الصورة المحذرة المنذرة من الحرص على الإمارة، وتقع في النفس الوقع المؤدي للمطلوب.

وأما الرثاء فقد أبطل ما كان عليه الجاهليون من الأعمال غير المتزنة فحرم تمزيق الثياب، وحلق الرأس، والنياحة، وغير ذلك مما كانوا عليه، وأطلق عنان العواطف الإنسانية تعبر عن نفسها. فها هي ذي عاطفة الوفاء تثور في هذه النفس الكريمة عندما (حضر صاحبه سعد بن عبادة الذي كان له سهم كبير في دخول الأنصار الإسلام، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله. فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا. فقال: ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا _وأشار إلى لسانه_ أو يرحم). [8]

وتأمل هذا الرثاء من القلب الأبوي الرحيم لما دخل على ولده إبراهيم آخر أمل بقي له من أولاده الذكور، الذين ماتوا كلهم قبله. قال أنس:(… ثم دخلنا عليه [9] بعد ذاك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله! فقال: يا ابن عوف: إنها رحمة. ثم اتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) [10] وأما الفخر فإن القرآن الكريم قد حسم أمره بصراحة (إن الله لا يحب كل مختال فخور).

وأعلن البيان النبوي هذا المعنى في خطاب عام يوم فتح مكة في هذا الخطاب الذي يرويه عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال:
(يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وتعاظمها بآبائها. الناس رجلان: برٌ تقيٌ كريم على الله عز وجل، وفاجر شقيٌ هين على الله عز وجل. الناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب. قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) [11] ولكن النبي الكريم تحدث في مقابل ذلك بما أنعم الله عليه وأكرمه من الإكرامات لا افتخاراً ولا قصداً للتعظم والتجبر، بل بيان لنعمة الله عليه، امتثالاً وقياماً بقوله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث).

فمن ذلك قوله: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر) [12] فالتحدث هنا إنما هو بمواهب الله تعالى، وإكراماته، ثم هو بدافع غير ما كان عليه الناس من المباهاة والتعظم عليهم أو الكبر وغير ذلك، لكنه التحدث بنعمة الله تعالى، وإعلام الأمة بالواقع ليعرفوه.

وفيما عدا القسم الذي يتعلق بما ذكرنا، فإن القسم الأكبر من الأحاديث يقدم للإنسان علوماً ومعارف وأحكاماً جديدة كل الجدة على المعارف العربية، بل على المعارف العالمية والإنسانية آنذاك. وإذا أردنا أن نوضح هذا الإجمال مزيد توضيح، وأن نحصر الأبواب الرئيسية، والموضوعات الأساسية الأصول لأغراض البلاغة النبوية، فإننا نستطيع تقسيمها إلى ثمانية أبواب، وموضوعات أساسية تندرج تحتها تفاصيل أغراض الحديث ومقاصده، وهي:
أولاً- العقائد:
وفيها أركان الإيمان وشرح هذه الأركان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وتفاصيل واسعة حول هذه الأمور. وتدخل فيها الأمور الكونية، لأن الكون في الحديث النبوي كما يقول الرافعي: (آية الحكمة لآية الفن، ومنظر المستيقن، لا منظر المتخيل، ومادة العبودية لله لا مادة التأله للإنسان).
ثانياً- الأحكام: وتشمل العبادات، والمعاملات المالية، والأسرة، والمجتمع، والحدود، والقصاص، والمواريث، وغير ذلك من الأبواب.
ثالثاً- السيرة: أحكام السلم والحرب، والعهود، والعلاقات الدولية، والمغازي التي كانت في السيرة النبوية، وما وراء ذلك من أحكام، وما فيها من سجل مفاخر يُعتز بها بحق.
رابعاً- الآداب: وفيها الجوانب الخلقية، وآداب الحياة اليومية في الطعام، والشراب، والملبس، والنوم، والاستيقاظ، والآداب الاجتماعية، والحقوق الاجتماعية إلى آخر ما هنالك.
خامساً- التفسير: وهو باب كبير يتناول ما ورد من الأحاديث النبوية في فضائل القرآن عامة، وفضائل سور أو آيات معينة من القرآن، أسباب النزول، وما فسر من القرآن في الحديث النبوي الذي لا يجوز لمفسر أن يقصر في الرجوع إليه أبداً.
سادساً- الفتن: وربما يعبر عنها بالملاحم، وهو باب كبير، فيه أحاديث كثيرة جداً تخبر عما سيقع بين المسلمين من الفتن والانشقاقات، وما سيقع في العالم من حروب وملاحم، وما سوف يطرأ على الناس من انحرافات في الأخلاق والسلوك والأفكار للتبصير والتحذير من كل ذلك، ولكن هذا الباب كثير فيه الضعف والوضع والاختلاق حتى حذر العلماء من الاغترار بما يرون فيه دون تثبت وتأكد، لكن فيه جملة كبيرة صحيحة تحقق وقوع بعضها، والبعض الآخر لم يأت حدوثه بعد.
سابعاً- أشراط الساعة: وفيها الحديث عما يطرأ من تغيرات في العالم قبيل القيامة وما يقع من أحداث فلكية أو أرضية أو جيولوجية كبيرة قبيل القيامة وتقسم إلى قسمين أشراط صغرى، وأشراط كبرى. ويقع في أحاديث الباب الضعف والوضع كثيراً أيضاً، وقد صنفت كتب خاصة في هذا الفن، ويدخل المصنفون فيها ما يتعلق بتغير أحوال الناس.
ثامناً- المناقب: أي الفضائل، ويتعلق بها ضدها (المثالب) وليس المراد هنا بالفضائل فضائل الأعمال، بل أنهم يوردون أحاديث فضائل الأعمال في الأبواب التي تتبعها تلك الأعمال، لكن المراد هنا فضائل الأشخاص والقبائل والشعوب والأزمنة والأمكنة، وما يتعلق بذلك وما يلحقه من أغراض. وهكذا نجد الحديث النبوي صاغ عقلية الإنسان صياغة جديدة، وأعاد بناء العقل والفكر الإنساني، والسلوك الإنساني والمعتقدات الإنسانية، في كل ما يأتيه الإنسان وما يرده، وما يعقله ويعتقده، وما يعلمه وما يدركه. مصدقاً لقوله تعالى حكمته: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً).

 

[1]أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه
[2]من حديث اتفق عليه
[3]سبق تخريج
[4]أي أعطاه قُبطية بضم القاف، ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وضم القاف تميزاً بينه وبين ما ينسب إلى القبط من غير الثياب فكساها امرأته فقال لأسامة: أخاف أن تصف حجم عظامها.
[5]المجازات النبوية ص166
[6]وحي القلم (3/33) وانظر فيه المقال الذي عقده الرافعي للبلاغة النبوية (3-30)
[7]أخرجه البخاري في الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، والنسائي
[8]أخرجه البخاري ومسلم
[9]ابن علي أبي سيف الذي كان إبراهيم مسترضعاً عنده
[10]أخرجه البخاري
[11]أخرجه البخاري
[12]أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه