المقال الخامس من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – تعريف الطهارة ومكانتها وأنواعها

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أتعرض في هذا المقال للحديث عن النقاط الآتية:
أ – تعريف الطهارة. ب – مكانتها في الإسلام. ج – أنواعها.

 

أ – تعريف الطهارة:

الطهارة لغة: النظافة عن الأقذار الحسية كالنجاسات، والمعنوية كالعيوب والذنوب. يقال: تطهر من الدنس، وتطهر من الحسد. [1]
وشرعا: النظافة عن النجاسة، حقيقية كانت وهي الخبث، كالغائط والبول والدم، أو حكمية، وهي الحدث الذي يسببه خروج الأشياء المذكورة ونحوها. [2]

 

ب – مكانتها في الإسلام:

اهتم الإسلام بالطهارة، وأعطاها مكانة عالية، وربطها بالإيمان والفطرة السليمة، ومن الأمور التي تظهر فيها هذه الأهمية:

1 – الطهارة مفتاح الصلاة:
الطهارة شرط صحة الصلاة، أمر الله تعالى بها عند القيام للصلاة، وشبهها النبي صلى الله عليه وسلم بالمفتاح الذي لا يمكن الدخول لمكان مَّا بدونه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق…} [المائدة: 6]. أي إذا أردتم القيام. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). [3]

2 – الطهارة نصف الإيمان:
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان…) الحديث. [4]. والمراد بالطهور في الحديث ما يشمل الطهارة الحسية من الأقذار والأنجاس، والحكمية من الأحداث، والمعنوية من الأخلاق الذميمة، فإن الطهارة بهذا المعنى تشكل جزءا كبيرا من الإيمان. [5]

3 – الطهارة من الفطرة:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عشر من الفطرة…وعد منها: استنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، وانتقاص الماء). [6]
و(البراجم): جمع (بُرجُمة)، وهي مفاصل الأصابع التي ترتفع عند قبض الكف. [7]وانتقاص الماء: الاستنجاء، والمراد انتقاص البول باستعمال الماء حالة الاستنجاء. [8]

 

ج – أنواعها:

تنقسم إلى قسمين: 1 – طهارة عن النجاسة الحكمية. وتنقسم إلى صغرى وهي الوضوء، وكبرى وهي الغسل، ويخلف كلا منهما التيمم حال عدم الماء. 2 – طهارة عن النجاسة الحقيقية.

1 – الطهارة عن النجاسة الحكمية:

أولا: الوضوء: (فرائضه – سننه – مستحباته)
فرائض الوضوء:
فرائض الوضوء أربعة:غسل الوجه، واليدين مع المرفقين، ومسح ربع الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق…} [المائدة: 6]. أي إذا أردتم القيام.
الغسل: إسالة الماء على العضو وقطْره قطرة واحدة على الأقل. المسح: إصابة بِلَّة الماء محل المسح.
الوجه: من أول الجبهة إلى أسفل الذقَن طولا، وما بين شحمتي الأذنين عرضا. المرفق: العظم الفاصل بين الذراع والعضد. الكعب: العظم الناتئ المتصل بعظم الساق. [9]

سنن الوضوء:
1 – النية: وهي أن ينوي الوضوء أو رفع الحدث. ولا يثاب على الوضوء بدون النية، وإن صحت به الصلاة. ووقتها في أول الوضوء. [10]
2 – التسمية: ولفظها الوارد: بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام. [11]
3 – غسل اليدين إلى الرسُغين: والرسُغ: المفصل بين الكف والذراع.
4 – السواك: واستعماله يكون عند المضمضة. 5 – المضمضة: بثلاث غرفات. 6 – الاستنشاق: بثلاث غرفات أيضا. 7 – مسح الأذنين: بالماء الذي يمسح به الرأس، لا بماء جديد. [12] 8 – تخليل اللحية: وهو إدخال الأصابع فيما بين شعرها. 9 – تخليل الأصابع: اليدين بالتشبيك، والرجلين بخنصر يده اليسرى. 10 – تثليث الغسل دون المسح. 11 – مسح كل الرأس. 12 – الترتيب. 13 – الوِلاء: وهو غسل العضو قبل جفاف الذي قبله. 14 – الدلك.

مستحبات الوضوء:
1 – التيامن. 2 – مسح الرقبة، لا الحلقوم. 3 – استقبال القبلة. 4 – الدعاء بالوارد بعد الوضوء: وهو: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. [13]

 

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

_______________________________________________________________

[1] انظر: الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، مادة (ط، ه، ر).
[2] انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/5/.
[3] أخرجه أحمد، مسند علي بن أبي طالب (1006)، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب فرض الطهارة (61)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (3).
[4] أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء (223).
[5] انظر: طهماز، عبد الحميد، الفقه الحنفي في ثوبه الجديد /1/24/.
[6] أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة (261).
[7] انظر: الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، مادة (ب، ر، ج، م).
[8] انظر: النووي، يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم /3/150/.
[9] انظر: اللباب /1/5/.
[10] انظر: الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 20 – 21.
[11] المرجع السابق ص 21.
[12] اللباب /1/9/.
[13] انظر: الدر المختار ص 21.

المحاضرة الثالثة عشر من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: الولد من العاشرة للرابعة عشرة الجزء الثاني: وسائل التربية في هذه المرحلة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

تحدثنا في المحاضرة السابقة عن خصائص هذه المرحلة، والآن سنتحدث عن:

كيف سنتعامل مع الولد، وماهي الوسائل التربوية التي تعين على تربيتة في هذه المرحلة:

  1. يجب علينا إعطاء الولد مساحته في إثبات شخصيته باختيارنا، والاعتراف به، وبرأيه بدل أن يُثبت شخصيته بالقوة.
  2. إعطاء الولد مساحته في تحقيق حاجاته النفسية، والاجتماعية، والجسمية مع المراقبة في ذلك، والحوار في المعالجة. لنا في رسول الله الأسوة عندما كان  يشجع الصبيان فقد خرج رسول الله على قوم من أسلم يتناضلون في السوق (يترامون للمسابقة) فقال: “ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا”[1].

فلو تعامل الوالدان مع ولدهم بالتشجيع كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الصلة، والعلاقة بين الآباء، والأبناء ستتوثق، وسيحب الأبناء التواصل مع والديهم؛ وهذا له ثمراته الواضحة في التربية.

لقد كان أبو محذورة يستهزئ بالأذان مع عشرة آخرين عندما سمعوا المؤذن يؤذن للصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت” فأرسل إليهم فأذنوا أمام رسول الله واحدا واحدا، وكان آخرهم أبو محذورة فقال له حين أذن:” تعال” فأجلسه بين يديه، ومسح على ناصيته، وبارك عليه ثلاثا، وعلمه الأذان ثم قال له:” اذهب فأذن عند البيت الحرام”[2] لقد وظف رسول الله طاقة أبي محذورة وحول طفولته لرجولة وشيء مفيد فبدل أن يزعج المسلمين حوله لطاقة إيجابية تصب في مصلحة المسلمين ..وهكذا ينبغي أن نكون مع أبنائنا.

  1. إشعار الطفل بالاستقلال المادي قليلا، وتدريبه على الإنفاق المتوازن بما يأخذه من والديه (يجب أن يتعود الطفل أنه ليس كل شيء يأخذه ينفقه)
  2. تشجيع الطفل، والثناء عليه عند تحقيق النجاح (بالدراسة والأخلاق والقضائل والمواقف الإيجابية…)، ومساعدته على النجاح، وتذويقه لذته؛ لأن فشل الطفل أكثر من مرة يرسخ عنده أنه فاشل؛ فتضعف قدراته، ويترسخ عنده شعور النقص، والفشل والضعف؛ فلا يجوز القسوة مع الطفل ومعاقبته لأنه رسب في صفه مثلاً؛ بل ساعده على النجاح قبل الوصول للفشل. فما ينبغي أن يشعر الوالدان بمسؤوليتها تجاه فشل ولدهم، ولايشعران بها تجاه تحقيق نجاحه؛ بل واجب الوالدين تجاه نجاح ولدهم مقدم على واجبهم تجاه تقصيره وفشله، والحقيقة القاسية أنه يجب معاقبة المقصر في متابعة الولد لا معاقبة الولد؛ لأن الولد هو ضحية تقصير والديه غالبًا.
  3. تهيئة الطفل لمرحلة البلوغ، والأحكام الشرعية بالتدرج قدر الحاجة مع ملاحظة الفرق بين الجنسين، والحاجات المختلفة كتعليمه أحكام الغسل الواجب، وإخباره أنه سيأتي، وتعليمه الأغسال المسنونة كغسل الجمعة والعيدين، وماشابه، ونعلمه غض البصر عن النساء ونقول له: احفظ بصرك عن النساء، وقلبك عند الاختلاط بهم – مع أن الطفل لا شهوة له ولكني أهيئه لوقت بروز الشهوة قبل الوصول إليها- كما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنه عندما قال له:” احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله..”[3]

إن هذا التدرج في تعليم الأحكام الشرعية ينسحب على البنت أيضا؛ فينبغي أن تكلم الأم ابنتها، وتحدثها عن الحيض، وأحكامه وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي تخص النساء.

قصة: طفل وصل لسن البلوغ فجاء لوالده يبكي، وقال له الآن وصلت لسن التكليف، وسوف أحاسب عن كل معصية أفعلها ..فأجابه الوالد الحكيم: بل الآن ياولدي بدأت تثاب على صلواتك، وعباداتك، وطاعاتك ثوابَ الفريضة وقد كنت تثاب عليها ثواب النافلة [4](إن الموقف الذي ظهر من هذا الولد لهو ثمرة التربية السابقة من الوالد الحكيم)   

من المؤسف أن يصل كثير من أبناء المسلمين اليوم ذكورا، وإناثا لسن البلوغ وهم لايعرفون أحكام الطهارة من الحدث الأكبر فيصلون بدونها.

مهمة: ماينبغي أن نسمح لأصدقاء السوء تعليم أبنائنا هذه الأحكام.

ومن المؤسف ألا يأمر الوالدان بناتهن بالحجاب الشرعي إلا بعد تجاوزهن لسن التكليف بسنين، ولايعودانهن ذلك قبل البلوغ.

هذا لقمان الحكيم يعلم ولده قائلاً: }وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم{ [لقمان 13]

} يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير{[لقمان 16]

} يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر{[لقمان 17]

  1. الحذرمن مفاجئة البلوغ الطفلَ، والتحضير له نفسيًا، وفكريًا، وعلميًا واجتماعيًا.
  2. لابد من جرأة الوالدين على إخبار ولدهم – ذكراً أو أنثى- بأحكام البلوغ، ولابد من مساعدة الولد على تطبيق أحكام الغسل؛ لأنه يستحي أن يغتسل أمام والديه، ولابد من تمهيد الطريق أمامه بأنه أمر طبيعي فطر الله الناس عليه، وإزالة كل ما من شأنه أن يحول دون تطبيق هذا الحكم الشرعي.

مثلًا: بعض الآباء يخبر أولاده بأنه قد قام بتسخين الماء قبل الصلاة  فمن يحتاج للاستحمام فهو جاهز …

  1. تحصين الولد بالعلم ليكون حاجزًا ضد الشبهات الفكرية التي قد تفد عليه.
  2. تشجيع الطفل على المشاركة بالفعاليات التي تقام في المدرسة، أو المسجد أو في العائلة، ومساعدة الطفل على النجاح فيها؛ لأن هذا يحفز طاقاته، ويُشعر الولد بقرب والديه منه؛ فشعور الولد باحترام والديه لاهتماماته يقربه منهم وهذا له بالغ الأثر في التربية.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

___________  

[1] البخاري عن سلمة بن الأكوع كتاب الجهاد والسيرباب التحريض على الرمي برقم 2743

[2] مسلم 379، البخاري في كتاب الأذان باب بدء الأذان 603

[3] سنن الترمذي صفة القيامة وارقائق والورع 2516، مسند أحمد من مسند بني هاشم 1/293

[4] القصة تروى عن الدكتور سعيد رمضان البوطي مع والده.

المحاضرة الحادية عشر من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: المرحلة الثالثة من مراحل عمر الولد من سن السابعة لسن العاشرة الجزء الثاني:الوسائل التربوية الواجب اتباعها في هذه المرحلة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علما ينفعنا

وبعد:

تحدثنا في المحاضرة السابقة عن خصائص المرحلة العمرية الثانية للطفولة، من سن السابعة للسنة العاشرة، والآن سنتحدث عن:

الوسائل التربوية الواجب اتباعها في هذه المرحلة:

  1. يجب على الوالدين استيعاب نمو الطفل – أي أتعامل معه على أنه كبر في فكره وعقله – فلا نصدر له الأوامر، وعليه أن يطيع فقط؛ بل لابد من محاورته فقد صار له شخصية فهو يحاور، ويناقش.
  2. يجب أن نتعامل مع الطفل بطريقة مختلفة عن المرحلة السابقة، و بشكل يتناسب مع التغيرات الطارئة في هذه المرحلة،  سواء بما يتعلق بالأوامر والنواهي، أو غيرها.
  3. وجوب محافظة الوالدين على شخصية القدوة في ساعات المعالجة لأخطاء الولد؛ فقد ربى الوالدان ابنهما على مكارم الأخلاق طيلة ست سنوات فعلّماه أن الشتائم لاتجوز، وأن الصراخ لايجوز…؛ وعليه فلايجوز في هذا السن أن نعالج أخطاء الطفل بشتمه، أوسبه والصراخ بوجهه؛ بحجة أنه لم يعد صغيرًا ؛ لأننا بذلك نهدم مابنيناه في السنوات الأولى من عمر الطفل.

هاهو رسول الله قدوتنا يعلمنا هذا الفن من التربية فقد جاءت أم أنس بن مالك لرسول الله وقالت له يارسول الله خويدمك أنس …فاقام أنس يخدم رسول الله عشر سنين..يقول أنس: “خدمت رسول الله عشر سنين والله ماقال لي أفَّ قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلاّ فعلت كذا”[مسلم 2309]

  1. تجنيب الطفل الاطلاع على الخلافات المنزلية، والشجارالحاصل بين الوالدين؛ فيجب أن يشعر الطفل أن والديه جسم واحد فتتم معالجة الخلافات الزوجية بمعزل عن الأبناء؛ وعليه فما ينبغي أن ينزل مستوى الخطاب بين الزوجين أمام أولادهم، بل لابد من ضبط النفس، والتزام الخلوة في حل المشاكل بعيدا عن ناظر الأولاد.
  2. عدم إشعار الطفل بالأزمات الاجتماعية، والمالية التي تمر بها الأسرة؛ فما ينبغي أن يعيش الطفل بعمر ثمان سنوات أزمة طلاق بين والديه، أو غير ذلك من المشاكل الاجتماعية، وينبغي أن ينسحب هذا على كل المشاكل الاجتماعية خارج الأسرة؛ فما ينبغي للطفل بهذا السن أن يتعرف على مشاكل أخته المتزوجة مع زوجها، أو مع أهل زوجها…

البوح بالمشاكل المالية أمام الطفل؛ يشعر الطفل بأنه عبء على والديه، وهذا يشكل أزمة نفسية لدى الطفل، وخصوصا لو تشاجر الوالدان أمام ولدهم بسبب عجز الوالد مثلًا عن تأمين مبلغ مالي لشراء لباس العيد؛ فيشعر الطفل أن والداه يتشاجران بسببه، وهذا فيه من المخاطر على نفسية الطفل مافيه.

  1. تدريب الطفل على بعض الأعمال البسيطة ليقوم بها وأساعده أيضًا– أكلفه بالمهمة وأساعده على النجاح فيها – لتتفجر في نفس الطفل الطاقات الكامنة؛  فيصبح واثقا بها معتمدًا عليها.
  2. دعم شخصية الطفل اجتماعيا بالتشجيع، والثناء عليه لأفعاله الحسنة، ومكافئته عليها، وإشعاره بقيمة النجاح، وأنه محبَّب، ومجال للتنافس بين الناس.
  3. مراقبة الأخلاق المذمومة في الطفل مما يظهر خصوصًا عند لعبه مع الأولاد. قد يظهر في الطفل نوع من العدوانية، وعدم الصبر، وشيء من الأثرة والأنانية؛ فاجعل ولدك يلعب أمام ناظريك دون أن يشعر بمراقبتك له؛ وذلك لتُصحِّح له أساليبه في تعامله مع الآخرين (حتى أثناء اللعب).
  4. معالجة الأخلاق المذمومة بالطرق المناسبة؛ فقد يسرق الطفل في هذه المرحلة وقد يظهر منه عدم المبالاة …

 

  1. البدء بإقامة الحوار بين الطفل، ووالديه، والإقلال ما أمكن من أسلوب الإملاء، كما علمنا بيان الحق سبحانه؛ فقد تحاور، وتشاور إبراهيم مع ولده إسماعيل في أمر الله عزوجل: }فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى{ [الصافات 102]

 

  1. اصطحاب الطفل للنشاطات الاجتماعية، والزيارات العامة والخاصة، وتعليمه الآداب بشكل عملي تطبيقي فنأخذه للمسجد، ولزيارة مريض، وزيارة قريب؛ فنعلمه من خلال الزيارة آداب الطريق وركوب الحافلة …
  2. التنسيق مع مدرّس الطفل ومدْرَسته، وشيخه في المسجد فيما يرجع بالخير على تربيتة، وإن عجزنا عن تحقيق هذا التنسيق فيجب مضاعفة الجهد؛ لتعويض النقص، لأننا عند ذلك سنقوم بواجب المدرسة، والمسجد والمدرس.
  3. استعمال أسلوب الحكايات الهادفة، والقصص المشوقة، والحذر من القصص الدخيلة المشوشة لفكر الطفل؛ لإن إهمال أسلوب القصص في التربية يجعلنا نخسر وسائل مفيدة جدًا في التربية.
  4. مراقبة الإعلام (التلفاز والمحطات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي والنت بمختلف أشكاله وتطبيقاته)، واختيار البرامج المناسبة، ومشاركة الطفل أحيانا أثناء جلوسه أمام التلفاز مثلًا للتعليق على بعض البرامج سلبا، وإيجابا؛ لنساعد الطفل على التميز بين الصواب والخطأ، والضار والنافع.
  5. البدء بإشعار الطفل بشيء من الاستقلال كتخصيص مصحف خاص له، فنكتب عليه اسمه، ونميزه بسرير خاص؛ فهذا يشبع حاجته النفسية المتطورة، وعدم الهيمنة على الطفل خصوصًا من جانب الأم، ولنترك الطفل يعبر عما يشعر به، ولا نجعله يتكلم فقط بما يراه مُرضيا لوالديه لأنه عند ذلك سيتكلم بما يرضي والديه لابما هو مقتنع به.
  6. الانتباه أن الطفل كلما كبرت سنه؛ فإنه يحتاج لمزيد من العناية والرعاية
  7. البدء بتوجيه بعض الأوامر الشرعية، ومطالبته بها شيئا فشيئا، مع بيان حكمها، وأهميتها؛ فنحدّث الطفل عن أهمية الصلاة، والصيام، والحجاب ومحبة الله ورسوله، والصحابة …

إن ماسبق ليس تعقيدًا لمبادئ التربية، ولكنها إرشادات نستعين بها، ونستبين فيها سبب فشل كثير من الآباء في تربية أبنائهم.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

صلى الله على سيدنا وننبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٧) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التوكل على الله

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: يجب أن تقوم أمورنا على أساس التوكل على الله، بعد أن يرتفع مشهود قيام الأعمال، فإذا قمتَ بها صرت مشغولًا بالمعبود في قالب العبادة، وصرت مشغولًا بواحد هو “الله”، وماذا يعمل مَن كان شغلَه “اللهُ”؟ هذا الذي نريد أن نجتمع عليه، ولا عليكم مِن قاصٍ ودانٍ، ولا إنس ولا جان.

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (39) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مسألة مهمة:
بقيت مسألة مهمة وهي أن علينا أن نفرق بين المسألة التي بحثناها وهي أنه يجب على اليهود والنصارى وجميع الفرق الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن واتباعهما، وأنه من يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، وأنه لا يسمع يهودي ولا نصراني بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن إلا دخل النار، وبين مسألة أخرى تختلف عنها وهي حكم من لم تبلغه الدعوة، وحكم أطفال المشركين والنصارى، وهما مسألتان مختلفتان تماما، وإليك قول العلماء في المسألة الثانية:
قال علي القاري في شرح حديث: ” أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»”
قوله: (إِلَّا كَانَ)] أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ بِمَعْنَى يَكُونُ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ [(مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)] أَيْ مُلَازِمِيهَا بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَأَمَّا الَّذِي سَمِعَ وَآمَنَ فَحُكْمُهُ عَلَى الْعَكْسِ، وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَسْمَعُ وَلَمْ يُؤْمِنْ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْوَعِيدِ[1] .
وقال الإمام النووي: في الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا – صلى الله عليه وسلم -، وفي مفهومه دلالة على أن من لم يبلغه دعوة الإسلام فهو معذور”.
خلاصة الأقوال في الذي لم تبلغه الدعوة:
من لم تبلغه الدعوة في مصيرهم ثلاثة أقوال هي:
1 – من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيًا.
2 – من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.
3 – من مات ولم تبلغه الدعوة فإنه يمتحن بنار في عرصات يوم القيامة.
1) والقول الأول: قال به الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، وبعض الشافعية من الفقهاء قال عضد الدين الإيجي في المواقف:” وَأما من نَشأ على شَاهِق جبل وَلم تبلغه دَعْوَة نَبِي أصلا فَإِنَّهُ مَعْذُور عِنْد الإشاعرة فِي ترك الْأَعْمَال وَالْإِيمَان أَيْضا”[2]
2) والقول الثاني: وهو أن من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.
قال به المعتزلة وجماعة من الحنفية الماتوريدية وكذا قال البقاعي وعبد الله الحليمي لكن مع الاختلاف في طريقة الاستدلال عليه[3].
قالوا بأنهم مكلفون وإن لم يرسَل إليهم رسول، وعليهم أن يستدلوا بعقولهم، فما استحسنه العقل فهو حسن، وما قبحه العقل فهو قبيح. وإن الله سبحانه يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسَل إليه رسول لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا يدل على أن هناك ثوابًا وعقابًا قبل بلوغ الدعوة وبعثة الرسل.
3) والقول الثالث: وهو أن من لم يسمع بالدعوة كأهل الفترة يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله سبحانه وتعالى بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها فقد عصى الله تعالى، فيدخله الله فيها.اختاره: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، محمد أمين الشنقيطي.

************

حكم أطفال المشركين:
وقال النووي: “أجمع من يُعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة”[4].
قال الشيخ شعيب في تحقيق العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم:
المذهب الصحيح المختار عند المحققين من أهل العلم أن أطفال المشركين الذين يموتون قبل الحنث هم من أهل الجنة[5].

************

المراجع
ابن أبي زمنين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المري المالكي،”تفسير القرآن العزيز”، طبع محققا عام 1423 هـ دار الفاروق الحديثة القاهرة.
ابن الأنباري، عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)، “الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين”، المكتبة العصرية، ط: الأولى 1424هـ- 2003م
ابن الشجري، ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة، المعروف بابن الشجري (المتوفى: 542هـ) “ما لم ينشر من الأمالي الشجرية” تحقيق: الدكتور حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى، 1405 هـ – 1984 م
ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ)، “أحكام القرآن”، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا،: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 2003.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، “هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى”، تحقيق: محمد أحمد الحاج.دار القلم- دار الشامية، جدة – السعودية، ط: الأولى، 1416هـ – 1996م
ابن الهائم: أحمد بن محمد بن عماد الدين بن علي، أبو العباس، شهاب الدين، (المتوفى: 815هـ)، “التبيان في تفسير غريب القرآن”، تحقيق: د ضاحي عبد الباقي محمد، دار الغرب الإسلامي – بيروت، ط: الأولى – 1423 هـ
ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني (المتوفى: 840هـ)ي، أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير (المتوفى: 840هـ)، “العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم” حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط: الثالثة، 1415 هـ – 1994 م.
ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)” الرد على المنطقيين”، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)، ” الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية، ط الأولى، 1408هـ – 1987م
ابن جزي، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ)، “التسهيل لعلوم التنزيل”،تحقيق: الدكتور عبد الله الخالدي، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم – بيروت، 1996.
ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ)، ” الفِصَل في الملل والأهواء والنحل” مكتبة الخانجي – القاهرة
ابن سيده: أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي [ت: 458هـ، “المحكم والمحيط الأعظم” تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية – بيروت، ط: الأولى، 1421 هـ – 2000
ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي (المتوفى: 1393هـ)، “التحرير والتنوير ” «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: 1984 هـ
ابن عجيبة،: أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي الحسني، الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ، ” البحر المديد في تفسير القرآن المجيد” تحقيق: أحمد عبد الله القرشي رسلان، ط دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الثانية 1423 هـ – 2002 م.
ابن عجيبة، أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي الحسني الفاسي (المتوفى: 1224هـ)، ” البحر المديد في تفسير القرآن المجيد “، تحقيق: أحمد عبد الله القرشي رسلان، الناشر: الدكتور حسن عباس زكي – القاهرة، 1999.
ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)، “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز”، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية – بيروت، 2001.
ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: 769هـ)،” شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك”، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار التراث – القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه، ط: العشرون 1400 هـ – 1980 م. وأول مجلدين، مذيلان بحاشية: منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل.
ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ، “معجم مقاييس اللغة”، تحقيق: عبد السلام محمد هارون،: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ – 1979م..
ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم ب الدينوري (المتوفى: 276هـ، “غريب الحديث” تحقيق: د. عبد الله الجبوري، مطبعة العاني – بغداد، ط: الأولى، 1397
ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، “البداية والنهاية”، تحقيق علي شيري، لناشر: دار إحياء التراث العربي، ط: الأولى 1408، هـ – 1988 م.
ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، “تفسير القرآن العظيم”، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، 1999.
ابن مالك، جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك ت “شرح التسهيل تسهيل الفوايئد وتكميل المقاصد” حقيق محمد عبد القادر عطا وطارق فتحي السيد، دار الكتب العلمية، ط: الأولى 1422هـ.
ابن مفلح، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد، أبو إسحاق، برهان الدين (المتوفى: 884هـ) “المبدع في شرح المقنع”، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط: الأولى، 1418 هـ – 1997 م
ابن نقطة، عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي، موفق الدين، ويعرف بابن اللباد، وبابن نقطة (المتوفى: 629هـ) الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر، مطبعة وادي النيل، ط: الأولى، 1286 هـ
ابن يعيش، موفق الدين يعيش بن علي تحقيق أحمد السيد وإسماعيل عبد الجواد “شرح المفصل” المكتبة الوقفية.
أبو السعود، العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ)، ” تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم”، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ، “تفسير القرآن”، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم. دار الوطن، الرياض – السعودية.
أبو جعفر، أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، (المتوفى: 708هـ)، “ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل”، وضع حواشيه: عبد الغني محمد علي الفاسي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان
أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي(المتوفى: 745هـ)، “البحر المحيط في التفسير”، تحقيق: صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت، 1999.
أبو زهرة، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: 1394هـ)، “زهرة التفاسير”، دار الفكر العربي.
أبو زينة، د منصور أبو زينة، الحذف والذكر في المتشابه اللفظي في القرآن رسالة ماجستير.
الأزهري، خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد الجرجاويّ الأزهري، زين الدين المصري، وكان يعرف بالوقاد (المتوفى: 905هـ)، “التصريح على التوضيح “، دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، ط: الأولى 1421هـ- 2000م
الأزهري، محمد بن أحمد بن الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م.
الإسكافي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب (المتوفى: 420هـ)، ” درة التنزيل وغرة التأويل”، دراسة وتحقيق وتعليق: د/ محمد مصطفى آيدين، جامعة أم القرى، وزارة التعليم العالي سلسلة الرسائل العلمية الموصى بها (30) معهد البحوث العلمية مكة المكرمة، 2001.
الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب (المتوفى: 502هـ)، “تفسير الراغب الأصفهاني”، تحقيق: د. محمد عبد العزيز بسيوني. الناشر: كلية الآداب – جامعة طنطا، 1999.
إطفيش، محمد بن يوسف بن عيسى، “تيسير التفسير”، وزارة التراث القومي والثقافي بسلطنة عمان، ط: 1406.
إطفيش، محمد بن يوسف، “هميان الزاد ليوم المعاد”، طبع في زنجبار.
الأعقم، أحمد بن علي، “تفسير الأعقم”، دار الحكمة اليمانية.
ألشيرازي، ناصر مكارم، “الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل”، مؤسسة النشر الإسلام، قم، نقحه د: محمد علي آذر شب.
الألوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني (المتوفى: 1270هـ)، “روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني”، تحقيق: علي عبد الباري عطية. دار الكتب العلمية – بيروت، ط: الأولى، 1995.
الآمدي، علي بن محمد بن سالم التغلبي، أبو الحسن، سيف الدين الآمدي (المتوفى: 631هـ) أبكار الأفكار في أصول الدين، تحقيق: أ. د. أحمد محمد المهدي، دار الكتب والوثائق القومية – القاهرة، ط: الثانية / 1424 هـ -2004م.
أمير عبد العزيز، التفسير الشامل” طبع بالقاهرة دار السلام 1420″
الإيجي، عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل، عضد الدين (المتوفى: 756هـ تحقيق: عبد الرحمن عميرة”المواقف”، دار الجيل – لبنان – بيروت،ط:الأولى، 1417هـ – 1997م.
البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله الجعفي ” الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه” =” صحيح البخاري”، محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط: الأولى، 1422هـ.
البرسوي، إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الإستانبولي الخلوتي , المولى أبو الفداء (المتوفى: 1127هـ)، “روح البيان”، دار الفكر – بيروت.
البغوي، محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي (المتوفى: 510هـ)، ” معالم التنزيل في تفسير القرآن” = تفسير البغوي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي –بيروت، 1999.
البقاعي، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر (المتوفى: 885هـ)، “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور”، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (المتوفى: 685هـ)، ” أنوار التنزيل وأسرار التأويل”، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1998.
التُستري، أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع (المتوفى: 283هـ)، “تفسير التستري”، جمعها: أبو بكر محمد البلدي،تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: منشورات محمد علي بيضون / دارالكتب العلمية – بيروت. 2002.
تعيلب، عبد المنعم أحمد، “فتح الرحمن في تفسير القرآن” الطبعة الأولى دار السلام 1416هـ.
الثعالبي، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف (المتوفى: 875هـ)، “الجواهر الحسان في تفسير القرآن”، تحقيق: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1998.
الثعلبي، أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق (المتوفى: 427هـ)، “الكشف والبيان عن تفسير القرآن”، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، 2002.
الجاوي، محمد بن عمر نووي البنتني إقليما، التناري بلدا (المتوفى: 1316هـ)، “مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد”، تحقيق: محمد أمين الصناوي، دار الكتب العلمية – بيروت، 1997.
جبل، محمد حسن حسن جَبَل ” المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم”، مكتبة الآداب،ط الأولى.
الجصاص، أحمد بن علي أبو بكر الرازي الحنفي (المتوفى: 370هـ)، “أحكام القرآن”، تحقيق: محمد صادق القمحاوي – عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1985.
جواد، الدكتور جواد علي (المتوفى: 1408هـ)،” المفصل فى تاريخ العرب قبل لإسلام”، دار الساقي، ط: الرابعة 1422هـ/ 2001م،
الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى: 597هـ)، “زاد المسير في علم التفسير”، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي – بيروت، ط: الأولى – 1422 هـ.
الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (المتوفى: 393هـ ، “الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية”، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين – بيروت، ط: الرابعة 1407 هـ‍ – 1987 م
الحلبي، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين، “عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ”، (المتوفى: 756 هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمي، 1996.
الحلبي، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين (المتوفى: 756هـ)، “الدر المصون في علوم الكتاب المكنون”، لأبي العباس، شهاب الدين، تحقيق: الدكتور أحمد محمد الخراط دار القلم، دمشق.
حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، “مسند الإمام أحمد بن حنبل”، شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، 1421 هـ – 2001 م
حوى، سعيد حوّى (المتوفى 1409 هـ)، “الأساس في التفسير”، دار السلام – القاهرة، ط: السادسة، 1424 هـ.
الخازن، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ)، “لباب التأويل في معاني التنزيل”، تصحيح: محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية – بيروت، ط: الأولى، 1415 هـ
الخالدي، د صلاح عبد الفتاح الخالدي”تصويبات في فهم بعض الآيات”، الناشر: دار القلم – دمشق، ط: الأولى، 1407 هـ – 1987 م.
الخطيب، عبد الكريم يونس (المتوفى: بعد 1390هـ)، “التفسير القرآني للقرآن”، دار الفكر العربي – القاهرة.
الخفاجي، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر ا المصري الحنفي (المتوفى: 1069هـ)، “حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي”، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي، دار صادر – بيروت.
الخليل، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170ه، “العين”، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي،دار ومكتبة الهلال.
الخليلي، أحمد بن حمد المفتي العام لسلطنة عمان، “جواهر التفسير “، مكتبة الاستقامة، ط: الأولى 1404هـ
دروزة، محمد عزت، “التفسير الحديث”، دار إحياء الكتب العربية – القاهرةن ط: 1383 هـ.
الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، “مفاتيح الغيب = التفسير الكبير”، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1999.
رشيد بن علي رضا، محمد بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ)، ” تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) “، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: 1990 م
الزبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، (المتوفى: 1205هـ)، “تاج العروس من جواهر القاموس تحقيق “، مجموعة من المحققين، دار الهداية.
الزركشي، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر (المتوفى: 794هـ) “البحر المحيط في أصول الفقه” دار الكتبي، ط: الأولى، 1414هـ – 1994م.
الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، جار الله (المتوفى: 538هـ)، “الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل”، دار الكتاب العربي – بيروت، ط: الثالثة – 1407 هـ
الزين العراقي، أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم (المتوفى: 806هـ) “طرح التثريب في شرح التقريب” تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، أكمله ابنه: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، أبو زرعة ولي الدين، ابن العراقي (المتوفى: 826هـ)، “دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، ودار الفكر العربي”.
السامرائي، فاضل بن صالح بن مهدي بن خليل البدري، “لمسات بيانية”، دار عمار للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 2003.
السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله (المتوفى: 1376هـ)، “تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان”، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى 1420هـ -2000 م.
السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (المتوفى: 373هـ)، “بحر العلوم”،
السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد المروزي التميمي الحنفي، “تفسير السمعاني” طبع بتحقيق ياسر بن إبراهيم دار الوطن الرياض، ط: 1418 هـ
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (المتوفى: 911هـ)، “اللمع في أسباب ورود الحديث”، مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط: الأولى، 1416 هـ / 1996 م
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (المتوفى: 911هـ)، ” نواهد الأبكار وشوارد الأفكار” = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي، جامعة أم القرى – كلية الدعوة وأصول الدين، 2005.
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (المتوفى: 911هـ)، “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”، تحقيق: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية – بيروت، ط: الأولى، 1418هـ 1998م.
شحاته، عبد الله محمود شحاته، “تفسير القرآن الكريم ” طبع الطبعة الثانية بدارغريب بالقاهرة 2000م.
الشربيني، شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشافعي (المتوفى: 977هـ)، “السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير”، مطبعة بولاق (الأميرية)، القاهرة، 1868.
الشعراوي، محمد متولي (المتوفى: 1418هـ)، “تفسير الشعراوي” – الخواطر، الناشر: مطابع أخبار اليوم، 1997.
الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني (المتوفى: 1393هـ)، “العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ”، خالد بن عثمان السبت.
الشنقيطي، محمدالأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني (المتوفى: 1393هـ)، “أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن” دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، عام النشر: 1415 هـ – 1995 مـ
الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد (المتوفى: 548هـ)، “الملل والنحل”، مؤسسة الحلبي.
الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله اليمني (المتوفى: 1250هـ)، “فتح القدير”، دار ابن كثير، – دمشق، بيروت، ط: الأولى – 1414 هـ
الشِيرازي الشَيخ نَاصِر مَكارم،: الامثل في تفسير كتابِ اللهِ المُنزَل، عدد الأجزاء: 20
الصابوني، محمد علي، ” صفوة التفاسير”، دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة، ط: الأولى، 1417 هـ – 1997 م
صافي، محمود بن عبد الرحيم (المتوفى: 1376هـ)، “الجدول في إعراب القرآن الكريم”، دار الرشيد، دمشق – مؤسسة الإيمان، بيروت، ط: الرابعة، 1418 هـ
صالح الهاشمي، صالح بن الحسين الجعفري أبو البقاء (المتوفى: 668هـ)، “تخجيل من حرف التوراة والإنجيل”، تحقيق: محمود عبد الرحمن قدح، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية،ط: الأولى، 1419هـ/1998م.
الصبان، أبو العرفان محمد بن علي الصبان الشافعي (المتوفى: 1206هـ)، “حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك”، دار الكتب العلمية بيروت-لبنان، ط: الأولى 1417 هـ -1997م.
ط: الأولى، 1426 هـ – 2005 م.
الطباطبائي، محمد حسين، “الميزان في تفسير القرآن”، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية 1422هـ
الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، “مجمع البيان في تفسير القرآن”، دار الكتب العلمية، ط: الأولى 1418، بيروت.
الطبرسي، أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن ت(548 هـ)، ” مجمع البيان في تفسير القرآن والفرقان “،المجمع العالمي لأهل البيت.
الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر (المتوفى: 310هـ)، “جامع البيان في تأويل القرآن”، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، 1420 هـ – 2000 م.
طنطاوي، محمد سيد، ” التفسير الوسيط للقرآن الكريم”، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة – القاهرة، ط: الأولى. 1997-1998.
الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، ” التبيان في تفسير القرآن”، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي.
العاملي، محمد جواد مغنية، “التفسير الكاشف”، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة.
العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد، (المتوفى: 852هـ المحقق: عبد الحكيم محمد الأنيس، ” العجاب في بيان الأسباب”، دار ابن الجوزي.
العقرباوي، علي هاني يوسف، أبحاث الفرق بين (قبل ومن قبل) و(بعد ومن بعد)، و(تحت ومن تحت) وبقية الظرف، ملتقى أهل التفسير
العلوي، الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الشافعي، “تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن”، مراجعة: الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي. دار طوق النجاة، بيروت – لبنان، ط: الأولى، 1421 هـ – 2001 م
الغلاييني، المؤلف: مصطفى بن محمد سليم (المتوفى: 1364هـ) ” جامع الدروس العربية”، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، ط: الثامنة والعشرون، 1414 هـ – 1993 م.
الفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (المتوفى: 817هـ، ” القاموس المحيط”، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، ط: الثامنة، 1426 هـ – 2005 م
الفيومي، محمد إبراهيم (المتوفى: 1427هـ)، تاريخ الفكر الديني الجاهلي، دار الفكر العربي، ط: الرابعة 1415هـ-1994.
القاري، علي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي (المتوفى: 1014هـ)، “مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح”، دار الفكر، بيروت – لبنان، ط: الأولى، 1422هـ – 2002م
القاسم، أحمد عبيد الدعاس- أحمد محمد حميدان – إسماعيل محمود، ” إعراب القرآن الكريم”، دار المنير ودار الفارابي – دمشق، ط: الأولى، 1425 هـ
القاسمي، ابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني أبو عبد الله، عز الدين، من آل الوزير (المتوفى: 840هـ)، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط: الثالثة، 1415 هـ – 1994 م
القاسمي، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق (المتوفى: 1332هـ)، “محاسن التأويل”، محمد باسل عيون السود، لدار الكتب العلميه – بيروت، ط: الأولى – 1418 هـ
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين (المتوفى: 671هـ)، “الجامع لأحكام القرآن” = تفسير القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم اطفيش. دار الكتب المصرية – القاهرة، ط: الثانية، 1384هـ – 1964 م
القطان، إبراهيم، “تيسير التفسير”، راجعه: أحمد أبو حجلة.
قطب، سيد إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385هـ)، “في ظلال القرآن”، دار الشروق – بيروت- القاهرة، ط: السابعة عشر – 1412 هـ
القِنَّوجي، أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري (المتوفى: 1307هـ) “فتحُ البيان في مقاصد القرآن” اعتنى به: عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري، المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا – بَيروت، عام النشر: 1412 هـ – 1992 م
القونوي، الحافظ إسماعيل القونوي، “حاشية القونوي على البيضاوي” المكتبة المحمودية فاتح استانبول.
الكفوي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094هـ)، ” الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية”، تحقيق: عدنان درويش – محمد المصري، مؤسسة الرسالة – بيروت
لجنة من الفقهاء، الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويتعدد الأجزاء: 45 جزءا، الطبعة: (من 1404 – 1427 هـ)، دارالسلاسل – الكويت
لجنة من علماء الأزهر، “المنتخب في تفسير القرآن الكريم، “، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – مصر، طبع مؤسسة الأهرام، ط: الثامنة عشر، 1416 هـ – 1995 م
الماتريدي، محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور (المتوفى: 333هـ)، “تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة) “، تحقيق: د. مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان، 2005.
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)، “تفسير الماوردي = النكت والعيون”، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية – بيروت / لبنان.
المباركفوري”، أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني (المتوفى: 1414هـ)” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح”، الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء – الجامعة السلفية – بنارس الهند، ط: الثالثة – 1404 هـ، 1984 م.
المباركفوري، أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني (المتوفى: 1414هـ)، “مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح”، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء – الجامعة السلفية – بنارس الهند، ط: الثالثة – 1404 هـ، 1984 م
مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، “التفسير الوسيط للقرآن الكريم”، الناشر: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، ط: الأولى، (1393 هـ = 1973 م) – (1414 هـ = 1993 م)
مجموعة من العلماء، ” المعجم الوسيط”، إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة.
المحلي، جلال الدين محمد بن أحمد (المتوفى: 864هـ)، السيوطي، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (المتوفى: 911هـ)، “تفسير الجلالين”، دار الحديث – القاهرة، ط: الأولى
مخلوف، حسنين محمد مخلوف، صفوة البيان لمعاني القرآن، طبع دار الرشاد الحديثة

 

[1] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 77).
[2] المواقف (1/13)
[3] قال البقاعي:” فمن بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه، وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً} [النحل: 36] {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت، وعمت الأقطار واشتهرت، انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام
{ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة} [ص: 7] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب، فلا تغتر بقول كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار، وأن ما يدحرج الجعل خير منهم – إلى غير ذلك من الأخبار؛ قال الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي الله عنهم في أوائل منهاجه في باب من لم تبلغه الدعوة: وإنما قلنا: إن من كان منهم عاقلاً مميزاً إذا رأى ونظر إلا أنه لا يعتقد ديناً فهو كافر، لأنه وإن لم يكن سمع دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء الذين كانوا قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإن الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق، وإذا سمع آية دعوة كانت إلى الله فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر، كان بذلك معرضاً عن الدعوة فكفر – والله أعلم، وإن أمكن أن يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلهاً – وما نرى أن ذلك يكون – فإن كان فأمره على الاختلاف – يعني عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. وما قاله الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه؛ قال الزركشي في آخر باب الديات من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور – أي عدم بلوغ – الدعوة حيث قال: وما أظن أحداً إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء النهر بكوننا، وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق من لم تبلغه الدعوة”.نظم الدرر (11/ 389).
[4] شرح صحيح مسلم (16/ 207).
[5] وقد استدلوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، فإذا كان لا يُعذب العاقل بكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى.وبما أخرجه البخاري في ” صحيحه ” (7047) من حديث سمرة، وفيه: ” وأما الرجل الطويلُ الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطره، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: وأولاد المشركين “.وبما أخرجه البخاري (1385)، ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة رفعه: ” كل مولود يولد على الفطرة (والفطرة هنا الإسلام) فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه “.وفي مستخرجات البرقاني على البخاري من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ” كل مولود يولد على الفطرة ” فقال الناسُ: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: ” وأولاد المشركين “.وأخرج ابن أبي حاتم فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير في ” تفسيره ” 8/ 357، عن أبي عبد الله الطهراني -وهو محمد بن حماد- حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار ففد كذب، يقول الله عز وجل: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت} قال: هي المدفونة.
وأخرج أحمد 5/ 58 من طريق حسناء بنت معاوية بن صريم، عن عمها قال: قلت: يا رسول الله؟ مَنْ في الجنة؟ قال: ” النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة “. وحسن الحافظ إسناده في ” الفتح ” 3/ 246. وأخرج ابن أبي حاتم فيما ذكر ابن كثير في ” تفسيره ” عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: الموءودة في الجنة ” قال ابن كثير: هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وانظر ” طريق الهجرتين وباب السعادتين ” ص 512 – 516، وانظر أيضاً الجزء السادس من هذا الكتاب.(5/ 316)
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم/ تحقيق الشيخ شعيب (5/316).

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (38) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل السادس عشر[1] : أن الله تعالى أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
و جعل المتولي عنه كافرا وعلق حب الله سبحانه على طاعته صلى الله عليه واتباعه
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)}آل عمران
قال أبو السعود: “{{قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول} أي في جميع الأوامرِ والنواهي فيدخلُ في ذلك الطاعة في اتباعِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دخولاً أولياً، وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة، والإشعارِ بعلّتها فإن الإطاعة المأمورَ بها إطاعته عليه الصلاة والسلام من حيث إنه رسولُ الله لا من حيث ذاتُه ولا ريبَ في أن عنوان الرسالة من موجبات الإطاعةِ ودواعيها.
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} إما من تمام مقولِ القول فهي صيغة المضارعِ المخاطَب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرِّعٌ عليه مَسوقٌ من جهتِه تعالَى فهي صيغةُ الماضي الغائب وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة كما في قوله تعالى فَإِنْ أَسْلَمُواْ تلويحٌ إلى أنه غيرُ محتمَلٍ منهم
{فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين} نفي المحبة كنايةٌ عن بغضه تعالى لهم وسُخطِه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لتعميم الحكمِ لكل الكفَرَة والإشعار بعلّته فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم، والإيذان بأن التولّيَ عن الطاعة كفرٌ وبأن محبته عز وجل مخصوصة بالمؤمنين”.[2]

الدليل السابع عشر: القرآن نص على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل للناس جميعا
لم يستثن أحدا بل أتى بألفاظ العموم (جميعا)، (كافة) وحصر الفلاح بمتبعه.
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ[3] آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} الأعراف
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} سبأ
والحقيقة أن أدلة هذا الموضوع لا تنتهي، ومن أراد استقصاءها لاحتاج إلى مجلدات كثيرة، ففيما ذكرنا كفاية لمن طلب الحق منصفا.

*************

 

[1] نص على هذا الدليل والأدلة بعده شيخي الشيخ الفاضل بلال النجار حفظه الله في رسالة الرد على عدنان إبراهيم 41
[2] إرشاد العقل السليم (2/25).
[3] قال أبو السعود: “{فالذين آمنوا بِهِ} تعليمٌ لكيفية اتّباعِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وبيانٌ لعلو رتبةِ متّبعيه واغتنامِهم مغانمَ الرحمةِ الواسعةِ في الدارين إثرَ بيانِ نعوتِه الجليلة والإشارةِ إلى إرشاده عليهِ الصلاةُ والسلامُ إيَّاهُم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث أي فالذين آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه {وَعَزَّرُوهُ} أي عظّموه ووقّروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه {ونصروه} على أعدائه في الدين {واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ} أي مع نوبته وهو القرآنُ عبّر عنه بالنور المنبىءِ عن كونه ظاهراً بنفسه ومُظهِراً لغيره أو مظهِراً للحقائق كاشفاً عنها لمناسبة الاتّباعِ ويجوزُ أن يكون معه متعلقاً باتّبعوا أي واتّبعوا القرآنَ المنزل مع اتباعه صلى الله عليه وسلم بالعمل بسنته وبما أُمِرَ به ونُهيَ عنه أو اتبعوا القرآنَ مصاحبين له في اتباعه {أولئك} إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما فُصّل من الصفاتِ الفاضلة للإشعار بعليتهاللحكم وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وسمو طبقتهم فيالفضل والشَّرفِ أي أولئك المنعوتُون بتلك النعوت الجليلة {هُمُ المفلحون} أي هم الفائزون بالمطلوب الناجون عن الكروب لا غيرُهم من الأمم فيدخُل فيهم قوم موسى عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً حيث لم ينجو عما في توبيتهم من المشقة الهائلةِ وبه يتحقق التحقيقُ ويتأتّى التوفيقُ والتطبيق بين دعائِهِ عليهِ الصلاةُ والسلام وبين الجوابِ لا بمجرد ما قيل من أنه دعا لنفسه ولبني إسرائيلَ أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيلَ على استجازتهم الرؤيةَ على الله عزَّ وجلَّ وعلى كفرهم بآياته العظامِ التي أجرها على يد موسى عليه الصلاة والسلام وعرّض بذلك في قوله تعالى والذين هم بآياتنا يُؤْمِنُونَ وأريد أن يكون استماعُ أوصافِ أعقابِهم الذين آمنوا برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم وبما جاء به كعبدِ اللَّه بنِ سَلاَم وغيرِه من أهل الكتابين لطفاً بهم وترغيباً في إخلاص الإيمانِ والعمل الصالح{قل يا أيها الناسُ أنى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ} لما حكي في الكتابين من نعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف مَنْ يتّبعه من أهلهما ونيلِهم لسعادة الدارين أمرعليه الصلاةُ والسلامُ ببيانِ أنَّ تلكَ السعادةَ غيرُ مختصةٍ بهم بل شاملةٌ لكل من يتبعه كائناً مَنْ كان ببيان عمومِ رسالتِه للثقلين مع اختصاص رسالةِ سائرِ الرسلِ عليهم السلام بأقوامهم وإرسالِ موسى عليه السلام إلى فرعون وملته بالآيات التسعِ إنما كان لأمرهم بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانهوتركِ العظيمةِ التي كانَ يدَّعِيها الطاغيةُ ويقبلُها منهُ فتنة الباغية وإرسال بني إسرائيلَ من الأسرِ والقسرِ وأما العملُ بأحكام التوارة فمختص ببني إسرايل {جَمِيعاً} حالٌ من الضمير في إليكم {الذى لَهُ ملك السماوات والارض} منصوبٌ أو مرفوعٌ على المدح أو مجرورٌ على أنه صفةٌ للجلالة وإن حيل بينهما بما هو متعلقٌ بما أضيف إليه فإنه في حكم المتقدّمِ عليه وقولُه تعالى {لاَ إله إلا هو} بيانٌ لما قبله مَنْ ملَك العالمَ كان هو الإله لا غيرُه وقوله تعالى {يُحْيِي وَيُمِيتُ} لزيادة تقرير ألوهيتِه والفاءُ في قوله تعالى {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} لتفريع الأمرِ على ما تمهّد وتقرّر من رسالته صلى الله عليه وسلم وإيراد نفسه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ على طريقة الالتفاتِ إلى الغيبة المبالغة في إيجاب الامتثالِ بأمره ووصف الرسول بقوله {النبى الامي} لمدحه عليه الصلاة والسلام بهما ولزيادة تقريرِ أمرِه وتحقيق أنه الكتوب في الكتابين ووصفُه بقوله تعالى {الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته} أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسلِ عليهم السَّلامُ من كُتُبه ووحيِه لحمل أهلِ الكتابين على الامتثال بما أُمروا به والتصريحُ بإيمانه بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمانَ به تعالى لا ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به {واتبعوه} أي في كلِّ ما يأتي وما يذرُ من أمور الدين {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} علةٌ للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاءً لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له وفي تعليقه بهما إيذانٌ بأن من صدّقه ولم يتبعْه بالتزام أحكام شريعتِه فهو بمعزل من الاهتداء مستمر على الغي والضلال”إرشاد العقل السليم (3/280) بتصرف.

المبحث السابع من الفرق بين «فوق» و«من فوق» في اللفظ القرآني، بحث تفصيلي للشيخ علي هاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المبحث السابع: الفرق بين {وراء} و{من وراء}
(من وراء) وردت مع (من) عدة أربعة وعشرين موضعا، جاءت مع (من) في اثني عشر موضعا أربعة منها بمعنى والثمانية الباقية بمعنى آخر، وهذا ن المعنيان ناشئان من معنى الابتداء؛ لأن (من) لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء، ثم تتولد معان فرعية أخرى فدخول (من) يأتي على معنيين:
المعنى الأول: تجتمع فيه أربع آيات:
الآية الأولى: {{فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} (33/53).
الآية الثانية: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)} (59/ 14).
الآية الثالثة: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)}.
الآية الرابعة: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)} (49/ 4).
فهذه الآيات الخمس القول فيها ما قاله الكشاف في سورة الحجرات عند قوله تعالى {من وراء الحجرات}: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)} (49/ 4)
قال الزمخشري:” (الوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و(من) لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان فإن قلت: ما فرق بين الكلامين بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه.قلت: الفرق بينهما أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول من مبتدأ الغاية.ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار.لا يريد وجه الدار ولا دبرها، ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقاً بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة “.

فالحاصل من كلام الزمخشري: أن (من) هي التي تشير إلى أن المنادى والمنادي في جهتين مختلفتين لأن مبدأ النداء ومنشأه من الوراء، ولو أسقط (من) فقيل {ينادونك وراء الحجرات} لما كان هناك ما يمنع أن يكون المنادى والمنادي في جهة واحدة وراء الحجرات، فلا يكون حينئذ في ندائهم ما يدعو إلى الإنكار عليهم “. قال محمد الأمين الخضري: وهذه بديعة أخرى من بدائع الكشاف في {ينادونك من وراء الحجرات} حيث إن الذي تنكره الآية من الأعراب الذين نادوا الرسول هو أنهم نادوه من جهة بعيدة غير الجهة التي فيها الرسول مما استدعى أن يرفعوا أصواتهم على طريقة أجلاف البادية دون مراعاة لمقام من ينادونه و(من) هي التي تشير إلى أن المنادى والمنادي في جهتين مختلفتين لأن مبدأ النداء ومنشأه من الوراء ولو أسقط من فقيل {ينادونك وراء الحجرات} لما كان هناك ما يمنع أن يكون المنادى والمنادي في جهة واحدة وراء الحجرات فلا يكون حينئذ في ندائهم ما يدعو إلى الإنكار عليهم ” قال ابن عاشور: و{من} للابتداء، أي ينادونك نداء صادراً من وراء الحجرات فالمنادون بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا وراء حجراته فالذي يقول: ناداني فلان وراء الدار، لا يريد وراء مفتح الدار ولا وراء ظهرها ولكن أيَّ جهة منها وكان القوم المنادون في المسجد فهم تجاه الحجرات النبوية، ولو قال: ناداني فلان وراء الدار، دون حرف {مِن}، لكان محتمِلاً لأن يكون المنادي والمنادَى كلاهما في جهة وراء الدار، وأنَّ المجرور ظرف مستقر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ولهذا أوثر جلب {مِن} ليدل بالصراحة على أن المنادَى كان داخل الحجرات لأن دلالة {مِن} على الابتداء تستلزم اختلافاً بين المبدأ والمنتهَى كذا أشار في « الكشاف »، ولا شك أنه يعني أن اجتلاب حرف {مِن} لدفع اللبس.
قال البيضاوي: ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها الدلالة على أن المنادي داخل الحجرة إذ لا بد وأن يختلف المبتدأ والمنتهى بالجهة”.
قال البقاعي: والحال أن نداءهم إياك كائن {من وراء} إثبات هذا الجار يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان داخلها، ولو سقط لم يفد ذلك، بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على حد سواء، وذلك بأن يكون الكل خارجها
يقول علي هاني: ويمكن إضافة معنى القرب أيضا لأن النداء نشأ من وراء الحجرات وهذا فيه جلافة أكثر وعدم رعاية الحرمة.

*********************************

وكذلك يقال في الآية الثانية وهي قوله تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} (33/53)
قال محمد الأمين الخضري: يؤيد ما قاله الكشاف في سورة الحجرات ـ قوله تعالى {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} حيث جاءت (من) دالة على وجوب أن يكون الحجاب فاصلا بينهم وبين أزواج الرسول ولو سقطت من لصح أن يكونوا معهن في جهة واحدة وراء الحجاب”
قال البقاعي: كائنين وكائنات {من وراء حجاب} أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم قال ابن عاشور: و{من وراء حجاب} متعلق ب {فاسألوهن} فهو قيد في السائل والمسؤول المتعلق ضميراهما بالفعل الذي تعلق به المجرور.و {من} ابتدائية.والوراء: مكان الخلف وهو مكان نسبي باعتبار المتجه إلى جهة، فوراء الحجاب بالنسبة للمتجهين إليه فالمسؤولة مستقبلة حجابها والسائل من وراء حجابها وبالعكس.

***********************************

وكذلك يقال في الآية الثالثة قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)} (59/ 14)
قال محمد الأمين الخضري: ومثل ذلك {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} فـ(من) هذه هي التي كشفت عن جبنهم وضعف بأسهم فهم لا يقاتلون إلا إذا كانت الجدر بينهم وبين عدوهم حاجزا يمنع من الوصول إليهم ولا يخرجون إلى عدوهم وراءه هذه الجدر وهو ما يمكن أن يفهم بدون من”.
قال الزمخشري: {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ} دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم، لقذف الله الرعب في قلوبهم، وأن تأييد الله تعالى ونصرته معكم.
قال البقاعي: {أو من وراء جدر} أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم
قال أبو حيان: أو من وراء جدار يتسترون به من أن تصيبوهم.
قال النيسابوري: {أو من وراء جدر} لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية

*******************************

وكذلك يقال في الآية الرابعة وهي قوله تعالى في سورة الشورى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)} (42/51)
قال الزمخشري:” وقوله: {من وراء حجاب} مَثَلٌ، أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه، وهو من وراء حجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم الله موسى ويكلم الملائكة. ومن وراء حجاب: ظرف واقع موقع الحال أيضاً، كقوله تعالى: {وعلى جُنُوبِهِمْ} والتقدير: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً، أو مسمعاً من وراء حجاب، أو مرسلاً “.

*****************************

المعنى الثاني: لدخول (من):
جاءت (من) في ثمانية آيات بمعنى واحد:
الآية الأولى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)}11(/71)
الآية الثانية: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} (4/102)
الآية الثالثة: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)} (14/16)
الآية الرابعة: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}(14/17).
الآية الخامسة: {مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا} (45/10).
الآية السادسة: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} (23/100).
الآية السابعة: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)}.
الآية الثامنة: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)}.
فهذه الآيات الثمانية: يقال فيها ما أخذناه في (من فوق، من تحت) ونحوها فهي تفيد ثلاثة معان:
المعنى الأول: الابتداء وبيان مبدأ جهة الشيء أي الشيء مبتدئ من كذا.
المعنى الثاني: على القرب الشديد بلا فاصل.
المعنى الثالث: وفيها التأكيد.
أما الآية الأولى، وهي قوله تعالى {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)} (11/71) فهي تفيد كونها كون البشرى سريعة التحقق مباشرة كأن هذا يكون من وراء ذلك ليس هناك فاصل بعيد سيولد إسحاق وعن قريب يولد يعقوب وكل قرب بحسبه، وهنا تقريب للزمن وتقليل مناسبة للبشرى وتفيد ثالثا توكيد البشرى.
قال الزمخشري كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده.
قال الطبرسي: (ومن وراء إسحاق يعقوب) يعني ومن بعد إسحاق يعقوب.
قال الطباطبائي وقوله: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب} إسحاق هو ابنها من إبراهيم، ويعقوب هو ابن إسحاق (عليه السلام) فالمراد أن الملائكة بشروها بأنها ستلد إسحاق وإسحاق سيولد له يعقوب ولد بعد ولد.

****************

وأما الآية الثانية: في الضمير في {فليكونوا} قولان: الأول:للقائمين معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموه فلينصرفوا للحراسة، والقول للثاني: الضمير يرجع للطائفة الأخرى أي إذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا في الصلاة من ورائكم لحمايتكم.
وعلى القولين (من) تدل على أن عليهم أن يصيروا خلفكم مصافي العدوّ للحراسة في مقابلة العدو في مكان قريب يحفظ ويحمي بحيث لا ينفذ العدو، لأن الحراسة تقتضي القرب من المحروسين وحياطتهم حامية لظهوركم، مانعة نزول الأذى بكم، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأن من لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء.

****************

وأما كل من الآية الثالثة والرابعة والخامسة وهي قوله تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16} (14/ 16).
{يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}(14/17).
{مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا} (45/10).

والوراء: اسم لما توارى عن العين.
سر التعبير بـ(وراء) تشمل معنيين من كلمة (وراء) ومعان من الحرف من كلها مقصودة:
1)فيه تعقب شيء شيئاً وملازمة طلب شيء شيئاً فيستعار له (الوراء)، كلّ ذلك تشبيه بالكائن خلف؛ لأنها كشيء يتبعهم من خلف لا يلبث أن يتصل بهم.
كقول لبيد: أليس ورائي إن تراختْ منيت لزُوم العصا تُحنى عليها الأصابع
وكأنَّ جهنَّم تلاحق وتتبع المذنبين والكفار؛ ولا يفوتونها فهم سيقعون فيها!
ووجه ذلك أن جهنم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه لذا فقد استخدمت كلمة وراء حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها.. ” ففيها معنى الطلب كما يطلب الغريم غريمه (لا مفر منه طالباً له).نحو {إن جهنم لبالمرصاد}.
2) تدل على انه واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر ولا يظن أنه يصيبه لأنه لا يراه لأنه من ورائه
فهو واقع في عذاب جهنم وهو لا يشعر لأنه لا يراها؛ لأنها من ورائه ولا يتقيها لأنه في غفلة عنها، وعبر عن غفلته عنها بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أن يتبوأها، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه، كقوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [سورة الكهف: 79]، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم.
قال البقاعي: ثم أتبعه ما هو كالدليل على خيبته من أن سيره 5 إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر، وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها”
قال سيد قطب: ولفظ (من ورائهم)مقصودة ظلاله فوق معناه.وظلاله.. أنهم لا يرونه لأنه من ورائهم ولا يتقونه لأنهم في غفلة عنه؛ ولا يفوتهم فهم سيقعون فيه!.\
ابن عاشور: “جملة {من ورائهم} بيان لجملة {لهم عذاب مهين}.وفي قوله: {من ورائهم} تحقيق لحصول العذاب وكونه قريباً منهم وأنهم غافلون عن اقترابه كغفلة المرء عن عدوّ يتبعه من ورائه ليأخذه فإذا نظر إلى أمامه حسب نفسه آمناً.ففي الوراء استعارة تمثيلية للاقتراب والغفلة، ومنه قوله تعالى: {وكان وراءهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة غصباً} [الكهف: 79]، وقول لبيد:
أليسَ ورائي إنْ تراخت منيتي *** لُزومُ العصا تُحنى عليها الأصابع
ومن فسر وراء بقُدّام، فما رعَى حق الكلام”.
يقول علي هاني: “وذكر (من) يدل على شدة القرب ولصوق جهنم والعذاب، وأنها لا محالة واقعة بهم، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء”.

*****************

{مَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)}
الأصل أمامهم لكن استعار كلمة الوراء تشبيها بالكائن خلف شيء لا يراه، فالملك من ورائهم لا يتقونه لأنهم في غفلة عنه، فالاستعارة بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لأخذ سفينتهم، فاستعمال {وراء} بدون (من) لأن المراد أولا بيان جهة الملك أنه في جهة الوراء، وأنه لا مهرب منه حيث إحاطة جنوده بالأماكن كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم.
وثانيا: لأنه ليس المراد الملاحقة والتتبع كما في {من ورائهم جهنم} بل كون جنود الملك في جهة مرورهم في جهة الأمام المخفية عنهم كلما مرت سفينة أخذوها، ولأنه لم يكن قريبا منهم قربا كبيرا بدليل أنهم لم يشعروا به فلذلك قال وراءهم، وهذا من دقائق الفروق القرآنية، ويؤيد هذا كلام العلماء: قال المفسرون أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده
قال السعدي أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكل سفينة صالحة تمر عليه ما فيها عيب غصبها وأخذها ظلما.
قال البقاعي: {وكان وراءهم} أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم وواروها، وفسره الحرالي في بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماماً في المكان ” اهـ.
قال الطباطبائي: وقوله: {و كان وراءهم ملك} وراء بمعنى الخلف وهو الظرف المقابل للظرف الآخر الذي يواجهه الإنسان ويسمى قدام وأمام لكن ربما يطلق على الظرف الذي يغفل عنه الإنسان وفيه من يريده بسوء أو مكروه وإن كان قدامه.
قال الفخر الرازي: وتحقيقه أن كل ما غاب عنك فقد توارى عنك وأنت متوار عنه، فكل ما غاب عنك فهو وراءك وأمام الشيء وقدامه إذا كان غائبا عنه متواريا عنه فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه.
وبما تقدم يظهر الفرق الدقيق بين {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} وبين {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)} {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)} [1].

*****************

{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)} (19/ 5)
و {الموالي} بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب،
فيتعلق الظرف بما تضمنَّه المَوالي مِنْ معنى الفِعْلِ، أي: الذين يَلُوْن الأمرَ بعديلكن استعمال ورائي تشعر لأني سأموت ولا أرى ما يفعلون: أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بوليّ يرزقه فهم الولاء يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته ويبدلوا عليهم دينهم. بعد موتي أي خِفتُ الذين يلون الأمرَ من ورائي خفت فعل الموالي من ورائي أو جور المولى
ولا يتعلق ب ” خَفْتُ ” لفسادِ المعنى الأقارب أن يسيئوا الخلافة
يقول علي هاني: من للابتداء فهم سيلون الأمر مباشرة من بعده ويفسدون فالابتداء يدل على ذلك ويدل على خوفه عليه السلام على أي إفساد من خلفه مباشرة فما بعد لأنهم إذا ولو بعده مباشرة فسيفسدون مباشرة.
وحملها البقاعي على التبعيض البقاعي {من ورائي} أي في بعض الزمان الذي 8 بعد موتي أي خفت الموالي من بعد موتى أن يجوروا في أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي.
يقول علي هاني ما ذكره البقاعي في الحاصل يعود لما ذكرته لأن الحاصل استغراق خوفه من أول لحظة فما بعدها وإذا خاف أن يفسدوا ولو بعض وقت فقد خاف أي إفساد وهذا عموم

**********************

وأما الآية السادسة: وهي قوله تعالى: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (23/100)، فهي كالآيات الثلاثة السابقة في معنى الوراء:
البرزخ: هو الحاجز والحائل القوي المخلل بين الشيئين الذين يكتنفانه ويحيطان به غير ظاهر، ولذلك استعمل البرزخ فيما يكون غير مرئي كما في هذه الآية الكريم وفي {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53} {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20} والكلمة تدل على أن فيه حجزا قويا كأن أصله البراز وهو المكان المتسع والخاء للمبالغة والتخلل فكأنه منطقة واسعة حجزت بحيث لا يمكن الرجوع، وليس الملاحظ في آية {ومن ورائهم برزخ} الاتساع ولكن قوة الحجز، والبرزخ يدل أيضا على أن الشيء المتوسط لا من صريح هذا ولا من صريح فالبرزخ هنا ليس الدنيا الخالصة ولامن الآخرة الخالصة ولا هو خارج عنهما بل هو بين بين، وهذا التعريف للبرزخ مستخلص من كلام العلماء المنقول في الهامش[1] .
فمعنى الآية: حاجز وحائل قوي يحجُز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا يلاحقهم ويتبعهم ويحيط بهم لا يستطيعون الفكاك منه، مستمر لا يقدر أحد على رفعه، يستمر هذا البرزخ الحاجز إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من الرجوع حاجزة عن الاجتماع،،وهذا إقناط كلي من الرجوع فلقد قضي الأمر، وانقطعت الصلات، وأغلقت الأبواب، وأسدلت الأستار.
وذكر (من) يدل على شدة القرب ولصوق،، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء”.
قال ابن عاشور: والوراء هنا مستعار للشيء الذي يصيب المرء لا محالة ويناله وهو لا يظنه يصيبه.شبه ذلك بالذي يريد اللحاق بالسائر فهو لاحقه، وهذا كقوله تعالى {والله من ورائهم محيط} [البروج: 20] وقوله {ومن ورائهم جهنم} [الجاثية: 10] وقوله {من ورائهم عذاب غليظ} [إبراهيم: 17].وتقدم قوله: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [الكهف: 79].
وقال لبيد:
أليس ورائي أن تراخت منيتي *** لزوم العصا تُحنى عليها الأصابع
ومعنى {إلى يوم يبعثون} أنهم غير راجعين إلى الحياة إلى يوم البعث.فهي إقناط لهم لأنهم يعلمون أن يوم البعث الذي وُعدوه لا رجوع بعده إلى الدنيا فالذي قال لهم {إلى يوم يبعثون} هو الذي أعلمهم بما هو البعث.
قال الطباطبائي: المراد بكونه وراءهم كونه أمامهم محيطا بهم وسمي وراءهم بعناية أنه يطلبهم كما أن مستقبل الزمان أمام الإنسان ويقال: وراءك يوم كذا بعناية أن الزمان يطلب الإنسان ليمر عليه وهذا معنى قول بعضهم: إن في وراء معنى الإحاطة، قال تعالى: {و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}: [الكهف: 79].

*****************

وأما الآية السابعة، وهي قوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)}(85/ 20)
فذكر (من) يدل على شدة القرب والإحاطة كالمحاصر المحاط به من جوانبه، قد سدت عليهم الجوانب، وأنهم في قبضة القدرة لا يفلتون ولا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء مع التأكيد، وكلمة وراء تفيد أيضا أنهم في غفلة عنه، وهو لا يعلم.
قال البقاعي:{من ورائهم} أي من كل جهة يوارونها أو تواريهم، وذلك كل جهة {محيط *} فهو محيط- بهم من كل جهة بعلمه وقدرته، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما أنه لا يفوت من صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع، فهو سبحانه قادر على أن يحل بهم ما أحل بأولئك، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة الفرار من المصائب “.
ثانيا: وراء من غير (من) وردت في اثني عشر موضعا:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} (2/91)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)(2/101)
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}(3/187).
{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (4/24).
{وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)} (6/ 94)
وكذلك {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)} (11/92)

وكذلك {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} (23/ 7)
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} (70/ 31)

{قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ} (57/ 13)

{إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) (76/ 27)

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10)} (74/ 10)
تستعمل حيث لا يكون النظر إلى أن شيئا ناشئ أو مبتدئ من شيء آخر، وإنما شيء وراء شيء، فهي جهة واحدة وهي جهة الوراء مع عموم، وكذلك إذا لم يكن المراد أنه يوجد حجاب يكون شخص في جهة منه والثاني في جهة أخرى.

*************************

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} (2/91)
استعمال وراء هنا ليدل على أنهم لا يرون أمام أعينهم إلا التوراة ويكفرون بما عدا ذلك كفرا مستمرا كائنا ما كان، والمراد الأصلي بما كفروا به هو القرآن الكريم لأن السياق له وقيل: القرآن والإنجيل، وحذف (من) هنا لأنه ليس المراد أنه يوجد حجاب وكل واحد في جهة وليس المراد أن شيئا ناشئ عن شيء بل المراد جهة الوراء ثم العموم فهم يكفرون بكل ما سواه ولا يرونه ولا يلاحظونه بل نظرهم في زعمهم للتوراة فقط فهي في نظرهم كالشيء العالي العظيم الذي لا يرى غيره ولا ينظر لغيره لأن الوراء ما لا يناله الحس، فالمراد بما وراءه في الآية ما عداه وسواه وغيره كما يقال للرجل يتكلم بالحسن:ما وراء هذا الكلام شيء يراد به،، والمقصود بهذا الغير هنا خصوص القرآن بقرينة السياق لتقدم قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} ولتعقيبه بقوله: {وهو الحق مصدقاً}.

***********************

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}(2/101).
{نبذ} أي رمى رمي استخفاف قال الزمخشري: {كتاب الله} يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها “:.
(وراء ظهورهم)، مثل لتركهم وإعراضهم عنه رأسا،، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه لأن ما يجعل ظهرياً لا يرى ولا يلتفت إليه ولا يعتد به لأنه قد زال النظر إليه جملة، والعرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة
واستعمال الوراء دون من وراء لأنه ليس المراد أن الرمي كان من جهة الوراء بل الرمي كان في جهة الوراء وأيضا تدل على قوة عدم الاعتداد والرمي في جهة الوراء ويزيد هذا المعنى أنه لم يقل وراءهم قال ابن عاشور: وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بُعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء.قال ابن عرفة: المراد بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراءِ وراء.
وكذلك يقال في {وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)} (3/187).
وكذلك {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)} (6/ 94) لكن هذا الترك ليس عن اختيارهم قال الزمخشري: {وَرَاء ظُهُورِكُمْ} لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيراً ولا قدّمتموه لأنفسكم قال الفخر الرازي: فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ينتفع به
وكذلك {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)} (11/92)
فالاتخاذ أخذ الشيء لأمر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت واتخاذ المركوب، والظهري: جعل الشيء وراء الظهر، قال الزمخشري ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهريّ: منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب قال البقاعي: أي أعرضتم عنه إعراض من جعل الشيء وراءه؛ وحقق معنى الوراء بقوله: {ظهرياً} أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم المنسي عندكم الذي لا يعبأ به، ولم تراقبوه فيّ لنسبتي إليه بالرسالة والعبودية.

***********************

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (4/24)
استعمال الوراء لأن المراد بيان عظمة هذه المحرمات بحيث أنه يجب عدم تعديها بالزواج بواحدة منها وأن ما خلفها هو المباح فالتركيز على الوراء وليس المراد أن الإحلال م ناشئ أو مبتدئ من الوراء، قال البقاعي: وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: {ما وراء ذلكم} أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة.قال ابن عاشور: والمعنى: أحلّ لكم ما عَدا أولئكم المحرّمات
وكذلك {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} (23/ 7)
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} (70/ 31)

**********************

{قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ} (57/ 13)
لأن هذا قيل على سبيل التهكم والمراد إما الرجوع للموقف أو للدنيا وعلى كلا القولين المراد الرجوع رجوعا بعيدا والمراد الإقناط والاستهزاء بهم كما فعلوا بالمؤمنين وهذا يناسبه نزع (من)، وأيضا لأنه لا يوجد حجاب نحو {ينادونك من وراء الحجرات} بل فراغ، وليس المراد ابتداء الرجوع من الوراء.
قال البقاعي: {قيل} أي لهم جواباً لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم: {ارجعوا وراءكم} أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير كما كنتم في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه اطفيش – الهميان: طرد لهم وتهكم بهم وتخييب واقناط أي ارجعوا الى الموقف حيث اعطينا النور فالتمسوا النور فيه فمنه يقتبس سيد قطب – (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا).. ويبدو أنه صوت للتهكم، والتذكير بما كان منهم في الدنيا من نفاق ودس في الظلام: ارجعوا وراءكم إلى الدنيا.إلى ما كنتم تعملون.ارجعوا فالنور يلتمس من هناك.من العمل في الدنيا.ارجعوا فليس اليوم يلتمس النور! الطباطبائي: والأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا، ومحصل المعنى: ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم وعملتم فيها ما عملتم على النفاق، والتمسوا من تلك الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو الإيمان ولا إيمان لكم ولا عمل.

***********************

{إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) (76/ 27)
حذف (من) للدلالة على إحاطة أهواله بهم من كل الجهات كما أخذنا في {رفعنا فوقهم الطور} {من ورائه جهنم} البقاعي: {وراءهم} أي أمامهم أي 5 قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه، أو خلفهم لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم {يوماً} أي منها.ولما كان ما أعيا الإنسان وشق عليه ثقيلاً.
قال سيد قطب: ويذرون اليوم الثقيل الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير، بعد الحساب العسير! الطباطبائي: وكون اليوم وراءهم تقرره أمامهم لأن وراء تفيد معنى الإحاطة، أو جعلهم إياه خلفهم ووراء ظهورهم بناء على إفادة {يذرون} معنى الإعراض.

***********************

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10)} (74/ 10)
قبل الكلام على توجيه حذف (من) في الآية الكريمة نأخذ الإعرابات في لفظة وراء، وهي ثلاثة
ففي (وراء) ثلاثة إعرابات:
الإعراب الأول: ظرف متعلق بـ(أوتي) أي الإيتاء مكانه في وراء الظهر خلف ظهره، قال حقي البروسوي: “ظرف لأوتي مستعمل في المكان” اهـ، تُجْعَلُ يُسْرَاهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ بِهَا كِتَابَهُ.
حقي البروسي وأحمد الخراط.
الإعراب الثاني: أنه َظَرْفُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ كِتابَهُ. قاله ابن عاشور أي يؤتى كتابه حال كونه من وراء ظهره.
الإعراب الثالث: أنه منصوب بنزع الخافض أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره كما أعربه جماعة، وَيُنَاوَلُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره.
درويش،ودعاس، الطباطبائي.
الإعراب الأول أصح لأن الآية الكريمة تركز على أن مكان الإيتاء هو وراء الظهر،أي في خلفه: بأن تغل يمينه إلى عنقه، وتكون شماله إلى وراء ظهره[3] ، ويوضع كتابه فيها لأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فيؤتاه في الموضع الذي نبذ فيه كتاب الله في حياته، وهذه أيضا علامة الشقاوة، وهذا احتباك: ذكر اليمين أولاً يدل على الشمال ثانياً، وذكر الوراء ثانياً-يدل على الأمام أولاً، فالمرجح الإعراب الأول لأن المراد أن الإيتاء يتحصل في المكان الذي هو وراء الظهر المقابل للأمام، فالسياق يركز على هذا فكأنه قال أوتي كتابه بيمنه أمامه والآخر أوتي كتابه بشماله وراء ظهره فمكان إيتاء الكتاب هو وراء الظهر.
وقريب من الإعراب الأول الإعراب الثاني.
وأما الإعراب الثالث فلا يصح لأنه ليس المراد أن ابتداء الإيتاء يكون من وراء الظهر كما هو نص الإعراب الثالث، لأمرين: الأمر الأول: لأنه ليس التركيز على مكان ابتداء الإيتاء بل التركيز على المكان الذي يتحصل فيه الإيتاء ويستقر، والأمر الثاني: لأنه لو قيل من وراء الظهر سواء لفظا أو تقديرا، لكان تعبيرا موهما، لأنه يحتمل أن يكون مكان الإيتاء من خلف الظهر ولكن الإيتاء يحصل من الأمام بأن يكون المؤتي في الخلف ويناوله الكتاب أمامه فهذا يصدق عليه أنه آتاه من وراء ظهره، وليس مرادا، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

***********************

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

[1] فإن قيل: لم لا تحملون الوراء على حقيقتها فالملك كان وراءهم حقيقة، نقول: جمهور العلماء لم يحملوها على هذا، بل قالوا ولو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم قال اطفيش: والصحيح عندهم القول الثاني أي قدامهم ملك في ذهابهم وأما الأول فمشكل لأنهُ إن كان أمامهم في ذهابهم فما فائدة الإخبار بأنه خلفهم في رجوعهم وأيضاً فيأخذها حين الذهاب لا يتربص للرجوع وإن كانوا يرجعون في طريق غير الأول فيكون خلقهم فلا يكون خلفهم إلا بعد أن كان قدامهم فيأخذها إذا كانوا مستقبلية فما فائدة الإخبار بأنهُ خلفهم؟ اللهم إلا أن يقال: يأخذها بعد الإدبار لا يأخذ في عادته عند الإقبال.
[2] قال ابن فارس: الحائل بين الشيئين كأن بينهما رازا أي متسعا من الأرض ثم صار كل حائل برزخا قال محمد وسيم البكري في البكريات: الخاء يدل على التلاشي ــ ـ فهو غير ظاهر، قال التحقيق: هذه الكلمة من مادة برز وحرف الخاء في آخرها زائد يدل على المبالغة ـ ـ ثم قال ” وهذا البرزخ شبيه جدا بالبراز: فإن من تبرز وخرج إلى براز قرنه في الحرب فقد انقطع عن جميع متعلقات ولا يرى إلا قدرة نفسه في مقابل طرفه وقرنه ولا ينفعه ما كان له من عنوان أو مال أو قريب أو حميم المعجم الاشتقاقي:” مادة برز تدل على خلوص شيء أو ظهوره ظهورا قويا أي نفاذه من بين ما يكتنفه بجَهد وقوة كما يقال للفرس الذي يسبق الإبل قد برز عليها أي خلص من ونفذ من بين ما يكتنفه، والخاء تعبر عن شيء من التخلل، فيتحصل أن معنى برزخ: معبر باطني جوفي من خلال حاجز بين أشياء وواضح أن الموت وفترة القبر توصل إلى يوم البعث “،.البقاعي عند تفسير مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ}: وقال ابن برجان: البرزخ ما ليس هو بصريح هذا ولا بصريح هذا، فكذلك السهل والجبل بينهما برزخ يسمى الخيف، كذلك الليل والنهار بينهما برزخ يسمى غبشاً، كذلك بين الدنيا والآخرة برزخ ليس من هذا ولا من هذا ولا هو خارج عنهما، وكذلك الربيعان هما 5 برزخان بين الشتاء والصيف بمنزلة غبش أول النهار وغبش آخره، جعل بين 6 كل صنفين من الموجودات برزخاً ليس من هذا ولا من هذا وهو منهما كالجماد والنبات والحيوان 7.
[3] قال الرازي: وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يُؤْتَى كِتَابُهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ لِأَنَّهُ إِذَا حَاوَلَ أَخْذَهُ بِيَمِينِهِ كَالْمُؤْمِنِينَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَأُوتِيَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ بِشِمَالِهِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ} وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ وَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْتَى بِشِمَالِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْكَلْبِيِّ [قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِأَنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، وَتَكُونُ يَدُهُ الْيُسْرَى خَلْفَهُ]وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُعْطَى بِشِمَالِهِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ وراء ظهره.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٨) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بعض الضوابط في العمل الدعوي

 

قال رضي الله عنه ونفعنا به: نقْلُ الأخبار في كثير من الأحيان يكون بدافع حسن عند الواحد منا، ينقل خبرًا ليس موكولًا إليه، وينقله بحسَب ما فهمه، أحيانًا يكون الموكول إليه عدَّل فيه، أو اتفقوا على ترتيب آخر، فذاك ينقل الخبر الأول، فتحصل ربْكة بعد ذلك… فلهذا نقول: مما يحتاج أن يتعلموه في هذه الشئون أن يتقيَّد كل واحد بما أُوكِلَ إليه، وما عدا ذلك يبقى فيه على سبيل الاحتياط، فممكن أن يقول: أنا سمعتُ ذلك، لكن يمكن أن يكون فيه تعديلًا ولا يبلغ الأخبار من عنده ما دام هناك ممن أوكل إليه إبلاغها، ويتركها تأتي عن طريقه، حتى لا تكون هناك أخبار متضارِبة متناوَلة متقلِّبة، فتربك السير نفسه في هذا العمل.
إذا سمعتَ خبرًا عن مهمة شخص آخر بأن عليه أن يقوم بكذا أو كذا مثلًا فلا تستعجلْ؛ لأنه يطرأ التعديل، ويطرأ الترتيب يحصل في نواحٍ متعددة في أمور كثيرة احتفالات، خَرجات، زيارات، جلسات في أوقات، فتحصلُ ربكات كثيرة؛ بسبب الاستعجال بالإخبار، وقد تأتي من تضييع الموكول إليه نفسه، ولكن في مثل هذه الحالة يتأتَّى الخطاب ويتأتى الترتيب معه، ومع ذلك ينبغي أن نحتاط في مثل هذه الأمور؛ لأن النفس بطبيعتها تحب الإعلام بالخبر، فأحيانا يعتبرونه من القوادح في الإخلاص، لكن الطريق إلى هذا بالملاحظة وتربية النفس، من دون ترك الأعمال.
يجب المواصلة والسير في العمل، إلا أن على كل واحد منا أن يلاحظ جانب إخلاصه ويسأل الله ذلك، والحق يعينه، فإن خفت أن يضيع الأمر، فأشِرْ إليه مع الاحتياط، لكن الأمر مجزومًا به من عندك، وهكذا تقع في بعض الأحيان ربكة للذين يتلقون الأخبار بأنفسهم في أمر معين، يومًا بكلمه هذا، ويومًا آخر يكلمه هذا، فلا تدري الآن تأخذ بكلام من فيهم.
لكن من الجميل لما يعرف واحد معين يكون هو المسئول عن مثل هذا، بحيث يقال لنا: إنه إذا جاءك فلان، يكون هو المقرر والمتفق عليه.

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (37) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل الخامس عشر:جميع الأنبياء أخذ عليهم وعلى أممهم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم.
جميع الأنبياء أخذ عليهم الميثاق الغليظ المشدد أنه إذا بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وينصروه أو إذا بعث نبي بعدهم أن يؤمنوا به على اختلاف الرأيين في تفسير الآية الآتية، وهذا في الحقيقة عهد لأتباع الأنبياء، فالأنبياء وأتباعهم مأخوذ عليهم العهد بالإيمان بنبينا، لأن الله سبحانه كان يرسل الأنبياء لأقوامهم، فإذا جاء رسول آخر فالمتوقع أن يتمسك كل بدينه القديم، فلأجل أن لا يحصل هذا، أخذ الله الميثاق على كل نبي أنه إذا بعث الله نبيا آخر أن تتبعه أنت ومن معك، والمراد الحقيقي أمته، تأكيدا لوجوب اتباعه، لأجل أن لا يعملوا كما عمل اليهود مع سيدنا عيسى وكما عمل اليهود والنصارى مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس المراد فقط أن يؤمنوا به بل أن يتبعوه اتباعا تاما وأعظم ذلك أن ينصروه.
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)} آل عمران
وهذه الآية الكريمة لو لم يوجد غيرها في الرد على من يقول: يجوز أن يبقى اليهود والنصارى وغيرهم على دينهم أو أنه لا يجب عليهم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكفي الايمان به ـ أقول لو لم يوجد غير هذه الآية في الرد عليهم لكفت ولأخرست كل ناعق، فهي نص صريح جدا لا يقبل مثل هذه الاحتمالات والترهات التي يقولها هؤلاء ويرد عليهم ردا مسكتا.
وزيادة في البيان أذكر تفسر الآية حتى تتضح اتضاحا تاما، تكون ختام الأدلة والقول الفصل في موضوعنا.
علاقة الآية بما قبلها ومقصودها:
بين سبحانه وتعالى فيما مضى من سورة آل عمران أن التولي عن الرسل كفر، وبين أحوال اليهود الذين عاصروا الرسالة المحمدية،وكيف كانوا يتعصبون لما عندهم، وينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تشددا في التمسك بما عندهم، فهم يقولون: نؤمن بما أنزل علينا، فبين الله سبحانه خطأهم في هذا، وأن الله تعالى أخذ الله الميثاق من جميع الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا بكل نبي يأتيهم تأخر عنهم وينصروه[1] ، وأشهدهم عليه، فمهما جاءهم رسول مصدق لما معهم ومهما أوتي من علم وحكمة ورسالة وإن عظم أمره وبلغ أن يؤمنوا به وينصروه، وأخذ الميثاق منهم على ذلك، وحكم تعالى بأن من تولى عن ذلك الميثاق ولم يعمل به كان من الفاسقين، وهذا لكي لا يرفض أحد رسالة النبي الذي يأتي ناسخا لشرع من قبله لكن اليهود والنصارى لم يوفوا بهذا الميثاق وكفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم مصدقا لما معهم، وهذا يدل على ظلمهم وعنادهم، فبدل أن يؤمنوا به وينصروه كما أخذ الميثاق عليهم خالفوه وحاربوه وحرفوا، وكانوا أول كافر به، وما وفوا بالعهد والميثاق، الذي يصور حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات متصلا متساندا مستسلما، ينتدب لها المختار من عباد الله؛ ثم يسلمها إلى المختار بعده اللاحق به، والوحدة في الرسالة الإلهية ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات،لقد أخذ الله – سبحانه – موثقا رهيبا جليلا كان هو شاهده وأشهد عليه رسله، موثقا على كل رسول، والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل؛ ويجمعهم كلهم في مشهد، والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة: هل أقروا هذا الميثاق وأخذوا عليه عهد الله الثقيل: هذا المشهد الهائل الجليل، يرسمه التعبير، فيجف له القلب ويجب لكن هؤلاء اليهود والنصارى كانوا على نقيض هذا الميثاق.
إذ:
الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي: اذكر يا محمد وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين.
{وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِيّنَ}:
أخذ الله ميثاق جميع النبيين الذي أعطوه لله سبحانه في الإيمان بالرسول الذي يأتي من بعدهم، أو بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلما لزمهم ذلك فأولى أن يلزمهم بواسطتهم بل هم المقصودون أصالة إذ كل أمة يجب أن تصدق بما جاءها به نبيها، بدليل قوله: {فمن تولّى بعد ذلك} إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما المقصود أممهم، وإنما أخذ على الأنبياء أنفسهم تغليظا على أممهم وتأكيدا ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال مراعى يشعر بعظمته كل أحد، والعهد مع المتبوع عهد مع التابع، فميثاق النبيين على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك والمقصود أصالة أممهم من باب أولى، وأيضا هذا أعلى وأشرف لقدره صلى الله عليه وسلم من أخذه على أممهم وأقوامهم.
الميثاق: العقد المؤكد المحكم بيمين المؤكد تأكيدا كثيرا بحيث يربط ويوثق الذي يعطيه نفسه به ويجعل الذي أمامه يثق بما يقول ويعتمد عليه فيوجب أمنا شديدا ووثوقا واطمئنانا، مأخوذ من الوثاق، وهو ما يشد به ويوثق.
لما آتيتكم:
في اللام قراءتان: بالفتح (لَمَا) وهي قراءة أكثر القراء، وبالكسر (لِما) وهي قراءة حمزة
أولا: توجيه قراءة الفتح:
في توجيه فتح اللام قولان:
القول الأول:
اللام في (لما) ابتدائية، و(ما): اسم موصول مبتدأ، و(آتيتكم) صلة الموصول، والعائد على الموصول محذوف والتقدير: لما آتيتكموه، وخبره قوله: {لتؤمنن به}، والتقدير: للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ـ لتؤمنن به، وفي لتؤمنن به لام القسم لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين، والمجموع بيان للميثاق المأخوذ، والمعنى: للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم آمنتم به ونصرتموه البتة.

القول الثاني: وهو الأصح
(ما): شرطية، فتكون في محل نصب على المفعول به للفعل بعدها، (آتيتكم)، و(آتيتكم): فعل الشرط في محل جزم، وهذا الفعل مستقبل معنى لكونه في حيز الشرط، و{ثم جاءكم} في محل جزم بالعطف على {ءاتيتكم}، اللام في (لما): موطئة للقسم تشعر بأن في الكلام قسما تضمنته سابقها، وجملة القسم (لتؤمنن): سادة مسد سادّ مسد ّجواب القسم والشرط جميعاً؛ واللام في قوله {لتؤمنن به} واقعة في جواب القسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وهو كما تقول في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن كذا، كأنك قلت استحلفك، والمعنى لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة وإن عظم أمره وبلغ أيّ مبلَغ ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، فالأساس في الموافقة أنه إن جاء كتاب الرسالة،وشريعتها التي هي حكمتها الحاكمة هو أن تؤمنوا بكل رسول يجئ بعدكم مصدقا لما معكم كإيمانكم بكتابكم، وجعل (ما) شرطية أحسن لأن دخول اللام الموطئة على الشرطية أشهر، والمعنى عليه أسلس وأوضح، والشرط في موارد المواثيق أعرف.
وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج الواحدي الزمخشري.
ثانيا: القراءة الثانية بكسر اللام:
اللام للتعليل علّل جواب القسم {لتؤمنن}، أي لتؤمنن لأجل كذا وهي حرف جر متعلق بقوله: {لتؤمننّ به}.
و(ما) عليه:
أ) إما موصولة: والتقدير عليه: أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق على النبيين لتؤمنن به ولتنصرنه لأجل الكتاب الذي نزل عليكم والحكمة التي علمكم إياها، شكراً على ما آتيتُكم، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل لأنهم الأفاضل، وخيار الناس، {لتؤمنن} بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق.
ب) أو مصدرية: والتقدير عليه: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب، ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه.
مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ
(مِن): بيان للموصول وصلتِه، دخلت تبيينا (لما) كقولك: ما عندي من القمح رطل، وهذا خاتم من فضة، وهي تفيد فائدتين في مثل هذا السياق:البيان والتعميم، مثل {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}، ويكون على المعنى هذا تقديره: إن الله تعالى قال لهم: مهما أو إن أوتيتم كتابا وحكمة وإن عظم أمره وبلغ ما بلغ، ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب والحكمة، والله لتؤمنن به، ولتنصرنه. فأقروا بذلك، وأعطوا عليه مواثيقهم،، وعبارة ابن كثير والمنار والمراغي[2] تشير للسر البلاغي في التعبير بـ(ما) وتنكير كتاب وحكمة حيث قال ابن كثير:” يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، عليه السلام، إلى عيسى، عليه السلام، لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته”[3] ، وقال رشيد رضا:”وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقا لما معهم منه وأن ينصروه”[4].
والحكمة: إتقان العلم ومعرفة الحقائق على ما هي عليه دون غلظ ولا اشتباه وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم، والإصابة في القول والعمل ووضع كل شيء موضعه، بحيث يحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ، ومن ذلك العِلم بالله ودقائق شرائعه ومعاني كتابه وتفصيل مقاصده، وما تكمل به النفوس من المعارف والأحكام وأسرار الشريعة ومقاصدها، مأخوذة من الحَكَمة – بالتحريك – وهي ما أحاط بحنكي الفرس من اللجام لمنعه من الانحراف والزيغ، وفي ذلك معنى ما يضبط به الشيء، والحكمة تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال.

فحاصل الكلام أنه – تعالى – أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم، ولا شك أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قد جاء مصدقا لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به “.
ثُمَّ:
للتراخي الزمني، أي مهما تراخى مجيء الرسول لا بد من الإيمان به فلا يقال نحن من ألف سنة على هذا الشرع فكيف نغيره، فـ(ثم) لدفع شبهتهم من أنهم على شرعهم من قديم.
جَاءَكُمْ رَسُولٌ [5]
أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده (مصدق لما معكم)، وذلك بأن أتى بدين وكتاب موافق لما معكم في العقائد، والأخلاق، والأصول.
وأضاف الرازي والخازن وجها آخر في التصديق وهو: أن الله وصفه في كتب الأنبياء المتقدمة وشرح فيها أحواله فإذا جاءت صفاته وأحواله مطابقة في كتبهم المنزلة فقد صار مصدقاً لها فيجب الإيمان به والانقياد
وفي المراد بالرسول قولان:
القول الأول: المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه، وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ هذا الميثاق على أمم الأنبياء، فأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه، وهذا احتجاج على اليهود، قال عليّ كرّم الله وجهه:” ما بعث الله نبياً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم، وأمره بأخذ العهد على قومه فيه بأن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوا زمانه[6] ” وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام،، فهو أوحد الكافة في الرتبة،
واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين، والتنكير للتعظيم والوحدة وليس للجنس، كقوله تعالى: ” وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ” إلى قوله: ” ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ”
اختاره: علي وابن عباس وقتادة والسدي وابن جزي والقرطبي والواحدي وأبو حيان ابن الجوزي. أبوا علي الجبائي الهواري، وأبومسلم والطبرسي والقشيري.
ويرد على هذا القول إشكال بناء على أن الميثاق قد أخذ على النبيين أنفسهم وهو أن هذا الرسول ما جاء في عصر أحد منهم. وكان الله تعالى يعلم ذلك عند أخذ الميثاق عليهم لأن علمه أزلي أبدي. وأجيب عنه بأنه ميثاق مبني على الفرض أي إذا فرض إن جاءكم وجب عليكم الإيمان به ونصره.
ويكون المراد منه بيان مرتبته صلى الله عليه وسلم مع النبيين إذا فرض أن وجد في عصرهم، وهو أنه يكون الرئيس المتبوع لهم، فما قولك إذاًفي أتباعهم لاسيما بعد زمنهم؟ وإنما كان له صلى الله عليه وسلم هذا الاختصاص؛ لأن الله تعالى قضى في سابق علمه بأن يكون هو خاتم النبيين الذي يجيء بالهدى الأخير العام الذي لا يحتاج البشر بعده إلى شيء معه سوى استعمال عقولهم واستقلال أفكارهم، وأن يكون ما قبله من الشرائع التي يجيئون بها هداية موقوتة خاصة بقوم دون قوم.
القول الثاني:
أخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه،فإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، فأخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر وينصره، وعلى هذا أيضا يجب عليهم أن يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذا لا يضاد القول الأول ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه.
وهذا قول سعيد بن جبير والحسن البصري وطاووس وقتادة والسعدي الشوكاني.
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ:
المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع.
وأيضا يدخل في هذا التصديق أن وصفه صلى الله عليه وسلم وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكورا في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم.
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.
{لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه.
قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ
الإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق، {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين أأقررتم بالإيمان به والنصرة له.
ومادة (ق، ر، ر): الإقرار والقرار والقرّ والقارورة ونحو ذلك: من السكون والثبوت، يقال: قرَّ الشيءُ يقرُّ: إذا ثبت ولزم مكانه والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته، وأقره غيره، زيدت عليه همزة التعدية، فقيل أقر الشيءَ:إذا أثبته ونطق بما يدل على ثبوته.
وَأَخَذْتُمْ:
الأخذ التناول، والمراد القبول وهو غايته؛ لأن آخذ الشيء يقبله، وهو مستعمل كذلك في التنزيل قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} [البقرة: 48]
عَلَى ذَلِكُمْ: العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع.
إِصْرِي:
(الإصر): عقد الشيء وحبسه بقهره وبثقل، واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو: ما يعقد ويشدّ مع ثقل،يقال أصرته فهو مأصور” والمأصَر: محبس السفينة،(إصري) ميثاقي الشديد المؤكد الموثق الثقيل الذي يحبس صاحبه ويشده ويعقده ويمنعه من التهاون فيما التزمه وعاهد عليه، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود.
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا
{قالوا أقررنا} أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين.
{قال} الله لهم: {فاشهدوا} على أنفسكم وعلى أممكم بذلك
• والشهادة على أنفسهم: بمعنى التوثق والتحقيق، أي: ليجعل كل أحد نفسه شاهدا على نفسه، ونظيره قوله
{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] وهذا من باب المبالغة.
• والشهادة على أممهم: بتبليغ ذلك الميثاق.
• {وأنا معكم من الشاهدين}: الله شاهد على الجميع كما شهد النبيون على الأمم، وهذا تأكيد للعهد بشهادة رب العزة جل جلاله وتقوية الإلزام، وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله.
ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدا آخر فقال: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.
فمن تولى بعد ذلك:
حذف (من) فلم يقل من بعد ذلك يدل على أمرين:
الأمر الأول: أن التهديد لمن تولى بعد تقرر الميثاق والتوكيد والإقرار بأن أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته.
الأمر الثاني: تعميم التهديد لكل من يتولى في جميع مدة ما بعد الميثاق فتشمل جميع الأمم التي تأتي بعد.
والكلام في الظاهر للأنبياء لكنه في الحقيقة لأتباعهم، فكأن المعنى قوله: {فمن تولى بعد ذلك} أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم، وهم الأمم، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة [المائدة: 12]: {فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل} -فلو أن أحداً بعد كلّ هذا التأكيد على أخذ المواثيق والعهود المؤكّدة أعرض عن الإيمان بنبيّ كنبيّ الإسلام محمد الذي بشرت به الكتب القديمة وذكرت علائمه، فهذا المعرض فاسق وخارج على أمر الله تعالى، ونعلم أن الله لا يهدي الفاسقين المعاندين، كما، ومن لا يكون له نصيب من الهداية الإلهيّة، فإن مصيره إلى النار.
قال الفخر الرازي:” {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوما “[7] .
قال سيد قطب:” وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخلفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرسول الأخير صلى الله عليه وسلم ومناصرته وتأييده، تمسكا بدياناتهم – لا بحقيقتها فحقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته، ولكن باسمها تعصبا لأنفسهم في صورة التعصب لها! – مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا على أنفسهم عهدا ثقيلا غليظا مع ربهم في مشهد مرهوب جليل.. في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذي يتخلفون فسقة عن تعليم أنبيائهم. فسقة عن عهد الله معهم. فسقة كذلك عن نظام الكون كله المستسلم لبارئه، الخاضع لناموسه، المدبر بأمره ومشيئته “[8].

 

[1] وأيضا: النبيون بعد ما آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة لا يتأتى لهم أن يدعوا إلى الشريك وكيف يتأتى لهم ذلك؟ وقد أخذ منهم الميثاق على الإيمان والنصرة لغيرهم من النبيين الذين يدعون إلى توحيد الله سبحانه.
[2] وكذلك يشير له عبارة السمرقندي والثعلبي والسمين والطوسي والطبرسي، قال الثعلبي، والمعنى: أي كتاب آتيتكم ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، للاّم في قوله لتؤمننّ به.قال السمرقندي، ومعناه فما آتيتكم يعني، أي كتاب آتيتكم لتؤمنوا به قال، الطوسي: وتقديره أي شئ آتيتكم. ومهما آتيتكم، قال الطوسي: ” وتقديره أي شئ آتيتكم، ومهما آتيتكم” التبيان (2/ 513)، السمين الحلبي: وقوله: {مِّن كِتَابٍ} كقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] يقول علي هاني: وقد نص ابن عاشور في موضع آخر على أن من البيانية في مثل هذا تفيد أيضا فائدتين: البيان والتعميم.وهذا الرأي أي جعل من بيانية تفيد مع التنكير التعميم والتعظيم أفضل من رأي الزمخشري والبيضاوي والقونوي حيث قال: الزمخشري -وقرأ حمزة: «لما آتيتكم ». بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة قال القونوي: أشار به إلى أن من تبعيضية باعتبار كل واحد لكن لا يختص بقراءة حمزة فالتنبيه عليه هناك أولى نعم في صورة كون ما شرطية من بيانية لكن ملاحظ فيه التبعيض.
[3] تفسير ابن كثير (2/ 67).
[4] المنار (3/ 288).
[5] قال الطباطبائي: “ومن اللطائف الواقعة في الآية أن الميثاق مأخوذ من النبيين للرسل على ما يعطيه قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} – إلى قوله: – {ثم جاءكم رسول}، ومعلوم أن الرسول أخص مصداقا من النبي، فعلى ظاهر ما يفيده اللفظ يكون الميثاق مأخوذا من مقام النبوة لمقام الرسالة من غير دلالة على العكس”
[6] زاد المسير (1/300).
[7] التفسير الكبير (8/ 279).
[8] ظلال القرآن (1/ 421).

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (36) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل الثالث عشر: أن النَّبِيَّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى،
وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، والقرآن أمر بقتالهم[1] {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)} التوبة

الدليل الرابع عشر: أن هذه القول خارق لإجماع علماء المسلمين،
لم يسبقهم إليه أحد إلا أحد روايتين عن العنبري[2] وهو محجوج بمخالفة إجماع من قبله ومن بعده[3] ، وصحح كثير من العلماء أن كلامه ليس في ِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٌ عنده أيضا.

 

[1] البحر المحيط، للزركشي (8/ 281)
[2] العَنْبَري(105 – 168 هـ = 723 – 785 م)عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري، من تميم: قاض، من الفقهاء العلما بالحديث.
من أهل البصرة. قال ابن حبان: من ساداتها فقها وعلما. ولي قضاءها سنة 157 هـ وعزل سنة 166 وتوفي فيها.
[3] قال الزركشي في البحر المحيط(8/281):”فِي حُكْمِ الِاجْتِهَادِ: لَا يَخْلُو حَالُ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ
إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ عَلَيْهِ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ تَخْتَلِفَ:
1) فَإِنْ اتَّفَقَتْ فَهُوَ إجْمَاعٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ،
2) وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ:
الْأَوَّلُ – الْعَقْلِيُّ: أ) فَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ مِمَّا يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَسُولَهُ، كَمَا فِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بَالتَّوْحِيدِ، فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ، هُوَ الْمُكَلَّفُ، وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ. فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
ب) وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ [بأن لم يكن يمنع معرفة الله سبحانه ورسوله]، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَمَا فِي وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ اسْمَ (الْكُفْرِ)، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ، لِعُدُولِهِ عَنْ الْحَقِّ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ دِينِيَّةً. أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا فِي وُجُوبِ تَرْكِيبِ الْأَجْسَامِ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ، وَانْحِصَارِ اللَّفْظِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُؤَلَّفِ، فَلَا الْمُخْطِئُ فِيهِ آثِمٌ، وَلَا الْمُصِيبُ مَأْجُورٌ، إذْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا مَجْرَى الْخَطَأِ فِي أَنَّ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ أَكْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ أَصْغَرَ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأُصُولِ مُصِيبٌ. وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ الْجَاحِظِ. وَيَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي الدِّينِ مُخْطِئًا، وَأَمَّا الْجَاحِظُ فَجَعَلَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْمُخْطِئَ فِي جَمِيعِهَا غَيْرَ آثِمٍ.
أَمَّا رَأْيُ الْعَنْبَرِيِّ فَبَيَّنَ الِاسْتِحَالَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَأَمَّا [رَأْيُ] الْجَاحِظِ فَبَاطِلٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَكَانَ ابْنُ الْعَنْبَرِيِّ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَفِي نَافِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ، وَقَدْ اُسْتُبْشِعَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَصْوِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْكُفَّارِ فِي اجْتِهَادِهِمْ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُصُولَ الدِّيَانَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ، كَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْت: وَهَذَا أَحَدُ الْمَنْقُولَاتِ عَنْهُ. قَالَ الْقَاضِي فِي ” مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ “: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ فَقَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ: إنَّمَا أُصَوِّبُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الدِّينِ تَجْمَعُهُمْ الْمِلَّةُ. وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَلَا يُصَوِّبُونَ.
وَغَلَا بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ فَصَوَّبَ الْكَافِرِينَ الْمُجْتَهِدِينَ دُونَ الرَّاكِنِينَ إلَى الْبِدْعَةِ. وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا مُخْتَصَرًا فَنَقُولُ: أَنْتُمَا (أَوَّلًا) مَحْجُوجَانِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا. و(ثَانِيًا) إذَا أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقِدِ فَقَدْ خَرَجْتُمَا عَنْ حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ وَانْخَرَطْتُمَا فِي سِلْكِ الْأَنْعَامِ. وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ – كَمَا نُقِلَ عَنْ الْجَاحِظِ – فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِالْمُجْمِعِينَ عَلَى الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ: مِمَّا خَاضَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ. وَأَجْمَعُوا قَبْلَ الْعَنْبَرِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ إدْرَاكُ بُطْلَانِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي ” الْمَنْخُولِ “: لَعَلَّهُ أَرَادَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَخَلْقَ الْقُرْآنِ، إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُكَلَّفُ الْخَوْضَ فِيهِ، بِخِلَافِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْإِصَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى هَذَا مُحَالٌ. وَقَالَ إلْكِيَا: ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٌ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ وَالْجَبْرِ وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ وَنَفْيِهَا فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِهِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالْتِزَامِ الْمِلَّةِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ مَا كُلِّفُوا إلَّا اعْتِقَادَ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْحَثْ الصَّحَابَةُ عَنْ مَعْنَى الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ، عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ اعْتِقَادَهَا لَا يَجُرُّ حَرَجًا. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي اجْتِهَادِهِ، وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُصِيبِ. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُمَا الْجَوَازُ فِي الْأُصُولِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى حَطِّ الْإِثْمِ، لَا بِمَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إذْ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَخْلِيدِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ فُورَكٍ فَنُقِلَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ، نَحْوُ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ” الشِّفَاءِ “: ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى تَصْوِيبِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِيمَا كَانَ عُرْضَةً لِلتَّأْوِيلِ وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ مِثْلَهُ عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَحَكَى قَوْمٌ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْجَاحِظُ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ. وَتَمَامُهُ فِي أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ وَالْبُلْهِ مُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الِاسْتِدْلَال، وَقَدْ نَحَا الْغَزَالِيُّ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْمَنْحَى فِي كِتَابِ ” التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ ” وَقَائِلُ هَذَا كُلِّهِ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَكُلُّ مَنْ فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ أَوْ شَكَّ، لِقِيَامِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِهِمْ. فَمَنْ وَقَفَ فِيهِ فَقَدْ كَذَّبَ النَّصَّ. انْتَهَى.
وَمَا نَسَبَهُ لِلْغَزَالِيِّ غَلَطٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِفَسَادِ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ، كَمَا سَبَقَ عَنْهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ ” التَّفْرِقَةِ ” هُوَ قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ نَصَارَى الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْوِيبُهُمْ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ. وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نُقِلَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ إنْ أَرَادَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيَّنٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُتَفَاضِلَانِ لَا يَكُونَانِ حَقَّيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْوُسْعَ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْأُصُولِيَّاتِ أَنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا غَيْرَ مُعَاقَبٍ فَهَذَا أَقْرَبُ وَجْهًا، لِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُعْقَدُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ لَزِمَ تَكْلِيفُهُ لِمَا لَا يُطَاقَ. وَقَالَ فِي ” شَرْحِ الْإِلْمَامِ “: يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبَ الْعَنْبَرِيُّ عَمَّا رُدَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَبْيِيتِ الْمُشْتَرَكِينَ وَاغْتِرَارِهِمْ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَانِدِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: الْمُكَلَّفُ مِنْهُ مَعَ إمْكَانِ النَّظَرِ بَيْنَ مُعَانِدٍ وَمُقَصِّرٍ، وَأَنَا أَقُولُ بِهَلَاكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. هَذَا إنْ كَانَ مَا قَالَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ مِنْ الْإِصَابَةِ فِي الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ وَالْمُجَسِّمَةِ: فَلَا شَكَّ فِي تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ. وَلِلْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا: وَأَظْهَرُ مَذْهَبَيْهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ ” إكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ “: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عِنْد مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ. وَقَالَ: اخْطَفْنَا فِي عِبَارَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ. وَالْخِلَافُ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ: لَا يُكَفِّرُ، قِيلَ لَهُ: أَلَا تُكَفِّرُ مَنْ يُكَفِّرُك؟ فَعَادَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، فَهُمْ يُكَفِّرُونَ خُصُومَهُمْ وَيُكَفِّرُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ الْآخَرَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَمُعْظَمُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ. وَقَالُوا: إنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَ وُجُودَهُ وَلَكِنْ فَعَلَ فِعْلًا، أَوْ قَالَ قَوْلًا، أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ كَافِرٍ. وَمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ أَصْحَابَهُ فِي نَفْيِ الْبَقَاءِ أَيْضًا، كَمَا يُكَفَّرُ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. قُلْت: وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – تَكْفِيرَ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ تَأَوَّلُوهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ.”