المحاضرة السادسة عشرة من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: حب الله في قلوب الأطفال الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاةوالسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

فهذا هو الدرس السادس عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ونحن اليوم مع مبحث متمِّم للمحاضرات السابقة التي تحدثنا فيها عن محبة رسول الله، وكيف ننشئ الصلة بين أبنائنا ورسول الله.

واليوم سنتابع بهذا الاتجاه ونبين كيف نبني محبة الله عزوجل في قلوب أبنائنا.

دائما عندما نتكلم عن تربية الأولاد نذكر كيف نوجِد ولدًا صادقًا خلوقًا كريمًا إلى غير ذلك من الصفات المحمودة، ونهمل مَعْلَمَاً هاما في التربية ألا وهو: علاقة الأبناء بالله عزوجل مَلِكِ الناس إله الناس.

قد تُطْعِم ولدك أفضل الطعام، وتكسوه أحسن اللباس، و تذوَّقُه مالذ وطاب من لُذاذات الدنيا؛ لكنك إن لم تذوِّقْه محبة الله عزوجل؛ فأنت بهذا تكون قد وفَّرت لولدك الحقير الفاني، وحَرَمته من العظيم الباقي.

المشكلة أيها الإخوة أن أولادنا لايعرفون عن الله إلا أن عنده نار تحْرق من يَكذِب، ويسرق ويعصي أباه وأمه إلى غير ذلك.. أبناؤنا لم يتذوقوا معاني صفات الجمال في الحق سبحانه وتعالى، فهم لايعرفون محبة الخالق سبحانه ولايتذوقون آثار نعم الله عزوجل التي تغمر حياتهم كلها؛ لهذا لابد أن نعلِّم الطفل علمًا إحساسيًا شعوريًا ذوقيًا أن كل نعمة يعيشها هي من عند الله، وأن المُنْعِم الحقيقي هو الله، وأن حب الطفل الفطري لأمه إنما هو نعمة من الله؛ فالله هو الذي أوجد له هذه الأم، ورزقها هذا الحنان؛ فالأم واحدة من النعم التي يَرْفُلُ بها الطفل.

كم نحن مقصرون؛ عندما أهملنا تربية قلوب أولادنا على حب الله، عندما لم نربط الكون بمكَوِّنِه سبحانه.. لابد أن نخبر أولادنا أن الماء والهواء والشمس والقمر هي من خلق الله ونعمه، ونكرر هذه المعاني حتى يصل الطفل ليقين أن } ومابكم من نعمة فمن الله{[النحل53]

مهمة: قد يظن بعضهم أن الحديث عن محبة الله عزوجل هو حديث يهم الكبار فقط، أما الصغار فهو أكبر من عقلهم..

الحقيقة أيها الإخوة  أن الطفل تربة خِصبة تستطيع أن تغرس فيها ماشئت، وكل ماتغرسه ستحصده لكن فيما بعد. لقد تَنَبَّه أعداؤنا لهذه الحقيقة؛ لذا فهم يغرسون في نفوس أبنائهم كُرْهَ الإسلام منذ نعومة أظفارهم، ويُعِدُّونهم لحربنا وهم يافعين؛ لهذا فإن التفريط في تنشئة الطفل على حب الله، وتأجيله حتى يصبح بالغًا هو تفريط خطير سينتج عنه فيما بعد خلل تربوي في نفسية الطفل.

حقائق هامة تتعلق بتربية الولد على حب الله عزوجل:

1-حب الله عزوجل واجب على الكبير والصغير؛ فعلى العبد أن يُحِبَّ مولاه، وخالقه فمن الخطأ أن يصل الولد لسن الثالثة عشرة مثلًا، وهو لايعرف عن خالقه شيئًا. لايعرف شيئًا عن صفاته وأفعاله؛ فلابد من تعريفه بربه حتى يتذوق معاني الحب لله كماقال رسول الله:” أحبوا الله لمايَغْذُوكم به من نِعَمه وأحبوني بحب الله”[1]

كما ندرب الولد على الصلاة، ويتعلمها من أمه وأبيه وهو يراهم يصلون، ونأمر الولد بالصلاة في سن السابعة؛ كذلك ندرب الولد، ونهيئ قلبه ليكون وعاءً لحب الله عزوجل منذ ولادته – كما سنتحدث بعدُ- ونأمربه في السابعة ونذوقه إياه.

طبيعة الطفل أنه يحب ما يحب والداه من أصناف المآكل؛ فلو أحب الوالدان ربهم فإن هذا يشعل فتيل حب الله في قلب الولد بالتقليد، والطفل في سنواته الأولى.

2-إصلاح الطفل لايُبْنى بغير حب الله عزوجل: يبذل أعداؤنا جهودًا كثيرة في إثارة الشهوات والإغراء بالفتن في نفوس أبنائنا، ولايقف في وجه هذه الإغراءات وهذه الفتن إلا رصيد كاف من حب الله وتعظيمه في نفس الطفل، وبعبارة أوضح معرفة الطفل بالله عزوجل تسهل عليه ترك المغريات.

فلو علمنا الولد أن الذي خلق عيناه هو الله، وبينا له قيمة هذه النعمة، ثم بينا له أن مِنْ شُكْر هذه النعمة العظيمة عدم النظر بها لما حرم الله، ثم ننتقل بالطفل من نعمة إلى نعمة بأسلوب بسيط يدركه عقله.

لابد من تكرار الإشارة إلى نِعم الله، وربطها بالمُنْعِم سبحانه بشكل متكرر حتى ترسخ في نفس الطفل على شكل قاعدة بيانات؛ فيتربى الطفل من نعومة أظفاره على مراقبة الله عزوجل، والحياء منه، وتعظيم أوامره ونواهيه.

3- الطفل يميل بالحب لمن يعطيه فلو فهم الطفل أن الله هو المعطي لكل شيء سيفيض قلبه حبًأ له.

ما أجمل أن يجيب الطفل لو سألناه من هو أحب شيء إلى قلبك؟ فيقول: الله عزوجل.

قد يسأل الطفل والداته من تحبين أكثر شيء؟ فتجيبه الأم أحب الله أكثر شيء..قد يستغرب الطفل كيف تحب أمُّه  أحدًا أكثرَ منه! فتجيبه الأم أحب الله؛ لأن الله هو من رزقني بولد مثلك، فأنا أحبه لأنه أعطانيك..معاني رقيقة ما أجمل أن يتربى عليها الناشئة.

4-نبين للطفل أن رسول الله الذي كنا نحدثه عنه كل يوم، وعن حبنا له كان يحب الله عزوجل ..رسول الله الذي قال:” ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما”[2]

كيف هو حال البيت الذي تشيع فيه هذه المعاني الفيَّاضة بحب الله عزوجل ؟ كيف شينشأ الطفل وهو يسمع والداه يدعوان: اللهم إني أسالك حبك .. اللهم اجعل حبك في قلبي أحبَّ إلينا من الماء البارد على الظمأ؟ لاشك سيتشرب معاني المحبة.

5-حب الله، ومعرفته يسهل على الطفل اتباع الأوامر الشرعية فيسارع الطفل في مراضي الله ويبتعد عن مساخطه، ويتمثل قول الله عزوجل:} قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله{ [آل عمران31].

6-على الوالدين أن يَعْلَما أنهما لن يدوما لولدهم، وأن الله فقط من يدوم له؛ فمن الجهل ربط الولد بالفاني، وعدم تعليقه بالباقي سبحانه وتعالى؛ علِّم ولدك معاني } وتوكل على الحي الذي لايموت{ [الفرقان 58]علِّم ولدك أن الله لايمرض، ولا ينام، ولايتخلى عنا به ثقتنا وعليه رجاؤنا، علِّمْه ماعَلَّم رسول الله ابن عباس عندما قال له:” ياغلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجمتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعو على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك”[3]  رسول الله قال هذا الكلام لابن عباس وربَّاه عليه وهو في سن العاشرة تقريبًا.

اقرؤا على أولادكم قصة حاتم الأصم الذي أراد الحج وهو في حالة فقر شديدة فاستشار أهله قائلًا: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجًّا، ويدعو لكم، ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته، وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئًا، ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك، ونحن بهذه الحالة؟! وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له، ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث شاء، فإنه مناوِلٌ للرِّزْق، وليس برزَّاق. فذكَّرتهم ذلك، فقالوا: صَدَقَت والله هذه الصغيرة، يا أبانا، انطلق حيث أحببت. فقام من وقته، وساعته، وأحرم بالحج، وخرج مسافرًا، وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج، وتأسَّف على فراقه أصحابُه، وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة، ويقولون: لو سكت ما تكلمنا. فرفعت الصغيرة طرْفَها إلى السماء، وقالت: إلهي، وسيدي، ومولاي، عودت القوم بفضلك، وأنك لا تضيعهم، فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم. فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدًا، فانقطع عن عسكره، وأصحابه، فحصل له عطش شديد، فاجتاز ببيت الرجل الصالح حاتم الأصم، فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب، فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم. فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء، وقالت: إلهي، وسيدي، سبحانك البارحة بتنا جياعًا واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا. ثم إنها أخذت كوزًا جديدًا، وملأته ماء، وقالت للمتناول منها: اعذرونا. فأخذ الأمير الكوز، وشرب منه، فاستطاب الشرب من ذلك الماء، فقال: هذه الدار لأمير؟ فقالوا: لا والله، بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم. فقال الأمير: لقد سمعت به. فقال الوزير: يا سيدي، لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج، وسافر ولم يخلف لعياله شيئًا، وأُخْبِرْت أنهم البارحة باتوا جياعًا. فقال الأمير: ونحن أيضًا قد ثقلنا عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم. ثم حل الأمير مِنْطَقَتَه من وسطه، ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني فليُلْقِ مِنْطَقته. فحلَّ جميع أصحابه مناطقهم، ورموا بها إليهم، ثم انصرفوا. فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق. فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير، ودفع إليهم ثمن المناطق مالًا جزيلًا، واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدًا، فقالوا لها: ما هذا البكاء؟! إنما يجب أن تفرحي؛ فإن الله قد وسع علينا. فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعًا، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا، ودبره بأحسن التدبير.

أخبروا أولادكم قصة سهل بن عبد الله مع خاله محمد بن سواريقول سهل: ”
“كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، وكان يقوم بالليل، وكان يقول: يا سهل، اذهب ونم، فقد شغلت قلبي. وقال لي يوما خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته، فقال: قلها في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوة. فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوما: يا سهل، من كان الله معه وهو ناظِرٌ إليه وشاهِدَه لا يعصيه، إياك والمعصية.

لقد تأثر سهل بخاله الذي رآه خاضعا لله في الليل؛ فكان سهل صدىً لحال خاله، وأَثر من آثار التربية السليمة.

كم هو الفرق بين طفل تجره إلى الطاعة جرًا، وتمنعه عن المعصية قهرًا، وطفل يقبل بنفسه لطاعة مولاه؟!

اللهم أنا نسألك أن تعيننا على حسن التربية لأبائنا وتلهم قلوبهم حبك وحب نبيك.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

                    آمين آمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

        ____________

[1]: جامع الترمذي3789

[2]: صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك 6941

[3]: سنن الترمذي عن عبد الله بن عباس2516

المقالة الثانية عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: المرحلة السرية

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

بدأت دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وحده في منتهى السِّرِّيَّة؛ حذراً من وَقْعِ المفاجأة على قريش، التي كانت متعصبةً لدينها؛ لأنها تعتبره مصدرَ سيادتِها على العرب، ومصدرَ ثرائها العريض. ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدعو إلا من يثق بهم ويطمئن إليهم، من أصحاب الفِطَرِ السليمة، والقلوب الرقيقة، والنفوس المستعدة لقبول الحق، ممن خَبِرَهُم جيداً؛ بحيث إذا استأمنهم على أمرٍ لم يُفْشُوه أبداً، كأبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنه وأمثالِه لأنه كان صلى الله عيه وسلم يحرص كلَّ الحرص على ألا ينكشف أمر الدعوة في بدايتها لسادة قريش؛ مخافة أن يَهُبُّوا للقضاء عليها وهي لا تزال في المهد، لم يَقْوَ عودُها بَعْدُ. 

ثم لما أربى الذين دخلوا في الإسلام على الثلاثين اختار لهم النبي صلى الله عليه وسلم دار الأَرْقَم؛ لعقد الاجتماعات وتَلَقِّي الإرشاد والتعليم. 

وإنما اختار دار الأرقم؛ لأن الأرقم أسْلَمَ ولا يعلم أحدٌ بإسلامه، وكان صغير السن لا يتجاوز السادسةَ عشْرَةَ من عُمُرِه، وهو مع ذلك من بني مخزوم، الذين هم شديدو الكراهية لبني هاشم، يعني أن النبي كان يعقد اجتماعاته في عُقْرِ دار أَلَدِّ أعدائه وكانت داره لا يُطِلُّ عليها أيُّ مكانٍ يمكن منه مراقبة الداخل إليها والخارج منها. وباجتماع هذه الحيثيات تكون هذه الدار أبعدَ ما يكون عن مراقبة المشركين.

ومما ينبغي الإشارة إليه أن تَكَتُّمَ النّبي في دعوته إلى هذا الحد الذي سمعناه، خلال السنوات الثلاث الأولى، لم يكن سببُه الخوفَ على نفسه، بل كان الموت في سبيل الله أسمى أمانيه؛ لذا كان يقول: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ[1]. وكان من أعظم الناس إيماناً بقدر الله، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، إنما كان يفعل ذلك لِيُعَلِّمَنَا أن في الشريعة مرونةً ومُتَّسَعاً لاختيار الأنسب؛ حيث يجب الإسرار بالدعوة في وقت، والإعلان بها مع المسالمة والصبر على الأذى في وقت، وتجب المقاومة ورد الصاع صاعين في وقت آخر، وأخيرا يجب غزو أعداء الله في عُقْرِ دارهم إذا ما توفرت وسائل ذلك وأسبابه. وأنَّ شيئاً منها لا يتناقض مع الشريعة، شريطةَ ألَّا يُتْرَكَ الاتِّكَالُ على الله وحدَه، وألا يعتقد أن الأسباب هي المؤثرة في الأشياء دون الله؛ لأنه يَخْدِشُ أصل الإيمان به.

وكان من سياسة النبي ألا يَتَجَمَّعَ كلُّ المؤمنين في مكانٍ واحدٍ؛ حتى لا يُستأصلوا في حال اكتشفتهم قريش، واتخذت قرار إبادتهم؛ ولذلك أشار على عمرو بن عبسة، وأبي ذر الغفاري، حين أسلما أن يعود للدعوة كُلٌّ في قبيلته.

ويَزْعُمُ كثيرٌ من المستشرقين أن العامل الاقتصادي، والطمع بالحصول على الغنائم، هو الدافع الحاسم للإيمان بدعوة محمد.

 علما أن أحدَ بنود بيعة العقبة الثانية النفقةُ في العُسْرِ واليُسْرِ، ولهم الجنة، ولم يَعِدْهُم الرسول بشيءٍ من الدنيا، فتسابقوا إلى الإنفاق بغير حساب، حتى كانت اللُّقمة التي ينفقونها أحبَّ إليهم من اللقمة التي يأكلونها، وقد مدحهم النبي بقوله إنكم لتكثُرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، وكان مصعب بن عمير أنعم فتىً في قريش أخرجه من ذلك النعيم حُبُّ الله ورسوله حتى لبس ثوباً مرقعاً بجلد خروف ويوم اسْتُشْهِدَ في أحد لم يجدوا ما يكفنونه فيه. 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

_______________________________________________________________________________________________

 [1]رواه مسلم، 103 – (1876).

إحياءُ ذكرى المولد النبوي تعظيم يوم من أيام الله بقلم الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي صلى على نبيه في القدم، وشرف خلقه بالصلاة على حبيبه الأكرم، والصلاة والسلام على سيدنا مرفوع القدر، طيب الذكر، المصطفى المختار، صفوة الأبرار، محمد بن عبدالله، رسول الله، خلاصة النوع الإنساني، المرتقي في الأوج العرفاني.

اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على حبيبك ونبيك محمد الذي ملأت عينه من جمالك، وقلبه من جلالك، ولسانه من لذيذ خطابك، فأصبح فرحاً مسروراً مؤيداً منصوراً، صلاة تزيدنا بها قرباً، وتملأ قلوبنا حباً، وعلى آله وصحبه في كل حين أبداً.

 

أما بعد؛

فما أعظم أن يعيش المرء أجواء إيمانية، في رحابِ شهر كريم، يهلُّ بقدومِه موسمُ الفرح بالحبيب صلى الله عليه وسلم، وتعقد فيه وفي غيره من المواسم المباركة مجالس المديح والوعظ والإنشاد والإرشاد. عملاً بقول المولى تعالى: (وذكرهم بأيام الله.)

مخطئٌ من يظنُّ أن ربيع الأول هو الموسمُ الأوحَدُ لإعلان الفرَح بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومخطئٌ من يظن أن الفرحَ مخصوص بيوم أو ساعة أو شهر، أو أقل من ذلك.

إن ارتباط المسلمِ الموحد بنبيِّه الخاتم، محمد صلى الله عليه وسلم ارتباطٌ لا ينفك. هناكَ ميثاق عظيمٌ بين هذا الدين، دين الإسلام، وبين أتباعه، هو ميثاق الشهادتين، كلمتي الشهادة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). فلا يكمل إسلامٌ، ولا يتحقق إيمانٌ بسوى هاتين الكلمتين الشريفتين. ومن هنا، نعلمُ علمَ اليقين، أن كل ما يؤدي إلى الحفَاظ على قوَّة الارتباط بالشهادتين، وكل ما يؤدي إلى ازدياد الإيمان بالله وبرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هو من صميم الدين، ومما يجب إشاعته والحث عليه. فلا نجاة لمن لم ينطق الشهادتين، كما أنه لا يحافظ على الشهادتين ويقوم بحقهما إلا من ثبت في قلبه حب الله وحب رسوله. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.)

 

أيها السادة ..

إذا كان شهر ربيع قد تعود فيه الناس أن يظهروا شعار المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا شعار محمود. فلماذا ينكر على رافعيه، ولماذا ينكر على معظِّميه. نحن نعلمُ أن يوم المولد قد حصل في تعيينه خلاف بين أهل السير، وهناك قول بأنه يوم الثاني عشر، وهناك أقوال أخرى. كما هو الحال في تعيين ليلة الإسراء والمعراج. إن هذا مما ينبغي أن يذاع بين الناس، حتى لا يعتقدوا فضل أيام أو ليالي بعينها مما لم يرد في فضلها دليل قويٌ يصلح للاحتجاج.

ولكن .. دعُونا من ذلك الشأن العلمي البحثي، الذي مكانه حلق العلم، ومواضع التدريس، وقاعات البحث والنقَاش .. إن أمامنا أمةٌ عظيمة، وأمامنا ملايين مملينةٌ من المسلمين الموحدين، جميعهم في حاجة إلى ما يزيد إيمانهم، والى ما يثبت ويقوي حب الله ورسوله في قلوبهم. جميعهم بلا استثناء، في حاجة إلى التذكير بالسيرة النبوية، بالصفات المحمدية، بالشمائل الأحمدية. هل نترك هذه الفرصة السانحة، في هذا الشهر الذي اعتاد الناس فيه إشاعة حفلات المولد، فرحاً بذكرى مولد نبيهم، صلى الله عليه وسلم، ونسير إلى الاختلاف المؤلم، ونرفع العقيرة بالإنكار والنكير والتحذير!!

لنتأمل آية من كتاب الله تعالى، تحثنا نحن المسلمين، على إظهار شعار التذكير بالأيام والمواسم العظيمة، التي مرت على هذه الأمة. قال تعالى في سورة إبراهيم (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور).

أخرج مسلم في (صحيحه) [3/ 147، رقم 2698] عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومُون يوم عاشوراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمونَ قبل أن يفترض رمضانُ. فلما افترض رمضانُ؛ قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عاشُوراء يومٌ من أيامِ الله، فمن شاء صامَه، ومن شاء تركه).

أخرج النسائي في (السنن الكبرى) [10/ 137، رقم 11196] عن أبي بن كعبٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قام موسى يوماً في قومِه، فذكَّرهم بأيام الله. وأيام الله نعماؤه). وأخرج ابن ماجه في )سننه( [1/ 352، رقم 1111] عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك، وهو قائمٌ، فذكَّرنا بأيام الله.

فإذا كان يوم عاشوراءَ، من أيام الله .. كما وردَ، وهو يوم نجاة نبي الله موسى عليه السلام. فكذلك كان يوم هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم وشهر هجرته من أيام الله.

وإذا كان الحق تعالى قد ذكر في الكتاب العزيز قصة ميلاد المسيح عيسى عليه السلام، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (وكذلك نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). أفلا يكون ذكرنا لحدث مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثبتاً لأفئدتنا نحن المسلمين المؤمنين به، المتبعين له، المقتدين بهديه وسنته!. ولنا في هذا المعنى سندٌ من كلام السلف الصالح، فهذا الإمام أبوالقاسم الجنيد بن محمد رحمه الله، فيما روى عنه الإمام القشيري في «رسالته» [2/ 354] بسنده: أنه سئل: مَا للمريدين في مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكاياتُ جندٌ من جنود الله تعالى، يقوّي بها قلوب المريدين. فقيل له: فهل لك في ذلك شاهد؟ فقال: نعَم، قوله عزَّ وجل: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما تثبت به فؤادك). انتهى كلامه رحمه الله.

فكيف لا تكون أحداث سيرته، صلى الله عليه وسلم، ومنها أخبار مولده، من مثبتات الإيمان، ومحركات الشوق إليه، ومثيرات الوجد والمحبة في القلوب نحوه!.

وجاء في «تثبيت دلائل النبوة» [2/ 325]: أن أمير المؤمنين عُمر، رضي الله عنه، كانَ كثيراً ما يقومُ في الصحابة خطيباً، فيذكر لهم ما كانت فيه العرب من القلة والذلة والفقر والشقاء وشدة العيشِ، واستطالة الأمم عليها، ثم إلى أيِّ شيء آلَ أمرُها اليه، برسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويقول: إنما أقولُ هذا لكم لأني سمعتُ الله يقول لموسى: (وذكرهم بأيام الله). ويأمرهم بلزوم طاعة الله، فبها غلبوا الأمم وقهروا الملوك، حتى صَار ملكهُم أعزَّ من كل ملكٍ في الأرض، ودينهُم أظهرَ الأديان وأهيبَها وأجلَّها، وأنهم ما لزِمُوا ذلك لا يزالون ظاهرين قاهرين. انتهى.

وقال القاضي الكلاعي في «الاكتفاء» [1/ 586]: «فهذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه التي أعزَّ الله بها الدين، ودوَّخ بها الكافرين، وشدَّ أزره فيها بمن اختاره لصحبته ونصرته، من الأنصار والمهاجرين، رضى الله عنهم أجمعين. وتلكَ أيام الله التي يجب بها التذكر والتذكير، ويتأكَّد شكر الله سبحانه على ما يسَّرته منها المقادير». انتهى. فانظر إلى قول الإمام الكلاعي: إنها يجب التذكير بها .. تعلم أهمية سرد أخبار السيرة، والتذكير بمجرياتها على أسماع المسلمين.

هذا، وقد ألف أئمة الإسلام، وعلماؤه العظام، من محدثين، ومؤرخين، وفقهاء، وأدباء، وشعراء، كتباً كثيرة، ومؤلفات عديدة، نثراً ونظماً، منها ما هو في مجلدات، ومنها ما هو في وريقات، من أخبار المولد النبوي، بين مطول ومسهب، ومختصر ومهذب. فجزاهم الله عن الأمة خير الجزاء .. لعل أكبرها وأهمها في هذا الباب، كتاب «جامع الآثار في السير ومولد المختار»، للحافظ محمد بن أبي بكر، ابن ناصر الدين، الدمشقي الشافعي (ت 842هـ). مطبوع في 8 مجلدات، جمع فيه فأوعى، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة من أخبار المولد النبوي، إلا وأتى عليها شرحاً واستدلالاً. فرحمه الله، وأجزل مثوبته.

وهنا ننبه على أمور لا بد من معرفتها:

منها: وهو أهمها، تنبيه المسلمين الحاضرين في مجالس المولد، أن يحرروا نياتهم عند حضورهم، ولا يكتفوا بالحضور لمجرد العادة، أو لغرض غير صحيح.

ومنها: أن لا يكتفى بسرد أحداث المولد، وقراءة الكتب التي ألفت فيه بخصوصه، وهي كثيرة معلومة. ويغفل عن ذكر أحداث مهمة من السيرة النبوية.

ومنها: أن يخرج الحاضرون بحصيلة قيمة من التوجيهات النبوية للفرد والجماعة.

ومنها: أن نعرض عن المعارضين، ولا نحفل بإنكارهم، لا سيما مع خلو مجالسنا من المنكرات الشرعية والمنهيات، فما هناك اختلاط، ولا هناك ما يؤثم فعله.

كما ينبغي أن يعلم المعارضون، أن مقصدنا من إحياء هذه الذكرى، إنما هو التذكير بيوم من أيام الله، كان نقطة البداية للهداية التي عمت الكون، وظهور النور الذي أشرقت الدنيا ببروزه، وبسببه جاء هذا الدين، وبلغتنا الرسالة. وليس المقصود التشبه بأهل الأديان الأخرى، ولا إحياء مآثر مبتدعة، كما يزعم بعض الناس. ولا ينبغي أن نبقى أسرى الإنكار، وننسى مقصدنا من تعظيم هذه الذكرى العظيمة ..

والحمد لله أولاً وآخراً

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

المقال السابع من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الماء الذي يزال به الحدث

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتناول في هذا المقال الكلام عن الماء الذي يزال به الحدث، والأسباب التي تخرجه عن هذه الصفة، وهي كونه مطهرا.

يجوز إزالة الحدث بالماء المطلق، وهو ماء السماء والأودية والعيون والآبار والأنهار والبحار. قال تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) [الأنفال:11]. وقال صلى الله عليه وسلم عن البحر: (هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته).[1]

خروج الماء عن كونه مطهرا:

يخرج الماء عن كونه مطهرا بأحد أسباب ثلاثة:

1 – أن يختلط به شيء طاهر فيغلب عليه: والمخالط للماء نوعان: جامد ومائع.

أ – المخالط الجامد: كالحِمِّص والبازلاء والفاصولياء والتراب وأوراق الشجر ونحوها، فله حالتان:

  • أن يطبخ مع الماء: فيخرج الماء عن كونه مطهرا، سواء بقيت فيه أوصاف الماء أم لا.
  • أن لا يطبخ مع الماء: فلا يخرج الماء عن كونه مطهرا حتى يزول عنه طبع الماء، وهو الرقة والسيلان على الأعضاء.

ب – المخالط المائع: كالخل وعصير الليمون والحليب وماء الورد والماء المستعمل ونحوها. فله ثلاث حالات:

  • أن يكون مخالفا للماء في جميع أوصافه: كعصير الليمون، فيخرج الماء عن كونه مطهرا بظهور وصفين من أوصاف عصير الليمون فيه، وهي الطعم واللون والريح، فإن انتقلت رائحة العصير ولونه مثلا إلى الماء لا يجوز استعماله في الطهارة.
  • أن يكون موافقا للماء في بعض الأوصاف: كماء الورد، فإنه موافق للماء في لونه، ومخالف له في رائحته وطعمه، فيخرج الماء عن كونه مطهرا بظهور وصف واحد من الوصفين اللذين يخالف بهما الماء، كالطعم أو اللون.
  • أن يكون مماثلا للماء في جميع أوصافه: كالماء المستعمل، فيخرج الماء عن كونه مطهرا بغلبة الماء المستعمل على الماء المطلق بالأجزاء والكمية، فإن كانت كمية المستعمل أكثر من كمية الماء المطلق خرج الماء عن كونه مطهرا. وكذا إذا كانت مثله احتياطا.[2]

2 – أن تقع في الماء نجاسة: فيخرج الماء عن كونه مطهرا، وللماء حالات:

  • أن يكون جاريا: فلا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه؛ لأن النجاسة لا تبقى مع جريان الماء.
  • أن يكون راكدا: فإن كان بحيث إذا حرك أحد أطرافه باليد لا تصل الحركة إلى الطرف المقابل مباشرة، فيجوز التطهر من الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في طرف منه. وإن كانت الحركة تصل إلى الطرف الآخر لا يجوز التطهر من أي طرف إذا وقعت فيه نجاسة.

وقد قدر هذا الماء بعشر أذرع في عشر أذرع، والذراع تساوي (46.656سم)، فالعشر أذرع تساوي (4.66م) تقريبا. فإذا كان طول الماء وعرضه ذلك فإنه يجوز التوضؤ من الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد أطرافه.

  • أن يكون الماء قليلا: كالماء الذي يكون في الأواني، كالإبريق والقنينة ونحوهما، فينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، سواء ظهر أثر النجاسة في الماء، أو لم يظهر.[3]

ومن النجاسات التي تنجس الماء القليل موت حيوان فيه إذا كان له دم سائل، كالفأرة والقطة والعصفور، أما إذا لم يكن له دم سائل فلا ينجس الماء بموته فيه، كالبق والذباب والعقرب.[4]

ويستثنى من ذلك البئر، فإنه إذا مات فيه حيوان صغير، كالفأرة، يكفي إخراج عشرين دلوا من الماء منها فتطهر، وأربعين دلوا إن كان الحيوان بحجم القطة والدجاجة، وإن كان أكبر حجما من ذلك، كالخروف، فلا بد من إخراج كل الماء.[5]

ج – أن يكون الماء مستعملا: فيخرج عن كونه مطهرا.

ويصير الماء مستعملا بأحد سببين:

  •  أن يزال به حدث أصغر أو أكبر، بأن يتوضأ به ويكون محدثا، أو يغتسل به ويكون جنبا.
  • أن يستعمل على وجه القربة: بأن يتوضأ به ويكون متوضأ ناويا الوضوء وتجديد الطهارة، فإن الوضوء بهده النية يصير عبادة، ويصير الماء مستعملا.[6]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


المصادر والمراجع:

1 – الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ت، عبد المنعم خليل إبراهيم، ط1، دار الكتب العلمي، بيروت، لبنان، 1423هـ – 2002م.

2 – الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب، ت، محمود النواوي ومحي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.

3 – الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ط1، المطبعة الكبرى الأميرية – بولاق، القاهرة، 1313 هـ.

4 – المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية في شرح البداية، ت، طلال يوسف، دار احياء التراث العربي – بيروت – لبنان.

5 – الأصبحي المدني، مالك بن أنس، الموطأ، ت، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، 1406هـ – 1985م.

6 – الشافعي، محمد بن إدريس، مسند الإمام الشافعي (ترتيب سنجر)، ت، ماهر ياسين فحل، ط1، شركة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، 1425هـ – 2004م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء (12)، والشافعي في مسنده، كتاب الطهارة، باب في ماء البحر، وغيرهما.

[2]انظر: الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق /1/20/.

[3]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/21 – 22/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 31 – 32.

[4]انظر: اللباب /1/22 – 23/.

[5]المرجع السابق /1/24/.

[6]انظر: المرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية في شرح البداية /1/23/.

المحاضرة الخامسة عشرة من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: أطفالنا ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

فهذا هو اللقاء الخامس عشر في سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، واليوم سنتابع الحديث في قضية محبة النبي صلى الله عليه وسلم، و كيف نستطيع أن ننشئ هذه المحبة؟ وكيف نخاطب أبنائنا في عناوين هذه المحبة؟؛ وقد ذكرنا أن أسلوب جذب قلوب الأطفال لمحبته صلى الله عليه وسلم يختلف عن أسلوب جذب قلوب الناشئة.

 وقد بينا في اللقاء الماضي لِمَ نحب رسول الله، وكيف تندفع قلوبنا لمحبته؟

واليوم سنكمل الحديث، ونتكلم عن الوسائل الواجب اتباعها لتحريك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب أولادنا، وكيف نغرس هذه المحبة؟

لكن قبل ذلك لابد من توضيح هذه الأمور:

  1. لماذا نحرص على تربية أولادنا تربية سلوكية معينة فقط، ولا نحرص على تربيتهم على أن يكون رسول الله هو قدوتهم؟ فلو تعشق الولد شمائل رسول الله، وسيرته؛ فإنه سيسير باتباع دائم له.

  لم لا نوضح لأبنائنا أن رسول الله قدوتنا في الصلاة وفي كل عبادة لربنا، بل في أحوالنا كلها، وأن الله اختار رسوله ليكون قدوة لنا بعد أن زكَّاه في قلبه فقال:)ما كذب الفؤاد ما رأى([النجم11] ،وزكاه في بصره فقال: )مازاغ البصر وما طغى( [النجم17]،وزكى نطقه فقال )وما ينطق عن الهوى( [النجم3]، وزكى علمه فقال :)علمه شديد القوى([النجم5]، وزكاه كله فقال: )وإنك لعلى خلق عظيم( [القلم4]

2- لم لا نعلِّم أولادنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقتدى به الأنبياء في الصلاة؟ فإذا كان الأنبياء قد اقتدوا برسول الله؛ فنحن أولى أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم.

3- الطفل يحب أن يقلد العظماء؛ فكيف لو عرف أنه لا عظيم من البشر بعد رسول الله؟ فإذا وصلنا لمرحلة أن يتذكر الطفل أنه يقلد هذا الرسول العظيم.. فَخْرُ الكائنات وأشرف الورى فكيف سيكون سلوكه؟

مهمة: لابد من تعريف الطفل أن رسول الله قدوتنا؛ لأنه بشرٌ مثلنا؛ فهو يفرح ويحزن ويغضب، ويجوع ويعطش ويمرض؛ لهذا نقتدي به؛ فرسول الله يعتريه ما يعترينا؛ لهذا يمكن أن نقتدي به حال الفرح والحزن والتعب والمرض والشدة ..فلو كان رسول الله من الملائكة مثلًا، والملائكة لا تعرف موت الولد فكيف سيكون رسول الله قدوة لمن مات ولده مثلًا؟ لهذا نحن نقتدي برسول الله البشر الذي مات ولده، وقال: إن العين لتدمع، والقلب ليخشع، وكذلك رسول الله جاع فربط الحجر على بطنه من الجوع فكون رسول الله بشرًا فهذا يسهل علينا الاقتداء به.

الوسائل الواجب اتباعها لغرس حب رسول الله في قلوب أبنائنا:

  1. الوالدان قدوة لأولادهم في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالوالد والوالدة لو كانا محبين لرسول الله؛ فإن الأولاد سيتشربون هذه المحبة. فعندما يجلس الوالدان للصلاة على رسول الله في البيت أمام أولادهم وتذرف عيونهم الدموع شوقًا، وحبًا لرسول الله؛ فهذا درس عملي للأولاد في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيسري فيهم حال المحبة.. والعكس بالعكس؛ فإذا كان الوالدان لا يقيمان لهذا الأمر وزنًا، ولا يتكلمان في البيت عن أخلاق رسول الله، وشمائله أبدًا فأنى للمحبة أن تنتقل للأولاد؟ فإذا كنا نرغب أن يُحِبَّ أولادنا رسول الله فيجب أولًا أن يوطِّن الوالدان أنفسهما على حب رسول الله.
  2. ذكر الوالدين لرسول الله دائمًا طريقة هامة لتتحرك المحبة في قلوب الأولاد.
  3. كثرة الصلاة والسلام على رسول الله في البيت…فنادرًا ما تجد بيتًا يقيم جلسة أسبوعية للصلاة على رسول الله، ونادرًا ما يسمع الأولاد قصيدة البوصيري تقرأ في البيت.

  محمد سيد الأعراب والعجم    محمد خير من يمشي على قدم

 محمد باسط المعروف جامِعُه   محمد معدِنُ الإنعام والكرم

 محمد دينه حق نَدِين به          محمد مُشْرِف حقًا على علم

فلو حفظ وفهم أولادنا معاني:

 رسول الله علمنا وبالقرآن أدَّبَنا

    وأنقذنا بمنهجه فأنقذنا به الزَّمَنا

رسول الله ربَّانا وبالإسلام أحيانا

  وعلمنا بأن نبقى لدين الله أعوانا

نسينا كل مانهوى وعشنا العمر في تقوى

   هُدَى الإسلام وحَّدنا  فكنا دائمًا أقوى

حفظ الأطفال لهذه الكلمات شيء طيب يغرس في قلوبهم حب النبي صلى الله عليه وسلم.

لو كان الأب وهو في بيته يدندن في محبة النبي، وفي السيارة أيضا يدندن بمعاني المحبة لرسول الله، وكذلك الأم التي تهدهد لولدها، وهي تنشد الأناشيد في محبة رسول؛ حتمًا ستشرق في قلب الولد محبته صلى الله عليه وسلم.

أما اليوم وللأسف الشديد غابت معاني المحبة لرسول الله وقُصِرَت المحبة على حب الرجل للمرأة.

أليس من الأولى لأولادنا ذكورًا، وإناثًا أن يستفيقوا على محبة رسول الله بدل أن يستفيقوا على المحبة بين الجنسين؟

أليس من الأولى في التربية لبناتنا أن نشتري لهنَّ هذه التسجيلات التي تفيض حبًا لرسول الله؟

 :الأمور الواجب فعلها لتحريك المحبة في قلب الطفل في عمر أربع إلى سبع سنوات؟

  1. قراءة سيرة رسول الله بأسلوب قصصي؛ فكم هو رائع أن الأم قبل أن ينام ولدها تذكر له مقطعًا عن حياة رسول الله؛ فتذكر له كيف كان يتعبد في الغار، وكيف هاجر، وكيف كان حاله في الطائف عندما آذاه المشركون، وكيف كان يعامِل الأطفال، و كيف كانت رحمته للإنسان والحيوان، ونتكلم أيضًا عن: عائلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أولاده وزوجاته، وعن حبه لعائشة وفاطمة، وكيف كان يعاملهم. فهذه القصص البسيطة تترسخ في قلب الطفل فينشأ الطفل على محبة رسول الله، وآل بيته.
  2. التعليق على هذه القصص؛ لبيان جوانب الجمال، والكمال فيها؛ ليترسخ هذا المعنى في نفس الطفل مع القصة.
  3. تحفيظ الطفل الآيات القرآنية الدالة على محبة النبي صلى الله عليه وسلم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) [التوبة128]، ونحفظهم قول الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح29] ، ونعطي الطفل شيئًا من معانيها؛ فتترسخ أسباب المحبة في قلب الطفل وهو بسن الرابعة للسابعة.
  4. تحفيظ الطفل بعض الأحاديث الواردة عن رسول الله مثلًا:
  • ” إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا” [1]
  • “الدين النصيحة”[2]
  • “إذا لم تستح فاصنع ماشئت” [3]
  • “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” [4]
  • ” إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه” [5]

فهذه الأحاديث، وأمثالها قواعد تربوية يتربى بها الطفل على مكارم الأخلاق، وتربطه بشخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوسائل التربوية لحب رسول الله في مرحلة ما فوق السبع سنوات:

  1. قصص تفصيلية عن رسول الله؛ فنعلمه السيرة النبوية مفصلة، كيف هاجر للمدينة، ولم هاجر، ونكلمه عن غزوة بدر، وأحد والخندق، ونستثير مشاعره أثناء الإعطاء ليتطلَّبَ المزيد.
  2. التركيز على مواقف رسول الله مع الأطفال مثلًا: عندما هاجر للمدينة فمر ببعض المدينة فإذا بجوار يضربن بدُفِّهِنَّ ويتغنَّيْنَ ويقُلْنَ:

نحن جوار من بني النجار ياحبذا محمد من جار

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “والله يعلم إني لأحبكن”[6]

فعندما يشعر الطفل كيف كان يفيض قلب رسول الله حبًا وشفقة على الأطفال؛ فإنه سيتعلق برسول الله.

  1. كثير من الأطفال لا يعرفون عن رسول الله إلا أنه قائد عسكري صاحب فتوحات فقط؛ لأننا لا نعطيهم إلا أخبار معاركه في بدر وأحد والخندق، وأخبار شجاعته، وفروسيته. هذا شيء حسن، ولكن لابد من تعليمهم أيضًا كيف كان يعامل الحسن والحسين، ونذكر لهم كيف نزل من فوق المنبر وقطع خطبته  ليأخذ الحسن والحسين وصعد بهما المنبر”[7]، وكيف كان يُرْكِبُ الحسن والحسين على ظهره فعن جابر قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو على أربع والحسن والحسين رضي الله عنهما على ظهره وهو يحبو بهما في البيت وهو يقول:” نعم الجمل جملكما ونعم العِدْلان أنتما”[8] ، وكذلك قصة  تأخر رسول الله في السجود واستغراب الصحابة فقال رسول الله:” ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته”[9]

كم لهذه القصص من تأثير في قلوب أبنائنا؛ فيشعر الأطفال بدفء حنانه صلى الله عليه وسلم، وقربه منهم؛ وهذا له أثره البالغ في التربية.

نذكر للأطفال كيف كان رسول الله يحترم الأطفال، ويعطيهم حقوقهم حتى لو كان ذلك في حضور الكبار فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أُتِيَ النبي بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغرُ القوم، والأشياخ عن يساره فقال:”ياغلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ ” قال: ماكنت لأوثر بفضلي منك أحداً يارسول الله فأعطاه إياه [10]

ونذكر لهم كيف كان يعلم الأطفال:” ياغلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك”[11]

وكيف كان يقول لابن عباس:” ياغلام إن أعلمك كلمات أحفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تُجاهك وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله…”[12]

ونذكر لهم: كيف عقد رسول الله السباق بين الأطفال، وكيف كان الصغار يتصارعون بين يديه، وكان يقول للحسن مَهْ حسينًا.

وكذلك نذكر لهم كيف زُفَّت السيدة عائشة مع لُعَبِها..ونذكر قصة الحُبُش في لعبهم بالحراب في المسجد، ورسول الله يقدِّرُ للسيدة عائشة اهتمامها. تقول السيدة عائشة: والله لقد رأيت رسول الله يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله يسترني بردائه لكي أنظر إلى لَعِبِهم ثم يقوم من أجلي  حتى أكون أنا التي أنصرف..فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصةٍ على اللهو”[13]

مهمة: هناك أمر مهم جدًا يُشْعل فتيل المحبة في قلوب أبنائنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن تصحب أولادك بزيارة لمدينة رسول الله فكم لهذه الزيارة من معاني التربية، وغرس محبة رسول الله في قلب الطفل.

كم هو جميل أن يزور الأطفال رسول الله ويسلمان عليه: السلام عليك يارسول الله، السلام عليك ياحبيب الله، نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة …سيبقى رنين هذه الكلمات، وصداها في قلب الطفل، وروحه قبل أذنيه وعقله.

أليست زيارة رسول الله أولى من غيرها من السياحات؟

اللهم أسكن قلوبنا، وقلوب أبنائنا حب رسولك الله صلى الله عليه وسلم

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]:مسلم كتاب الزكاة 1760

[2]: مسلم عن تميم الداري 55

[3]:البخاري كتاب الأدب5769

[4]: البخاري كتاب فضائل القرآن 4664

[5]: إتحاف الخيرة المهرة عن عائشة أم المؤمنين3/382

[6]: سنن ابن ماجه1899،مسند أبي يعلى 3409

[7]: أبو داوود عن بريدة بن الحصيب الأسلمي1109،النسائي 1585

[8]: الشريعة للآجري كتاب فضائل الحسن والحسين1639

[9]:سنن النسائي 1141

[10] البخاري 2224كتاب الشرب والمساقاة

[11]البخاري عن عمر بن أبي سلمة 5376، مسلم 2022

[12] الترمذي عن ابن عباس 2516

[13] مسلم 1487

المقالة الحادية عشر من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: بدء الوحي

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

لما أتم رسول الله أربعين سنة من عمره المبارك، نزل عليه جبريل في غار حراء بصورة رجل، فقال له: اقرأ، قال النبي: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد، كرر ذلك ثلاث مرات، ثم قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم.

هذا ما نسميه بالوحي، الذي يترتب عليه جميع حقائق الدين؛ بعقائده وعباداته وتشريعاته، وهو الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكر من عنده ويُشَرِّعُ برأيه وعقله فيتفنن الذين يُطَبَّقُ عليهم هذا التشريع في التحايل عليه، والتفلت منه، وبين الإنسان الذي يُبَلِّغُ عن ربّه؛ فيتفانى أتباعه بتطبيقه، ويضحون في سبيله حتى بالأرواح؛ لأجل ذلك نجد الذين يحترفون التشكيك بالإسلام من أرباب الغزو الفكري يحاولون التلبيس على المسلمين في حقيقة الوحي، والخلط بينه وبين الإلهام وحديث النفس. ولئن أتيح لهم إقناع المسلمين بأن ما جاء به محمد مصدرُهُ عبقريتُهُ، وفرطُ ذكائه، مضافٌ إليهما إشراقاتٌ روحيةٌ؛ كانت نتيجةً لتأملاتٍ فكريةٍ طويلةٍ، عندئذ سيضمنون عدم تضحية المسلمين بأي شيء؛ في سبيل أحكامٍ وعقائدَ وتشريعاتٍ مصدرُها تفكير إنسان، كائناً من كان؛ فيصبح الإسلام كأي ثورة تحمس لها الأتباع فانتصرت، ثم بعد زمن ذهب ذلك الحماس؛ فبادت تلك الثورة لا إلى رجعة. من أجل تحقيق هذه الغاية، أخذ محترفو الغزو الفكري، يحاولون تأويلَ ظاهرة الوحي.

فمن قائلٍ: بأن محمداً لم يزل يفكر حتى تكونت في نفسه بطريقةِ الكشفِ التدريجيِّ عقيدةٌ كان يراها كفيلةً بالقضاء على الوثنية.

ومن قائل: إنما تعلم القرآنَ من بحيرا الراهب.

ومن قائل: بأنه كان مصابا بداء الصرع؛ لذا كانت طريقة بدء الوحي التي رواها البخاري فيها حكم إلهية باهرة ترد دعوى هؤلاء.

فاعتصار الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة: اقرأ؛ حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مردُّه إلى حديث النفس المجرد، وإنما هي استقبالٌ وتَلَقٍّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخلِ الذات.

ثم حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي، لا تستدعي الخوفَ وامتقاعَ اللون. وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين في خوف مستمر.

هذا ولو كان مصدر الوحي النّبوي- كما يزعمون- إشراقا نفسيا متولدا من طول التأمل، وأنه أمر منبعث من داخله، لما انقطع عنه ستة أشهر أو يزيد.

 فلما أحس أولئك المشككون بأن حجتهم داحضة قالوا: لماذا كان يوحى إلى محمد وهو بين أصحابه فلا يرى المَلَكَ أحدٌ سواه؟ يُقَال: لو كان شرط وجود الشيء رؤيتَه، لكان يجب انعدام الشيء إذا ابتعد عنا فلم نعد نراه، ثم أليس الله بقادر على أن يزيد في بصر من يشاء حتى يرى ما لا يراه الآخرون؟ ثم لماذا كان يأمر كتَّابَ الوحي أن يسجلوا كل آية فور نزولها؟ بينما كان يكتفي بأن يستودع حديثه صدور أصحابه.

ولماذا كان النّبي يُسْأَلُ عما لم يوح إليه فينتظرُ الوحيَ؟ فإن أبطأ عليه اجتهد وأجاب على السؤال، فإن أصاب سكت الوحي عنه، وإلا نزل يسدده، وربما عَتَب عليه ولامه.

ثم التأملات النفسية والإشراقات الروحية يستحيل أن تدرك حقائق تاريخية! كقصة يوسف، وغرق قوم نوح بالطوفان، ولم يعهد منه صلى الله عليه وسلم أنه كان يتردد إلى أحد علماء أهل الكتاب. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقال السادس من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – نواقض الوضوء والغسل

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نتكلم في هذا المقال عن نواقض الوضوء، وكيفية الغسل الواجب، وعن الأغسال المسنونة.

 

نواقض الوضوء

ينقض الوضوء سبعة أشياء، إذا وجد واحد منها لا تجوز الصلاة، ولا مس المصحف، ونحو ذلك إلا بالتوضؤ، وهذه الأشياء هي:

1 – كل ما يخرج من السبيلين: القبل والدبر، سواء كان مما يخرج عادة، كبول وغائط وريح، أو نادرا، كدودة وحصاة.[1]

2 – الدم والقيح والصديد: إذا سال إلى موضع يُطلَب غسله أو مسحه في وضوء أو غسل. فلو سال الدم داخل الحلقوم أو داخل العين لا ينتقض الوضوء؛ لأن داخل الحلقوم والعين لا يُطلَب غسله ولا مسحه في وضوء ولا في غسل.

والقيح: دم نضج حتى ابيضّ وصار ثخينا. والصديد: قيح ازداد نضجا حتى صار رقيقا.[2]

3 – القيء ملء الفم: سواء قاء طعاما أو ماء أو غيرهما. وملء الفم: هو أن لا يمكنه إمساكه داخل فمه إلا بصعوبة.[3]

4 – النوم إذا لم يكن ممكِّنا مقعدته من الأرض: وهو النوم على أحد جنبيه، أو وركيه – الوَرْك ما فوق الفخذ[4] – أو ظهره، أو وجهه. فلا ينقضه النوم قاعدا، أو ساجدا على هيئة السنة، ولا النعاس.[5]

5 – الإغماء: وهو حدث في جميع الأحوال، سواء أغمي عليه قاعدا أو مضطجعا.

6 – الجنون: لأن المجنون لا يميز الحدث من غيره.

7 – القهقهة في الصلاة: هي شدة الضحك بحيث يكون مسموعا له ولجيرانه.

شروط نقض القهقهةِ الوضوءَ: أ – أن تكون من بالغ يقظان: فلا نقض بالقهقهة في صلاة صغير ونائم. ب – أن تكون الصلاة ذات ركوع وسجود: فلا نقض بالقهقهة في صلاة جنازة وسجدة تلاوة، بل تفسد الصلاة فقط.[6]


الغسل

للغسل فرائض وسنن وموجبات كالوضوء.

أ – فرائض الغسل: 1 – المضمضة. 2 – الاستنشاق. 3 – غسل باقي البدن. ما يمكن غسله منه بلا حرج، كأذن وسرة وشارب وحاجب، لا داخل عين.

ب – سنن الغسل: 

1 – غسل اليدين إلى الرسغين. 2 – غسل فرجه وإن لم يكن عليه نجاسة. 3 – إزالة نجاسة إن كانت على بدنه؛ لئلا تنتشر في البدن. 4 – التوضؤ كوضوء الصلاة. 5 – البدء بصب الماء على رأسه، ثم على طرفه الأيمن وما يليه، ثم الأيسر وما يليه. 

ولا يجب على المرأة أن تحُلَّ ضفائر شعرها إذا بلغ الماء منابت الشعر.[7]

ج – موجبات الغسل: يفترض الغسل عند إرادة مالا يحل مع الحدث الأكبر، كالصلاة وقراءة القرآن. وللحدث الأكبر سببان: 1 – الجنابة. 2 – الحيض والنفاس.

1 – الجنابة: تحصل الجنابة بأحد شيئين:

  • خروج مني منفصل عن مقره بشهوة من الرجل والمرأة.  ومقر المني صلبُ الرجل وهو عظام ظهره، أي: فقاره. وترائبُ المرأة وهي عظام الصدر التي توضع عليها القلادة.
  • إيلاج حشفة، وهي رأس الذكر من آدمي في أحد سبيلي آدمي مشتهى على الفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، وإن لم ينزل.

2 – الحيض والنفاس: بشرط انقطاع الدم فيهما على العادة أو لأكثر مدة الحيض والنفاس، [8]كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

د – الأغسال المسنونة: يسن الغسل للأمور الآتية:

1 – صلاة الجمعة، فيشترط أن يصلي الجمعة بالغسل ليحصل له ثواب الغسل. 2 – صلاة عيد الفطر والأضحى. 3 – الإحرام بحج أو عمرة. 4 – الوقوف بعرفة.[9])

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/11/.

[2]انظر: اللباب /1/12/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 23.

[3]انظر: اللباب /1/12 – 13/.

[4]انظر: الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، مادة (و، ر، ك).

[5]انظر: الدر المختار ص 24 – 25.

[6]انظر: اللباب /1/13/.

[7]المرجع السابق /1/14/ وما بعدها.

[8]انظر: الدر المختار ص 27 – 28.

[9]انظر: اللباب /1/17/.

المحاضرة الرابعة عشر من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: أطفالنا ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علمًا ينفعنا

وبعد:

فهذا هو اللقاء الرابع عشر من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، وقد أنهينا في المحاضرة الماضية المرحلة الرابعة من مراحل تربية الأولاد. ولعلنا اليوم ننتقل لقسم آخر من أقسام التربية؛ ألا و هو قضية محبة النبي صلى الله عليه وسلم التي يجب أن نتربى عليها جميعًا صغارًا وكبارًا. المحبة التي ينبغي زراعتها في قلوب أولادنا أطفالًا ويافعين.

هذه الزاوية يهملها بعض الآباء من قضايا التربية؛ ظنًا منهم أنها تمثل الجانب العاطفي في التربية، وظنوها أمرًا بسيطًا يمكن الحديث عن تربية الأولاد بمعزل عنها.

كيف نستطيع أن ننشئ هذه المحبة؟، وكيف نخاطب أبنائنا في عناوين هذه المحبة؟؛ فأسلوب جذب قلوب الأطفال لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن أسلوب جذب قلوب الناشئة؛ فالكبار عادة ما نركز معهم على أسباب ووسائل إنشاء هذه المحبة.

اليوم نريد أن ننشئ الصلة بين أولادنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم؛ للأن محبة رسول أمر بها ربنا كما أمرنا بالصلاة عندما قال:) إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا( [الأحزاب 56]؛ فمحبة رسول الله عبادة نثاب عليها، وكما نعلِّم أولادنا الصلاة، ونحضهم عليها؛ علينا أن نغرس في قلوبهم محبته صلى الله عليه وسلم.

مهمة:

  1. بدايةً نريد أن نسأل أنفسنا أمام أبنائنا لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟

دائما ما نقول لأبنائنا أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن محبة رسول الله تحتاج للعاطفة، وتحريك القلب؛ فيجب أن نشرح لأولادنا قبل أن نطلب منهم محبة رسول الله لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

  1. من الخطأ أن نَقْصِرَ وسائل تعليم محبة رسول الله لأبنائنا بأخذهم لإحياء ليالي مولده فقط، مع توزيع شيء من الحلوى؛ فيرتبط الطفل بحبه لرسول الله فقط من خلال قطعة حلوى.

شيء جيد أن تصحب ولدك للاحتفال بيوم المولد، وهذا يساعد في تهيج القلب بالمحبة، ولكن يوم المولد يتكرر مرة بالسنة، في حين إن أولادنا بحاجة لتذكير مستمر، وربط دائم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

  1. أليس من التقصير الواضح في حق أولادنا ألا نربطهم برسول الله إلا من خلال تعريفهم به مرة بالسنة، وببعض الحلوى؟!

نريد أن نوضح لأبنائنا لم نحب رسول الله، وكيف تندفع قلوبهم لمحبته صلى الله عليه وسلم:

أولًا: أن الله قرن محبة رسوله بمحبته سبحانه وتعالى فقال: )قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( [التوبة 24] ففي هذه الآية قرن الله بين محبته، ومحبة رسول الله فيجب تربية الناشئة على هذا المعنى.

ورسول الله يقول: ” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما..” [1]

ثانيًا: قرن ربنا سبحانه ذِكر رسوله صلى الله عليه وسلم بذكره في مواضع كثيرة وقال فيها )ورفعنا لك ذكرك( [الشرح 4] قال العلماء في تفسيرها ألا أُذكر إلا وتُذْكر معي. كالصلاة وغيرها لا يذكر الله إلا ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: لأن رسول الله هو حبيب الله؛ فتذوِّق ولدك هذا المعنى وتعلمه أن الله أحبَّ رسوله؛ لهذا أنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: لأن محبة رسول عندما تلقى في قلب ولدي يسهل عليه اتباعه صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به؛ فيندفع الولد إلى الطاعة. فرق بين أن تجبر ولدك على تطبيق هدي نبوي، وبين أن تزرع في قلب ولدك حب النبي فيبحث هو بنفسه عن هدي رسول الله ليطبقه.

خامسًا: لأن رسول الله اختاره ليكون مبلغا لهذه الرسالة؛ فينبغي أن يفهم ولدي هذا المعنى فالله تعالى قال له:)يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( [المائدة67]  وقال أيضًا:) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( [الأنبياء 107] فيجب أن نذوِّق أبنائنا هذه المعاني؛ ليتذوق طعم الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

سادسًا: لأن رسول الله ادخر دعوته لأمته ليوم القيامة؛ فكل الأنبياء دعوا، وأما رسول الله فخبأ دعوته كما قال رسول الله: “لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مُستجابةٌ ، فتُجعَلُ لكلِّ نبيٍّ دَعوتُهُ ، وإنِّي خبَّأْتُ دَعوتِي شفاعةً لأُمتِي يومَ القيامةِ ، فهِيَ نائِلةٌ إنْ شاءَ اللهُ مَنْ ماتَ من أُمتي لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا”[2]

سابعًا: تَشَوُّق رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة؛ فنخبر أولادنا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا . قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ.”

فأقول لولدي: رسول الله اشتاق إليك من ( 1400) سنة فنحن إخوانه لأننا آمنا به ولم نشرف برؤيته؛ فيشعر الولد بالصلة بينه، وبين رسول الله؛ فرسول الله يبادلنا الشوق.

ثامنًا: من أسباب المحبة لرسول الله التي ينبغي أن نربي عليها أبائنا أن نعلمهم أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” المرء مع من أحب” [3]. كيف سيعيش الطفل لو علَّمناه هذه المعاني؟ نقول له: أنت تحب رسول الله؛ إذا أنت ستكون مع رسول الله، ونخبره قصة الصحابي الذي جاء لرسول الله وسأله متى الساعة يا رسول الله؟ قال:”ما أعددتَ لها؟” قال ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: “أنت مع من أحببت” [4]

قال سيدنا أنس بن مالك: مافرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بهذا .

جاء أعرابي جهوري الصوت قال: يا محمد الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” المرء مع من أحب” [5]

تاسعًا: إن الله عزوجل وصف رسوله بأنه على خلق عظيم فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم )[القلم 4]  فيجب توضيح هذا المعنى للصغار، ونوضح لهم مظاهر العظمة، ومظاهر القدوة في الأخلاق المحمدية، ونوضح لهم أنه لا يوجد شخص يحبونه إلا وفيه شيء من الكمال، وفيه الكثير من النقص، سواء كان شخصًا مرموقًا، أو غير ذلك،  إلا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فإن زوايا حياته كلها مضيئة، ولا يوجد أي زاوية فيها نقص. وكذلك لا يوجد شخص إلا وفيه بعض النقاط المَخْفِية لا يعرفها الناس؛ كقضايا الزوجية، والعمل والقضايا المالية، وفترة الطفولة والمراهقة والشباب، إلا رسولَ الله فلا يوجد شيء خفيٌ علينا من حياته ،فلا يوجد في حياته دوائر حمراء لا يطلع عليها أحد، ودوائر خضراء يسمح بمعرفتها؛ بل بالعكس فنحن نعرف عن رسول الله في علانيته كما نعرف في سريرته، نعرف عن حياته في العبادة، كما نعرف عن حياته الزوجية الخاصة؛ وذلك لأن الله تعالى اختاره ليكون قدوة لنا فلا يوجد نقاط حمراء في حياته لا نعرفها. لا يوجد سطر محذوف في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن حياة رسول الله كلها نوركما وصفه الحق سبحانه: وإنك لعلى خلق عظيم …فيجب أن نربي أبنائنا على فهم هذه المعاني التي تغرس المحبة في قلوبهم.

عاشرًا: لأن الله شبهه بالنور المبين فحياتنا ظلام أضاءها نور رسول الله فينا. قال تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) [المائدة15]

الحادي عشر: لأن حبنا لرسول الله وإيماننا به سبب ورودنا على حوضه، فنخبر أولادنا أننا سنرد على حوض رسول الله لنشرب من يده شربة هنيئة لا نظمأ بعدها[6]

 هذه الحقائق ما ينبغي أن تغيب عن أبنائنا، ومن الخطأ الجسيم في التربية عدم تعريف الولد بها؛ فنقول لولدنا: كيف ستجيب رسول الله لو عاتبك على ترك أدب من آدابه؟! فنحرك في الولد الحياء من رسول الله، وندفع فيه الدوافع لما يسُرُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غدًا.

الثاني عشر: لأن رسول الله هو اللبنة التي تمّم الله بها بعثة الأنبياء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثلي، ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية  فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون هلاَّ وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين” [7]

مهمة: أولادنا يبحثون عن مَثَلٍ أعلى، وقدوة يقتدون بها، والناشئة عندما فقدت المثل الأعلى الكامل؛ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم حل محله البدائل، وحلت شخصيات مزيفة يقلدها أبناؤنا، وترفضها تقاليدنا، وتعاليم ديننا …السبب: هو أنهم وجدوا شيئًا من الكمال في تلك القدوات فهذا ممثل بارع، وذاك لاعب كرة قدم ناجح وتلك..هل هؤلاء قدوة أبنائنا ؟! إذًا لِمَ لا نوضح لأبائنا من هو قدوتهم؟

 مثلًا: نقول في البيت، وبشكل متكرر: نفعل هذا لأن رسول الله فعله، ونحب هذا لحب رسول الله له. كلما تحركنا في البيت نقول: هكذا فعل رسول الله، ونشرح بعض الحكم لهذه الأفعال.

كيف سيكون حال أبنائنا وهم يتذكرون قدوتهم في كل شيء، في أخلاقه، ومعاملته، و في مأكله إذا هم أكلوا، و مشربه إذا هم شربوا، وملبسه إذا هم لبسوا، وجلوسه إذا هم جلسوا؛ فيسري حال النبي فيهم  أنه قدوتهم في كل أمورهم؛ فيصل الولد لحد أن يقول هو بنفسه كلما فعل ما كان يفعله رسول الله: هكذا كان رسول الله يفعل.

اللهم إنا نسألك أن تُسْكن قلوبنا، وقلوب أبنائنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم

اللهم وفقنا لمحابك وألهمْنا مراشد الصواب والهداية

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

_____________

[1]: البخاري من حديث انس بن مالك كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان حديث (16)

[2]: البخاري عن أبي هريرة (6304)

[3]: البخاري عن عبد الله بن مسعود برقم (5716)

[4]: مسلم في البر والصلة والآداب باب المرء مع من أحب رقم(2639)

[5]: سنن الترمذي من حديث صفوان بن عسال برقم (2387)

[6]: ينظر مسلم برقم (2300)، البخاري (5/33)

[7]: البخاري عن عبد الرحمن بن صخر برقم (3535)

المقالة العاشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: اختلاء النبي في غار حراء

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. كانت روح محمد تستشرف الحق، وتكدح في سبيله، أعطى ظهره لأصنام قومه، واستدبر كل ما تموج به مكة: من صخب، ولهو، ومجون، وراح يتتبع أقدام أبيه إبراهيم، ويضرع إلى الله في إخبات الصديقين، أن يهديه إلى تراث ذلك الأب الجليل؛ ليعبد خالقه العظيم عبادة صافية من تلك الشوائب التي لحقت عبادة الآخرين.

ولعلها مقدمات التهيئة؛ لحمل رايته وشعلته التي ينير بها الحياة في غسق تلك الظلمات الرهيبة، سيما وأن النُّبُوءَاتِ برسول يخرج في هذه الأمة تملأ الزمان والمكان. ولِمَ لا يكون محمد هو النبي المنتظر الذي بشرت به الكتب المنزلة من السماء؟ أليس هو اليتيم الذي عزفت عنه مرضعات بني سعد، وما إن حملته مرضعته حليمة إلى رحالها حتى حلت البركة في كل شيء له صلة بها؟ أليس هو الذي شُقَّ صدرُه في طفولته وأخرج منه حظ الشيطان؟ أليس هو الذي كان يُسَلِّمُ عليه حجرٌ في مكة لا يزال يذكره ولا ينساه؟ أليس هو الذي كانت تظلله الغمامة وحده من بين أصحابه؟ أليس هو الذي عندما وَضَعَ إزارَه على رقبته يحمل عليه الحجارة فيما يلعب به الغلمان إذْ لَكَمَه لَاكِمٌ لَكْمَةً وَجِيعَةً قائلا شُدّ عَلَيْك إزَارَك؟ أليس هو الفتى الذي لم يكد بحيرى الراهب يبصره، ويتعرف على صفاته، حتى ملأ الجو تسبيحا وتمجيدا؟ وخاف عليه من غدر اليهود؟ أليس هو الذي حُبِّبَتْ إليه الخلوة، فكان يشد رحاله إلى غار حراء، يقضي فيه كل عام شهرا، يتعبد فيه حيث الهدوء المفرط، ثم أخذت سمات النبوة تلقي عليه مخايلها، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، ولمَّا قارب الأربعين من عمره المبارك لم تعد تكفيه خلوة شهر في العام، بل راح يقسم أيامه بين داره في مكة وبين منسكه في الغار، وهكذا حتى جاء وقت الاصطفاء، ودَقَّتْ ساعاتُه الماجدة، ونزل عليه الأمين جبريل. صدق من قال ما بعد الخلوة إلا الجلوة؛ فالخلوة تهيء للارتقاء في سلم درجات العبودية، ومن دون خلوة لا يترقى العبد مهما كان متحليا بالفضائل، وحكمة ذلك أن للنفس آفاتٍ كالكِبْرِ، والعُجْبِ، والحسد، والرياء، لا يقطع شرتَها إلا العزلةُ عن الناس، والتفكر في مظاهر عظمة الله، وفي اليوم الآخر وأهواله، وفي رهبة الحساب وطوله، وفي عظيم رحمة الله وعظيم عقابه. فحينئذ تنداح تلك الآفات اللاحقة بالنفس، ويحيا القلب، ويشرق بنور المعرفة.

 وشيء آخر من الأهمية بمكان هو تربية محبة الله في القلب التي هي منبعُ كل تضحية في سبيل الله، ولا تأتي المحبة إلا بكثرة التفكر في آلاء الله ونعمه، والتأملِ في جلاله وعظمته، والإكثارِ من ذكره بالقلب واللسان. ولا يكون ذلك إلا بالخلوة، التي تُنْبِتُ في قلبه محبةً إلهيةً عارمةً، تجعله يضحي في سبيل الله بكل غال وثمين. وقد تنبه الربانيون إلى أهمية الخلوة في حياة المسلم، قَالَ عُمَرُ بن الخطاب: خُذُوا حَظَّكُمْ مِنَ الْعُزْلَةِ.

والخلوةُ لا تعني الانصرافُ الكلي عن الناس، والانقطاعُ المطلق عن الحياة، واتّخاذُ الكهوف والجبال موطنا، واعتبارُ تلك فضيلة بحدّ ذاتها؛ إنما الخلوة تكون أشبه شيء بالدواء يؤخذ بقدر وعند اللزوم؛ علاجا لمرض وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه. وإذا رأيت في الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس، فَمَرَدُّ ذلك إلى حالة خاصة به، وليس عمله حجة على غيره.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المحاضرة الثانية عشر من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: الولد من العاشرة للرابعة عشرة الجزء الأول: مزايا هذه المرحلة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

فنحن اليوم مع المرحلة الرابعة من مراحل يمر بها الولد، وهي المرحلة من السنة العاشرة للسنة الرابعة عشرة من عمره.

كما تعودنا في المحاضرات السابقة أن نقسم المحاضرة إلى قسمين، القسم الأول: نبين فيه مزايا هذه المرحلة؛ لنعرف من خلال ذلك ماهي الطريقة الأنجع للتعامل مع الولد، والتي هي عنوان القسم الثاني من المحاضرة.

مزايا هذه المرحلة:

  1. هذه المرحلة انتقالة، وقنطرة بين مرحلة الطفولة، وبداية مرحلة الرجولة ففيها يودع الطفل الطفولة ويبدأ باستقبال أيام الرجولة.

مهمة:

  1. ربما يستغرب بعضهم كيف نقول مرحلة الرجولة في سن الرابعة عشرة؟! الجواب: نعم فهذا هو ميزان شرع الله جل وعز لتحديد ذلك.
  2. ابتلينا بفكرة خاطئة وهي سحب، ومد مرحلة الطفولة إلى سن الثامنة عشرة والحادية والعشرين، مع أن هذه المرحلة من المراحل الخطيرة جدًا التي لو استثمرناها بشكل صحيح لحصدنا نتائج رائعة تفوق الخيال. لو نظرنا لكتاب الله عزوجل، وهو يقص علينا قَصَص فتية في هذا العمر ما نزال حتى يومنا هذا نأخذ منها الدروس والعبر.

القصة الأولى: قصة أصحاب الكهف التي ذكرها بيان الله عزوجل فقال: } نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى{ [الكهف 13 ]. إنهم فتية في سن مبكرة لم يكونوا في سن الأربعين، ومع ذلك ضربوا أروع الأمثلة في الحفاظ على الحق والثبات عليه.

القصة الثانية: قصة الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود: فقد  روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  “كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر – يعني الساحر- قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان في طريقه إذا سلكَ راهبٌ ( كان في طريق الغلام إذا سلك إلى الساحر راهبٌ).

 فقعد إليه وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه  لأنه يتأخر عن موعد الدرس – درس السحر- .

 فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابةٍ عظيمة قد حبَست الناس، فقال: اليوم أَعلَم الساحرَ أفضلُ أم الراهبَ أفضلُ؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة؛ حتى يمضي الناس، فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لَكَ أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شِقّاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور(قارب) فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق.  رواه مسلم برقم(3005).

إن الغلام الذي فعل ما فعل هو في سن أولادنا الذين ننظر إليهم على أنهم أطفال؛ فما ينبغي النظر للناشئة في هذا السن على أنهم مجرد أطفال بل هم في الحقيقة قنطرة الطفولة إلى الرجولة.

  1. يلاحظ في هذه المرحلة النمو العقلي الواضح للولد والقدرة على الاستيعاب والدقة في الملاحظة، ولكن مع نقص في الخبرة.

مهمة: نقص الخبرة معناه نقص التعليم فلو علمنا الولد فإنه يتعلم.

  1. يلاحظ في هذه المرحلة الحاجة النفسية للولد لتحقيق نجاحات خاصة في حياته، وإبراز شخصيته بشكل مستقل، ويحب القيام بأعمال تنسب إليه.
  2. يلاحظ في هذه المرحلة حرص الولد على البعد الاجتماعي (صارت له علاقات اجتماعية)، والحرص على إقامة هذه العلاقات بعيدًا عن هيكلية الأسرة، فهذه العلاقات ماينبغي حرمان الولد منها، ولكن علينا أن نراقبها، ونتفاعل معه فيها.
  3. يلاحظ في هذه المرحلة ظهور طبقة الأصدقاء الذين يحرص الطفل على استرضائهم، والأخذ بنصائحهم، ويبدأ تأثير الأهل بالضعف (لم تعد سيطرة الوالدين على الولد كما كانت في السابق).
  4. يلاحظ ميل الولد للاستقلال الاقتصادي خصوصًا إذا كان يحصل من الأسرة بعض الضغط بسببه… فقد يستنكف الولد عن الدراسة، ويرفضها ويتجه فكره للعمل لكسب المال .. يريد أن يبحث عن طرق بديلة للحصول على مصروفه الخاص.

مهمة: بعض الآباء يرى ابنه في هذا السن يتجه لسوق العمل لكسب المال(مع تركه للدراسة) فيتغاضى عن هذا الخلل الكبير في التربية، بل يبدأ الوالدان بالثناء على الولد، ووصفه بأنه صار رجلًا في بيته؛ وبالتالي فهذا سيشعر الولد بأنه كلما حقق نجاحًا ماليًا أكثر فإنه يحقق نجاحًا اجتماعيًا أكبر..وهذا خلل مابعده خلل.

  1. يلاحظ في هذه المرحلة القوة الواضحة في التكوين الجسمي للولد فينبغي استغلال هذه القوة في الأعمال النافعة؛ فجسمه مليء بطاقة يستفاد منها.

مهمة: بعض الآباء يرزقهم الله طفلًا في سن متأخرة من العمر والوالدان في هذا السن يميل مزاجهما للهدوء، وعدم الحركة، وهذا يتعارض مع حالة ولدهم فهو ميال للحركة، وفرط النشاط؛ لهذا يجب إعطاء المجال للولد لتفريغ الطاقة المكنونة في داخله وإلا فإنه سيفرغها إما بالمشاجرات مع إخوته داخل البيت أو بمناكفة أمه على أقل تقدير.

  1. المراهقة هي المرحلة القريبة من سن البلوغ، وهي من أخطر المراحل ،وأكثر المسائل تشويشًا في عالم الطفل.

مهمة:

  1. بعض الآباء كلما أخطأ ولدهم برر خطأه بأنه مراهق، وكأن المراهقة مرحلة لتسويغ كل خطأ.
  2. من تعريف المراهقة ندرك أنه لابد للمراهقة من توجيه مغاير لتوجيهات المراحل السابقة لها فينبغي التعامل معها بحذروقدرة على الاستيعاب شديدين وإلا فإن الولد سيذهب لغير والديه ويعطي لهم أسراره ومايشعربه في حال وجد راحته وسكينته عند غيرهم.
  3. لم يعد الطفل في هذه المرحلة أداةً لتنفيذ الأوامر فقط فهذا بالنسبة له أمر شاق جدًا وسيصطدم الوالدان بمعاني البر المرجوة من ولدهم، وسلوكه في عصيانه الأوامر، وعناده؛ فعلى الوالدين فهم نفسية ولدهم ومايمر به من مراحل التغيير، وان يتذكرا مارواه سيدنا علي: “رحم الله والدًا أعان ولده على بره”.

والآن بعد أن ذكرنا خصائص هذه المرحلة ننتقل للحديث عن الوسائل التربوية الصحيحة المناسبة لها، وهذا ما سنتحدث عنه في المحاضرة القادمة.

اللهم وفقنا لمحابك والهمنا مراشد الصواب والهداية

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

_