المبحث السابع من الفرق بين «فوق» و«من فوق» في اللفظ القرآني، بحث تفصيلي للشيخ علي هاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المبحث السابع: الفرق بين {وراء} و{من وراء}
(من وراء) وردت مع (من) عدة أربعة وعشرين موضعا، جاءت مع (من) في اثني عشر موضعا أربعة منها بمعنى والثمانية الباقية بمعنى آخر، وهذا ن المعنيان ناشئان من معنى الابتداء؛ لأن (من) لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء، ثم تتولد معان فرعية أخرى فدخول (من) يأتي على معنيين:
المعنى الأول: تجتمع فيه أربع آيات:
الآية الأولى: {{فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} (33/53).
الآية الثانية: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)} (59/ 14).
الآية الثالثة: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)}.
الآية الرابعة: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)} (49/ 4).
فهذه الآيات الخمس القول فيها ما قاله الكشاف في سورة الحجرات عند قوله تعالى {من وراء الحجرات}: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)} (49/ 4)
قال الزمخشري:” (الوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و(من) لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان فإن قلت: ما فرق بين الكلامين بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه.قلت: الفرق بينهما أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول من مبتدأ الغاية.ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار.لا يريد وجه الدار ولا دبرها، ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقاً بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة “.

فالحاصل من كلام الزمخشري: أن (من) هي التي تشير إلى أن المنادى والمنادي في جهتين مختلفتين لأن مبدأ النداء ومنشأه من الوراء، ولو أسقط (من) فقيل {ينادونك وراء الحجرات} لما كان هناك ما يمنع أن يكون المنادى والمنادي في جهة واحدة وراء الحجرات، فلا يكون حينئذ في ندائهم ما يدعو إلى الإنكار عليهم “. قال محمد الأمين الخضري: وهذه بديعة أخرى من بدائع الكشاف في {ينادونك من وراء الحجرات} حيث إن الذي تنكره الآية من الأعراب الذين نادوا الرسول هو أنهم نادوه من جهة بعيدة غير الجهة التي فيها الرسول مما استدعى أن يرفعوا أصواتهم على طريقة أجلاف البادية دون مراعاة لمقام من ينادونه و(من) هي التي تشير إلى أن المنادى والمنادي في جهتين مختلفتين لأن مبدأ النداء ومنشأه من الوراء ولو أسقط من فقيل {ينادونك وراء الحجرات} لما كان هناك ما يمنع أن يكون المنادى والمنادي في جهة واحدة وراء الحجرات فلا يكون حينئذ في ندائهم ما يدعو إلى الإنكار عليهم ” قال ابن عاشور: و{من} للابتداء، أي ينادونك نداء صادراً من وراء الحجرات فالمنادون بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا وراء حجراته فالذي يقول: ناداني فلان وراء الدار، لا يريد وراء مفتح الدار ولا وراء ظهرها ولكن أيَّ جهة منها وكان القوم المنادون في المسجد فهم تجاه الحجرات النبوية، ولو قال: ناداني فلان وراء الدار، دون حرف {مِن}، لكان محتمِلاً لأن يكون المنادي والمنادَى كلاهما في جهة وراء الدار، وأنَّ المجرور ظرف مستقر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ولهذا أوثر جلب {مِن} ليدل بالصراحة على أن المنادَى كان داخل الحجرات لأن دلالة {مِن} على الابتداء تستلزم اختلافاً بين المبدأ والمنتهَى كذا أشار في « الكشاف »، ولا شك أنه يعني أن اجتلاب حرف {مِن} لدفع اللبس.
قال البيضاوي: ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها الدلالة على أن المنادي داخل الحجرة إذ لا بد وأن يختلف المبتدأ والمنتهى بالجهة”.
قال البقاعي: والحال أن نداءهم إياك كائن {من وراء} إثبات هذا الجار يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان داخلها، ولو سقط لم يفد ذلك، بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على حد سواء، وذلك بأن يكون الكل خارجها
يقول علي هاني: ويمكن إضافة معنى القرب أيضا لأن النداء نشأ من وراء الحجرات وهذا فيه جلافة أكثر وعدم رعاية الحرمة.

*********************************

وكذلك يقال في الآية الثانية وهي قوله تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} (33/53)
قال محمد الأمين الخضري: يؤيد ما قاله الكشاف في سورة الحجرات ـ قوله تعالى {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} حيث جاءت (من) دالة على وجوب أن يكون الحجاب فاصلا بينهم وبين أزواج الرسول ولو سقطت من لصح أن يكونوا معهن في جهة واحدة وراء الحجاب”
قال البقاعي: كائنين وكائنات {من وراء حجاب} أي ستر يستركم عنهن ويسترهن عنكم قال ابن عاشور: و{من وراء حجاب} متعلق ب {فاسألوهن} فهو قيد في السائل والمسؤول المتعلق ضميراهما بالفعل الذي تعلق به المجرور.و {من} ابتدائية.والوراء: مكان الخلف وهو مكان نسبي باعتبار المتجه إلى جهة، فوراء الحجاب بالنسبة للمتجهين إليه فالمسؤولة مستقبلة حجابها والسائل من وراء حجابها وبالعكس.

***********************************

وكذلك يقال في الآية الثالثة قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)} (59/ 14)
قال محمد الأمين الخضري: ومثل ذلك {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} فـ(من) هذه هي التي كشفت عن جبنهم وضعف بأسهم فهم لا يقاتلون إلا إذا كانت الجدر بينهم وبين عدوهم حاجزا يمنع من الوصول إليهم ولا يخرجون إلى عدوهم وراءه هذه الجدر وهو ما يمكن أن يفهم بدون من”.
قال الزمخشري: {أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ} دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم، لقذف الله الرعب في قلوبهم، وأن تأييد الله تعالى ونصرته معكم.
قال البقاعي: {أو من وراء جدر} أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم
قال أبو حيان: أو من وراء جدار يتسترون به من أن تصيبوهم.
قال النيسابوري: {أو من وراء جدر} لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية

*******************************

وكذلك يقال في الآية الرابعة وهي قوله تعالى في سورة الشورى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)} (42/51)
قال الزمخشري:” وقوله: {من وراء حجاب} مَثَلٌ، أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه، وهو من وراء حجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم الله موسى ويكلم الملائكة. ومن وراء حجاب: ظرف واقع موقع الحال أيضاً، كقوله تعالى: {وعلى جُنُوبِهِمْ} والتقدير: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً، أو مسمعاً من وراء حجاب، أو مرسلاً “.

*****************************

المعنى الثاني: لدخول (من):
جاءت (من) في ثمانية آيات بمعنى واحد:
الآية الأولى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)}11(/71)
الآية الثانية: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} (4/102)
الآية الثالثة: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)} (14/16)
الآية الرابعة: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}(14/17).
الآية الخامسة: {مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا} (45/10).
الآية السادسة: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} (23/100).
الآية السابعة: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)}.
الآية الثامنة: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)}.
فهذه الآيات الثمانية: يقال فيها ما أخذناه في (من فوق، من تحت) ونحوها فهي تفيد ثلاثة معان:
المعنى الأول: الابتداء وبيان مبدأ جهة الشيء أي الشيء مبتدئ من كذا.
المعنى الثاني: على القرب الشديد بلا فاصل.
المعنى الثالث: وفيها التأكيد.
أما الآية الأولى، وهي قوله تعالى {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)} (11/71) فهي تفيد كونها كون البشرى سريعة التحقق مباشرة كأن هذا يكون من وراء ذلك ليس هناك فاصل بعيد سيولد إسحاق وعن قريب يولد يعقوب وكل قرب بحسبه، وهنا تقريب للزمن وتقليل مناسبة للبشرى وتفيد ثالثا توكيد البشرى.
قال الزمخشري كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده.
قال الطبرسي: (ومن وراء إسحاق يعقوب) يعني ومن بعد إسحاق يعقوب.
قال الطباطبائي وقوله: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب} إسحاق هو ابنها من إبراهيم، ويعقوب هو ابن إسحاق (عليه السلام) فالمراد أن الملائكة بشروها بأنها ستلد إسحاق وإسحاق سيولد له يعقوب ولد بعد ولد.

****************

وأما الآية الثانية: في الضمير في {فليكونوا} قولان: الأول:للقائمين معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموه فلينصرفوا للحراسة، والقول للثاني: الضمير يرجع للطائفة الأخرى أي إذا سجد الرجال الذين قاموا معك للصلاة فليكن الرجال الآخرون الذين ليسوا في الصلاة من ورائكم لحمايتكم.
وعلى القولين (من) تدل على أن عليهم أن يصيروا خلفكم مصافي العدوّ للحراسة في مقابلة العدو في مكان قريب يحفظ ويحمي بحيث لا ينفذ العدو، لأن الحراسة تقتضي القرب من المحروسين وحياطتهم حامية لظهوركم، مانعة نزول الأذى بكم، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأن من لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء.

****************

وأما كل من الآية الثالثة والرابعة والخامسة وهي قوله تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16} (14/ 16).
{يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}(14/17).
{مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا} (45/10).

والوراء: اسم لما توارى عن العين.
سر التعبير بـ(وراء) تشمل معنيين من كلمة (وراء) ومعان من الحرف من كلها مقصودة:
1)فيه تعقب شيء شيئاً وملازمة طلب شيء شيئاً فيستعار له (الوراء)، كلّ ذلك تشبيه بالكائن خلف؛ لأنها كشيء يتبعهم من خلف لا يلبث أن يتصل بهم.
كقول لبيد: أليس ورائي إن تراختْ منيت لزُوم العصا تُحنى عليها الأصابع
وكأنَّ جهنَّم تلاحق وتتبع المذنبين والكفار؛ ولا يفوتونها فهم سيقعون فيها!
ووجه ذلك أن جهنم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه لذا فقد استخدمت كلمة وراء حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها.. ” ففيها معنى الطلب كما يطلب الغريم غريمه (لا مفر منه طالباً له).نحو {إن جهنم لبالمرصاد}.
2) تدل على انه واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر ولا يظن أنه يصيبه لأنه لا يراه لأنه من ورائه
فهو واقع في عذاب جهنم وهو لا يشعر لأنه لا يراها؛ لأنها من ورائه ولا يتقيها لأنه في غفلة عنها، وعبر عن غفلته عنها بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أن يتبوأها، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه، كقوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [سورة الكهف: 79]، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لافتك سفينتهم.
قال البقاعي: ثم أتبعه ما هو كالدليل على خيبته من أن سيره 5 إلى ما أمامه من العذاب، فهو واقع فيه لا محالة وهو لا يشعر، وعبر عن غفلته عنه بقوله: {من ورائه جهنم} أي لا بد أنه يتبوأها”
قال سيد قطب: ولفظ (من ورائهم)مقصودة ظلاله فوق معناه.وظلاله.. أنهم لا يرونه لأنه من ورائهم ولا يتقونه لأنهم في غفلة عنه؛ ولا يفوتهم فهم سيقعون فيه!.\
ابن عاشور: “جملة {من ورائهم} بيان لجملة {لهم عذاب مهين}.وفي قوله: {من ورائهم} تحقيق لحصول العذاب وكونه قريباً منهم وأنهم غافلون عن اقترابه كغفلة المرء عن عدوّ يتبعه من ورائه ليأخذه فإذا نظر إلى أمامه حسب نفسه آمناً.ففي الوراء استعارة تمثيلية للاقتراب والغفلة، ومنه قوله تعالى: {وكان وراءهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة غصباً} [الكهف: 79]، وقول لبيد:
أليسَ ورائي إنْ تراخت منيتي *** لُزومُ العصا تُحنى عليها الأصابع
ومن فسر وراء بقُدّام، فما رعَى حق الكلام”.
يقول علي هاني: “وذكر (من) يدل على شدة القرب ولصوق جهنم والعذاب، وأنها لا محالة واقعة بهم، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء”.

*****************

{مَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)}
الأصل أمامهم لكن استعار كلمة الوراء تشبيها بالكائن خلف شيء لا يراه، فالملك من ورائهم لا يتقونه لأنهم في غفلة عنه، فالاستعارة بجامع الغفلة عن الحصول كالشيء الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لأخذ سفينتهم، فاستعمال {وراء} بدون (من) لأن المراد أولا بيان جهة الملك أنه في جهة الوراء، وأنه لا مهرب منه حيث إحاطة جنوده بالأماكن كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم.
وثانيا: لأنه ليس المراد الملاحقة والتتبع كما في {من ورائهم جهنم} بل كون جنود الملك في جهة مرورهم في جهة الأمام المخفية عنهم كلما مرت سفينة أخذوها، ولأنه لم يكن قريبا منهم قربا كبيرا بدليل أنهم لم يشعروا به فلذلك قال وراءهم، وهذا من دقائق الفروق القرآنية، ويؤيد هذا كلام العلماء: قال المفسرون أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده
قال السعدي أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكل سفينة صالحة تمر عليه ما فيها عيب غصبها وأخذها ظلما.
قال البقاعي: {وكان وراءهم} أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم وواروها، وفسره الحرالي في بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماماً في المكان ” اهـ.
قال الطباطبائي: وقوله: {و كان وراءهم ملك} وراء بمعنى الخلف وهو الظرف المقابل للظرف الآخر الذي يواجهه الإنسان ويسمى قدام وأمام لكن ربما يطلق على الظرف الذي يغفل عنه الإنسان وفيه من يريده بسوء أو مكروه وإن كان قدامه.
قال الفخر الرازي: وتحقيقه أن كل ما غاب عنك فقد توارى عنك وأنت متوار عنه، فكل ما غاب عنك فهو وراءك وأمام الشيء وقدامه إذا كان غائبا عنه متواريا عنه فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه.
وبما تقدم يظهر الفرق الدقيق بين {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} وبين {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)} {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)} [1].

*****************

{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)} (19/ 5)
و {الموالي} بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب،
فيتعلق الظرف بما تضمنَّه المَوالي مِنْ معنى الفِعْلِ، أي: الذين يَلُوْن الأمرَ بعديلكن استعمال ورائي تشعر لأني سأموت ولا أرى ما يفعلون: أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بوليّ يرزقه فهم الولاء يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته ويبدلوا عليهم دينهم. بعد موتي أي خِفتُ الذين يلون الأمرَ من ورائي خفت فعل الموالي من ورائي أو جور المولى
ولا يتعلق ب ” خَفْتُ ” لفسادِ المعنى الأقارب أن يسيئوا الخلافة
يقول علي هاني: من للابتداء فهم سيلون الأمر مباشرة من بعده ويفسدون فالابتداء يدل على ذلك ويدل على خوفه عليه السلام على أي إفساد من خلفه مباشرة فما بعد لأنهم إذا ولو بعده مباشرة فسيفسدون مباشرة.
وحملها البقاعي على التبعيض البقاعي {من ورائي} أي في بعض الزمان الذي 8 بعد موتي أي خفت الموالي من بعد موتى أن يجوروا في أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي.
يقول علي هاني ما ذكره البقاعي في الحاصل يعود لما ذكرته لأن الحاصل استغراق خوفه من أول لحظة فما بعدها وإذا خاف أن يفسدوا ولو بعض وقت فقد خاف أي إفساد وهذا عموم

**********************

وأما الآية السادسة: وهي قوله تعالى: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (23/100)، فهي كالآيات الثلاثة السابقة في معنى الوراء:
البرزخ: هو الحاجز والحائل القوي المخلل بين الشيئين الذين يكتنفانه ويحيطان به غير ظاهر، ولذلك استعمل البرزخ فيما يكون غير مرئي كما في هذه الآية الكريم وفي {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53} {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20} والكلمة تدل على أن فيه حجزا قويا كأن أصله البراز وهو المكان المتسع والخاء للمبالغة والتخلل فكأنه منطقة واسعة حجزت بحيث لا يمكن الرجوع، وليس الملاحظ في آية {ومن ورائهم برزخ} الاتساع ولكن قوة الحجز، والبرزخ يدل أيضا على أن الشيء المتوسط لا من صريح هذا ولا من صريح فالبرزخ هنا ليس الدنيا الخالصة ولامن الآخرة الخالصة ولا هو خارج عنهما بل هو بين بين، وهذا التعريف للبرزخ مستخلص من كلام العلماء المنقول في الهامش[1] .
فمعنى الآية: حاجز وحائل قوي يحجُز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا يلاحقهم ويتبعهم ويحيط بهم لا يستطيعون الفكاك منه، مستمر لا يقدر أحد على رفعه، يستمر هذا البرزخ الحاجز إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من الرجوع حاجزة عن الاجتماع،،وهذا إقناط كلي من الرجوع فلقد قضي الأمر، وانقطعت الصلات، وأغلقت الأبواب، وأسدلت الأستار.
وذكر (من) يدل على شدة القرب ولصوق،، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء”.
قال ابن عاشور: والوراء هنا مستعار للشيء الذي يصيب المرء لا محالة ويناله وهو لا يظنه يصيبه.شبه ذلك بالذي يريد اللحاق بالسائر فهو لاحقه، وهذا كقوله تعالى {والله من ورائهم محيط} [البروج: 20] وقوله {ومن ورائهم جهنم} [الجاثية: 10] وقوله {من ورائهم عذاب غليظ} [إبراهيم: 17].وتقدم قوله: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [الكهف: 79].
وقال لبيد:
أليس ورائي أن تراخت منيتي *** لزوم العصا تُحنى عليها الأصابع
ومعنى {إلى يوم يبعثون} أنهم غير راجعين إلى الحياة إلى يوم البعث.فهي إقناط لهم لأنهم يعلمون أن يوم البعث الذي وُعدوه لا رجوع بعده إلى الدنيا فالذي قال لهم {إلى يوم يبعثون} هو الذي أعلمهم بما هو البعث.
قال الطباطبائي: المراد بكونه وراءهم كونه أمامهم محيطا بهم وسمي وراءهم بعناية أنه يطلبهم كما أن مستقبل الزمان أمام الإنسان ويقال: وراءك يوم كذا بعناية أن الزمان يطلب الإنسان ليمر عليه وهذا معنى قول بعضهم: إن في وراء معنى الإحاطة، قال تعالى: {و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}: [الكهف: 79].

*****************

وأما الآية السابعة، وهي قوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)}(85/ 20)
فذكر (من) يدل على شدة القرب والإحاطة كالمحاصر المحاط به من جوانبه، قد سدت عليهم الجوانب، وأنهم في قبضة القدرة لا يفلتون ولا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به، وهذا المعنى مأخوذ من الابتداء منهم بلا فاصل؛ لأنها لابتداء الغاية في أول أمكنة الوراء مع التأكيد، وكلمة وراء تفيد أيضا أنهم في غفلة عنه، وهو لا يعلم.
قال البقاعي:{من ورائهم} أي من كل جهة يوارونها أو تواريهم، وذلك كل جهة {محيط *} فهو محيط- بهم من كل جهة بعلمه وقدرته، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما أنه لا يفوت من صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع، فهو سبحانه قادر على أن يحل بهم ما أحل بأولئك، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة الفرار من المصائب “.
ثانيا: وراء من غير (من) وردت في اثني عشر موضعا:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} (2/91)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)(2/101)
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)}(3/187).
{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (4/24).
{وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)} (6/ 94)
وكذلك {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)} (11/92)

وكذلك {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} (23/ 7)
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} (70/ 31)

{قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ} (57/ 13)

{إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) (76/ 27)

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10)} (74/ 10)
تستعمل حيث لا يكون النظر إلى أن شيئا ناشئ أو مبتدئ من شيء آخر، وإنما شيء وراء شيء، فهي جهة واحدة وهي جهة الوراء مع عموم، وكذلك إذا لم يكن المراد أنه يوجد حجاب يكون شخص في جهة منه والثاني في جهة أخرى.

*************************

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} (2/91)
استعمال وراء هنا ليدل على أنهم لا يرون أمام أعينهم إلا التوراة ويكفرون بما عدا ذلك كفرا مستمرا كائنا ما كان، والمراد الأصلي بما كفروا به هو القرآن الكريم لأن السياق له وقيل: القرآن والإنجيل، وحذف (من) هنا لأنه ليس المراد أنه يوجد حجاب وكل واحد في جهة وليس المراد أن شيئا ناشئ عن شيء بل المراد جهة الوراء ثم العموم فهم يكفرون بكل ما سواه ولا يرونه ولا يلاحظونه بل نظرهم في زعمهم للتوراة فقط فهي في نظرهم كالشيء العالي العظيم الذي لا يرى غيره ولا ينظر لغيره لأن الوراء ما لا يناله الحس، فالمراد بما وراءه في الآية ما عداه وسواه وغيره كما يقال للرجل يتكلم بالحسن:ما وراء هذا الكلام شيء يراد به،، والمقصود بهذا الغير هنا خصوص القرآن بقرينة السياق لتقدم قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} ولتعقيبه بقوله: {وهو الحق مصدقاً}.

***********************

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}(2/101).
{نبذ} أي رمى رمي استخفاف قال الزمخشري: {كتاب الله} يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها “:.
(وراء ظهورهم)، مثل لتركهم وإعراضهم عنه رأسا،، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه لأن ما يجعل ظهرياً لا يرى ولا يلتفت إليه ولا يعتد به لأنه قد زال النظر إليه جملة، والعرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة
واستعمال الوراء دون من وراء لأنه ليس المراد أن الرمي كان من جهة الوراء بل الرمي كان في جهة الوراء وأيضا تدل على قوة عدم الاعتداد والرمي في جهة الوراء ويزيد هذا المعنى أنه لم يقل وراءهم قال ابن عاشور: وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بُعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء.قال ابن عرفة: المراد بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراءِ وراء.
وكذلك يقال في {وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)} (3/187).
وكذلك {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)} (6/ 94) لكن هذا الترك ليس عن اختيارهم قال الزمخشري: {وَرَاء ظُهُورِكُمْ} لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيراً ولا قدّمتموه لأنفسكم قال الفخر الرازي: فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ينتفع به
وكذلك {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)} (11/92)
فالاتخاذ أخذ الشيء لأمر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت واتخاذ المركوب، والظهري: جعل الشيء وراء الظهر، قال الزمخشري ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهريّ: منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب قال البقاعي: أي أعرضتم عنه إعراض من جعل الشيء وراءه؛ وحقق معنى الوراء بقوله: {ظهرياً} أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم المنسي عندكم الذي لا يعبأ به، ولم تراقبوه فيّ لنسبتي إليه بالرسالة والعبودية.

***********************

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (4/24)
استعمال الوراء لأن المراد بيان عظمة هذه المحرمات بحيث أنه يجب عدم تعديها بالزواج بواحدة منها وأن ما خلفها هو المباح فالتركيز على الوراء وليس المراد أن الإحلال م ناشئ أو مبتدئ من الوراء، قال البقاعي: وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: {ما وراء ذلكم} أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة.قال ابن عاشور: والمعنى: أحلّ لكم ما عَدا أولئكم المحرّمات
وكذلك {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} (23/ 7)
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} (70/ 31)

**********************

{قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ} (57/ 13)
لأن هذا قيل على سبيل التهكم والمراد إما الرجوع للموقف أو للدنيا وعلى كلا القولين المراد الرجوع رجوعا بعيدا والمراد الإقناط والاستهزاء بهم كما فعلوا بالمؤمنين وهذا يناسبه نزع (من)، وأيضا لأنه لا يوجد حجاب نحو {ينادونك من وراء الحجرات} بل فراغ، وليس المراد ابتداء الرجوع من الوراء.
قال البقاعي: {قيل} أي لهم جواباً لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم: {ارجعوا وراءكم} أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير كما كنتم في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه اطفيش – الهميان: طرد لهم وتهكم بهم وتخييب واقناط أي ارجعوا الى الموقف حيث اعطينا النور فالتمسوا النور فيه فمنه يقتبس سيد قطب – (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا).. ويبدو أنه صوت للتهكم، والتذكير بما كان منهم في الدنيا من نفاق ودس في الظلام: ارجعوا وراءكم إلى الدنيا.إلى ما كنتم تعملون.ارجعوا فالنور يلتمس من هناك.من العمل في الدنيا.ارجعوا فليس اليوم يلتمس النور! الطباطبائي: والأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا، ومحصل المعنى: ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم وعملتم فيها ما عملتم على النفاق، والتمسوا من تلك الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو الإيمان ولا إيمان لكم ولا عمل.

***********************

{إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) (76/ 27)
حذف (من) للدلالة على إحاطة أهواله بهم من كل الجهات كما أخذنا في {رفعنا فوقهم الطور} {من ورائه جهنم} البقاعي: {وراءهم} أي أمامهم أي 5 قدامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه، أو خلفهم لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم {يوماً} أي منها.ولما كان ما أعيا الإنسان وشق عليه ثقيلاً.
قال سيد قطب: ويذرون اليوم الثقيل الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير، بعد الحساب العسير! الطباطبائي: وكون اليوم وراءهم تقرره أمامهم لأن وراء تفيد معنى الإحاطة، أو جعلهم إياه خلفهم ووراء ظهورهم بناء على إفادة {يذرون} معنى الإعراض.

***********************

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10)} (74/ 10)
قبل الكلام على توجيه حذف (من) في الآية الكريمة نأخذ الإعرابات في لفظة وراء، وهي ثلاثة
ففي (وراء) ثلاثة إعرابات:
الإعراب الأول: ظرف متعلق بـ(أوتي) أي الإيتاء مكانه في وراء الظهر خلف ظهره، قال حقي البروسوي: “ظرف لأوتي مستعمل في المكان” اهـ، تُجْعَلُ يُسْرَاهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَيَأْخُذُ بِهَا كِتَابَهُ.
حقي البروسي وأحمد الخراط.
الإعراب الثاني: أنه َظَرْفُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ كِتابَهُ. قاله ابن عاشور أي يؤتى كتابه حال كونه من وراء ظهره.
الإعراب الثالث: أنه منصوب بنزع الخافض أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره كما أعربه جماعة، وَيُنَاوَلُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره.
درويش،ودعاس، الطباطبائي.
الإعراب الأول أصح لأن الآية الكريمة تركز على أن مكان الإيتاء هو وراء الظهر،أي في خلفه: بأن تغل يمينه إلى عنقه، وتكون شماله إلى وراء ظهره[3] ، ويوضع كتابه فيها لأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فيؤتاه في الموضع الذي نبذ فيه كتاب الله في حياته، وهذه أيضا علامة الشقاوة، وهذا احتباك: ذكر اليمين أولاً يدل على الشمال ثانياً، وذكر الوراء ثانياً-يدل على الأمام أولاً، فالمرجح الإعراب الأول لأن المراد أن الإيتاء يتحصل في المكان الذي هو وراء الظهر المقابل للأمام، فالسياق يركز على هذا فكأنه قال أوتي كتابه بيمنه أمامه والآخر أوتي كتابه بشماله وراء ظهره فمكان إيتاء الكتاب هو وراء الظهر.
وقريب من الإعراب الأول الإعراب الثاني.
وأما الإعراب الثالث فلا يصح لأنه ليس المراد أن ابتداء الإيتاء يكون من وراء الظهر كما هو نص الإعراب الثالث، لأمرين: الأمر الأول: لأنه ليس التركيز على مكان ابتداء الإيتاء بل التركيز على المكان الذي يتحصل فيه الإيتاء ويستقر، والأمر الثاني: لأنه لو قيل من وراء الظهر سواء لفظا أو تقديرا، لكان تعبيرا موهما، لأنه يحتمل أن يكون مكان الإيتاء من خلف الظهر ولكن الإيتاء يحصل من الأمام بأن يكون المؤتي في الخلف ويناوله الكتاب أمامه فهذا يصدق عليه أنه آتاه من وراء ظهره، وليس مرادا، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

***********************

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

 

[1] فإن قيل: لم لا تحملون الوراء على حقيقتها فالملك كان وراءهم حقيقة، نقول: جمهور العلماء لم يحملوها على هذا، بل قالوا ولو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم قال اطفيش: والصحيح عندهم القول الثاني أي قدامهم ملك في ذهابهم وأما الأول فمشكل لأنهُ إن كان أمامهم في ذهابهم فما فائدة الإخبار بأنه خلفهم في رجوعهم وأيضاً فيأخذها حين الذهاب لا يتربص للرجوع وإن كانوا يرجعون في طريق غير الأول فيكون خلقهم فلا يكون خلفهم إلا بعد أن كان قدامهم فيأخذها إذا كانوا مستقبلية فما فائدة الإخبار بأنهُ خلفهم؟ اللهم إلا أن يقال: يأخذها بعد الإدبار لا يأخذ في عادته عند الإقبال.
[2] قال ابن فارس: الحائل بين الشيئين كأن بينهما رازا أي متسعا من الأرض ثم صار كل حائل برزخا قال محمد وسيم البكري في البكريات: الخاء يدل على التلاشي ــ ـ فهو غير ظاهر، قال التحقيق: هذه الكلمة من مادة برز وحرف الخاء في آخرها زائد يدل على المبالغة ـ ـ ثم قال ” وهذا البرزخ شبيه جدا بالبراز: فإن من تبرز وخرج إلى براز قرنه في الحرب فقد انقطع عن جميع متعلقات ولا يرى إلا قدرة نفسه في مقابل طرفه وقرنه ولا ينفعه ما كان له من عنوان أو مال أو قريب أو حميم المعجم الاشتقاقي:” مادة برز تدل على خلوص شيء أو ظهوره ظهورا قويا أي نفاذه من بين ما يكتنفه بجَهد وقوة كما يقال للفرس الذي يسبق الإبل قد برز عليها أي خلص من ونفذ من بين ما يكتنفه، والخاء تعبر عن شيء من التخلل، فيتحصل أن معنى برزخ: معبر باطني جوفي من خلال حاجز بين أشياء وواضح أن الموت وفترة القبر توصل إلى يوم البعث “،.البقاعي عند تفسير مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ}: وقال ابن برجان: البرزخ ما ليس هو بصريح هذا ولا بصريح هذا، فكذلك السهل والجبل بينهما برزخ يسمى الخيف، كذلك الليل والنهار بينهما برزخ يسمى غبشاً، كذلك بين الدنيا والآخرة برزخ ليس من هذا ولا من هذا ولا هو خارج عنهما، وكذلك الربيعان هما 5 برزخان بين الشتاء والصيف بمنزلة غبش أول النهار وغبش آخره، جعل بين 6 كل صنفين من الموجودات برزخاً ليس من هذا ولا من هذا وهو منهما كالجماد والنبات والحيوان 7.
[3] قال الرازي: وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يُؤْتَى كِتَابُهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ لِأَنَّهُ إِذَا حَاوَلَ أَخْذَهُ بِيَمِينِهِ كَالْمُؤْمِنِينَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَأُوتِيَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ بِشِمَالِهِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ} وَلَمْ يَذْكُرِ الظَّهْرَ وَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْتَى بِشِمَالِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْكَلْبِيِّ [قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِأَنَّ يَمِينَهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، وَتَكُونُ يَدُهُ الْيُسْرَى خَلْفَهُ]وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُعْطَى بِشِمَالِهِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ وراء ظهره.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٨) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بعض الضوابط في العمل الدعوي

 

قال رضي الله عنه ونفعنا به: نقْلُ الأخبار في كثير من الأحيان يكون بدافع حسن عند الواحد منا، ينقل خبرًا ليس موكولًا إليه، وينقله بحسَب ما فهمه، أحيانًا يكون الموكول إليه عدَّل فيه، أو اتفقوا على ترتيب آخر، فذاك ينقل الخبر الأول، فتحصل ربْكة بعد ذلك… فلهذا نقول: مما يحتاج أن يتعلموه في هذه الشئون أن يتقيَّد كل واحد بما أُوكِلَ إليه، وما عدا ذلك يبقى فيه على سبيل الاحتياط، فممكن أن يقول: أنا سمعتُ ذلك، لكن يمكن أن يكون فيه تعديلًا ولا يبلغ الأخبار من عنده ما دام هناك ممن أوكل إليه إبلاغها، ويتركها تأتي عن طريقه، حتى لا تكون هناك أخبار متضارِبة متناوَلة متقلِّبة، فتربك السير نفسه في هذا العمل.
إذا سمعتَ خبرًا عن مهمة شخص آخر بأن عليه أن يقوم بكذا أو كذا مثلًا فلا تستعجلْ؛ لأنه يطرأ التعديل، ويطرأ الترتيب يحصل في نواحٍ متعددة في أمور كثيرة احتفالات، خَرجات، زيارات، جلسات في أوقات، فتحصلُ ربكات كثيرة؛ بسبب الاستعجال بالإخبار، وقد تأتي من تضييع الموكول إليه نفسه، ولكن في مثل هذه الحالة يتأتَّى الخطاب ويتأتى الترتيب معه، ومع ذلك ينبغي أن نحتاط في مثل هذه الأمور؛ لأن النفس بطبيعتها تحب الإعلام بالخبر، فأحيانا يعتبرونه من القوادح في الإخلاص، لكن الطريق إلى هذا بالملاحظة وتربية النفس، من دون ترك الأعمال.
يجب المواصلة والسير في العمل، إلا أن على كل واحد منا أن يلاحظ جانب إخلاصه ويسأل الله ذلك، والحق يعينه، فإن خفت أن يضيع الأمر، فأشِرْ إليه مع الاحتياط، لكن الأمر مجزومًا به من عندك، وهكذا تقع في بعض الأحيان ربكة للذين يتلقون الأخبار بأنفسهم في أمر معين، يومًا بكلمه هذا، ويومًا آخر يكلمه هذا، فلا تدري الآن تأخذ بكلام من فيهم.
لكن من الجميل لما يعرف واحد معين يكون هو المسئول عن مثل هذا، بحيث يقال لنا: إنه إذا جاءك فلان، يكون هو المقرر والمتفق عليه.

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (37) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل الخامس عشر:جميع الأنبياء أخذ عليهم وعلى أممهم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم.
جميع الأنبياء أخذ عليهم الميثاق الغليظ المشدد أنه إذا بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وينصروه أو إذا بعث نبي بعدهم أن يؤمنوا به على اختلاف الرأيين في تفسير الآية الآتية، وهذا في الحقيقة عهد لأتباع الأنبياء، فالأنبياء وأتباعهم مأخوذ عليهم العهد بالإيمان بنبينا، لأن الله سبحانه كان يرسل الأنبياء لأقوامهم، فإذا جاء رسول آخر فالمتوقع أن يتمسك كل بدينه القديم، فلأجل أن لا يحصل هذا، أخذ الله الميثاق على كل نبي أنه إذا بعث الله نبيا آخر أن تتبعه أنت ومن معك، والمراد الحقيقي أمته، تأكيدا لوجوب اتباعه، لأجل أن لا يعملوا كما عمل اليهود مع سيدنا عيسى وكما عمل اليهود والنصارى مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليس المراد فقط أن يؤمنوا به بل أن يتبعوه اتباعا تاما وأعظم ذلك أن ينصروه.
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)} آل عمران
وهذه الآية الكريمة لو لم يوجد غيرها في الرد على من يقول: يجوز أن يبقى اليهود والنصارى وغيرهم على دينهم أو أنه لا يجب عليهم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكفي الايمان به ـ أقول لو لم يوجد غير هذه الآية في الرد عليهم لكفت ولأخرست كل ناعق، فهي نص صريح جدا لا يقبل مثل هذه الاحتمالات والترهات التي يقولها هؤلاء ويرد عليهم ردا مسكتا.
وزيادة في البيان أذكر تفسر الآية حتى تتضح اتضاحا تاما، تكون ختام الأدلة والقول الفصل في موضوعنا.
علاقة الآية بما قبلها ومقصودها:
بين سبحانه وتعالى فيما مضى من سورة آل عمران أن التولي عن الرسل كفر، وبين أحوال اليهود الذين عاصروا الرسالة المحمدية،وكيف كانوا يتعصبون لما عندهم، وينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تشددا في التمسك بما عندهم، فهم يقولون: نؤمن بما أنزل علينا، فبين الله سبحانه خطأهم في هذا، وأن الله تعالى أخذ الله الميثاق من جميع الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا بكل نبي يأتيهم تأخر عنهم وينصروه[1] ، وأشهدهم عليه، فمهما جاءهم رسول مصدق لما معهم ومهما أوتي من علم وحكمة ورسالة وإن عظم أمره وبلغ أن يؤمنوا به وينصروه، وأخذ الميثاق منهم على ذلك، وحكم تعالى بأن من تولى عن ذلك الميثاق ولم يعمل به كان من الفاسقين، وهذا لكي لا يرفض أحد رسالة النبي الذي يأتي ناسخا لشرع من قبله لكن اليهود والنصارى لم يوفوا بهذا الميثاق وكفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم مصدقا لما معهم، وهذا يدل على ظلمهم وعنادهم، فبدل أن يؤمنوا به وينصروه كما أخذ الميثاق عليهم خالفوه وحاربوه وحرفوا، وكانوا أول كافر به، وما وفوا بالعهد والميثاق، الذي يصور حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات متصلا متساندا مستسلما، ينتدب لها المختار من عباد الله؛ ثم يسلمها إلى المختار بعده اللاحق به، والوحدة في الرسالة الإلهية ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات،لقد أخذ الله – سبحانه – موثقا رهيبا جليلا كان هو شاهده وأشهد عليه رسله، موثقا على كل رسول، والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل؛ ويجمعهم كلهم في مشهد، والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة: هل أقروا هذا الميثاق وأخذوا عليه عهد الله الثقيل: هذا المشهد الهائل الجليل، يرسمه التعبير، فيجف له القلب ويجب لكن هؤلاء اليهود والنصارى كانوا على نقيض هذا الميثاق.
إذ:
الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي: اذكر يا محمد وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين.
{وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِيّنَ}:
أخذ الله ميثاق جميع النبيين الذي أعطوه لله سبحانه في الإيمان بالرسول الذي يأتي من بعدهم، أو بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلما لزمهم ذلك فأولى أن يلزمهم بواسطتهم بل هم المقصودون أصالة إذ كل أمة يجب أن تصدق بما جاءها به نبيها، بدليل قوله: {فمن تولّى بعد ذلك} إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما المقصود أممهم، وإنما أخذ على الأنبياء أنفسهم تغليظا على أممهم وتأكيدا ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال مراعى يشعر بعظمته كل أحد، والعهد مع المتبوع عهد مع التابع، فميثاق النبيين على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك والمقصود أصالة أممهم من باب أولى، وأيضا هذا أعلى وأشرف لقدره صلى الله عليه وسلم من أخذه على أممهم وأقوامهم.
الميثاق: العقد المؤكد المحكم بيمين المؤكد تأكيدا كثيرا بحيث يربط ويوثق الذي يعطيه نفسه به ويجعل الذي أمامه يثق بما يقول ويعتمد عليه فيوجب أمنا شديدا ووثوقا واطمئنانا، مأخوذ من الوثاق، وهو ما يشد به ويوثق.
لما آتيتكم:
في اللام قراءتان: بالفتح (لَمَا) وهي قراءة أكثر القراء، وبالكسر (لِما) وهي قراءة حمزة
أولا: توجيه قراءة الفتح:
في توجيه فتح اللام قولان:
القول الأول:
اللام في (لما) ابتدائية، و(ما): اسم موصول مبتدأ، و(آتيتكم) صلة الموصول، والعائد على الموصول محذوف والتقدير: لما آتيتكموه، وخبره قوله: {لتؤمنن به}، والتقدير: للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ـ لتؤمنن به، وفي لتؤمنن به لام القسم لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين، والمجموع بيان للميثاق المأخوذ، والمعنى: للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم آمنتم به ونصرتموه البتة.

القول الثاني: وهو الأصح
(ما): شرطية، فتكون في محل نصب على المفعول به للفعل بعدها، (آتيتكم)، و(آتيتكم): فعل الشرط في محل جزم، وهذا الفعل مستقبل معنى لكونه في حيز الشرط، و{ثم جاءكم} في محل جزم بالعطف على {ءاتيتكم}، اللام في (لما): موطئة للقسم تشعر بأن في الكلام قسما تضمنته سابقها، وجملة القسم (لتؤمنن): سادة مسد سادّ مسد ّجواب القسم والشرط جميعاً؛ واللام في قوله {لتؤمنن به} واقعة في جواب القسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وهو كما تقول في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن كذا، كأنك قلت استحلفك، والمعنى لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئا من كتاب وحكمة وإن عظم أمره وبلغ أيّ مبلَغ ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، فالأساس في الموافقة أنه إن جاء كتاب الرسالة،وشريعتها التي هي حكمتها الحاكمة هو أن تؤمنوا بكل رسول يجئ بعدكم مصدقا لما معكم كإيمانكم بكتابكم، وجعل (ما) شرطية أحسن لأن دخول اللام الموطئة على الشرطية أشهر، والمعنى عليه أسلس وأوضح، والشرط في موارد المواثيق أعرف.
وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج الواحدي الزمخشري.
ثانيا: القراءة الثانية بكسر اللام:
اللام للتعليل علّل جواب القسم {لتؤمنن}، أي لتؤمنن لأجل كذا وهي حرف جر متعلق بقوله: {لتؤمننّ به}.
و(ما) عليه:
أ) إما موصولة: والتقدير عليه: أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق على النبيين لتؤمنن به ولتنصرنه لأجل الكتاب الذي نزل عليكم والحكمة التي علمكم إياها، شكراً على ما آتيتُكم، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل لأنهم الأفاضل، وخيار الناس، {لتؤمنن} بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق.
ب) أو مصدرية: والتقدير عليه: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب، ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه.
مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ
(مِن): بيان للموصول وصلتِه، دخلت تبيينا (لما) كقولك: ما عندي من القمح رطل، وهذا خاتم من فضة، وهي تفيد فائدتين في مثل هذا السياق:البيان والتعميم، مثل {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}، ويكون على المعنى هذا تقديره: إن الله تعالى قال لهم: مهما أو إن أوتيتم كتابا وحكمة وإن عظم أمره وبلغ ما بلغ، ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب والحكمة، والله لتؤمنن به، ولتنصرنه. فأقروا بذلك، وأعطوا عليه مواثيقهم،، وعبارة ابن كثير والمنار والمراغي[2] تشير للسر البلاغي في التعبير بـ(ما) وتنكير كتاب وحكمة حيث قال ابن كثير:” يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، عليه السلام، إلى عيسى، عليه السلام، لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته”[3] ، وقال رشيد رضا:”وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقا لما معهم منه وأن ينصروه”[4].
والحكمة: إتقان العلم ومعرفة الحقائق على ما هي عليه دون غلظ ولا اشتباه وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم، والإصابة في القول والعمل ووضع كل شيء موضعه، بحيث يحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ، ومن ذلك العِلم بالله ودقائق شرائعه ومعاني كتابه وتفصيل مقاصده، وما تكمل به النفوس من المعارف والأحكام وأسرار الشريعة ومقاصدها، مأخوذة من الحَكَمة – بالتحريك – وهي ما أحاط بحنكي الفرس من اللجام لمنعه من الانحراف والزيغ، وفي ذلك معنى ما يضبط به الشيء، والحكمة تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال.

فحاصل الكلام أنه – تعالى – أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم، ولا شك أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قد جاء مصدقا لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به “.
ثُمَّ:
للتراخي الزمني، أي مهما تراخى مجيء الرسول لا بد من الإيمان به فلا يقال نحن من ألف سنة على هذا الشرع فكيف نغيره، فـ(ثم) لدفع شبهتهم من أنهم على شرعهم من قديم.
جَاءَكُمْ رَسُولٌ [5]
أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده (مصدق لما معكم)، وذلك بأن أتى بدين وكتاب موافق لما معكم في العقائد، والأخلاق، والأصول.
وأضاف الرازي والخازن وجها آخر في التصديق وهو: أن الله وصفه في كتب الأنبياء المتقدمة وشرح فيها أحواله فإذا جاءت صفاته وأحواله مطابقة في كتبهم المنزلة فقد صار مصدقاً لها فيجب الإيمان به والانقياد
وفي المراد بالرسول قولان:
القول الأول: المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه، وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ هذا الميثاق على أمم الأنبياء، فأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه، وهذا احتجاج على اليهود، قال عليّ كرّم الله وجهه:” ما بعث الله نبياً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم، وأمره بأخذ العهد على قومه فيه بأن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوا زمانه[6] ” وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام،، فهو أوحد الكافة في الرتبة،
واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين، والتنكير للتعظيم والوحدة وليس للجنس، كقوله تعالى: ” وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ” إلى قوله: ” ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ”
اختاره: علي وابن عباس وقتادة والسدي وابن جزي والقرطبي والواحدي وأبو حيان ابن الجوزي. أبوا علي الجبائي الهواري، وأبومسلم والطبرسي والقشيري.
ويرد على هذا القول إشكال بناء على أن الميثاق قد أخذ على النبيين أنفسهم وهو أن هذا الرسول ما جاء في عصر أحد منهم. وكان الله تعالى يعلم ذلك عند أخذ الميثاق عليهم لأن علمه أزلي أبدي. وأجيب عنه بأنه ميثاق مبني على الفرض أي إذا فرض إن جاءكم وجب عليكم الإيمان به ونصره.
ويكون المراد منه بيان مرتبته صلى الله عليه وسلم مع النبيين إذا فرض أن وجد في عصرهم، وهو أنه يكون الرئيس المتبوع لهم، فما قولك إذاًفي أتباعهم لاسيما بعد زمنهم؟ وإنما كان له صلى الله عليه وسلم هذا الاختصاص؛ لأن الله تعالى قضى في سابق علمه بأن يكون هو خاتم النبيين الذي يجيء بالهدى الأخير العام الذي لا يحتاج البشر بعده إلى شيء معه سوى استعمال عقولهم واستقلال أفكارهم، وأن يكون ما قبله من الشرائع التي يجيئون بها هداية موقوتة خاصة بقوم دون قوم.
القول الثاني:
أخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه،فإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، فأخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر وينصره، وعلى هذا أيضا يجب عليهم أن يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذا لا يضاد القول الأول ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه.
وهذا قول سعيد بن جبير والحسن البصري وطاووس وقتادة والسعدي الشوكاني.
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ:
المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع.
وأيضا يدخل في هذا التصديق أن وصفه صلى الله عليه وسلم وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكورا في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم.
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.
{لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه.
قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ
الإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق، {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين أأقررتم بالإيمان به والنصرة له.
ومادة (ق، ر، ر): الإقرار والقرار والقرّ والقارورة ونحو ذلك: من السكون والثبوت، يقال: قرَّ الشيءُ يقرُّ: إذا ثبت ولزم مكانه والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته، وأقره غيره، زيدت عليه همزة التعدية، فقيل أقر الشيءَ:إذا أثبته ونطق بما يدل على ثبوته.
وَأَخَذْتُمْ:
الأخذ التناول، والمراد القبول وهو غايته؛ لأن آخذ الشيء يقبله، وهو مستعمل كذلك في التنزيل قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} [البقرة: 48]
عَلَى ذَلِكُمْ: العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع.
إِصْرِي:
(الإصر): عقد الشيء وحبسه بقهره وبثقل، واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو: ما يعقد ويشدّ مع ثقل،يقال أصرته فهو مأصور” والمأصَر: محبس السفينة،(إصري) ميثاقي الشديد المؤكد الموثق الثقيل الذي يحبس صاحبه ويشده ويعقده ويمنعه من التهاون فيما التزمه وعاهد عليه، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود.
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا
{قالوا أقررنا} أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين.
{قال} الله لهم: {فاشهدوا} على أنفسكم وعلى أممكم بذلك
• والشهادة على أنفسهم: بمعنى التوثق والتحقيق، أي: ليجعل كل أحد نفسه شاهدا على نفسه، ونظيره قوله
{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] وهذا من باب المبالغة.
• والشهادة على أممهم: بتبليغ ذلك الميثاق.
• {وأنا معكم من الشاهدين}: الله شاهد على الجميع كما شهد النبيون على الأمم، وهذا تأكيد للعهد بشهادة رب العزة جل جلاله وتقوية الإلزام، وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله.
ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدا آخر فقال: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.
فمن تولى بعد ذلك:
حذف (من) فلم يقل من بعد ذلك يدل على أمرين:
الأمر الأول: أن التهديد لمن تولى بعد تقرر الميثاق والتوكيد والإقرار بأن أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته.
الأمر الثاني: تعميم التهديد لكل من يتولى في جميع مدة ما بعد الميثاق فتشمل جميع الأمم التي تأتي بعد.
والكلام في الظاهر للأنبياء لكنه في الحقيقة لأتباعهم، فكأن المعنى قوله: {فمن تولى بعد ذلك} أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم، وهم الأمم، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة [المائدة: 12]: {فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل} -فلو أن أحداً بعد كلّ هذا التأكيد على أخذ المواثيق والعهود المؤكّدة أعرض عن الإيمان بنبيّ كنبيّ الإسلام محمد الذي بشرت به الكتب القديمة وذكرت علائمه، فهذا المعرض فاسق وخارج على أمر الله تعالى، ونعلم أن الله لا يهدي الفاسقين المعاندين، كما، ومن لا يكون له نصيب من الهداية الإلهيّة، فإن مصيره إلى النار.
قال الفخر الرازي:” {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوما “[7] .
قال سيد قطب:” وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخلفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرسول الأخير صلى الله عليه وسلم ومناصرته وتأييده، تمسكا بدياناتهم – لا بحقيقتها فحقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته، ولكن باسمها تعصبا لأنفسهم في صورة التعصب لها! – مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا على أنفسهم عهدا ثقيلا غليظا مع ربهم في مشهد مرهوب جليل.. في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذي يتخلفون فسقة عن تعليم أنبيائهم. فسقة عن عهد الله معهم. فسقة كذلك عن نظام الكون كله المستسلم لبارئه، الخاضع لناموسه، المدبر بأمره ومشيئته “[8].

 

[1] وأيضا: النبيون بعد ما آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة لا يتأتى لهم أن يدعوا إلى الشريك وكيف يتأتى لهم ذلك؟ وقد أخذ منهم الميثاق على الإيمان والنصرة لغيرهم من النبيين الذين يدعون إلى توحيد الله سبحانه.
[2] وكذلك يشير له عبارة السمرقندي والثعلبي والسمين والطوسي والطبرسي، قال الثعلبي، والمعنى: أي كتاب آتيتكم ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، للاّم في قوله لتؤمننّ به.قال السمرقندي، ومعناه فما آتيتكم يعني، أي كتاب آتيتكم لتؤمنوا به قال، الطوسي: وتقديره أي شئ آتيتكم. ومهما آتيتكم، قال الطوسي: ” وتقديره أي شئ آتيتكم، ومهما آتيتكم” التبيان (2/ 513)، السمين الحلبي: وقوله: {مِّن كِتَابٍ} كقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] يقول علي هاني: وقد نص ابن عاشور في موضع آخر على أن من البيانية في مثل هذا تفيد أيضا فائدتين: البيان والتعميم.وهذا الرأي أي جعل من بيانية تفيد مع التنكير التعميم والتعظيم أفضل من رأي الزمخشري والبيضاوي والقونوي حيث قال: الزمخشري -وقرأ حمزة: «لما آتيتكم ». بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة قال القونوي: أشار به إلى أن من تبعيضية باعتبار كل واحد لكن لا يختص بقراءة حمزة فالتنبيه عليه هناك أولى نعم في صورة كون ما شرطية من بيانية لكن ملاحظ فيه التبعيض.
[3] تفسير ابن كثير (2/ 67).
[4] المنار (3/ 288).
[5] قال الطباطبائي: “ومن اللطائف الواقعة في الآية أن الميثاق مأخوذ من النبيين للرسل على ما يعطيه قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} – إلى قوله: – {ثم جاءكم رسول}، ومعلوم أن الرسول أخص مصداقا من النبي، فعلى ظاهر ما يفيده اللفظ يكون الميثاق مأخوذا من مقام النبوة لمقام الرسالة من غير دلالة على العكس”
[6] زاد المسير (1/300).
[7] التفسير الكبير (8/ 279).
[8] ظلال القرآن (1/ 421).

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (36) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل الثالث عشر: أن النَّبِيَّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى،
وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، والقرآن أمر بقتالهم[1] {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)} التوبة

الدليل الرابع عشر: أن هذه القول خارق لإجماع علماء المسلمين،
لم يسبقهم إليه أحد إلا أحد روايتين عن العنبري[2] وهو محجوج بمخالفة إجماع من قبله ومن بعده[3] ، وصحح كثير من العلماء أن كلامه ليس في ِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٌ عنده أيضا.

 

[1] البحر المحيط، للزركشي (8/ 281)
[2] العَنْبَري(105 – 168 هـ = 723 – 785 م)عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري، من تميم: قاض، من الفقهاء العلما بالحديث.
من أهل البصرة. قال ابن حبان: من ساداتها فقها وعلما. ولي قضاءها سنة 157 هـ وعزل سنة 166 وتوفي فيها.
[3] قال الزركشي في البحر المحيط(8/281):”فِي حُكْمِ الِاجْتِهَادِ: لَا يَخْلُو حَالُ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ
إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ عَلَيْهِ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ تَخْتَلِفَ:
1) فَإِنْ اتَّفَقَتْ فَهُوَ إجْمَاعٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ،
2) وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ:
الْأَوَّلُ – الْعَقْلِيُّ: أ) فَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ مِمَّا يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَسُولَهُ، كَمَا فِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بَالتَّوْحِيدِ، فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ، هُوَ الْمُكَلَّفُ، وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ. فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ.
ب) وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ [بأن لم يكن يمنع معرفة الله سبحانه ورسوله]، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَمَا فِي وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ اسْمَ (الْكُفْرِ)، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ، لِعُدُولِهِ عَنْ الْحَقِّ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ دِينِيَّةً. أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا فِي وُجُوبِ تَرْكِيبِ الْأَجْسَامِ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ، وَانْحِصَارِ اللَّفْظِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُؤَلَّفِ، فَلَا الْمُخْطِئُ فِيهِ آثِمٌ، وَلَا الْمُصِيبُ مَأْجُورٌ، إذْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا مَجْرَى الْخَطَأِ فِي أَنَّ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ أَكْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ أَصْغَرَ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأُصُولِ مُصِيبٌ. وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ الْجَاحِظِ. وَيَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي الدِّينِ مُخْطِئًا، وَأَمَّا الْجَاحِظُ فَجَعَلَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْمُخْطِئَ فِي جَمِيعِهَا غَيْرَ آثِمٍ.
أَمَّا رَأْيُ الْعَنْبَرِيِّ فَبَيَّنَ الِاسْتِحَالَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَأَمَّا [رَأْيُ] الْجَاحِظِ فَبَاطِلٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَكَانَ ابْنُ الْعَنْبَرِيِّ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَفِي نَافِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ، وَقَدْ اُسْتُبْشِعَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَصْوِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْكُفَّارِ فِي اجْتِهَادِهِمْ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُصُولَ الدِّيَانَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ، كَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْت: وَهَذَا أَحَدُ الْمَنْقُولَاتِ عَنْهُ. قَالَ الْقَاضِي فِي ” مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ “: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ فَقَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ: إنَّمَا أُصَوِّبُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الدِّينِ تَجْمَعُهُمْ الْمِلَّةُ. وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَلَا يُصَوِّبُونَ.
وَغَلَا بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ فَصَوَّبَ الْكَافِرِينَ الْمُجْتَهِدِينَ دُونَ الرَّاكِنِينَ إلَى الْبِدْعَةِ. وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا مُخْتَصَرًا فَنَقُولُ: أَنْتُمَا (أَوَّلًا) مَحْجُوجَانِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا. و(ثَانِيًا) إذَا أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقِدِ فَقَدْ خَرَجْتُمَا عَنْ حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ وَانْخَرَطْتُمَا فِي سِلْكِ الْأَنْعَامِ. وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ – كَمَا نُقِلَ عَنْ الْجَاحِظِ – فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِالْمُجْمِعِينَ عَلَى الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ: مِمَّا خَاضَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ. وَأَجْمَعُوا قَبْلَ الْعَنْبَرِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ إدْرَاكُ بُطْلَانِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي ” الْمَنْخُولِ “: لَعَلَّهُ أَرَادَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَخَلْقَ الْقُرْآنِ، إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُكَلَّفُ الْخَوْضَ فِيهِ، بِخِلَافِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْإِصَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى هَذَا مُحَالٌ. وَقَالَ إلْكِيَا: ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٌ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ وَالْجَبْرِ وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ وَنَفْيِهَا فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِهِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالْتِزَامِ الْمِلَّةِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ مَا كُلِّفُوا إلَّا اعْتِقَادَ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْحَثْ الصَّحَابَةُ عَنْ مَعْنَى الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ، عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ اعْتِقَادَهَا لَا يَجُرُّ حَرَجًا. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي اجْتِهَادِهِ، وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُصِيبِ. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُمَا الْجَوَازُ فِي الْأُصُولِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى حَطِّ الْإِثْمِ، لَا بِمَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إذْ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَخْلِيدِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ فُورَكٍ فَنُقِلَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ، نَحْوُ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ” الشِّفَاءِ “: ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى تَصْوِيبِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِيمَا كَانَ عُرْضَةً لِلتَّأْوِيلِ وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ مِثْلَهُ عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَحَكَى قَوْمٌ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْجَاحِظُ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ. وَتَمَامُهُ فِي أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ وَالْبُلْهِ مُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الِاسْتِدْلَال، وَقَدْ نَحَا الْغَزَالِيُّ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْمَنْحَى فِي كِتَابِ ” التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ ” وَقَائِلُ هَذَا كُلِّهِ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَكُلُّ مَنْ فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ أَوْ شَكَّ، لِقِيَامِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِهِمْ. فَمَنْ وَقَفَ فِيهِ فَقَدْ كَذَّبَ النَّصَّ. انْتَهَى.
وَمَا نَسَبَهُ لِلْغَزَالِيِّ غَلَطٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِفَسَادِ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ، كَمَا سَبَقَ عَنْهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ ” التَّفْرِقَةِ ” هُوَ قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ نَصَارَى الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْوِيبُهُمْ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ. وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نُقِلَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ إنْ أَرَادَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيَّنٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُتَفَاضِلَانِ لَا يَكُونَانِ حَقَّيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْوُسْعَ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْأُصُولِيَّاتِ أَنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا غَيْرَ مُعَاقَبٍ فَهَذَا أَقْرَبُ وَجْهًا، لِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُعْقَدُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ لَزِمَ تَكْلِيفُهُ لِمَا لَا يُطَاقَ. وَقَالَ فِي ” شَرْحِ الْإِلْمَامِ “: يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبَ الْعَنْبَرِيُّ عَمَّا رُدَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَبْيِيتِ الْمُشْتَرَكِينَ وَاغْتِرَارِهِمْ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَانِدِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: الْمُكَلَّفُ مِنْهُ مَعَ إمْكَانِ النَّظَرِ بَيْنَ مُعَانِدٍ وَمُقَصِّرٍ، وَأَنَا أَقُولُ بِهَلَاكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. هَذَا إنْ كَانَ مَا قَالَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ مِنْ الْإِصَابَةِ فِي الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ وَالْمُجَسِّمَةِ: فَلَا شَكَّ فِي تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ. وَلِلْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا: وَأَظْهَرُ مَذْهَبَيْهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ ” إكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ “: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عِنْد مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ. وَقَالَ: اخْطَفْنَا فِي عِبَارَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ. وَالْخِلَافُ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ: لَا يُكَفِّرُ، قِيلَ لَهُ: أَلَا تُكَفِّرُ مَنْ يُكَفِّرُك؟ فَعَادَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، فَهُمْ يُكَفِّرُونَ خُصُومَهُمْ وَيُكَفِّرُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ الْآخَرَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَمُعْظَمُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ. وَقَالُوا: إنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَ وُجُودَهُ وَلَكِنْ فَعَلَ فِعْلًا، أَوْ قَالَ قَوْلًا، أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ كَافِرٍ. وَمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ أَصْحَابَهُ فِي نَفْيِ الْبَقَاءِ أَيْضًا، كَمَا يُكَفَّرُ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. قُلْت: وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – تَكْفِيرَ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ تَأَوَّلُوهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ.”

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (34) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل الحادي عشر:ترك ملايين النصارى واليهود دينهم عبر التاريخ والدخول في الإسلام دليل على وجوب الإيمان
لو كان البقاء على اليهودية والنصرانية ينجي من النار لما آمن الملايين من الذين آمنوا من اليهود والنصارى بل من أحبار اليهود ورهبان النصارى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده وتركوا دينهم.
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)}(الأحقاف:10).
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)}(المائدة:85).
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)}(القصص 51ـ 54).
{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}(الإسراء 107ـ 109).
قال دروزة:” ولما كان قد دعا جميع الناس بما فيهم اليهود والنصارى والصابئين إلى الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن والانتهاء عن ما هم عليه من انحراف عن الدين الحق والطريق القويم بآيات عديدة منها ما مرّ في سورة البقرة وفي السور السابقة، ومنها ما سوف يأتي بعد، ولما كان طوائف مختلفة فيها يهود ونصارى وصابئون قد فهموا ذلك وآمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن على ما حكته آيات عديدة في سور مكية ومدنية مرّ بعضها، وسيأتي بعضها بعد، فلا يصح أن يوقف عند هذه الآية لحدتها وتؤخذ على ظاهرها ويتوهم متوهم أنها تنطوي على تقرير نجاة اليهود والنصارى والصابئين عند الله مع بقائهم على مللهم بعد البعثة النبوية إذا لم يؤمنوا بالنبي محمد والقرآن ويصبحوا من معتنقي الرسالة الإسلامية التي يمثلانها”[1].

 

[1] التفسير الحديث (6/176) عند تفسير” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)”.

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (35) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل الثاني عشر:العمل بالتوراة أو الإنجيل عمل بشريعة منسوخة
فكيف يكون عملا صالحا وكيف يكون مقبولا عند الله، وقد قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)} (المائدة (48ـ 49).
قال أبو السعود: “{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب} أي الفردَ الكاملَ الحقيقيَّ بأن يسمى كتاباً على الإطلاق لحيازته جميعَ الأوصافِ الكمالية لجنس الكتابِ السماويِّ وتفوقِه على بقية أفراده وهو القرآنُ الكريم وقوله تعالى {بالحق} متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً مؤكّدة من الكتاب أي ملتبساً بالحق والصدق {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} حال من الكتاب أي حالَ كونِه مصدقاً لما تقدَّمَه إما من حيث أنه نازل حسبما نعت فيه أو من حيث إنه موافقٌ له في القصص والمواعيد والدعوة إلى الحق والعدلِ بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وأما ما يتراءى من مخالفتِه له في بعض جزئياتِ الأحكام المتغيِّرة بسبب تغيُّرِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيثُ إنَّ كلاًّ من تلك الأحكام حقٌّ بالإضافة إلى عصره متضمِّنٌ للحكمة التي عليَها يدورُ أمرُ الشريعة، وليس في المتقدم دلالةٌ على أبديةِ أحكامِه المنسوخة حتى يخالفه الناسخ المتأخرون وإنما يدل على مشروعيتها مُطلقاً من غيرِ تعرضٍ لبقائها وزوالها بل نقول هو ناطقٌ بزوالها لما أن النطقَ بصحة ما ينسخها نطق ينسخها وزوالِها وقوله تعالى {مّنَ الكتاب} بيانٌ لِما واللام للجنس إذ المراد هو الكتاب السماوي، {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي رقيباً على سائر الكتبِ المحفوظة من التغيير لأنه يشهد لها بالصحة والثبات ويقررأصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعيِّن أحكامَها المنسوخةَ ببيان انتهاءِ مشروعيتها المستفادة من تلك الكتاب وانقضاءِ وقت العمل بها ولا ريب في أن تمييزَ أحكامِها الباقيةِ على المشروعية أبداً عما انتهى وقتُ مشروعيتِه وخرج عنها من أحكام كونِه مهيمناً عليه والفاء في قوله تعالى {فاحكم بَيْنَهُمْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن كونَ شأنِ القرآن العظيم حقاً مصدِّقاً لما قبله من الكتب المنزلة على الأمم مهيمناً عليه من مُوجباتِ الحكم المأمور به أي إذا كان القرآن كما ذُكِر فاحكمْ بين أهل الكتابين عند تحاكُمِهم إليك {بِمَا أنزَلَ الله} أي بما أنزله إليك فإنه مشتملٌ على جميع الأحكام الشرعية الباقيةِ في الكتب الإلهية وتقديم بينهم للاعتناء ببيانِ تعميمِ الحكم لهم ووضع الموصول موضعَ الضمير للتنبيه على عِلِّيَّةِ ما في حين الصلة للحكم والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعِلَّة الحكم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} الزائغة {عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق} الذي لا محيد عنه وعن متعلقة بلا تتَّبعْ على تضمين معنى العُدول ونحوِه كأنه قيل ولا تعدِلْ عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم وقولِه تعالى {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا} كلام مستأنَفٌ جيءَ به لحمل أهل الكتابين من معاصريه صلى الله عليه وسلم على الانقياد لحُكمه بما أُنزل إليه من القرآن الكريم ببيان أنه هو الذي كُلِّفوا العملَ به دون غيره من الكتابين وإنما الذين كلفوا العملَ بهما مَنْ مَضَى قبل نسخهما من الأمم السالفة والخطابُ بطريق التلوين والالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل للماضين أيضاً بطريق التغليب واللام متعلقة بجعلنا المتعدي لواحد وهو إخبارٌ بجَعَلَ ماضٍ لا إنشاءٌ وتقديمها عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لِما عُوِّض عنه تنوينُ كلَ ولا ضيرَ في توسط جعلنا بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السموات الخ والمعنى لكل أمة كائنةٍ منكم أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عيّنّا ووضعنا شرعةً ومنهاجاً خاصَّين بتلك الأمة لا تكاد أمةٌ تتخطى شرعتها التي عُيِّنت لها، فالأمةُ التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعتهم التوارة، والتي كانت من مَبعثِ عيسى إلى مبعثِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم شرعتهم الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون فشِرْعتُكم القرآنُ ليس إلا فآمنوا به واعملوا بما فيه والشِّرْعةُ والشريعة هي الطريقة إلى الماء شُبِّه بها الدينُ لكونه سبيلاً موصولاً إلى ما هو سببٌ للحياة الأبدية كما أن سببٌ للحياة الأبدية كما أن الماء سببٌ للحياة الفانية والمنهاجُ الطريق الواضح في الدين من نهَجَ الأمر إذا وضح المائدة
{وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة} متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الأممِ في شيء من الأحكام الدينية ولا نسخَ ولا تحويل ومفعول المشيئة محذوفٌ تعويلاً على دِلالة الجزاء عليه أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ {ولكن لّيَبْلُوَكُمْ} متعلِّقٌ بمحذوف يستدعيه النظام أي ولكن لم يشأ ذلك أي لأن يجعلكم أمةً واحدة بل شاء ما عليه السنةُ الإلهية الجاريةُ فيما بين الأمم ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم {في ما آتاكم} من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونِها هل تعملون بها مذعِنين لها معتقدين أن اختلافَها بمقتضى المشيئةِ الإلهيةِ المبنيةِ على أساس الحِكَم البالغةِ والمصالحِ النافعة لكم في معاشكم ومعادِكم أو تزيغون عن الحق وتتبعون الهوَى وتستبدلون المضَرَّة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى وبهذا اتَّضحَ أنَّ مدارَ عدمِ المشيئةِ المذكورة ليس مجرد الابتلاء بل العمدةُ في ذلك ما أشيرَ إليهِ من انطواءِ الاختلاف على ما فيه مصلحتُهم معاشاً ومعاداً كما ينبئ عنه قوله عز وجل {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين من العقائد الحَقَّة والأعمالِ الصالحة المندرجة في القرآن الكريم وابتدروها انتهاز للفرصة وإحرازاً لسابقةِ الفَضْل والتقدم ففيه من تأكيد الترغيبِ في الإذعان للحق وتشديدِ التحذير عن الزيغ ما لا يخفى ووقوله تعالى {إلى الله مَرْجِعُكُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ مَساقَ التعليل لاستباق الخيرات بما فيهِ من الوعدِ والوعيدِ وقوله تعالى {جَمِيعاً} حالٌ من ضمير الخطاب والعامل فيه إما المصدرُ المنحلُّ إلى حرفٍ مصدريَ وفعل مبني للفاعل أو مبني للمفعول وإما الاستقرارُ المقدَّر في الجار {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين المُحِقّ والمُبطل ما لا يبقى لكم معه شائبةُ شكٍ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدنيا وإنما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الإخبار”[1] بتصرف
قال الشيرازي في الأمثل:” فتَوَجَّب العملُ بآخر شريعة إِلهية، لأنّ العمل بقوانين منسوخة ليس من العمل الصالح، بل العمل الصالح هو العمل بالشرائع الموجودة وبآخرها “.
وعن أبي هريرة، عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنَّه قال: “والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يَسْمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌ ولا نصرانيٌ، ثم يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرسِلتُ بهِ إلا كانَ من أصحابِ النَّار”[2].
قال أبو الحسن المباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح[3]:
(من هذه الأمة) أي أمة الدعوة وهم الخلق جميعاً، (يهودي ولا نصراني) صفتان لأحد، وحكم المعطلة وعبدة الأوثان يعلم بالطريق الأولى؛ لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى وخصا بالذكر لأن كفرهما أقبح لكونهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى: {يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} [7: 157] (ثم يموت): ثم للاستبعاد كما في قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} [32: 22]، أي ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله الظاهرة والباطنة ودلائله القاهرة فعرفها ثم أنكرها أي بعيد عن العاقل، قاله الطيبي، وذلك لأن معجزته القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرقه العادة في أسلوبه وأخباره بالمغيبات، وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة مثله يوجب الإيمان برسالته، ويوجب الدخول على الكل في طاعته، فمن لم يؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار. قال النووي: في الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا – صلى الله عليه وسلم -، وفي مفهومه دلالة على أن من لم يبلغه دعوة الإسلام فهو معذور.
يقول علي هاني: فإن قيل كيف يقال: إن شريعتهم منسوخة مع أن الله تعالى قال”
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)} {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)} {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)}
وهذه الآيات تفسر تفسيرا غير صحيح ويفهمها كثير من الناس خطأ، فهم يفهمون أن القرآن يسوغ لليهود والنصارى أن يستمروا على العمل بكتابهم، وهذا فهم لا يصح، والعجب أن الآيات التي يخطئون في فهمها أو يلبسون على الناس بها تقع في سياقات لا يمكن تدفع هذا الفهم تماما ولا يمكن أن يفهم منه اطلاقا، فقد تقدم أن آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} وقعت في سورة البقرة المليئة بالرد على اليهود، وكذلك الآية الثانية التي يستدلون بها {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)} وقعت في سورة آل عمران التي كلها دعوة للتوحيد والرد على النصارى كما تقدم، وهذه الآيات الثلاثة هنا وقعت في سورة المائدة التي هي أشد السور على اليهود والنصارى، فقد نصت صراحة على كفرهم ودعتهم إلى التوحيد والإيمان بالقرآن، واقتطاع النص من سياقه ليفهم فهما سقيما،مألوف عند أعداء الإسلام فهم الآن يقولون: لا تقتل الشخص ولكن اقتل سمعته وصيته، فيقتطعون بعض الجمل لبعض الشيوخ الأجلاء يقتطعونها من سياقها لتفهم على غير ما أرادوا ثم يقولون انظر لهذا الشيخ ما يقول: وهذا ليس ببدع منهم، ولنعد إلى موضوعنا، فهذا الفهم يؤدي إلى تعارض النصوص، لا أقول يؤدي إلى تعارض الآيات في القرآن كله فقط بل يؤدي إلى تعارض النصوص المتجاورة في سورة واحدة في آيات قريبة جدا، فهذه الآيات الثلاث وردت في سورة المائدة التي ورد فيها الآية السابقة التي تقرر أن الله سبحانه جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)} فهذه الآية التي تقرر أنه لكل منكم شرعة ومنهاجا هي الآية الثامنة والأربعون، والآيات السابقة التي يفسرونها أنها تأمر النصارى واليهود أن يستمروا على العمل بالتوراة والإنجيل مع عدم وجوب العمل بالقرآن ترتيبها (47، 66، 68) السابعة والأربعون، والسادسة والستون، والثامنة والستون فهي آيات قريبة جدا، فعلى هذا التفسير تكون آية تقول:” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا “، وآية أخرى تقول: عليكم يا أهل الكتاب أن تعملوا بكتابكم وهذا ينجيكم ويدخلكم الجنة، فليس الأمر أنه لكل جعلنا شرعة ومنهاجا، بل المنهاج القديم جائز للكل العمل به فهو عام وليس خاصا بقوم ووقت، وهذا عين التعارض الذي ينافيه سياق الآيات،و ينزه عنه كلام أحكم الحاكمين، ولو نحن تأملنا مقاصد القرآن ولم ننظر النظرة السطحية الحمقاء لسلم فهمنا، ولارتقى إلى بيان القرآن السامي العالي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمتأمل في سورة المائدة يقطع جازما باستبعاد هذا التفسير:
1) فقد ذكرت سورة المائدة: أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور وأمر النبيين والربانيين والأحبار أن يحكموا بها، ثم بينت أن الله سبحانه آتى عيسى عليه السلام الإنجيل وأمر أهل الإنجيل في ذلك الوقت أن يحكموا بما أنزل الله فيه، ثم أنزل القرآن مهيمنا وحاكما على الكتب السابقة، وأمر أهل الإسلام أمة النبي صلى الله عليه وسلم أن تحكم به وحذرها من اتباع أهواءأهل الكتاب.
2) وأيضا في السورة نفسها بين أن النصارى ضيعوا حظا وافرا مما ذكروا به وأنهم حرفوا وبدلوا، ودعاهم لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
3) وحكم بكفر النصارى الذين يقولون بالتثليث في السورة نفسها
فكيف بعد ذلك يقول:” اليهودي والنصراني الذي يكفر بالله ويقول بالتثليث عمله مقبول وليس واجبا عليه أن يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم” هذا لعمري عين الضلال والتحريف ولننظر في الآيات لنرى هذا الأمر رؤية واضحة:
{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)} وقال لهم في السورة نفسها {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)} ونحن إذا أردنا استقصاء هذا في سورة المائدة يطول الأمر، فأرجو من القارئ الكريم أن يقرأ السورة قراءة متأنية وينظر في هذا الأمر ليرى رؤية يقينٍ الحقَّ في هذه المسألة واستبعاد َهذا التفسير المذكور.
ولتزول الشبهة زوالا تاما ويظهر بطلان هذا الرأي ألخص للقارئ الكريم تفسير علمائنا رحمهم الله الذين يفهمون النصوص كما ينبغي أن تفهم، كما وصفهم الله سبحانه بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}وكما قال ابن مالك: ما كان أصحَّ علمَ من تقدما، ليتضح المعنى الصحيح اللائق بخطاب القرآن الكريم وما يريده سبحانه
أولا: تفسير قوله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}
علاقة الآية بما قبلها[4]:
لما بالغ في ذم أهل الكتاب ذكر قبائحهم ومعايبهم وأقوالهم الباطلة، وهجن طريقتهم، لا سيما اليهود، وذكر انحرافهم عن دين الله؛ وأكلهم السحت؛ وتحريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضا من أعراض هذه الأرض، وبين أنهم لا يؤمنون بكتابهم حقيقة بل ادعاء، وختمها بقوله سبحانه {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، عقب ذلك بفتح باب الخير لجميع أهل الكتاب اليهود والنصارى متى آمنوا واتقوا ببيان أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا، ولكان أجدى عليهم في الدنيا والآخرة من أكلهم السحت والسعي وراء أعراض الدنيا بالحرام، لو أنهم اختاروا الطريق، وهذا من كرمه وجوده، حيث دعاهم إلى التوبة والدخول في الإسلام واستدعاهم ورغبهم في التوبة والإيمان والتقوى، ببيان أنه يحصل لهم في الآخرة تكفير السيئات وجنات النعيم في عاجل الدنيا، مقابل ما يسعون لتحصيل الدنيا بالحرام والكفر.
وأيضا لما تكلموا على التضييق عليهم والعسر الذي عبروا عنه بتلك الكلمة البذيئة في حق الله بقولهم{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} وما ذلك التضييق عليهم إلا بسبب انحرافهم واعوجاجهم، بين لهم طريق التوسعة عليهم بأنهم لو أنهم آمنوا بما يجب الإيمان به ويدخل دخولا أوليا الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما آمن الناس واتقوا لاتسع عليهم الرزق ودرت عليهم الخيرات فضلا عما ينالونه من غفران الله لسيئاتهم وحسن جزائه الأخروي، وهذه الآية تشمل معاصري الرسول صلى الله عليه وسلم ثم جميع أهل الكتاب في كل وقت.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ
من اليهود والنصارى على أن المراد بالكتاب الجنس الشامل للتوراة والإنجيل.
وذكروا بهذا العنوان تأكيداً للتشنيع عليهم؛ فإنّ أهليةَ الكتاب توجب إيمانهم به، وإقامتَهم له لا محالة، فكفرُهم به وعدمُ إقامتهم له وهم أهلُه أقبحُ من كل قبيح وأشنعُ من كل شنيع،
أي لو أنهم مع ما عددنا من سيئاتهم، وصدور ما صدر منهم من فنون الجنايات قولاً وفعلاً
آمنوا بما يجب الإيمان به كما طلبه الله منهم وآمنوا بما نفيَ عنهم الإيمان به في هذه السورة فيندرج فيه إيمانهم بالله وحده وإيمانهم برسول الله وبما جاء به من حق ونور، فصدّقوه واتبعوه، والإِيمان بالأَنبياء والكتب كلها {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}، وفي الحديث: « اثنان يُؤتَوْن أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثُمّ آمن بي (أي عندما بلغته الدّعوة المحمّديّة) فله أجران، ورجل كانت له جارية فأدّبها فأحْسَن تأديبها وعلَّمها ثمّ أعْتَقَها فتزوّجها فله أجران »[5] .
نص على خلاصة ما تقدم:
الطبري والسمرقندي والواحدي والسمعاني والبغوي والزمخشري وابن عطية وابن الجوزي والفخر الرازي والقرطبي والبيضاوي والخازن وأبو حيان وابن كثير والبقاعي وأبو السعود والشوكاني ومقاتل وابن الجوزي والتفسير الميسر المنتخب وغيرهم.
قال اطفيش – التيسير:” {آمَنُوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ به وهو يتضمن الإِيمان بالأَنبياء والكتب كلها، فأَهل الكتاب مشركون إِذا لم يؤمنوا به “.
قال البقاعي:”ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال، قدمه إعلاماً بأنه لا نجاة لأحد إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية به لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلى الله عليه وسلم فقال: {آمنوا} أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى”[6] .
وَاتَّقَوْا:وخافوا الله تعالى وعذابه بأن جعلوا بينهم وبين الشرك والمعاصي والباطل والمعاصي وقاية، بترك ما كانوا يتعاطون مما عدد في هذه السورة من الشرك بالله وعبادة الطاغوت ومخالفة كتابهم وإِيقاد الحرب والسعي في الأرض فساداً، والإِلحاد في صفات الله وأَفعاله، وأَكل السحت وسائر الكبائر الموبقة والمآثم والمحارم والمعاصي.
وجمع – سبحانه – بين الإِيمان والتقوى، للإِيذان بأن الإِيمان الذي ينجى صاحبه، ويرفع درجاته، هو ما كان نابعا عن يقين وإخلاص وخشية من الله، لا إيمان المنافقين الذين يدعون الإِيمان وهو منهم برئ
لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
لو فعلوا ذلك لكفرنا أي سترنا عليهم معاصيهم فلم نحاسبهم عليها عنهم ورفعنا عنهم عقاب سيئاتهم التي اقترفوها وسارعوا فيها وإن كانت في غاية العظمة ولم نؤاخذهم بها ولم نفضحهم بها، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئاتهم}.
واللام في قوله: {لكفّرنا عنهم} وقوله {ولأدخلناها}واقعة في جواب الشرط، يكثر وقوعها في جواب (لَو) إذا كان فعلاً ماضياً مثبتاً وهي تفيد التأكيد تأكيد تحقيق التلازم بين شرط (لو) وجوابها، ويكثر أن يجرّد جواب لو عن اللام، نحو قوله تعالى: {لو نشاء جعلناه أجاجاً} في سورة الواقعة (70).
وفيه إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص، وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإسلام يجُب ما قبله وإن جل، وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.
التكفير: تغطية تامة كثيفة لا يظهر معها شيء من المغطى، ومن مصاديق هذا ظلمة الليل يقال لها كفْر بسكون الفاء وكفَر الليلُ الشيءَ: غطاه، وكفارات الذنوب من صدقة أو نحوها تستر الذنوب وتغطيها فلا ترى ولا يؤاخذ عليها.
وتكفير السيئات: سترها وتغطيتها تغطية تامة حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، وفيها التغطية للأمن من الفضيحة، وفيها معنى الإذهاب والإزالة لأثر السيئات ولهذا يعدى بعن، قال ابن رجب: ولفظ التكفير يتضمن الستر والإزالة.
سَيِّئَاتِهِمْ:
قبائحهم التي عملوها قبل الإسلام، وإن كانت في غاية العظم ونهاية الكثرة؛ لأن الاسلام يجُبُّ ما قبله، ومنها القبائح التي عددناها.
والسيئات: جميع سيئة فَيْعلة من السوء، أصلها: سَيْوِئةَ، صيغت على وزن فَيْعَلَة للمبالغة في قيام الوصف بالموصوف مثل قيّم وسيّد وصيقل وهيّن،ففيها الدلالة على قوة وشدة القبح، ويقابلها الحسنة، مِنْ سَاءَ يَسُوءُ إذَا قَبُحَ، فسيئات: فيعلات، أي: قبيحات جدا،التي يشتد تنكر النفس لها أو تكرّهها.
{وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)}
في الآخرة مع ذلك جنات النعيم التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ينعمون فيها، فلا تذهب السيئات عنهم فقط بل إنه سبحانه يثيبهم في الآخرة فيدخلهم جنات النعيم مع المسلمين في الاَخرة، وتكرير اللام لتأكيد الوعد.
وَإِضَافَةُ جَنَّاتِ إِلَى النَّعِيمِ تُفِيدُ مُلَازَمَةِ النَّعِيمِ لَهَا، فليس فيها إلا النعيم الخالص عن شائبة ما ينغصه من الكدورات وخوف الزوال؛، فَلَا يَكُونُ فِيهَا مَا يكون فِي جَنَّاتِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَتَاعِبِ مِثْلُ الْحَرِّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَوْ شِدَّةِ الْبَرْدِ أَوْ مثل الحشرات، أَوْ مَا يُؤْذِي مِثْلُ شَوْكِ الْأَزْهَارِ وَالْأَشْجَارِ، وأيضا في إضافة الجنات إلى النعيم تنبيه على ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ
• المناسبة: لما بيَّن سبحانه في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة، بين في هذه الآية أيضا أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها.
• والضمير في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل}: يعود إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإِيمان ليدخلوا فيه كي ينالوا رضاه.
• الأصل في مادة (ق، و،م) انتصاب الشيء إلى أعلى ثابتا ومنه قيام الإنسان نحو {الذين يذكرون الله قياما وقعودا} {جدارا يريد أن ينقض فأقامه} {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها}.
• فالقيام في اللغة هو: الانتصاب المضاد للجلوس والاضطجاع، وللقيام لوازم عرفية مأخوذة من عوارضه اللازمة، فهي أكمل الأحوال وأحسنها وأتمها وأقدر حالات الإنسان على العمل، ولذلك أطلق مجازاً على الإتيان بالتوراة والإنجيل على أحسن أحوالهما وأكملهما من غير اعوجاج ولا تقصير وتوفية حقهما على أقوم الوجوه وأحسنها، تشبيها بالقائم من الناس، إذ هي أظهر هيئات المرء، والإقامة إفعال منه، والهمزة للتعدية.
وفي المراد بإقامة التوراة والإنجيل قولان:
القول الأول: قالوا المراد بالإقامة بعد مجيء الإسلام: فالمراد بإقامتهما، الاعتراف والإقرار بما فيهما من بشارات بصدق النبي صلى الله عليه وسلم والإِيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بشرعه، وإذاعة ما فيهما من نعت سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، والدعاء إِليه بلا كتم ولا تحريف شيء منها ولا تغيير ولا حذف لهذه البشارات والإيفاء بالعهود والمواثيق التي أخذت عليهم، وكذلك إقامة الأمور التي اتفقت عليها هذه الكتب من أمور لا تنسخ: من الإيمان بالله الواحد وبجميع رسله وكتبهم، وبما دعت إليه من أصول الأخلاق، وليس المراد مراعاة جميع ما فيهما من الأحكام منسوخة كانت أو غيرها، فإن ذلك ليس من الإقامة في شيء[7] ، بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما، لأنهما شاهدان بنسخ هذه الأحكام وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادتهما بصحة القرآن الذي ينسخها شهادةٌ بنسخ العمل بهذه الأحكام التي في التوراة والإنجيل وخروجها عن كونها من أحكامهما، وأن الأحكام التي يعمل بها هي ما قرره النبي الذي بُشَّرَ في التوراة والإنجيل ببعثه، وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه، فإذن إقامتُهما بيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة الإسلامية من الأحكام كما يُفصح عنه قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ من ربّكمْ}[8] فإن إقامة كل الكتب الثلاثة لا تتأتَّى بغير ذلك..قال أبو السعود:” {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التوراة والإنجيل} بمراعاة ما فيهما من الأحكام التي من جملتها شواهدُ نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم ومبشراتُ بِعثتِه، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك لا بمراعاة جميع ما فيهما من الأحكام لانتساخِ بعضِها بنزول القرآن فليست مراعاةُ الكلِّ من إقامتهما في شيء”[9] .
• وقال الطبري:”فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب ونسخ بعضها بعضا؟ قيل: وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متفقة في الأمر بالإيمان برسل الله والتصديق بما جاءت به من عند الله فمعنى إقامتهم التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم تصديقهم بما فيها والعمل بما هي متفقة فيه وكلّ واحد منها في الخبر الذي فرض العمل به”[10] .
اختار هذا القول: الطبري وأبو حيان ومكي والزمخشري والبيضاوي وأبو السعود والآلوسي والخازن والفخر الرازي والشعراوي والسعدي والقاسمي واطفيش في الهميان والتيسير ومكي والواحدي والجلال والشوكاني والسمرقندي، وجمهور العلماء.
القول الثاني:
قالوا المراد بالإقامة ا قبل مجيء الرسول صلى الله وسلم بدين الإسلام، قالوا لأنه لما تكلم اليهود على التضييق عليهم والعسر الذي عبروا عنه بتلك الكلمة البذيئة في حق الله تعالى بقولهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، وما ذلك التضييق عليهم إلا بسبب انحرافهم واعوجاجهم الماضي، بين لهم أن هذا من عدم استقامتهم في الماضي: {ولو أنهم أقاموا التوراة}:أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها {والإنجيل} أي بعد إنزاله كذلك – لصلحت حياتهم الدنيا، ونمت وفاضت عليهم الأرزاق، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق، ووفرة النتاج، وصلاح أمر الحياة.. ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا يقيمون منهج الله – إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل مقتصدة غير مسرفة على نفسها، فمعنى إقامة التّوراة والإنجيل على هذا إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غَضَبه ولأغدق عليهم نعمَه، فاليهود لم يقيموا أحكامها كما تقدّم آنفاً، وكفروا بالإنجيل ورفضوه، وذلك أشدّ في عدم إقامَته.
اختاره البقاعي وأبو زهرة وسيد قطب وأجازه ابن عاشور وبعض العلماء.

وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ
القول الأول:
المراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن الكريم الذي نزل على قلب هذا النبي الذي بشرت به كتبهم الذي أكمل به الدين؛ لأنهم لما خوطبوا به، كان نازلا إليهم وإنزال الكتاب إلى أحد مجرد وصوله إليه، وإيجاب العمل به وإن لم يكن الوحي نازلاً عليه، والتعبير عن القرآن بـ(أنزل إليهم من ربهم}:
أ) للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله اليهم، فهم مخاطبون به، وهو منزل إليهم مع غيرهم، وليسوا خارجين عن التكليف الذي دعا إليه، ب) وللتصريح ببطلان ما كانوا يدعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل.
وتقديم {إِلَيْهِمُ} للاهتمام بالمقدم والتشويق للمؤخر، والتعبير بـ(ربهم) وإضافة الرب إلى ضميرهم مزيد لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة لبيان أن هذا القرآن إنزال من الذي يربيهم بالنعم ويريد خيرهم، ففي القرآن هدايتهم وسعادتهم والرزق الواسع من كل ناحية، وفي إعادة هذه الجملة الكريمة مرتين {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} 66، 68، تأكيد لإرادة القرآن الكريم.
اختاره ابن عباس وأبو السعود والآلوسي وسيد طنطاوي والسمعاني والطبراني والطبري والجبائي والصابوني ومكي والقرطبي والفارسي والميسر ومحمد رشيد رضا وأبوز هرة والميسر والماوردي والبغوي القرطبي والطبرسي.
القول الثاني:
المراد سائر ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائهم كزبور داود وحِكَم سليمان أشعياء، وكتاب أرمياء، وكتاب حزقيل وكتاب حبقوق بقافين وكتب دنيال، وفي هذا الاحتمالان الماضيان:
أ) إما المراد بعد مجيء القرآن فالمراد الإيمان بما فيها من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهي مملوءة بالبشائر بمبعثه صلى الله عليه وسلم.
رجحه البقاعي وابو حيان والزمخشري والبيضاوي.
ب) أو المراد قبل الإسلام فالمراد أنهم لو أقاموها قبل البعثة المحمدية لعمهم الخير وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.فهو ذم لهم بأنهم لم يقيموها ولا تدبروها، وإنما كان الدين عندهم أماني يتمنونها، وبدعا وتقاليد يتوارثونها. فهم بين غلو وتقصير، وإفراط وتفريط. والمراد أن دهماءهم وسوادهم الأعظم كان كذلك كما يعلم من تواريخهم وتواريخ غيرهم.
الطباطبائي
القول الثالث: الجمع بين القولين
قوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ} من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن، فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم، فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها
الشوكاني وابن عجيبة وهميان الزاد وأجازه الآلوسي.
الترجيح: الراجح هو القول الأول الذي عليه الجمهور وهو أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم هو القرآن الكريم، والتعبير عنه بذلك لما ذكر هناك من الأسرار البلاغية، ولأنه هو المناسب لسياق سورة المائدة التي موضوعها الإيفاء بالعقود التي بين الله وبين عباده أو بين الناس، وما ذكرناه في علاقة الآية بما قبلها أخذا من علمائنا، فالذي يدعوا له التأمل يوضح أن هذا هو الأرجح، وإليك الآيات السابقة على هذه الآية ليتضح الأمر كمال الاتضاح {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ـ ـ ـ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)}
في دروزة في التفسير الحديث: “ومن المؤولين من صرف جملة: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ} إلى القرآن ومنهم من صرفها إلى كتب الله السابقة. والقول الأول معزو إلى ابن عباس. ونحن نراه الأوجه؛ لأن ما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو منزل إلى الناس جميعا وأهل الكتاب من الجملة، ويعضد هذا الآية الأولى من الآيتين التي تقرر بأنهم لو آمنوا لكفر الله عنهم سيئاتهم؛ حيث إن المقصود إيمانهم برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ويعضده ذكر التوراة والإنجيل قبل الجملة، وتعضده أيضا الآيتان (15، 16) من هذه السورة؛ حيث خوطب فيهما أهل الكتاب بأنه قد جاءهم من الله نور وكتاب مبين. وبهذا يزول ما يرد من إشكال في لوم أهل الكتاب على عدم إقامتهم التوراة والإنجيل وإيذانهم بأنهم لو أقاموا لحسنت حالتهم، فالمطلوب منهم أو الواجب عليهم أن يقيموها ويقيموا في الوقت نفسه أحكام ما أنزل إليهم بواسطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو القرآن.
وقد يرد إشكال آخر، فما دام أن الدعوة الإسلامية موجهة إليهم، وفي حال إيمانهم بها تكون الشريعة الإسلامية التي تقوم على القرآن والسنة النبوية القولية والفعلية هي شريعتهم، فكيف يؤمرون والحالة هذه بإقامة التوراة والإنجيل؟ وجوابا على هذا نقول: إن الآية قد جاءت في معرض التنديد لتقول لأهل الكتاب: إن ما أصابهم من ضيق وعسر إنما أصابهم لأنهم أيضا لم يقيموا أحكام كتبهم ويتبعوا وصاياها، ومن جملة ذلك الإيمان برسالة النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم الواردة صفته في التوراة والإنجيل على ما شرحناه في سياق آية سورة الأعراف (157) التي تذكر ذلك”.
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
الجملة الكريمة استعارة عن سبوغ النعم عليهم، وتوسعة الرزق عليهم، {لأكلوا}: لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض ويكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع ويرزقهم الجنان اليانعة الثمار من كل جانب وإدخال (من) لبيان جهة المأكول أنه من جهة الفوق والتحت، وأنه يعمهم من جميع جهاتهم بحيث جعلوا مغمورين فيه مع القرب وفيها التأكيد، والأكل من جميع الجهات كناية عن سبوغ النعمة وكثرتها وأنها عمتهم[11].
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ:
بعد ذكر قبائح أهل الكتاب من التعدي عن حدود الله والكفر بآيات الله ونزول السخط واللعن على جماعتهم أن ذلك كله، جاءت هذه الآية لتبين أنه إنما تلبس به أكثرهم وليسوا جميعهم، وأن منهم أمة معتدلة ليست على هذا النعت وهذا من نصفة الكلام الإلهي حيث لا يضيع حقا من الحقوق ويراقب إحياء أمر الحق وإن كان قليلا.
فهذه الجملة مستأنَفةٌ مبنيّةٌ على سؤال نشأ من مضمون الجملتين المصدّرتين بحرف الامتناع (لو) الدالتين على انتفاء الإيمان والاتقاءِ وإقامةِ الكتب المُنْزلة من أهل الكتاب، كأنه قيل: هل كلُّهم كذلك مصرّون على عدم الإيمان؟، فقيل: (منهم أمة مقتصدة)
القول الأول:
والأمة: الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد. أو جنس واحد. أو مكان واحد.
(مقتصدة): أي طائفة معتدلة، من الاقتصاد وهو الاعتدال في أمر الدين لا تغلو بالإفراط ولا تهمل بالتقصير، والمراد به هنا: السير على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الحق والخير، وهو طريق الإِسلام، والمعنى: منهم جماعة مستقيمة على طريق الحق، وهم من دخل منهم في الإِسلام واتبع ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم وهم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود وثمانية وأربعون من النصارى.
والاقتصاد من القصد وهو الاعتدال، وهو افتعل بمعنى اعتمل واكتسب ففيها مبالغة أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير.
{وَكَثِيرٌ منهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} أي مقولٌ في حقهم هذا القولُ، وساء: أفادت الذم والتعجب أي بئسما يعملون وفيه معنى التعجب
{وكثير منهم} أي بني إسرائيل {سآء ما يعملون} أي ما أسوأ عملهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده، من العِناد والمكابرةِ وتحريفِ الحق والإعراض عنه، وهم الأجلافُ المتعصِّبون ككعبِ بن الأشرف وأشباهه والروم ففيه معنى التعجيب، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله [12]
مجاهد والسدي وابن زيد واختاره الجبائي أبو السعود وسيد طنطاوي ودروزة واطفيش وأبو زهرة والجلال والآلوسي والبقاعي والقاسمي والزمخشري والواحدي ومكي وابن جزي والبيضاوي وابن الجوزي والقرطبي وأبو علي الجبائي.
وهو الأصح ويدل عليه المضارع: يعملون: مستمرون على تجديده
القول الثاني:
والمقتصد يطلق على المطيع، أي غيرُ مسرف بارتكاب الذنوب، واقف عند حدود كتابهم، لأنّه يقتصد في سَرف نفسه، ودليل ذلك مقابلته بقوله في الشقّ الآخر {ساء ما يعملون}. وقد علم من اصطلاح القرآن التعبير بالإسراف عن الاسترسال في الذنوب، قال تعالى: {قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53]، ولذلك يقابل بالاقتصاد، أي الحذر من الذنوب، واختير المقتصد لأنّ المطيعين منهم قبْل الإسلام كانوا غير بالغين غاية الطاعة، كقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مُقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32]، فالمراد هنا تقسيم أهل الكتاب قبل الإسلام لأنّهم بعد الإسلام قسمان سيّء العمل، وهو من لم يسلم؛ وسابق في الخيرات، وهم الّذين أسلموا مثل عبد الله بن سَلاَم ومخيريق
القول الثالث: جمع بين القولين:
وقال مجاهد: المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديماً وحديثاً، ونحوه قول ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب. وذكر الزجاج وغيره: أنها الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتمرّدين المجاهدين قال ابن عطية وقال مجاهد: المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديماً وحديثاً. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا مسلم، وقال ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب، وهذا هو المترجح، وقد ذكر.
يقول علي هاني: للقارئ أن يأخذ بأي قول ورأي ذكره علماؤنا رحمهم الله للآية، فكلها لا تؤدي إلى تعارض آيات القرآن الكريم ولا تعارض مسلمات وثوابت القرآن الكريم، بل هي في الحقيقة على الأقوال التي عليها الجمهور دعوة وترغيب بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما يجب الإيمان به ودعوة للتقوى، وللإيمان بالقرآن الذي أنزل إليهم، فالآية عكس ما فسرها هؤلاء.

*************

الآية الثانية: {(قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [المائدة: 68] يقال في هذه الآية ما يقال في سابقتها، ولكي لا أطيل اكتفي نقل ما قاله أبو السعود رحمه في تفسير الآية: قال رحمه الله:
“{قُلْ يا أهل الكتاب} مخاطِباً الفريقين {لَسْتُمْ على شَيء} أيْ دينٍ يُعتدّ به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بُطلانه ووضوح فساده، وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غايةَ وراءه {حتى تُقِيمُوا التوراة والإنجيل} أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشواهدُ نبوته، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك، وأما مراعاة أحكامهما المنسوخةِ فليست من إقامتهما في شيء، بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما، لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادةٌ بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما، وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشَّرَ فيهما ببعثه، وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه، فإذن إقامتُهما بيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة من الأحكام كما يُفصح عنه قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ من ربّكمْ} أي القرآن المجيد بالإيمان به، فإن إقامة الجميع لا تتأتَّى بغير ذلك، وتقديمُ إقامةِ الكتابين على إقامته مع أنها المقصودةُ بالذات لرعاية حقِّ الشهادة واستنزالِهم عن رتبة الشِّقاق، وإيرادُه بعنوان الإنزال إليهم لما مرّ من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعُمون من اختصاصه بالعرب، وفي إضافة الربِّ إلى ضميرهم ما أشير إليه من اللطف في الدعوة، وقيل: المراد بما أُنزل إليهم كتبُ أنبياءِ بني إسرائيلَ كما مر، وقيل: الكتبُ الإلهية فإنها بأسرها آمرةٌ بالإيمان لمن صدَّقَتْه المعجزةُ ناطقةٌ بوجوب الطاعة له. رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جماعةً من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تقرأ أن التوراة حقٌّ من عند الله تعالى؟ فقال عليه السلام: «بلى »، فقالوا: فإنا مؤمنون بها ولا نؤمنُ بغيرها فنزلت، قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً منهُم ما أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ طغيانا وَكُفْراً} جملة مستأنَفةٌ مبيِّنةٌ لشدة شكيمَتِهم وغُلوِّهم في المكابرة والعناد وعدمِ إفادة التبليغ نفعاً، وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولِها، والمرادُ بالكثير المذكور علماؤهم ورؤساؤهم، ونسبةُ الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسبته فيما مر إليهم للإنباء عن انسلاخِهم عن تلك النسبة {فَلاَ تَأسَ عَلَى القوم الكافرين} أي لا تتأسف ولا تحزن عليهم لإفراطهم في الطغيان والكفر بما تُبلّغه إليهم، فإن غائلتَه آيلةٌ إليهم وتبِعَتَه حائقةٌ لا تتخطاهم، وفي المؤمنين مندوحةٌ 40 لك عنهم، ووضعُ المُظْهر موضعَ المُضمَرِ للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر “[13].
الآية الثالثة: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)}في الآية الكريمة قولان مشهوران، وأقوال [14]أقل شهرة وكلها يجوز للقارئ أن يأخذها قد قررها العلماء، ولا تؤدي إلى تعارض آي القرآن:
القول الأول: وهو قول الجمهور: الطبري والواحدي والسمعاني والبغوي والزمخشري والطبرسي وابن الجوزي والقرطبي الثعالبي الجلالين والزمخشري وسيد طنطاوي وأبو زهرة وابن عاشور ورشيد رضا واطفيش.
قالوا: لما كان السياق في ذكر التوراة وأنها حكم بها فترة ثم نسخت، ثم أنزل الله الإنجيل وأمر أهلها أن يحكموا بها ثم نسخت بإنزال القرآن ثم أمر جميع الناس أن يحكموا به، فالكلام ظاهر في تقدير محذوف تقديره “وقلنا”:
{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} وهذا المحذوف من جملة ما أَنزل الله في الإِنجيل لا أَمر لهم بعد بعث سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم بالحكم بالإِنجيل، والتقدير: وآتيناه الإنجيل وقلنا لهم في الإِنجيل وليحكم أَهل الإِنجيل بما أَنزل الله فيه من المواعظ والأَمثال، فيكون هذا إخبارا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله {وكتبنا وقفينا} يدل عليه، وحَذْفُ القولِ كثيرٌ كقوله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} أي يقولون سلام عليكم، ويؤيد هذا التقدير القراءة الأخرى في الآية بكسر اللام على أنها لام تعليل (ولـِيَحكم) أي: وآتيناه الإنجيل لِيَحكم أهلُ الإنجيل بما فيه.، فأما بعد نزول القرآن فـ(الإنجيل) منسوخ.
قال ابن عاشور:” ولا شكّ أنّ هذا الأمر سابق على مجيء الإسلام، فهو ممّا أمر الله به الّذين أرسل إليهم عيسى من اليهود والنّصارى، فعلم أنّ في الجملة قولاً مقدّراً هو المعطوف على جملة {وآتيناه الإنجيل}، أي وآتيناه الإنجيل الموصوف بتلك الصّفات العظيمة، وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل، فيتمّ التّمهيد لقوله بعده {ومن لم يحكم بما أنزل الله}، فقرائن تقدير القول مُتظافِرة من أمور عدّة”[15] . وقال سيد قطب:”وقد جعل الله في الإنجيل هدى ونورا وموعظة للمتقين، وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل.أي إنه خاص بهم، فليس رسالة عامة للبشر – شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل رسول، قبل هذا الدين الأخير – ولكن ما طابق من شريعته – التي هي شريعة التوراة – حكم القرآن فهو من شريعة القرآن. كما مر بنا في شريعة القصاص. وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) “[16].
وهناك أمر مهم نبه عليه أكثر من عالم أبي زهرة وهو أنه لو فرضنا عدم تقدير كلمة (قلنا)، فإن الكلام لا يدل على بقاء شريعة الإنجيل للنصارى، وذلك لأنه بعد بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاروا هم أهل القرآن؛ لأنهم هم الذين يخاطبون برسالته ومعهم غيرهم من الخليقة، فكل الذين يدركون نبيا هم أهل رسالته التي يخاطبون بها، لا فرق بين قريب دان، فـ”أهل الإنجيل” توحي أن العمل بالإنجيل محدود، والسياق يدل على ذلك دلالة بينة ويدعم هذا الفهم، فقد أخبرتنا الآيات أنه سبحانه أنزل التوراة للذين هادوا فهذا يدل على أنها محدودة المدة في العمل والعمل بها مقصور عليهم، ثم قال سبحانه {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)}ثم قال سبحانه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فالسياق بل النص الواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه مأمورون بالحكم بالقرآن الكريم لأن الإنجيل مدته محدودة لأهل الإنجيل كما كانت مدة الذين هادوا كذلك فشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد نسخت ما يخالفها مما سبقها، إذ شريعة القرآن هي المهيمنة على ما عداها، كما قال تعالى: {وأنزلناك إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه}، وهذه الهيمنة توجب العمل بما أقره القرآن، وبطلان العمل بما نسخه منها، وأما أحكامُ الإنجيل المنسوخةُ فليس الحكمُ بهما حكماً بما أنزل الله فيه بل هو إبطالٌ وتعطيلٌ لما أنزل الله، إذ الإنجيل شاهدٌ بنسخ هذه الأحكام وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادة الإنجيل بصحة القرآن شهادة بنسخها، وبأن الأحكام التي يرتضيها الله هي أحكام ما بشر به الإنجيل وهو القرآن الذي شهد الإنجيل بصحته.
القول الثاني:
قالوا هذا أمر لأهل الإنجيل بعد نزول القرآن الكريم أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عملا بالبشرى التي في الإنجيل، {وَليَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ} أمرٌ مبتدأٌ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالتِه عليه الصلاة والسلام وشواهدُ نبوته وما قرَّرت الشريعة الشريفةُ من أحكامه، وأما أحكامُه المنسوخةُ فليس الحكمُ بهما حكماً بما أنزل الله فيه بل هو إبطالٌ وتعطيلٌ له، إذ هو شاهدٌ بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادته بصحة ما ينسَخُها من الشريعة شهادةٌ بنسخها، وبأن أحكامَه ما قرَّرتْه تلك الشريعةُ التي شهد بصحتها كما سيأتي في قوله تعالى: {قُلْ يا أهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيء حتى تُقِيمُوا التوراة والإنجيل} [المائدة، الآية 67] الآية.
أبو السعود وابن كثير والآلوسي والقاسمي
الراجح: هو الأول الذي عليه الجمهور ويعضده قراءة كسر اللام، والسياق.
وعلى كل الأقوال، يتضح أن ما استدل به الذين يجيزون لأهل التثليث من النصارى واليهود أن يعملوا بكتابهم بعد نزول القرآن، وقالوا: لا يلزمهم العمل بالقرآن ـ يتضح أن هذا القول باطل عاطل لم يقل به أحد من علماء المسلمين قبل زماننا وليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا نقل عن أحد.

 

[1] إرشاد العقل السليم (3/44)
[2] صحيح مسلم باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام رقم الحديث 240 وقد ذكر الإمام السيوطي سبب ورود هذا الحديث في اللمع في أسباب ورود الحديث/ عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) قال سبب: أخرج الدارقطني في الافراد عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رأيت رجلا من النصاري متمسكا بالانجيل ورجلا من اليهود متمسكا بالتوراة يؤمن بالله ورسوله، ثم لم يتبعك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من سمع بي من يهودي أو
نصراني ثم لم يتبعني فهو في النار “. ص 90
[3] (1/ 53)
[4] لتتضح علاقة الآية بما قبلها أذكر الآيات التي قبل هذه الآية الكريمة:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}.
[5] مسند الإمام أحمد 19634 وفي صحيح البخاري 3011 ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ، الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:61]، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ “،
[6] نظم الدرر (6 /224)
[7] الذي نحن فيه غير الخلاف في أصول الفقه هل شرع من قبلنا شرع لنا: قال محمد بن الحسن بن العربيّ في الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلاميفقهنا مبتكر ليس مقبتسًا, فهو كالعلم المرتجل؛ إذ نبينا -صلى الله عليه وسلم- النبي الأمي، وأمته التي بُعِثَ فيها بدوية، لم تكن لها في زمن تكوين الفقه حضرية تتمكن بها من الاقتباس من الكتب قبلها، ففقهنا مقتبس من قرآننا وسنة نبينا، ناشيء بنشأتهما.
أما من قال من علمائنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا.
فليس مراده أننا نطالع توراتهم مثلًا ونقتبس منها الأحكام, فهذا لا قائل به, وإنما مرادهم أن ما ورد في القرآن والسنة حكاية عن وقائع الأمم السالفة ونوازلها الفقهية إذا لم يقيم دليل على نسخه يكون شرعًا لنا, لكون الشرع قرره ولم ينكره, فحكايته له وعدم إنكاره بمنزلة قوله: اعملوا به، كقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} الآية1، أما كتب الكتابيين فلا يجوز لنا أن نأخذ منها الأحكام أصلًا, لقوله -عليه الصلاة والسلام: “لا تصدقوهم ولا تكذبوهم, وقولوا آمنًّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم” (1/76).
[8] قال أبو السعود في تفسير {(قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} أبو السعود -{قُلْ يا أهل الكتاب} مخاطِباً الفريقين {لَسْتُمْ على شَيء} أيْ دينٍ يُعتدّ به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بُطلانه ووضوح فساده، وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غايةَ وراءه {حتى تُقِيمُوا التوراة والإنجيل} أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشواهدُ نبوته، فإن إقامتهما إنما تكون بذلك، وأما مراعاة أحكامهما المنسوخةِ فليست من إقامتهما في شيء، بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما، لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها، لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادةٌ بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما، وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشَّرَ فيهما ببعثه، وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه، فإذن إقامتُهما بيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة من الأحكام كما يُفصح عنه قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ من ربّكمْ} أي القرآن المجيد بالإيمان به، فإن إقامة الجميع لا تتأتَّى بغير ذلك، وتقديمُ إقامةِ الكتابين على إقامته مع أنها المقصودةُ بالذات لرعاية حقِّ الشهادة واستنزالِهم عن رتبة الشِّقاق
[9] إرشاد العقل السليم (2 / 350).
[10] جامع البيان (10 / 462).
[11] قال البقاعي {لأكلوا} أي لتيسر لهم الرزق، وعبّر بـ ” من ” لأن المراد بيان جهة المأكول لا الأكل {من فوقهم}، ولما كان ذلك، قال موضحاً له معبراً بالأحسن ليفهم غيره بطريق الأولى: {ومن تحت أرجلهم} أي تيسراً واسعاً جداً متصلاً لا يحصر، أو يكون كناية عن بركات السماء والأرض، فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة إلا تصديقاً
قال أبو السعود: ومفعول (أكلوا) محذوف بقصد التعميم، أو للقصد إلى نفس الفعل كما في قوله: فلان يعطي ويمنع، و(مِنْ) في الموضعين لابتداء الغايةاطفيش – الهميان: {لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرجُلِهِم}: من للابتداء، والكلام عبارة عن توسيع الرزق، كأنه قيل لأفيض عليهم الرزق من كل جهة، وجعلوا مغمورين فيه، فان هذا مما يعبر به عن توسيعه.
[12] قال أبو حيان: فالجملة الأولى جاءت منهم أمة مقتصدة، جاء الخبر الجار والمجرور، والخبر الجملة من قوله: ساء ما يعملون، وبين التركيبين تفاوت غريب من حيث المعنى، وذلك أن الاقتصاد جعل وصفاً، والوصف ألزم للموصوف من الخبر، فأتى بالوصف اللازم في الطائفة الممدوحة، وأخبر عنها بقوله: منهم، والخبر ليس من شأنه اللزوم ولا سيما هنا، فأخبر عنهم بأنهم من أهل الكتاب في الأصل، ثم قد تزول هذه النسبة بالإسلام فيكون التعبير عنهم والإخبار بأنهم منهم، باعتبار الحالة الماضية
وأما في الجملة الثانية فإنهم منهم حقيقة لأنهم كفار، فجاء الوصف بالإلزام، ولم يجعل خبراً، وجعل خبر الجملة التي هي ساء ما يعملون، لأن الخبر ليس من شأنه اللزوم، فهم بصدد أن يسلم ناس منهم فيزول عنهم الإخبار بمضمون هذه الجملة
[13] إرشاد العقل السليم (3 / 62).
[14] قد لخصها كلها أبو حيان قائلا:” {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} أمر تعالى أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام ويكون هذا الأمر على سبيل الحكاية، وقلنا لهم: احكموا، أي حين إيتائه عيسى أمرناهم بالحكم بما فيه إذ لا يمكن ذلك أن يكون بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ شريعته ناسخة لجميع الشرائع، أو بما أنزل الله فيه مخصوصاً بالدلائل الدالة على نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم، أو بخصوص الزمان إلى بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عبر بالحكم بما أنزل الله فيه عن عدم تحريفه وتغييره، فالمعنى: وليقرأه أهل ,الإنجيل على الوجه الذي أنزل لا يغيرونه ولا يبدلونه، وهذا بعيد “. البحر المحيط (4/280).
[15] التحرير والتنوير (6/ 219).
[16] ظلال القرآن (2/900).

إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين (33) بحث مفصل بقلم الشيخ علي هاني

يقدم لنا فضيلة الشيخ بحثاً في المنظور القرآني لعلاقة الإسلام والمسلمين باليهود والنصارى، وذلك من خلال دراسة الآيات الواردة بخصوصهم، وتركيز البحث في الدرجة الأولى على آية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] وعلى ما يشبهها في المائدة والحج، ملخصاً وشارحاً ومستدلاً بأهم ما جاء في كتب التفسير في هذا الموضوع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدليل العاشر: قد بشرت جميع الكتب بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته
وهددت من لم يؤمن به إذا جاء، فبشارات الظهور وعلائم النّبي وصفاته مذكورة في هذه الكتب السماوية لا سيما التوراة والإنجيل، وهي تدعو أتباعهما إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه واتباع شرعه، ثم يأتي هؤلاء ويقولون:يجوز لليهود والنصارى البقاء على دينهم المحرف، وهذا شيء عجيب!، فالصادقون من أهل الكتاب الذين يؤمنون فعلا بكتبهم يستجيبون لها ولرسلهم كما قال تعالى قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ـ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ـ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (سورة البقرة: 121) “الذين آتيناهم” مبتدأ، وجملة “يتلونه” حال، والخبر هو {أولئك يؤمنون به}.
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)} (القصص (51ـ 54)
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}
بعض البشارات التي وردت في التوراة والإنجيل:
1) جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات 18و19: ” يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه، ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه “، وهذا النص موجود عندهم الآن، فقوله:” من إخوانهم “، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبياً منهم، لكنه قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل..
2) جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات 16-17: ” إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وان لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي “، وكلمة (المعزي) أصلها منقول عن الكلمة اليونانية باراكلي طوس المحرفة عن الكلمة بيركلوطوس التي تعني أحمد وهذا لا ينطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم . [1]
” جاء في التوراة في السفر الخامس: ” أقبل الله من سيناء (وفي رواية ربنا)، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه “.
وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمجيئه من ” سينا “: وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، ونبأه عليه إخبار عن نبوته، وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و” ساعير “: قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح، “وفاران “: هي مكة، وشبه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه، ونبوة خاتم الأنبياء باستعلاء الشمس، وظهور ضوئها في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء، فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته، وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة (والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين “[2].
قال البقاعي:” فأضاف الرب إليهم، وجعل الإتيان من جبال فاران – التي هي مكة، لا نزاع لهم في ذلك – تبدياً وظهوراً أي لاخفاء به بوجه، ولا ظهور أتم منه”
ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابه: (البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السماوية السابقة) أن إنجيل برنابا في الباب 22 جاء فيه:
” وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله ”
وجاء في سفر أشعيا: إني جعلت اسمك محمدا يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد.
وجاء في سفر أشعيا: ” وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية “.
وجاء في سفر حبقوق:” إن الله جاء من التيمان والقدوس من جبل فاران، لقد أضاء السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من حمده.”.
يقول مطران الموصل السابق الذي هداه الله للإسلام، وهو البروفيسور عبد الأحد داود الآشوري في كتابه (محمد في الكتاب المقدس): إن العبارة الشائعة عن النصارى: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. لم تكن هكذا، بل كانت: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد.

 

[1] وقد توسع محمد رشيد رضا في الكلام على أصل الكلمة في المنار (9 /215).
[2] انظر هداية الحيارى ص 110، وما ذكره ابن القيم هو في العهد القديم سفر التثنية الإصحاح 33.

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٦) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حقيقة العلاج

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: إذا نظرنا للواقع هذا نجد حقيقة العلاج والدواء والإنقاذ، من خلال هذا العمل الذي أنتم فيه، إنْ تَمَّ للواحد منكم على الوجه المطلوب فهو واحد من أهل الإنقاذ، وأهل المداواة وأهل العلاج.
أخذُ العلم الشريف على وجهه وعلى طريقه، ومن محله بالنية الخلصاء مع نية العمل به، والقيام بحق العمل، والحرص والهمِّ الكبير على تبليغه ونشْره في الناس، فتلك هي طريقة الأنبياء والرسل، إذا قامت وتمَّت تمَّ العلاج للأمة، وانكشفت الغمة، وانجلت الظلمة، وتفرَّجت الكربة، وصَلُحَ حال الناس.
وإذا أصرُّوا على نومهم، وأصروا على غفلتهم، وأصروا على إهمالهم، وأصروا على استخفافهم بأمر الخالق الحق الفاطر، فالخسران عليهم واقعٌ لا محالة، {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١-٣].
لا بد أن تعرفوا عظمة مهمتكم، وعظمة هذا الشأن الذي أنتم فيه، هذا شأن اتصال بنبوة … برسالة … بوحي … بالإله … بالخالق … بالرحمن … بالقادر … بالقوي … بالقهار … بالجبار … بالبارئ … بالذي بيده ملكوت كل شيء، وسر اتصال بموجب سعادة الأبد، والخلد في دار الكرامة، كل ذلك أمر عظيم … عظيم … عظيم، خرجت عظمته من صدور الغافلين، وعقول الذين حُجِبوا عن حقائق الدين، أو التَهَوا[1] بالترهات والبطالات.
إن شاء الله يُوفَّق الله كل واحد منكم، حتى يعرف واجبه ومهمته، ويكون كلُّ واحد منكم ممَّن تقرُّ بهم العين، وممن يعالجون ويداوون، ويكونون سببًا لإنقاذ الأمة إن شاء الله، إنه وقد أكرمك بالمجيء إلى هذا المنزل[2] ، أو أسمعك مثل هذا الحديث، فقد هيَّأ لك السبيل، ويسَّر لك الطريق، وذلَّل لك الصعاب، وذلَّل لك العِقابَ[3] ، وفتح لك الباب، فتكون لو رضيت بأن تَغفُل أو تُهمِل أو تترك أو تُدبِر أو تخالف حُجَّة شديدة عليك، بعدما قرَّب ويسَّر ورتَّب وحبَّب، فتُعرِض أنت عنه، وتغفل وترضى بشيء من المخالفات أو المعاصي.
فيكم كثيرٌ يسري نظر العناية إليهم، ويتهيَّئون لرضوانه الأكبر، وفيكم أناس يتقلَّبون بين الدواعي، دواعي كذا، فلا يزال يقوم ويقعد، ما عرف يمشي صحيح، وإلا فوقه[4] أدِلَّاء على الطريق، مادِّين أيديهم، سيمسكون بيده وسيمشون به، ولكن إذا ما انتهض ماذا يعملون به؟ كل منكم ينتبه.
الآن أتكلم وأنا وإياكم في الدنيا في هذا المبنى المبارك، والحال مشهود لأهل السماء، وخيار أهل الأرض، وبعد هذا اليوم ستظهر نتائج هذا الكلام وعواقبه وثمراته، «وكلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو موبقها»[5] . الله يكرمنا وإياكم بصدق الإقبال، ويلحقنا بحبيبه مولى بلال.
إن شاء الله لا يرجع أحدٌ منكم خائبًا، لكن ساعدوا على بلوغ هذا الأرب، والقيام بهذا الأمر الكبير العظيم، واصدُقُوا مع الله، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد، كما ذكر ذلك في كتابه، ما يأتي البُعد إلا من جهة الإنسان نفسه، الله يبارك فيكم، وينظر إليكم ويسعدكم، وحيثما اتجهنا ومشينا نكون في ذكر لكم ولأحوالكم، نسأل الحق أن يوفر الحظ لنا ولكم.

 

[1] من اللهو.
[2] إشارة إلى دار المصطفى للدراسات الإسلامية بتريم-حضرموت.
[3] أي: ذلَّل لك العقبات.
[4] أي معه.
[5] عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو موبقها». رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والترمذي.

المحاضرة العاشرة من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: المرحلة الثالثة من مراحل عمر الولد من سن السابعة لسن العاشرة الجزء الأول: خصائص هذه المرحلة

يقدم لنا فضيلة الشيخ سلسلة في فقه تربية الأولاد على المنهج الإسلامي الصحيح، مع تناول دلالاته في القرآن والسنة والتراث، ومع بيان شروط ومقتضيات وثمار هذا المنهج التربوي، وإبراز واجبات المربي ومسئولياته.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علما ينفعنا

لقد وصلنا للمرحلة الثالثة من مراحل عمر الولد، والتي تبدأ من سن السابعة للسنة العاشرة، أو الحادية عشرة من عمره، وهذه المرحلة تعتبر أول مراحل نضج الطفل؛ ففيها ينتقل الطفل من المكان الضيق -المتمثل في البيت، ودائرة العلاقات الضيقة أيضا المتمثلة في الأب، والأم، والإخوة – إلى الدائرة الأوسع والمتمثلة في المدرسة والمسجد والطريق، وغير ذلك؛ لذا لابد أن نتعرف على خصائص هذه المرحلة لنصل للطريقة المناسبة للتعامل مع الطفل.

خصائص تربية الطفل في هذه المرحلة:

1- يبدأ الطفل في هذه المرحلة بالنضوج الفكري، والنفسي، والجسمي؛ فتبدأ شخصيته بالتشكل بعد أن كانت ذائبًة، أو غائبة في شخصية الوالدين.
– معظم الوالدين في هذه المرحلة لا يعترف بكيان الطفل، ووجوده؛ ظنًا منهم أنه ما يزال صغيرًا والحقيقة أنه صغيرٌ في نظر الوالدين فقط، أما في الواقع فقد دخل في سن الكبار؛ فصار له حضور ووجود، وفكر، وشخصية، وكيان؛ فتبدأ كثيرٌ من المعالم المفقودة سابقا بالظهور؛ لهذا يجب أن يلحظ الوالدان هذه التغيرات، ومعاملة الطفل بما يتناسب معها، فمن الخطأ اتباع نفس الأسلوب وقت كان الطفل في سن الثلاث سنوات، والأربع سنوات.
– كثير من الآباء والأمهات يعاملون الطفل على أنه إما طفل رضيع، أو رجل بالغ ناضج. والحقيقة أن الأمر مختلف، فهناك مراحل بين سن الطفولة، وسن الرجولة، ولكلٍّ مرحلته وطريقته في التعامل.

2- تبدأ في هذه المرحلة ظهور انعكاسات تربية الطفل السابقة من الناحية النفسية، والفكرية، والبيئية؛ فيظهر مثلًا أثر أداء الوالدين للعبادات الشعائرية أمام الولد، كالصلاة والصيام …، وأثر أمهات الفضائل، وما يناقضها كالصدق، والكذب والأمانة، والخيانة، والكرم، والشح، والإيثار، والأثرة …

3- تبدأ العلاقات الاجتماعية في هذه المرحلة بالتوسع لدى الطفل؛ فيدخل المدرسة، وقد يرسله والداه للمسجد؛ لتعلم القرآن، وحضور الصلوات، وما شابه، ويسمح له والداه بالخروج من البيت للعب مع أصدقائه؛ فيبدأ بالخروج من عش الوالدين الضيق إلى الدائرة الأوسع؛ فصار له ذهاب وإياب وعلاقات داخل البيت، وخارجه؛ فيجب وضع هذه الخصيصة بعين الاعتبار.

4- يبدأ الطفل في هذه المرحلة بالاستقلال الجزئي عن والديه في بعض الأعمال، والخدمات التي كانت تقدم له قبل هذه المرحلة؛ فيبدأ بالذهاب للمدرسة وحده، ويأكل وحده، ويخدم نفسه في كثير من الأمور دون أي مساعدة تذكر من أحد والديه أو كليهما… طبعا هذا له انعكاسه على أسلوب التربية.\

5- يجب أن يلحظ الوالدان في هذه المرحلة أنهما يربيان ويبنيان ويغرسان في ولدهما داخل الأسرة، وقد يوجد خارج الأسرة من يهدم ما بنياه، ويغير ما زرعاه فقد يزرعا فكرًا ما فيأتي من يبث فكرًا مخالفا؛ فالولد يسمع داخل البيت شيئا، ويسمع خارج البيت شيئا آخر؛ وعليه فإن تربية الطفل في السنوات الأولى (من الأولى للخامسة) أسهل بكثير من السنوات اللاحقة لأن الموجه الوحيد للولد في تلك المرحلة هو الأب، والأم أما الآن فهو يتأثر بسماعه من المسجد، والمدرسة، والطريق فيعيش الطفل في تيارات قد تكون متوافقة مع ما نهله من والديه في المرحلة العمرية في سن الرابعة، وقد تكون مخالفة لها؛ فيبدأ الطفل بالتعرف على أشياء ربما لم يكن يعرفها في بيته فقد تعلم في بيته أن الكذب لا يجوز فيجد صديقه في المدرسة يكذب، تتربى البنت في بيتها على الحجاب، والعفة، والحياء، ولكن في طريقها للمدرسة تشاهد كمًا من الصور السيئة التي لم تألفها من قبل، ولم تترب عليها.

إن ما يراه الولد خارج البيت – سواء مما تربى عليه، أو مما لم يترب عليه – قد لا يخبر والديه به حتى لو سألاه عنه، ويحتفظ بهذه المشاهد لنفسه (صار له شخصية ووجود).

6- في هذه المرحلة يبدأ الولد بالميل لشخصيات جديدة، ويبدأ بتعظيمها، واحترامها كأستاذه، أو مدرّسته في المدرسة، أو شيخه في المسجد، أو صديقه، أو صديق صديقه في الطريق …فلم يعد الأب، والأم هما الوحيدان في قلب الولد. بل ربما يقدّم الولد في هذه المرحلة بعض أوامر مدرّسيه وأساتذته على أوامر والديه.

7- في هذه المرحلة تتوسع دائرة الطفل المكانية؛ فتبدأ توجهات الطفل بالانطلاق خارج البيت فلم يعد البيت يسعه فهو يريد أن يخرج للعب مع أصدقائه، أو غير ذلك والوالد لو قال لولده: اجلس في البيت؛ فجلوسه في بيته ليس تربية له؛ بل سجن له في قفص، والقفص مذمومٌ ولو كان من ذهب، ومهما قال الوالدان: إنهما يعوضان الولد فهذا غير صحيح؛ فلابد من إيجاد مساحة وحيز يعطى للولد يشبع فيه تطلعاته المتناسبة مع توسع شخصيته، والوالدان عندما يمتلكان الوعي والفهم للتغيرات الحاصلة في شخصية ولدهم يستطيعون وبكل سهولة تهيئة هذه المساحة.

وتجدر الإشارة لأمر مهم طالما كررناه وهو: أن الوالدان لا يستطيعان التحكم بكل ما هو خارج البيت؛ فلابد لهما من البحث عن البدائل الأخرى التي تعوض الخلل الحاصل من عدم تلك السيطرة.

8- يبدأ الطفل في هذه المرحلة برفض بعض أوامر الوالدين؛ لأن مكانتهما قد تراجعت قليلا في نفس الولد وهذا أمر طبيعي له أسبابه فقد صار هناك مصادر أخرى للمعرفة خارج البيت، أضف إلى ذلك بعض التناقضات التي يعايشها الولد في حياته فمثلا: قد يذهب الطفل للمسجد، ويسمع من الشيخ أن الكذب لا يجوز، ثم يرجع الطفل للبيت فيرى أن والده أو والدته يكذبان، أو يسمع من الشيخ حدود عورة الرجل أمام الرجال، وعورة المرأة أمام النساء، أو المحارم فيجد أن بيته لا يطبق هذه الأمور؛ فتهتز ثقة الولد بأبويه وهذا يدفع الولد لرفض بعض الأوامر التي يأمرانه بها بالإضافة لما ذكرناه في البند السادس.

9- يبدأ الطفل في هذه المرحلة بتقييم أفعال والديه لأنه لم يعد يعتقد فيهم العصمة؛ فيبدأ الولد بمحاسبة والديه، وقد يكون هذا بعيونه، وطريقة تعجبه، واستغرابه، ويبدأ بإصدار الأحكام بحقهما، ويحتفظ بهذه الأحكام لنفسه ولا يصرح بها؛ فعلى الوالدين الانتباه لهذا الأمر.

10- إن بداية توجيه الأوامر والنواهي الشرعية للطفل تبدأ في سن السابعة؛ ليعتاد الطفل الأحكام الشرعية، وآداب الإسلام؛ كما أمر رسول الله: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع”. [1]

وليس هذا من باب التكليف بل من باب التدريب الهادئ الهادف؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل”. [2]

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

[1] سنن أبي داوود برقم (435).
[2] سنن أبي داوود – كتاب الحدود برقم (4403)، مسند أحمد – مسند العشرة المبشرين بالجنة (1/116).

توجيه النبيه لمرضاة باريه (٣٥) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

صور الأعمال وروحه

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به[1]: الله ربي وربكم أرسل حبيبه محمدًا، وكلَّفنا أن نخطب ونجتهد وننشر ونبلغ وندعو، وكل ما يكون من الإمامة، في دخول المحراب، والجلوس للتدريس، وإلقاء الكلمات، والتحضير للدروس، فهذا كله صور للخير بما فيه السفر، بما فيه اللقاء بالإخوان، بما فيه الكتابة، هذه صور الخير وأين روحها؟ رُوحها ليس إلا بروحك، فإن الروح لا يحل إلا في الروح، فالصورة هذه إذا كانت بروحها اتصلت روحك بتلك الروح، أي بروح الخير، فسَرَت السراية في أرواح مَن حواليك.
والروح التي فيك جمعيَّتُك على الله، وأدبُك معه، وصدقك وإخلاصك له، وذِلَّتك بين يديه، وتفانيك في محبته، وانطواؤك في أحبابه.
فهذه الأشياء رُوح، إذا حلت في روحك تكتسب منها الصور الخيرية، وتكتسب أيضًا منها روحًا فتخاطبها رُوحك، وإلا بقيت صورة تخاطب الصور «إن الله لا ينظر إلى صوركم»[2]، وأنها بلا نظرة غير موصلة فيما تصل إلى مكان، كما عمل أناس أعمالًا كثيرة، وصورًا كثيرة، ذهبوا وذهبت صورهم.
وكما اغترَّ الآن أناس بكثير من الصور الخيرية، فهم في هذه الصور، لو انكشف لهم الحجاب عن حقيقة ما هم فيه لَبَكوا على أنفسهم في صور الخير؛ لأن الحجاب فيهم، والقطيعة فيهم، والبعد فيهم، والحرمان فيهم، والبُعد عن الصالحين فيهم، وصور الخير عندهم، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه مشكلة أكبر، قال تعالى {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} [الغاشية: ٣] عَمِلت، ولكن جَنَت التعب، قامت بصور من الخير، يعني صلوات وزكوات ومحاضرات ودروسًا، والنتيجة نَصَب {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: ٣-٥]، {ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} [الغاشية: ٨-٩] رَضِيت عن تلك الأعمال والسعي الذي قامت به؛ لأنه ما أثمر النصَب، بل أثمر مرافقة، وأثمر قُربة، وأثمر محبوبية، وأثمر نجاة، وأثمر تقريبًا، وأثمر تنعيمًا، وأثمر خلودًا في المجاورة {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} [الغاشية: ١١]؛ لأنهم أعرضوا عن اللغو في الدنيا، فجاءوا إلى مكان ليس فيه لغو، الذين يحبُّون اللغو في الدنيا، لا بد أن يأتوا إلى مكان كله لغو، وكله عويل[3]، وكله بكاء، وكله فوضى، (فالجزاء من جنس العمل).

 

[1] يوم الأحد 2 من شهر شوال 1420 هـ.
[2] رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكنْ ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.
[3] أي: نحيب ونُواح.