المقالة العشرون من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: هجرة الرسول إلى الطائف

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. لما نالت قريش من النبي – صلى الله عليه وسلم – ما نالت، خرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف؛ لما لهم من قوةٍ ومنعة؛ ولقربهم من مكة؛ ولأنه استرضع فيهم فهُمْ أخواله من الرضاعة؛ فَهُمْ بهذا أقرب القبائل رحماً إليه بعد قريش.

خرج إليها ماشياً ولم يركب، واصطحب غلامه زيد بن حارثة، لا رجلاً من الأشداء كحمزة؛ حتى لا يلفت انتباه أحد إلى كونه مسافراً فيمنعوه. ولما وصل إليها عَمَدَ إلى نفرٍ من ساداتها، وكلمهم بما جاءهم من أجله، فردوا عليه رداً منكراً، فرجاهم أن يكتموا خبره عن قريشٍ؛ لئلا يتهم بالتواصل مع القبائل الأخرى، وتحريضهم عليهم، لكنهم لم يجيبوه لطلبه، بل طردوه وأغروا به سفهاءهم، يشتمونه ويرمونه بالحجارة، حتى أدموا قدميه، ولم يكن يدفع عنه سوى زيدِ بنِ حارثة، حتى شج في رأسه شجاجاً كثيرةً. [1] فكان زيد نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلمين تجاه الدعوة وقادتها، من وجوب حمايتهم وإن اقتضى ذلك التضحية بالحياة من أجلهم.

وما زال السفهاء يتعقبونه حتى احتمى منهم ببستان، وقد بلغ منه الحزن كل مبلغ، وشعر بالهوان يفري قلبه فريًا، وبدا له الموقف أشدَّ ما يكون قسوةً وحرجاً، وأحوجَ ما يكون إلى المدد الإلهي، فراح يبتهل إلى الله راجياً منه الغوث والنجدة، قائلاً: (اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس…) [2]. وإنما لم يعاجل الله ثقيفاً بعقابه، لعله أخر ذلك إلى يوم حنين، حين قُتِلَتْ رجالهم، وسُبِيَتْ نساؤُهم، وذراريهم وغنمت جميع أموالهم. وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم كانوا يظلمون.

“وما كان يلاقيه النبي – صلى الله عليه وسلم – من مختلف ألوان المحنة، إنما كان من جملة أعماله التبليغية، فكما كان يقول “صلوا كما رأيتموني أصلي”، كأنه بلسان الحال يقول “اصبروا كصبري.

فلما رأى أصحاب البستان، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، ما جرى لرسول الله رقت قلوبهما، فأرسلا إليه مع غلامهما عداساً قطفاً من العنب، فما رجع إليهما إلا وهو مسلم، بعد أن أكب على رأس رسول الله ويديه ورجليه يقبلها. فقالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. [3]

لماذا لم يَدْعُوَا غلامَهما إلى دينهما الوثني؟؛ لأنه دين مخجل، وفيه من الثغرات ما لا يسمح بحال أن يقف أمام براهين دين الإسلام، الذي جاء به جميع الرسل. وهم أنفسهم لم يكونوا مقتنعين بدينهم، وما كانت عبادتهم للأصنام إلا تقليداً لآبائهم، ولو وجدوا آباءهم يعبدون القرود لعبدوها.

ثم مضى رسول الله مكسور القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه مَلَكَ الجبال، يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين. فقَالَ: (أنا أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) [4] 

لم يستطع سَفَهُ ثقيفٍ أن يترك في قلب النبي شيئاً من الضغن؛ لذلك لم يشأ إهلاكَهم عندما استأذنه ملك الجبال في ذلك بل كان يرجو لهم الخير والهداية هكذا أصحاب القلوب الكبيرة لا يحقدون.

وفي مكان اسمه (نخلة)، صرف الله إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – نفرا من الجن، يستمعون القرآن بنص كتاب الله تعالى فأسلموا؛ لذلك يجب على المسلم أن يؤمن بوجود الجن؛ فمن أنكر وجودهم أو شك فيه فهو مرتد عن الإسلام؛ لإنكاره معلوما من الدين بالضرورة، وعدمُ رؤيتنا لهم ليس دليلاً على عدم وجودهم، لأن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود.

وأخيراً لمّا هَمَّ الرسول بدخول مكة أرسل رجلاً من خزاعة إلى المطعم بن عدي يخبره أن محمداً داخلٌ مكة في جواره، فاستجاب المطعمُ لذلك [5]. مما يؤكد أن للمسلمين أن يستفيدوا من بعض الأعراف والمواثيق الدولية لصالح الدعوة دون أَيِّ تَنَازُلٍ يمس دينهم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ملخص من سيرة ابن هشام ج1 ص419.

[2] رواه الطبراني برجال ثقات من عبد الله ابن جعفر.

[3] ملخص من ابن هشام، السيرة النبوية (1/ 421) من رواية ابن إِسحاق، عن محمَّد بن كعب القرظي.

[4] السيرة لابن كثير ج2ص151

[5] ملخص من طبقات ابن سعد: 1/ 196 وسيرة ابن هشام: 1/ 381 

المحاضرة الثالثة والعشرون من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: وسائل تربية الأولاد الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد:

اليوم سننتقل لقضية أخرى لها صلتها الوثيقة بالتربية؛ ألا وهي الوسائل التي يستخدمها المربي في تربية الولد، وهو بحث سيأخذ منا أكثر من حلقة لاستكماله. وقبل أن نبدأ بذكر هذه الوسائل لابد من توضيح بعض الأفكار.

أولاً: لابد ونحن نتحدث عن وسائل التربية، من الفصل الكامل بين وسائل التربية، والعقوبات التي هي وسيلة من وسائل التربية؛ لأن بعض الناس – ونحن نتحدث عن التربية- أول ما يَنْقَدِح في أذهانهم: التربية بالضَّرب؛ والحقيقة أن هذا المفهوم هو مفهوم أقسام الشُّرَط لا ميادين تربية الأطفال.

ماهي التربية؟..التربية هي تعهُّدُ الطفل، والأخذ بيده شيئاً فشيئاً حتى أبلغه الغاية المطلوبة، والمستوى المرجو، فهناك طفل نريد تربيته، وهناك غاية نريد أن نصل إليها في تربيته، وهناك وسيلة توصِّلُ بين الطفل وهذه الغاية.

مخطئ من يظن أن التربية معناها العقوبة فقط؛  فهذا يعني أني لا أربي الطفل إلا عندما يخطئ! فماذا نفعل بالطفل الهادئ الذي لايثير المشاكل، وهو على حاله كما وُلِدَ؟ مثل هؤلاء الأطفال لا يحتاجون للعقاب، أفلا يحتاجون أيضا للتربية؟!

التربية أيها الإخوة تكون بتخليص الولد من الأخلاق المذمومة؛ بتعليمه المحمود منها؛ ليكتسبها. فالتربية تَخْلِيةٌ، وتَحْلِيَةٌ؛ فالطفل يحتاج للترقية في أخلاقه، وسلوكه، ولابد أن ينموَ في أخلاقه، وسلوكه، وشخصيته كما ينمو في جسمه.

لو نظرنا في سيرة رسول الله لرأينا أن رسول الله ماضَرَبَ خادما،ً ولا امرأة. ألم يُرَبِّ رسولُ الله فاطمةَ رضي الله عنها؟ ألم يربِّ رسولُ الله أنسَ بن مالك؟ ألم يربِّ رسولُ الله الحسنَ والحسينَ وعلياً رضي الله عنهم أجمعين؟

ثانياً: الضرب هو أضعف، وآخر وسيلة في التربية، من حيث النتيجة فالضرب: حلٌّ للمشكلة بشكل آني فقط، بل قد ينشأ عن الضرب أثرٌ عكسيٌ، حيث يعتادُ الطفلُ عليه؛ فتفقدُ عقوبةُ الضربِ فوائدها؛ فالضرب يُسْتعمل بظروف معينة، وشروط شرعيةٍ معينةٍ أيضاً، إذ لا يجوز للمربي تجاوزها وإلا كان آثماً.

ثالثاً: كما أن الضرب أضعف، وآخر وسيلةٍ للتربية؛ كذلك لايجوز أن نستبعد الضرب عن كونه وسيلة من وسائل التربية، ولكن لا نجعله كل التربية، ولا نلغيه من أساليب التربية؛ بل نستعمل الضرب كما نستعمل الدواء، أو كما يستعمله الطبيبُ الحكيم في الزمان، والمكان المناسبين. فلابد من استبقاءِ الضربِ خياراً موجوداً، ولكن مع الحكمة في استعماله.

ملحوظات هامة تسبق ذكر وسائل التربية

1-لابد أن نعلم أن التربية ليست حصةً دَرْسِّيةً أسبوعية نعطيها مرةً أو أكثر في الأسبوع، ولو لم يَحِنْ وقتُها فلاتربية؛ بل التربية عمليةٌ مستمرةٌ لاتتوقف على وقت الكلام، وزمن العقوبة؛ لأن التربية في حقيقتها عملية ولادةٍ للطفل؛ لأن الطفل ينمو فإما أن ينمو نمواً صحيحاً، أو فاسداً؛ فلو كان نموه سيئاً تكون قد نَمَت فيه الصفات المذمومة، والأخلاقُ المَرْذُولة، ولَضَعُفَت فيه الأخلاقُ المحمودة.

الحقيقة: إن الطفل في كل لحظة من حياته يعيش حالةً من حالات التربية؛ فكل مَنْظَرٍ يراهُ سلبياً كان، أم إيجابياً؛ هو حالةٌ يَتَربَّى عليها، وكل مايسمعه يتربَّى عليه أيضاً، وكل موقفٍ يحدث  في بيته يتربى عليه، وكلُّ مايراه في الشارع موقفٌ تربوي له، حتى إهمالُ الوالدينِ تربيةَ الولدِ هو فصلٌ مِنْ فُصول التربية؛ لأن كل ماسبق، وغيره يشكل عاملاً إيجابياً، أو سلبياً في عقل الطفل بحسب الموقف الذي يعيشه.

لابد أن يتنبه الآباء إذا أنهم ليسوا الوحيدين الذين يعملون على تربية أبنائهم؛ بل هناك من يشارِكُهم هذا الدَّورَ؛ فالطفل يتشبَّهُ بالآخرين، ويقلِّدُهم في مايراه، ويسمعه.

2-لايجوز أن يعاقِبُ الوالدان أبنائَهُم على أخلاقٍ ربَّيَاهُم عليها؛ فلا يجوز أن يعاقِبَ الوالدُ المُدَخِّنُ ولدَه، لورآهُ مُدَخِّناً؛ لأنَّ الولد الذي طالما رأى والده، أو والدته يدخِّنَان؛ فهو ينتظر اللحظة التي يصير فيها مدخِّناً كقدوته.

صدق أبو الأسود الدؤلي إذ يقول:

وإذا عَتَبْتَ على السَّفيه ولُمْتَه في مثلِ ما تأتي فأنتَ ظَلومُ

لاتَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتِيَ مِثْلَه      عارٌ عَلِيكَ إذا فَعَلتَ عظيمُ

ابدأ بنفسكَ وانهها عن غِيِّهَا فإذا انتهت عَنْهُ فأنتَ حكيمُ

فهناك يُقْبَلُ ما وَعَظْتَ ويُقْتَدى بالعِلْم مِنْك ويَنْفَعُ التعليمُ

3-يجب تنويع الوسائل التربوية، وفشل وسيلةٍ من وسائل التربية؛ لايعني فشلَ التربية؛ فلا بد من البحث عن وسيلةٍ تربويةٍ أخرى، أو التفتيش عن الظروف التي تَحُولُ دون تحقيق هذه الوسيلة أثرَها في التربية، فكثيراً ما يكون سببَ فشل التربية هو بسبب الوسيلة ذاتِها، أو في طريقة تطبيقها، والظروف المحيطة بها.

4-لايجوز، وأنت تربي ولدَك أن يَشْعر أنَّك عدوٌ له، أو أنك تكرهه؛ فلايجوز أن يشعر الطفلُ، وأنت تعاقبه أنك تَحقِدُ عليه، وتريد أن تَتَشفَّى منه، كما لايجوز للوالدين أن يصرِّحا في لحظةِ غضبٍ: إنهما يَكْرَهان ولدَهُما؛ بل لابد أن يُحسَّ الولدُ من والديه الرحمة عليه، والشفقة حتى، وهما يعاقبانه.

مهمة: سبب شعور الطفل أن أحد والديه، أوكليهما يكرهُه؛ هو أنهما عَجَزَا – في حالة الرِّضَا – عن إشعاره أنهما يُحبَّانه، ويشفقان عليه.

 لو فتشنا عن السبب في إحساسِ الولدِ البُغضَ من والديه؛ لرأينا أن والديه لم يكونا يعامِلانه على أساس الثواب، والعقاب؛ فلا يُثِيبانِه عند الاجتهاد، والنجاح، ولا يكافئانه على تفوقه، بل بمجرد وقوعه في الخطأ، والخلل؛ فإنهما يَلْجَآنِ مباشرةً لمعاقبته، وتوبيخه؛ فتنشأ علاقة فاتِرَة ٌبين الولد، ووالديه؛ لهذا لابد ان نحرِصَ على مكافئة الولد عند الإحسان فإن لم أجازيه على نجاحه، فلا يصح ان أعاقبه عند فشله، وسكوت الوالدين عند المواقف الإيجابية يُبْطِلُ مفعول كلامهم في المواقف السلبية.

ولنا في أخلاق النبوة خيرُ شاهدٍ، وأوضح مثال؛ فقد كان رسولُ الله يرى الصفاتِ الإيجابية في أصحابه، ويتحدث عنها كما قال لـلأشجِّ عبد القيس: “إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحِلْمُ والأناة”. رسولُ الله هنا لم يذكر الصفات الحسنة فقط؛ بل نبَّه الصحابيَ على وجودها فيه؛ لذلك سألَ الأشجُّ رسولَ الله: أنا أتخلق بهما أم الله جَبَلَني عليهما؟ قال:”بل الله جَبَلَكَ عليهما” فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله.[1]

لقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتَ أبي موسى الأشعري بالقرآن فقال له: “لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داوود”[2] وقال أعلمكم بالحلال، والحرام معاذ بن جبل، وقال: “لكل أمة أميناً وإنَّ أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح”[3] …هذه الكلمات تعطي سامعها معنويات عاليةٍ في التربية ودُفْعَةً قويةً بالاتجاه الصحيح.

لهذا لابد من تنمية العلاقة مع الأولاد ليَسْهُل عليهم تلقي الأوامر من الوالدين، ولانقصد بالأولاد: الأطفال فقط؛ بل حتى الكبار، فلابد أن تنمو العلاقة بين الشاب، ووالديه، وهو في الجامعة، أو في مراحل متقدمة من الدراسة؛ لهذا نقول: أعطِ ولدَكَ من الأهمية، والحب، والاحترام، والتقدير ما يحتاج؛ يُعْطِكَ ماتريد، وامْنَعْ ولَدَكَ ما يحتاج من الحب، والتقدير، والدعم النفسي؛ يَمْنَعْك، ويَعْصِكَ فيما تُرِيدُ.

5-ينبغي أن تكون وسائلُ التربية متناغمةً فيما بينها، لا متناقضة؛ فلا يصح أن نبني بوسيلةٍ، ونهدم بوسيلةٍ أخرى.

نتوقف عند هذا الحد، ونتابع في ذكر وسائل التربية في المحاضرة القادمة بمشيئة الله.

اللهم وفقنا لمحابِّك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

       وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

_________

 [1]: دلائل النبوة للبيهقي 2084

[2]: البخاري 4761

[3]: البخاري 3534

 

المقالة التاسعة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: عام الحزن

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. لمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وأبو جهل يقول “أترغب عن ملة عبد المطلب” حتى مات وهو يقول: (على ملة عبد المطلب) فحزن رسول الله وقَالَ واللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ.) [1] 

قال ابن هشام: كانت خديجة وزير صدق على الإسلام، يشكو الرسول إليها ويجد عندها أنسه وسلواه. أما أبو طالب: فقد كان عضدا وحرزا في أمره، وكان ناصراً له على قومه، فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياته، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً. [2]

يستفاد مما مر:

أولاً: قضى الله الحكيم أن يفقد الرسول عمَّه أبا طالب، الذي كان حصناً يحوطه من جميع جوانبه، يدفع عنه الأذى والضر، كما فَقَدَ زوجته خديجة الوفية، صاحبة العقل الرشيد، والرأي السديد، والقلب الكبير، الذي غمر رسول الله بحنانه وأنسه، فكان يأوي إليها كلما حزبه أمر، فيجد عندها عزاءه وراحته وسلواه. تُوُفِّيَا قبل أن يُمَكَّنَ للمسلمين في الأرض؛ لعل الحكمة الرَّدُّ على الغافلين، الذين يرون في أبي طالبٍ الحاميَ للدعوة والدعاة، ولولاه لماتت الدعوة في مهدها، ولما وصلت إلى أهدافها؛ فأراد الله أن يُثْبِتَ للجميع أن النصر من الله القائل: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). [3] 

ثانياً: الحزن الذي كان يعصف برسول الله، له عدة أسباب، منها:

فراق القريب والحبيب

ما يجده من المشركين من الأذى والسخرية

– موتُ عمه على الكفر، يضاف إلى ذلك – وهو الأشدُّ – انْغِلَاقُ معظم أبواب الدعوة الإسلامية في وجهه: من توجيه، وإرشاد، وتعليم، وما تبقى له من نوافذ يراها لا تأتي بنتيجة، فهذا الذي كان يفري قلبه فرياً.

ثالثاً: لما مات أبو طالب، نالت قريشٌ من رسول الله ما نالت: فمرةً يَنْثُرُ السفهاءُ التراب على رأسه، ومرةً يضعون بين كتفيه سلا الجزور وهو ساجد، ومرةً يخنقونه بثوبه؛ حتى قال: (ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب) [4]، حصل ذلك؛ ليكون قدوةً للدعاة من بعده.

رابعاً: من وفاء النبي أنه حاول إنقاذ عمه من النار، لكنه لم يفلح، فراح يستغفر له، فنهي عن ذلك، فشفع له حتى صار أخف أهل النار عذاباً، وهذه من خصائص النبي. 

خامساً: دعوة النبي لأبي طالب إلى الإسلام وهو على فراش الموت يحتضر، يؤخذ منه أن الإيمان ساعة الاحتضار مقبول، ما لم يغرغر. كما يؤخذ منه جواز عيادة الكافر في مرضه لدعوته للإسلام، لعل الله ينقذه من النار.

سادساً: قد يُقَيِّضُ الله للداعية مَنْ ينصره مِنْ غير المسلمين، كما انتفع رسول الله من حماية عمه أبي طالب، ومثل هذا لا يتعارض مع النهي عن موالاة الكفار؛ لأن الموالاة المنهيَّ عنها هي التي فيها محبةٌ لدينهم، ورضاً بباطلهم، وتنازلٌ عن شيء من ثبوتيات الإسلام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التوبة: 113

[2] سيرة ابن هشام، ج1، ص416.

[3] سورة غافر، 51.

[4] دلائل لنبوة للبيهقي، ج2، ص350

المحاضرة الثانية والعشرون من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: حقوق الطفل على المربي الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علما ينفعنا.

 وبعد:

تحدثنا في المحاضرة الماضية أنَّ سببَ اختيار هذا العنوان؛ هو تعريفُ الآباء، والأمهات أن التربية لا تتوقف عند حدود إطعام الولد، وكسوته؛ بل هي جزءٌ التربية وليست كلها، وذكرنا عشرة أشياء هي من حقوق الطفل على المربي، واليوم بمشيئة الله عزوجل سنتابع في إكمال هذه الحقوق:

حقوق الطفل على المربي:

1-من حق البنت على والديها تربيتها على الحجاب منذ الصغر: قد يقول بعضهم: الطفلة الصغيرة قبل البلوغ لا عورة لها فكيف نُلْبِسُها الحجاب؟ الجواب: نحن لانتكلم في هذه المسألة من باب الحلال، والحرام، ولكن نحن نؤسس لتربية ناجحة في المستقبل للبنت من الصغر، ولن تكتمل حِلَقُ التربية مالم نعوِّد البنتَ الحجاب؛ كالطير الذي يعلِّم فِراخَه الطيران حتى تقوى أجنحتها، وتعتمد على أنفسها.

إن اللباس المُتَهَتِّك غيرُ المُحْتَشِم الذي تلبسه الفتيات الصغيرات يؤثر في تربيتهن عند البلوغ؛ حيث تعتاد تلك الفتاة على هذا اللباس، وتنشأ على حُبِّه، وترغب، وتسعى لارتدائه في الكبر، والسبب هو تقصير الأهل في تعويد بناتهم على الحشمة في اللباس منذ الصغر. إذا كانت الفتاة الصغيرة لايَسْمَح لها الإسلام بارتداء هذه الألبسة غير المحتشمة عند البلوغ، فَلِمَ لانعوِّدُها هذا لتنشأ على تعظيم الحشمة والحجاب؟

   ويَنْفَعُ الأدبُ الأولادَ في صِغَرٍ     وليس ينفع عند الشَّيْبَة الأدبُ

  إنَّ الغصون إذا قوَّمْتها اعتدلت    ولن تَلِينَ إذا قوَّمْتَها الخُشُبُ

2-من حق الطفل على والديه تعليمه آدابَ الاستئذانِ، وآداب الدخول والخروج على والديه، وأقاربه؛ حفاظاً عليه أن يطلع على مالا يَحِلُّ النظر إليه مما يؤثر في تربيته.

)وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم)  [النور 59].  سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال الرجل إني معها في البيت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أتحبُّ أن تَرَاها عُرْيانةً قال: لا قال : فاستَأْذِن عليها “[موطأ مالك4/963]

3-من حق الأولاد على والديهم أن يتخيَّرُوا لهم الصُّحبة الصالحة منذ الصغر، واختيار البيئة السليمة، والنظيفة أخلاقيا؛ لينشؤوا فيها؛ فتساهمُ الرِّفْقَة الصالحة، وتلك البيئة النظيفة في حُسن تربيتهم، واستقامتهم (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة 119]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامَك إلا تقي”[الترمذي 2395]

4-من حق الطفل على والديه أن يوفِّرا له أسباب اللعب السليم: فمن حق الطفل أن يلعب، ومن واجبنا تأمين اللعب السليم له، وإلا فإنه سيختار أماكن لعبه بنفسه، وربما تكون هذه الأماكن غير سليمةٍ على سلوكه، وأخلاقه، وتربيته.

5-من حق الولد على والده الإنفاق عليه: فما ينبغي أن يَشْعر الطفل أنه عبءٌ على والديه؛ فيفكِّر بترك الدراسة، والعمل للبحث عن المال، أو يلجأ لطرق أخرى لكسب المال.

6-الرحمة والعطف على الولد: فمن حق الولد أن يشعر بحنان والديه، ولابد أن يُحِسَّ الولد أن والديه يحبَّانِه. كيف سيقتنع الطفل بنصائح والديه، وهو يشعر أنه غير محبوب من قبلهم؟

بعض الأولاد يشعرون أنَّ أمَّهُم تحبُّهم أكثرَ من والدهم؛ والسبب في هذا: أن الأم هي التي تعطي مايقدِّمه الأب من طعام، ولباس..، ويكون دور الأب في البيت بنظر أولاده هو: العقوبة، والتوبيخ لو أخطأ الولد؛ فيجب أن يتنبه الأب لهذه القضية بالتنسيق مع زوجته لتلافي هذه المشكلة.

لابد أن يشعر الطفل أن توبيخ والده له، إنما هو من كمال شفقته عليه، وحبه له، لا أنه يكرهه، ويتشفى منه.

7-من حق الولد على والديه التأديب، والتربية والمتابعة: أليس من الخطأ ألا يعرف الأب عن أولاده شيئاً، فهو لايعرف صديق ابنه، ولا أين يذهب، بل بعض الآباء لايعرف أين وصل ابنه في الدراسة، وكيف هو مستواه الدراسي.

8-من حق الولد على والديه تعليمه محبَّة الله عزوجل، وتعليمه كلمة التوحيد – لاإله إلا الله محمد رسول الله -، ومن حق الطفل تَنْشِئَتُه على معاني: الله رازقنا، الله يعطينا، الله ينجينا، الله يشفينا، الله يطعمنا ويسقينا..فمن حق الطفل: تعريفه بربِّه وتَذْوِيقُه محبَّتَه.

9-من حق الطفل تعليمه الآداب الاجتماعية: كيف يجلس بين الناس، وآداب الأكل والشرب، وآداب الحديث، وآداب التعامل مع الكبير..

10-تعليم الطفل أحكام البلوغ قبيل الوصول إليه ذكراً كان، أو أنثى: ماينبغي للوالدين أن يسمحا لولدهم أن يتعلم هذه الأمور من أصدقاء السوء، أو عن طريق السبل الملتوية، ولابد أن يتعلَّم الأولاد أحكام الاختلاط؛  فيشرحُ الأب لِمَ يصلي الرجال، والنساء في المسجد في مكانين منفصلين؟

11-من حق الأولاد على أبيهم تفريغ جزءٍ من الوقت لهم سواء كانوا  صغاراً أم كباراً فأنت أب لهم، ويحتاجون لك فالأب يمثِّل دور التوازن في الأسرة، وإن جلوس الأب مع أولاده فترةً من الوقت، ولو على حساب عمله لايُعدُّ خطأً؛ بل له أثره البالغ في التربية.

12-من حق الطفل على والديه أن يَلْهُو معهم، فهذه حاجة الطفل الطبيعية فكيف سيكون شعور الطفل وهو يرى، أو يسمع أن والد صديقه يلعب مع أولاده؟  إنَّ هذا يسبب الجَّفاء، وفتورَ العلاقة بين الأب، وأولاده، وإنَّ مِنْ أُسُسِ التربية الصحيحة قوة العلاقة بين الأب، وأولاده؛ فلابد أن يتفاعل الوالد مع أولاده، ولابد أن يُحِسَّ الطفل أنه يعيش مع والديه، وليس يتيما. لابد أن يشتاق الولد لوالده لو تأخر في عمله، وأن يشعرَ أن غياب والده أحدث نقصاً في حياته.

13-الصحبة والتطبيق العملي: خُذْ ولدَكَ لزيارة قريب، أو صديق؛ ليتعلم الآداب الاجتماعية بشكل تطبيقي، وافتح خطوط التواصل بينك وبينه.

14-من حق الولد على والديه الدعم النفسي، والمادي؛ فيشعر الولد عند حصول مشكلة معه أن هناك من يَشْكُو له ما حصل معه، وهناك من يساعده في حل مشكلته تفقَّد ولدَكَ بعد أن يخرج من الامتحان، وكيف قدم امتحانه، وكيف كانت نتيجة امتحانه…

15-شعور الولد بمكانته عند أبيه خصوصاً عندما يصبح ولداً كبيراً؛ فيعطيه مكانته في الأسرة، وما ينبغي أن يشعر الوالد أن ولده ينافِسُه في البيت.

16-من حق الولد على والديه أن يَصْبِرَا على أخطائه، ولايعاملانه كالقاضي، والجلاد، ولا يجوز أن يشعر الأولاد بالخوف، والذُّعْرِ من والدهم.

مهمة: عندما يكون الأب في أوج صحته وقوته، ويعامِلُ أبنائه بالمحبة، والرحمة، والاحترام؛ فإن أولاده سيبادلونه نفس المحبة، والرحمة، والشفقة عندما يصيرُ هذا الأبُ في سنِّ الشيخوخة، أو طريح الفراش، أو على فراش الموت..العظيم هو الذي يحافظ على عَظَمَتِه وهو ضعيف.

17-من حق الولد على والديه أن يساعداه على النجاح في الحياة في كل الأمور: في دراسته، وفي المنافسات الرياضية، وفي لَعِبِه، ودراسته، وكلِّ أموره الخاصة ..فجِّر في قلب ولدك لذةَ النجاح؛ لينشأ على حبِّ النجاح، والإبداع.

18-من حق الولد على والديه تيسير الزواج، وتقديم الدعم قدر المستطاع للشاب والفتاة..ولاينس الوالدان أنَّ قمة سعادتهم أن يزوِّجَا أولادهم.

   نسأل الله أن يعيننا على أداء هذه الحقوق، وأن يوفقنا لتطبيقها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقالة الثامنة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: أول وفد إلى رسول الله

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

في الوقت الذي كان فيه النبيُّ وأصحابُه يلاقون من قريش شتى ألوان العذاب، تسوق الأقدار إلى رسول الله قريباً من عشرين رجلاً من الحبشة، يسألونه عن الإسلام … فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: خَيَّبَكُمُ اللهُ مِنْ رَكْبٍ: بَعَثَكُمْ مَنْ وراكم مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ، فَتَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ فَلَمْ نَطْمَئِن مَجَالِسَكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ لَكُمْ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُمْ، فَقَالُوا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا نَأْلُوا أَنْفُسَنَا خَيْرًا. [1]

نستفيد من خبرِ هذا الوفدِ الذي جاء من وراء البحر أموراً عدة:

أولاً: عالمية الرسالة المحمدية: قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [2]. وقال رَسُول اللهِ: “فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ.” [3]

ثانياً: شُحِنَتْ كُتُبُ السيرة والتاريخ بالمبشرات بظهور النبي الخاتم وكان مصدرها علماء أهل الكتاب. تذكر اسمَه وصفاتِه ومهامَّه، وعالميةَ رسالته.

قال كاهن عَمُّورِيَّة: لسلمان الفارسي قد أظلك خروج نبي يخرج بأرض العرب، يُبْعَثُ بدين إبراهيم الحنفية، يكون منها مهاجره وقراره إلى أرض يكون بها النخل بين حرتين ، بظهره خاتم النبوة بين كتفيه، إذا رأيته عرفته، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. [4]

ولكثرة الصفات التي ذكرت في التوراة والإنجيل، كان أهل الكتاب يعرفونه دون أن يسألوا عنه أحداً؛ فبحيرا الراهب حين رآه عرفه، فقال لعمه أبي طالب: ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَوَاللهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ، فَأَسْرِعْ بِهِ إِلَى بِلَادِهِ. [5]

وقال عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: قَدِمْتُ بِرَقِيقٍ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ أَعْطَانِيهِمْ، فَقَالُوا لِي: يَا عَمْرُو، لَوْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ، لَعَرَفْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخْبِرَنَا، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ أَهُوَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. فَمَرَّ عمر فَقلت: أهوَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا. فَدَخَلْنَا الدَّارَ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ فَنَادَوْنِي: يَا عَمْرُو، هَذَا رَسُولُ اللَّه. فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ هُوَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِهِ أَحَدٌ، عَرَفُوهُ بِمَا كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ. [6]

وهذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا، من أعلم اليهود بالتوراة، سأله النبي: (أَتَعْلَمُنِي رَسُولَ اللَّهِ؟) قَالَ: “اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَمُبَيَّنٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَكِنَّهُمْ حَسَدُوكُ.” [7]

قال الله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.) [8]

ثالثاً: إن قدوم هذا الوفدِ لِلِقَاءِ رسولِ الله، والتعرف على الإسلام في هذا الوقت بالذات، والمسلمون يعانون من المشركين أشد أنواع العذاب والأذى، لَدَلَالَةٌ باهرةٌ على أن المتاعب والمعاناة لابد منها لتحقيق النصر، ودلالةٌ على أن أعداء الدعوة الإسلامية مهما حاولوا، لن يستطيعوا أن يمنعوها من تحقيق أهدافها، وانتشارها في مشارق الأرض ومغاربها. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

____________________________

[1]] دلائل النبوة للبيهقي، ج2، ص306.

[2] سورة سبأ / 28.

[3] رواه مسلم /523.

[4] السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، لابن حبان، ج1، ص245.

[5] دلائل النبوة للبيهقي، ج2، ص29.

[6] السيرة النبوية لابن كثير، ج1، ص332.

[7] السيرة النبوية لابن كثير، ج1، ص324.

[8] سورة البقرة، آية 14.

المحاضرة الحادية والعشرون من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: حقوق الطفل على المربي الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا، وزدنا علما ينفعنا.

وبعد:

تكلمنا في المحاضرة الماضية عن صفات المربي التي تؤهله للقيام بواجبه بشكل صحيح، وعن علاقة تلك الصفات بالتربية.

ونحن أيها الإخوة عندما نتكلم عن مسألة حقوق الولد على المربي، لانقصد بالحقوق حقَّ إطعام الطفل، والعناية بصحته فقط؛ بل إن هذه الأمور أشياء غريزية يشترك فيها الإنسان، والحيوان؛ ونحن لانقلل من أهمية العناية بمأكل الطفل، وملبسه، ولكن نريد أن نبيِّن للأب: أنَّ اهتمامه بهذه الأمور فقط هو جزء من التربية لا كُلُّ التربية. نريد من الوالدين أن يُرَبِّيَا أولادهم على أساس إنقاذهم من النار، والفوز بالآخرة أيضاً؛ فما فائدة أن يأكل الولد مالذَّ، ويلبسَ ما كَمُلَ وجَمُلَ؛ ولكن ستفوته سعادة الآخرة؟! لوفات الولد الطعامَ اللذيذ يمكن أن يعوَّض بغيره، ولكن لوفاتته سعادة الآخرة بماذا يعوَّض؟

إن كثيراً من أسباب فشل الأولاد في أخلاقهم، وسلوكهم يرجع لسوء التربية؛ فكثيراً ما يكون الأولاد ضحايا تقصير آبائهم.

 بعض الآباء يعلِّلُ تقصيره في تربية أولاده بانهماكه في العمل من أجل لقمة العيش؛ فالحياة قاسية، وتستَهْلِكُ جُلَّ وقته، ولا يستطيع التفرغ لأولاده، وتربيتهم..نقول لهذا الأب: الله عزوجل يقول: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) [طه 132] فما دام الله تكفَّل لك برزقك، ورزق عيالك؛ فلا يصح التَّعَلُّلُ بهَمِّ الرزق مادام الرزاق موجوداً، فماقام به غيرُكَ لاتَقُم به لنَفْسِك.

يسافر الوالدُ من أجل أولاده، ويضيِّع تربيتهم؛ اهتمَّ بالفاني وضيَّعَ الباقي.

سبق وذكرنا في المحاضرات الماضية بعضَ حقوق الولد على والديه، ولكن اليوم سنتكلم بالتفصيل عن هذه الحقوق؛ لهذا قد يتكرر بعضها.

حقوق الأولاد على الوالدين:

1-من حق الأولاد على والدِيْهِم حسن اختيار أمهم : إن حُسْنَ اختيار الأم هو في الحقيقة اختيارٌ للبيئة التي سيعيش فيها الطفل، وهو اختيارٌ للصديق الذي سَيَصْحَبُ الطفلَ من نعومة أظفاره إلى أن يَشِبَّ عن الطَّوْق، ويصبح شاباً. الأم هي المَحْضِنُ الأول للطفل فينبغي أن يكون طاهرًا غير ملوَّث؛ حتى لاتنتقل العدوى للطفل الصغير الذي يتأثر كثيراً بالوسط المحيط به.

2-من حق الولد على والديه مراعاة الآداب النبوية، والأذكار عند الجماع؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال: اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان مارزقتنا فإنه إن يُقدَّرولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً”[1] فمن حق الولد على والديه أن يجنِّبَاهُ الشيطان، ونزغاته. فلو لم يفعل الوالدان هذا؛ يكونا قد ضيَّعَا جزءاً هاماً، وفرصةً عظيمةً في التربية.

3-القيام بالآداب النبوية عند ولادة الطفل: كالتأذين، والإقامة في أُذُن المولود عند ولادته، وتطبيق سنَّة العقيقة لوقَدَرَ الوالد عليها، والبشارة بالمولود، وحسن التسمية.. فكل جانب منها يمثل جزءاً من العملية التربوية.

4-الإكثار من الدعاء للولد، وهو في بطن أمه، وعند الولادة، وحال الطفولة، وعندما يصير شاباً (لا نتوقف عن الدعاء له) (هنالك دعا زكريا ربه قال ربِّ هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) [آل عمران 38]   (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان 74]

5- من حق البنات على الأب ألا ينزعج منهنَّ؛ بحيث تَشْعُرُ البنت أنها ثقيلةٌ على والديها وشؤمٌ عليهم. ماذنب البنت أنها أنثى؟، وماذنب الأم حتى تعاقَبَ من الزوج لإنجابها الأنثى، والتذكير من وظائف الرجل كما أثبت الطب هذا؟ أين الآباء من قول الله عزوجل: }يَهَبُ لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور{[الشورى50] أليس من أخلاق الجاهلية التشاؤوم بقدوم الأنثى؟!  كما وصف الحق سبحانه: }وإذا بشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء مابشِّر به أم يُمْسِكُه على هُوْنٍ أم يدسُّه في التراب ألا ساء مايحكمون{[النحل 57-58]

أليس من حق البنت أن تعيش طفولة تشعر بها أنها نعمةٌ على والديها لانقمة، وعلى أهلها أن يفرحوا بها كما يفرحوا بالذكر؟

أليس الحسن، والحسين هما ابنا السيدة فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومع ذلك هما ريحانتا رسول الله .

6- من حق الطفل الرَّضَاع من أمه (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) [البقرة 233]. الأم التي تترك إرضاع أولادها كم ضيَّعت من من حقوقهم عليها؟

7-من حق الطفل حضانتُه من قِبَلِ أمه سواء كانت هذه الأم مع الزوج على وفاق، أم على خلاف.قالت امرأة:  يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أنت أحق به مالم تَنْكِحِي”[2]، ويقول الله تعالى: }لاتضارَّ والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده{[البقرة 233]. فإذا كانت الحضانة من حق الأم، وهي مطلقة فكيف وهي زوجة ؟

ذكر علماء الطب أن الطفل وهو في بطن أمه يعتاد دقَّات قلبها؛ لهذا لو وَضَعت الأم جنينها على صدرها حنَّ إلى الصوت الذي كان يسمعه، وأَنِسَ به فبين الأم، وطفلها تواصل نفسي عظيم.

لقد ضاع كثير من الأطفال عندما حَرمنا الطفل من حقه بالحضانة، وسمحنا للأم أن تعمل خارج البيت، وأعطينا دور الحضانة للخادمة، والمربية لتقوم بدورٍ لن تستطيعه مهما بلغت من الحنان.

8-من حق الولد على أبيه أن يُطْعِمَه الحلال؛ فالحلال له أثرٌ لا يُنكَر في تربية الطفل، ورسول الله يقول:”أي لحم نبت من حرام فالنار أولى به”[3] المال الحرام سمٌّ يُطْعِمُه الأب أولاده، وهو نَدَمٌ في الدنيا، والآخرة، وجريمة في حق التربية، وتَضْيعٌ لمَعْلَمٍ هامٍّ فيها.

9-من حق الولد على ولده تعليمه الصلاة، وتنشئته وتأديبه، وتعويده عليها. لقد أمر رسول الله الآباء فقال:” مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرسنين، وفرقوا بينهم في المضاجع”[4]   لقد أعطى الله الطفل قدرتين: سرعةُ التقاط، وسرعةُ تقليد؛ فالصلاة أمام الولد تجعل الطفل مصلِّياً، ومع قليلِ المتابعة يستمر عليها، ولايتركها وينشأ على حُبِّ الصلاة.

من يتحمل مسؤولية تهاونِ، وتَرْكِ الشباب ذكورًا، وإناثاً للصلاة؟ لاشك أنهم يتحملون إثم تقصيرأنفسهم؛  لكن هناك من يشاركهم هذا الإثم؛ وهومن قصَّرَ في تربيتهم، وتعويدهم عليها، وهم صغار..ألا يتحمل الوالدان جزءاً من هذا التقصير والمسؤولية؟ قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه 132]  فلابد من حض الأبناء على الصلاة، والصبر على هذا الحض، بالمتابعة المستمرة. لايكفي أن يقول الأب والأم لأولادهما: إن الصلاة فرضٌ؛ بل لابد من المتابعة الحثيثة، كما يتابعون أولادهم في الدراسة متابعة حثيثة.

10-من حق الولد على والديه تعويده على الصيام؛ ليتعلم الولد، ويتعود تحمل الجوع والعطش منذ الصغر ..لقد كان الصحابة يعوِّدُوْنَ أولادَهم الصيام، ويأخذونهم مع لُعَبِهم للمسجد فإذا عطشوا، أو جاعوا علَّلُوهم باللُّعَب. ونحن في هذا الزمان عندنا من المرغِّبات، والمصبِّرات للأطفال ما لو صاموا الكثيرَ الكثيرَ؛ فلم يبق عُذْرٌ للآباء في التقصير بتعويد أولادهم الصغار الصيام.

نتوقف عند هذا الحد، ونتابع بقية حقوق الأولاد على آبائهم في المحاضرة القادمة بإذن الله تعالى.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

ربنا هب لنا من أزواجنا، وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى لآله وصحبه وسلم.

         _________

[1]: البخاري عن عبد الله بن عباس7396

[2]: سنن أبي داوود عن عبد الله بن عمرو بن العاص2276

[3]: الترمذي من حديث كعب بن عجرة

[4]: مشكاة المصابيح 545

المقالة السابعة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: الهجرة إلى الحبشة

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. 

رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – مشركي مكة ممعنين في التنكيل بأصحابه انتقاماً لآلهتهم، ورأى أنه غيرُ قادر على دفع الأذى عنهم، فخاف على أصحابه أن يُفتنوا عن دينهم إذا طال عليهم العذاب، فرأى بثاقب فكره، ونفاذ بصيرته، وصائب رأيه، أن يختار لهم مكاناً أكثر أمناً، فأشار عليهم أن يهاجروا إلى الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله للمؤمنين فرجاً ومخرجاً مما هم فيه، وذلك في السنة الخامسة للبعثة.

فخرج أحدَ عشرَ رجلاً وأربعُ نسوة من الأشراف فيهم عثمان بن عفان وزوجتُه رقيةُ بنتُ النبي صلى الله عليه وسلم وجعفر بن أبي طالب، فأكرم النجاشي وفادتهم، وأحسن لقاءهم، ثم لحق بهم آخرون، حتى بلغ العدد نحو ثمانين رجلاً عدا النساءِ والأطفال، فغاظ ذلك قريشاً، أن يروا المسلمين في سلام وأمان، فَبَعَثُوا داهية العرب عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ وَمَعَهُمَا رشاوى باسم هَدايا للنجاشي وحاشيته، فاتهموا المهاجرين بالسفهاء المارقين على دين قومهم، وناشدوه أن يردهم إلى قومهم، فلما سمع من المهاجرين حقيقة الأمر، ثبت له صدقهم وكذبُ رسل قريش، وحين وسمع آيات من مطالع سورة مريم بكى وبكت بطارقته مما رأوا من الحق وقال إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى يَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وقرر ألا يسلمهم إلى مبعوثي قريش ورجعا بالخيبة. وكان النبي يُكِنُّ لملك الحبشة المودة، وكان بينهما مراسلات، ولما كاتب الرسول الملوك، كان أول من أسلم وأحسن الرد على كتابه، ويوم مات النجاشي نعاه النبي لأصحابه، وصلوا عليه صلاة الغائب.

من الدروس التي يمكن أن نستفيدها مما مر:

أولاً: وجودُ جعفر بنِ أبي طالب وعثمانَ صهرِ النبي ورقيةَ ابنةِ النبي بين المهاجرين دلالةٌ على أن القائد الحقَّ ينبغي أن يُقَدِّمَ الأقارب للأخطار قبل الأباعد.

ثانياً: يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة الى ذلك شريطة ألا تستلزمَ مثلُ هذه الحمايةِ تنازلاتٍ تضر بالدعوة الإسلامية، أو تُغَيِّرَ بعض أحكام الدين، أو تُلْزِمَ المستجيرَ بالسكوت على اقتراف بعض الموبقات. 

ثالثاً: يجب علينا أن نعطي عدونا حجمه الحقيقي، وألا نستهينَ بطاقاته ومقدراته، وألا ننامَ عن مخططاته وتحركاته الماكرة؛ حتى نستطيع أن نواجهه. 

رابعاً: حكم الهجرة من دار الإسلام دائر بين الوجوب والجواز والحرمة، فتكون:

واجبة عندما يُمنعُ المسلمُ من تأدية شعائر دينه كالصلاة

جائزة عندما يبتلى المؤمن بأنواع الأذى من قبل أعداء الله يصعب عليه تحمله

 محرمة عند تعطيل واجب إسلامي لا يقوم به غيره

خامساً: إسلام النجاشي – مع كون الإسلام لا يوافق على بنوة المسيح لله ولا على كونه ثالثَ ثلاثة – دليل على أن اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم ليس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.

سادساً: لا يضحى بالدعوة من أجل الحفاظ على الدعاة، بل يضحى بالدعاة من أجل الحفاظ على الدعوة؛ لأن أهم شيء في حياة المؤمن هو الدين، ومن أجله يضحَى بكل شيء حتى بالمال والوطن والأرواح. وما أيسر أن يعوض ذلك كله في وقت وجيز طالما الدين الذي جاء به النبي الخاتم وارتضاه الله لعباده بخير. 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

المقال الثاني عشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الأنجاس وتطهيرها

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن النجاسات وكيفية تطهيرها، وأتناول فيه النقاط الآتية:

أ – حكم إزالة النجاسة. ب – آلة التطهير. ج – أنواع النجاسة. د – كيفية تطهير النجاسة.


أ – حكم إزالة النجاسة:

تطهير النجاسة فرض من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي فيه. وهو شرط لصحة الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.


ب – آلة التطهير:

الأصل في تطهير النجاسة هو الماء، ولو كان مستعملا. ويجوز رفع النجاسة بكل مائع طاهر قالع للنجاسة ينعصر بالعصر، كالخل وماء الورد. أما المائع الطاهر الذي لا يقلع النجاسة، أو لا ينعصر بعصره فإنه لا يجوز التطهير به، وذلك كالزيت والحليب. [1]

وهناك مطهرات فرعية كثيرة غير الماء، نذكر منها ما يأتي:

1 – الدلك: إذا أصابت الخف أو الحذاء نجاسة لها جِرم غير مائعة، كالروث والعذرة، فجفت فدلك الخف والحذاء بالأرض طهر.

2 – المسح: المسح مطهر لكل صقيل لا مسام له تتشرب الأشياء المائعة، كالمرآة والظفر والعظم والزجاج ونحوها، فإذا أصابت هذه الأشياء نجاسة طهرت بالمسح.

3 – الجفاف: وذلك في الأرض خاصة، فإذا أصابت الأرض نجاسة، ثم يبست وذهب أثر النجاسة من لون وريح طهرت، وجاز الصلاة عليها، لكن لا يجوز التيمم منها؛ لأن الشرط في التيمم أن يكون الصعيد مطهرا.

4 – الفرك: وذلك في المني اليابس خاصة. فإذا أصاب المني البدن أو الثوب، فجف فإنه يطهر بفرك المني عنهما. [2]


ج – أنواع النجاسة:

تنقسم النجاسة إلى قسمين:

1 – نجاسة مغلظة: كالدم والغائط والبول والعذرة. ويعفى منها عن مقدار الدرهم، فإن زاد على ذلك لم تصح الصلاة. وقطر الدرهم العربي القديم (37 مم). [3]

2 – نجاسة مخففة: كبول ما يؤكل لحمه من الحيوانات، وكخرء الطير الذي لا يؤكل لحمه. ويعفى منها عن أقل من مقدار ربع العضو الذي أصابته النجاسة، كاليد والكم، والساق وما يغطيها من الثوب. [4]


د – كيفية تطهير النجاسة:

النجاسة نوعان: مرئية وغير مرئية.

1 – المرئية: وهي التي ترى بالعين بعد إصابتها للبدن أو الثوب، كالدم والعذرة. وهذه تغسل حتى تزول النجاسة وتذهب، فإذا زالت ولو بغسلة واحدة طهر البدن والثوب. ولا يضر بقاء أثر النجاسة بعد الغسل مرات عديدة، ولا يجب استعمال الصابون والماء الحار لإزالة هذا الأثر.

2 – غير المرئية: كالبول وعرق ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات. وهذه تغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارتها، وقد قدر الفقهاء ذلك بثلاث مرات؛ لأن غالب الظن بطهارة البدن أو الثوب يحصل بالغسل ثلاث مرات. ولا بد من عصر الثوب المغسول في كل مرة في هذا النوع من النجاسة حتى يطهر. [5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

________________________________________________________

[1]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/50/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 46.

[2]انظر المرجعين السابقين /1/50 – 51/، وص 46 – 47.

[3]انظر: شرح بلوغ المرام للشيخ عطية سالم، /12/11/ بترقيم الشاملة.

[4]انظر المرجعين السابقين /1/51 – 52/، وص 47.

[5]انظر المرجعين السابقين /1/53/، وص 48.

 

المحاضرة العشرون من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: صفات المربي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا، وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

كثيرًا ما نتكلم عن فشلنا في تربية أبنائنا، وأحيانًا كنا نلوم أولادنا، ونحملهم مسؤولية هذا الفشل، وقلما كنا نبحث عن الأسباب الحقيقية وراءهذا الفشل.

 لقد ذكرنا في المحاضرتين الماضيتين عوامل الهدم في تربية الأبناء، وذكرنا من هذه العوامل المربي نفسه؛ فنحن لانُعْفي المربي من المسؤولية، وبذات الوقت لانحمِّلُه كامل المسؤولية؛ لذا لابد أن نعرف الصفات التي يجب أن تكون في المربي لنتعرف على مكان الخلل في التربية من هذه الزاوية لنتمكن من معالجته.

لقد اختار اللهُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون المربي الأول لهذه الأمة فقال في حقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم 4]، وقال في حقه أيضاً: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب 21] لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل صفات المربي الكامل، وكمال المربي ينتج عنه كمال التربية. لقد أثَّر كمال رسول الله وسرى في الأمة كمالاً؛ لهذا كان من الواجب أن نتعرف على صفات المربي حتى نتعرف على الصفات الناقصة، ونعمل على استكمالها، وبذلك نتلافى الفشل الذي قد يحدث في العملية التربوية من هذا الجانب.

مهمة:

هناك خطئان لابد من الإشارة إليهما:

1-من الخطأ قصر التربية على الأبناء فقط والحقيقة أن معنى التربية يشمل أطيافا أوسع من هذا؛ فهو يشمل الإخوة والأخوات، والأصدقاء في المدرسة، والجيران في المجتمع، والناس حول الداعية، فكل هؤلاء، وغيرهم جزء من التربية التي نتحدث عنها؛ فقضية التربية أوسع بكثير من قصرها على تربية الأولاد؛ لهذا عندما نتكلم عن صفات المربي فإننا نتكلم عن المربي بالمعنى الشامل الذي يشمل الوالدين، وغيرهم.

2-من الخطأ الظن أن تربية الأولاد قضية بسيطة لاتحتاج لمنهج، وأصول وضوابط؛ هذا الظن الخاطئ جعل الوالدين يهملان كثيرًا من الضوابط الصحيحة للتربية.

سؤال: ماذا نفعل لو لم نحقق كل صفات المربي؟ الجواب: هناك صفات يجب أن تكون موجودة في كل مربي، وهناك صفات تُكْتَسب شيئاً فشيئاً، وكلما كان المربي متداركًا لأخطاء التربية؛ كان هذا أدعى لنجاح عوامل التربية.

الصفات الأساسية في المربي التي ماينبغي أن يخلو عنها المربي:

أولًا: الحرقة في القلب، والرغبة في العمل: فلابد أن يشعر الأبوان برغبة في إصلاح أبنائهم. ربَّ أبٍ وأمٍ ليس عندهم صفات المربي، ولكنهما يحملان الحرقة في قلوبهم والشفقة على أولادهم فهما يبكيان، ويدعوان ربهم أن يجعل من أولادهم ذرياتٍ صالحين، يبحثون عن كل مايصلح أبنائهم بلهفة، وحرقة ؛ فيحصل الوالدان على أولاد في قمَّة التربية أكثر بكثير من الخبراء بأصول التربية، وضوابطها.

ثانيا: أن يستشعر الأب الخطورة، والخوف من الله؛ أن الله سيسأله عن أولاده. إذا كان الأب يستحيي من مدرسة ابنه لو استدعته تشتكي تقصير ولده بأمرٍ ما؛ فكيف سيكون موقف الأب أمام الله عزوجل، لو أوقفه يوم القيامة وسأله عن تقصيره تجاه ولده؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع، ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها”[البخاري 2419].ماذا سيقول الأب لربه حين يسأله عن قوله: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) [التحريم6] كيف ترضى أيها الأب أن يصل ولدك لمابعد البلوغ، ولايزال لايصلي؟! إن شعور الإنسان بمسؤوليته يدفعه لإحسان التربية

ثالثا: التعلُّم الدائم، واكتساب الخبرات شيئاً فشيئاً في تربية الأولاد، وتصحيح الأخطاء.

رابعا: اليقين بأن الله قادر على إصلاح أولادنا، وإصلاح ما أفسدنا، وقصرنا وتصويب ما أخطأنا، وأن الله قادر على هداية أولادنا مهما كانوا متمردين أو مايحملوه من عقوق.

لاتيأس من هداية ولدك، حتى لو وضَعَ الطينَ في أذنيه، حتى لو انقطعت كل سبل التواصل بينك وبينه. لا تيأس بل الجأ إلى الله بالدعاء، والتضرع وتَحَيَّن أوقاتِ الإجابة مع الاستمرار؛ وسترى أن ولدك ينقلب رأسا على عقب.

إن لم نجعل من أوقات الأسحار دعاءً لأولادنا فلمن نجعلها؟! كن على يقين أن الله قادر على هداية ولدك.

كم من أب أراد تربية ولده بطرق التربية الحديثة، وهو لايحمل هذا الهم، واليقين بالله عزوجل؛ خرج ولده بغير ما يتمنى، ويريد.

كان والد الشيخ بدر الدين الحسني عاملاً، وقد رزقه الله بمولود؛ فكان يأخذه للعلماء والصالحين، ويطلب منهم الدعاء له أن يكون من الصالحين؛ فظهر الشيخ بدر الدين الحسني.

 ولنا في قصة والد إبراهيم ابن أدهم عبرة: عندما وجد تفاحةً على ضفة نهر فأكلها فشعر بتقصيرِ، وإثم أَكْلِهَا دون أن يَعْلَم من صاحبها؛ فبدأ يبحث عن مصدر التفاحة حتى اهتدى لصاحب البستان، وكان مَلِكَاً؛ فاشترط عليه ليسامحه أن يزوجه ابنته فتزوج أدهم ابنة الملك، وأنجبت له إبراهيم الزاهد الصالح ؛ تلك الثمرة من هذه البذرة فالثمرة الطيبة من البذرة الطيبة.

صفات هامة ينبغي أن يتحلى بها المربي:

 إذا كانت هذه الصفات التي سنتحدث عنها مفقودةً في المربي فيمكن أن تأتي بالتدريب.

1-الحلم والأناة: العجول الإنفعالي صاحب المواقف الارتجالية؛ لايصلح للتربية. لقد امتدح رسولُ الله الأشجَّ بنَ عبد قيس فقال له: “إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة”[مسلم543].

نادى الخليفة المأمون غلامه: ياغلام فقال الغلام للمأمون مُغْضَبَاً: أَكُلَّما خرجنا من عندك قلت: ياغلام ياغلام! أما ينبغي للغلام أن يأكل؟ أما ينبغي للغلام أن يشرب؟ فأَطْرَقَ المأمون وقال لجليسه عبد الله بن طاهر: إذا حَسُنَ خُلُقُ الرجل ساءت أخلاق رعيته، وإنا لانُحَسِّن أخلاق رعيتنا بسوء أخلاقنا.

2-الرفق واللين بين الأهل، وأولادهم: قال تعالى: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولوكنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران159] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله إذا أراد بأهل بيتٍ خيراً دلهم على باب الرفق” [مسند أحمد 24212]، وقال أيضا:”الرفق لم يك في شيئ إلا زانه، ولم يُنْزَع من شيئ إلا شانه”[مسند أحمد25334].

3-القلب الرحيم بالولد: أي أن يشعر الوالدان بألم، ومشاعر الطفل. جاء وفد للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا شَبَبَةً  أقاموا عنده عشرين ليلة  فشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم باشتياقهم لأهليهم فقال لهم:”ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومُرُوهُم …فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمُّكُم أكبركم”[البخاري 6819].

يمشي جابر بن عبد الله مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم راجعون من الغزو فيسأل النبي جابراً:” أبكراً تزوجت أم ثيباً “فقال: بل ثيباً فقال رسول الله:” فهلاَّ بكراً تلاعبُها، وتلاعبك”[البخاري 4791]. هكذا كان رسول الله المربي يسأل جابراً، ويتفقد أحواله.

4-اختيار الأيسر في الأمور مالم يكن إثماً: وهذا من آثار الرحمة. رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ماخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه”[البخاري 6404]، وهذا ينعكس على الأسرة، والأولاد، والتربية.

5-اللين والمرونة في المواقف: ليس من التربية في شيئ أن يتمسك المربي بموقف يتخذه، ولو كان موقفًا يرجع بالخلل على التربية قال رسول الله:” من حلَف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه” [ مسلم 1651]

6-الابتعاد عن الغضب في المواقف: الغضب من مواقف الضَّعف، وليس من مواقف القوة، وهو خُلُق نقص لاخُلق كمال. أوصى رسول الله الصحابي الذي طلب الوصية فقال له:”لاتغضب” وقال رسول الله:”ليس الشديد بالصُّرَعَة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب”[البخاري 6114].

نادى زين العابدين على غلامه: ياغلام ياغلام، والغلام لايرد فقال له: ألا تسمع فقال: بلى ولكن علِمْتُ حُسْن خُلُقِك فأَمِنْتُ غَضَبَك فقال: الحمد لله أن أَمِن خدَمِي غضبي.

كيف سيكون حال التربية لو كان المربي يحمل مثل هذه الأخلاق؟

7-الاعتدال والتوسط في الأمور كلها.

8-القدوة، وعدم المخالفة بين القول، والعمل قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون مالا تفعلون) [الصف 2]

9-الصبر والدأب في العملية التربوية: التربية مسؤولية تحتاج الصبرَ وعدمَ الكلال والملل قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه132].رسول الله والأنبياء من قبله ماتركوا وسيلة لإصلاح أقوامهم إلا ولجؤوا إليها؛ فهذا نوح عليه السلام كما وصفه الله:(قال ربِّ إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا) [نوح5-6] وقال أيضا:(ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا) [نوح9] مكث فيهم يدعوهم إلى الله 950 عاماً (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا) [العنكبوت 14]

10-الاستيعاب والاحتواء للطفل: فالآنيةُ لكبيرة تستوعب الآنيةَ الصغيرة. أولادنا يحتاجون للاستيعاب في سن الطفولة، وهم كبارٌ أيضاً ،ولن يحصل الوالد على بر ولده مالم يستوعبه، ويستوعب انفعالاته، وكلما كان الإنسان أكبرَ عقلاً كان على استيعاب الآخرين أجدر.

11-العلم والثقافة بما يتعلق بالعملية التربوية لتكون التربية على بصيرة.

12-المراجعة الدائمة، والمحاسبة المستمرة للنفس في معاملة الأولاد، هل أنا أب ناجح؟ هل أنا أمٌّ ناجحة؟ هل أنا المربي الصالح لتربية أبنائي؟، والعمل على تجاوز الأخطاء الناشئة عن المحاسبة، بعد الاهتداء إليها.

13-معرفة الواقع الجديد الذي يعيش فيه الأبناء، وعدم التقوقع على عصر واحد؛ فزمان الأولاد غير زمان الكبار.

نسأل الله أن يعيننا على التحلي بهذه الأخلاق، واكتسابها كما نسأله سبحانه ألا يؤاخذنا بما قصرنا في تربية أبنائنا.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمن مرشد الصواب والهداية.

                             آمين آمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقالة السادسة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: الحصار الاقتصادي

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. 

اشتدَّ تشهيرُ سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بمَعَرَّاتِ قومه، وعيبُه آلهتَهم، وأنزل الله من القرآن سوراً وآياتٍ تدمغ قريشاً، وتؤذي كبرياءها أشدَّ الأذى، وكان لابد لقريشٍ أن تقبل تلك الإهانات؛ لأنها عاجزةٌ عن مقابلة البرهان بالبرهان. وكل ما كانت تستطيع فعله أن تصب وبالها على المستضعفين من أتباع الرسول، حتى استنفذت كل ما في جَعبتها من وسائل الإرهاب، ولم تبلغ شيئاً مما تريد، فتوعدت بقتل الرسول سراً أو علانيةً؛ فلجأ أبو طالب إلى الشِّعْبِ خوفاً على النبي من الاغتيال، ولحق به بنو هاشم وبنو المطلب؛ ليكونوا جميعًا حول النبي- صلى الله عليه وسلم- كي يحموه من أهل مكة، وقالوا: نموت عن آخرنا قبل أن يوصل إليه.

حينذاك عقدت قريش اجتماعاً، قررت فيه مقاطعةَ وحصار بني هاشم وبني المطلب، وكتبت في ذلك صحيفة: وعلقوها في جوف الكعبة وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر محمداً أن ينام في فراشه؛ حتى يراه من أرد به مكراً أو غائلة، فإذا نام الناس أخذ أحد بنيه فاضْجَعه على فراش رسول الله، وأمر رسولَ الله أن ينام في فراش ابن عمه، ولاقى النبيُّ ومن معه خلال ذلك آلاماً قاسيةً، من الخوف، والعزلة، والحرب النفسية، وقلةِ الغذاء، وشدةِ البلاء، وفرطِ الجوع، حَتّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخَبَطَ وَوَرَقَ السّمُرِ، حَتّى إنّ أَحَدَهُمْ لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ، وبلغ بهم الجهد أقصاه، حتى رثى لحالهم الخصوم من أصحاب الضمائر الحية، وأهل النخوة والرجولة، من أمثال هشام بن عمروٍ، وزُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومي، والْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وأَبِي الْبَخْتَرِيِّ بن هِشَام، وزَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، حيث تَعَاقَدُوا فيما بينهم على نقض الصحيفة الظالمة، ولم يهدأ لهم بال حتى نقضوها رغما عن أنف أبي جهل وعصابته.

ثم انطلق هؤلاء الخمسة، ومعهم جماعة، إلى بني هاشم وبني المطلب ومن معهم من المسلمين، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم. وفُكَّ الحصار.

استغل بعض المبطلين من محترفي الغزو الفكري، موقف بني هاشم وبني المطلب السلبي من مشركي قريش في مقاطعتهم للمسلمين بأنَّ عصبيَّتَهم كانت تكمن خلف دعوة محمد، وكانت تحوطها بالرعاية والحفظ! وإنها لمغالطة مكشوفة، لا يقبلها عقل ولا منطق؛ لأن المشركين من بني هاشم وبني المطلب، لم تكن حمايتُهم للرسالة التي بعث بها سيدنا محمد بدليل أنهم لم يدخلوا في دينه وإنما كانت حمايةً لشخصه بالذات من تهديد الغرباء بدافع حمية القرابة والرحم. 

وجاءت طائفة أخرى من محترفي الغزو الفكري يتأولون رسالةَ محمد وإيمانَ أصحابه بها على أنها ثورة يسار على يمين؟ أيْ ثورةُ الفقراءِ المضطهدين على الأغنياء المترفين. وهذه الأخرى أوهى من سابقتها، لعلمهم أن الرسول قد عرض عليه المشركون الملك والمال والزعامة، على أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام، فلِماذا لمْ يرض عليه الصلاة والسلام بذلك؟ ولم يَثُرْ عليه أصحابُه، ولم يضغطوا عليه كي يَقْبَلَ بعرض قريش؟ وهل يطمع أصحاب الثورة اليسارية بشيءٍ أكثرَ من الحكمِ يكون في أيديهم، والمالِ يكون في خزائنهم؟

ولقد قوطع وحوصر محمد- صلّى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه، حتى راحوا يأكلون ورق الشجر وهم محدقون برسولهم. أفهكذا يصنع من يثور من أجل لقمة العيش؟! 

ثم ألم يكن أصحاب النبي ينفقون أموالهم في سبيل الله بغير حساب؟ ألم يهاجروا من بلدهم تاركين جميع ممتلكاتهم وراء ظهورهم من أجل دينهم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.