المقالة السابعة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: الهجرة إلى الحبشة

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. 

رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – مشركي مكة ممعنين في التنكيل بأصحابه انتقاماً لآلهتهم، ورأى أنه غيرُ قادر على دفع الأذى عنهم، فخاف على أصحابه أن يُفتنوا عن دينهم إذا طال عليهم العذاب، فرأى بثاقب فكره، ونفاذ بصيرته، وصائب رأيه، أن يختار لهم مكاناً أكثر أمناً، فأشار عليهم أن يهاجروا إلى الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله للمؤمنين فرجاً ومخرجاً مما هم فيه، وذلك في السنة الخامسة للبعثة.

فخرج أحدَ عشرَ رجلاً وأربعُ نسوة من الأشراف فيهم عثمان بن عفان وزوجتُه رقيةُ بنتُ النبي صلى الله عليه وسلم وجعفر بن أبي طالب، فأكرم النجاشي وفادتهم، وأحسن لقاءهم، ثم لحق بهم آخرون، حتى بلغ العدد نحو ثمانين رجلاً عدا النساءِ والأطفال، فغاظ ذلك قريشاً، أن يروا المسلمين في سلام وأمان، فَبَعَثُوا داهية العرب عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ وَمَعَهُمَا رشاوى باسم هَدايا للنجاشي وحاشيته، فاتهموا المهاجرين بالسفهاء المارقين على دين قومهم، وناشدوه أن يردهم إلى قومهم، فلما سمع من المهاجرين حقيقة الأمر، ثبت له صدقهم وكذبُ رسل قريش، وحين وسمع آيات من مطالع سورة مريم بكى وبكت بطارقته مما رأوا من الحق وقال إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى يَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وقرر ألا يسلمهم إلى مبعوثي قريش ورجعا بالخيبة. وكان النبي يُكِنُّ لملك الحبشة المودة، وكان بينهما مراسلات، ولما كاتب الرسول الملوك، كان أول من أسلم وأحسن الرد على كتابه، ويوم مات النجاشي نعاه النبي لأصحابه، وصلوا عليه صلاة الغائب.

من الدروس التي يمكن أن نستفيدها مما مر:

أولاً: وجودُ جعفر بنِ أبي طالب وعثمانَ صهرِ النبي ورقيةَ ابنةِ النبي بين المهاجرين دلالةٌ على أن القائد الحقَّ ينبغي أن يُقَدِّمَ الأقارب للأخطار قبل الأباعد.

ثانياً: يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة الى ذلك شريطة ألا تستلزمَ مثلُ هذه الحمايةِ تنازلاتٍ تضر بالدعوة الإسلامية، أو تُغَيِّرَ بعض أحكام الدين، أو تُلْزِمَ المستجيرَ بالسكوت على اقتراف بعض الموبقات. 

ثالثاً: يجب علينا أن نعطي عدونا حجمه الحقيقي، وألا نستهينَ بطاقاته ومقدراته، وألا ننامَ عن مخططاته وتحركاته الماكرة؛ حتى نستطيع أن نواجهه. 

رابعاً: حكم الهجرة من دار الإسلام دائر بين الوجوب والجواز والحرمة، فتكون:

واجبة عندما يُمنعُ المسلمُ من تأدية شعائر دينه كالصلاة

جائزة عندما يبتلى المؤمن بأنواع الأذى من قبل أعداء الله يصعب عليه تحمله

 محرمة عند تعطيل واجب إسلامي لا يقوم به غيره

خامساً: إسلام النجاشي – مع كون الإسلام لا يوافق على بنوة المسيح لله ولا على كونه ثالثَ ثلاثة – دليل على أن اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم ليس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.

سادساً: لا يضحى بالدعوة من أجل الحفاظ على الدعاة، بل يضحى بالدعاة من أجل الحفاظ على الدعوة؛ لأن أهم شيء في حياة المؤمن هو الدين، ومن أجله يضحَى بكل شيء حتى بالمال والوطن والأرواح. وما أيسر أن يعوض ذلك كله في وقت وجيز طالما الدين الذي جاء به النبي الخاتم وارتضاه الله لعباده بخير. 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

المقال الثاني عشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الأنجاس وتطهيرها

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن النجاسات وكيفية تطهيرها، وأتناول فيه النقاط الآتية:

أ – حكم إزالة النجاسة. ب – آلة التطهير. ج – أنواع النجاسة. د – كيفية تطهير النجاسة.


أ – حكم إزالة النجاسة:

تطهير النجاسة فرض من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي فيه. وهو شرط لصحة الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.


ب – آلة التطهير:

الأصل في تطهير النجاسة هو الماء، ولو كان مستعملا. ويجوز رفع النجاسة بكل مائع طاهر قالع للنجاسة ينعصر بالعصر، كالخل وماء الورد. أما المائع الطاهر الذي لا يقلع النجاسة، أو لا ينعصر بعصره فإنه لا يجوز التطهير به، وذلك كالزيت والحليب. [1]

وهناك مطهرات فرعية كثيرة غير الماء، نذكر منها ما يأتي:

1 – الدلك: إذا أصابت الخف أو الحذاء نجاسة لها جِرم غير مائعة، كالروث والعذرة، فجفت فدلك الخف والحذاء بالأرض طهر.

2 – المسح: المسح مطهر لكل صقيل لا مسام له تتشرب الأشياء المائعة، كالمرآة والظفر والعظم والزجاج ونحوها، فإذا أصابت هذه الأشياء نجاسة طهرت بالمسح.

3 – الجفاف: وذلك في الأرض خاصة، فإذا أصابت الأرض نجاسة، ثم يبست وذهب أثر النجاسة من لون وريح طهرت، وجاز الصلاة عليها، لكن لا يجوز التيمم منها؛ لأن الشرط في التيمم أن يكون الصعيد مطهرا.

4 – الفرك: وذلك في المني اليابس خاصة. فإذا أصاب المني البدن أو الثوب، فجف فإنه يطهر بفرك المني عنهما. [2]


ج – أنواع النجاسة:

تنقسم النجاسة إلى قسمين:

1 – نجاسة مغلظة: كالدم والغائط والبول والعذرة. ويعفى منها عن مقدار الدرهم، فإن زاد على ذلك لم تصح الصلاة. وقطر الدرهم العربي القديم (37 مم). [3]

2 – نجاسة مخففة: كبول ما يؤكل لحمه من الحيوانات، وكخرء الطير الذي لا يؤكل لحمه. ويعفى منها عن أقل من مقدار ربع العضو الذي أصابته النجاسة، كاليد والكم، والساق وما يغطيها من الثوب. [4]


د – كيفية تطهير النجاسة:

النجاسة نوعان: مرئية وغير مرئية.

1 – المرئية: وهي التي ترى بالعين بعد إصابتها للبدن أو الثوب، كالدم والعذرة. وهذه تغسل حتى تزول النجاسة وتذهب، فإذا زالت ولو بغسلة واحدة طهر البدن والثوب. ولا يضر بقاء أثر النجاسة بعد الغسل مرات عديدة، ولا يجب استعمال الصابون والماء الحار لإزالة هذا الأثر.

2 – غير المرئية: كالبول وعرق ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات. وهذه تغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارتها، وقد قدر الفقهاء ذلك بثلاث مرات؛ لأن غالب الظن بطهارة البدن أو الثوب يحصل بالغسل ثلاث مرات. ولا بد من عصر الثوب المغسول في كل مرة في هذا النوع من النجاسة حتى يطهر. [5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

________________________________________________________

[1]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/50/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 46.

[2]انظر المرجعين السابقين /1/50 – 51/، وص 46 – 47.

[3]انظر: شرح بلوغ المرام للشيخ عطية سالم، /12/11/ بترقيم الشاملة.

[4]انظر المرجعين السابقين /1/51 – 52/، وص 47.

[5]انظر المرجعين السابقين /1/53/، وص 48.

 

المحاضرة العشرون من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: صفات المربي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا، وزدنا علمًا ينفعنا.

وبعد:

كثيرًا ما نتكلم عن فشلنا في تربية أبنائنا، وأحيانًا كنا نلوم أولادنا، ونحملهم مسؤولية هذا الفشل، وقلما كنا نبحث عن الأسباب الحقيقية وراءهذا الفشل.

 لقد ذكرنا في المحاضرتين الماضيتين عوامل الهدم في تربية الأبناء، وذكرنا من هذه العوامل المربي نفسه؛ فنحن لانُعْفي المربي من المسؤولية، وبذات الوقت لانحمِّلُه كامل المسؤولية؛ لذا لابد أن نعرف الصفات التي يجب أن تكون في المربي لنتعرف على مكان الخلل في التربية من هذه الزاوية لنتمكن من معالجته.

لقد اختار اللهُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون المربي الأول لهذه الأمة فقال في حقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم 4]، وقال في حقه أيضاً: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب 21] لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل صفات المربي الكامل، وكمال المربي ينتج عنه كمال التربية. لقد أثَّر كمال رسول الله وسرى في الأمة كمالاً؛ لهذا كان من الواجب أن نتعرف على صفات المربي حتى نتعرف على الصفات الناقصة، ونعمل على استكمالها، وبذلك نتلافى الفشل الذي قد يحدث في العملية التربوية من هذا الجانب.

مهمة:

هناك خطئان لابد من الإشارة إليهما:

1-من الخطأ قصر التربية على الأبناء فقط والحقيقة أن معنى التربية يشمل أطيافا أوسع من هذا؛ فهو يشمل الإخوة والأخوات، والأصدقاء في المدرسة، والجيران في المجتمع، والناس حول الداعية، فكل هؤلاء، وغيرهم جزء من التربية التي نتحدث عنها؛ فقضية التربية أوسع بكثير من قصرها على تربية الأولاد؛ لهذا عندما نتكلم عن صفات المربي فإننا نتكلم عن المربي بالمعنى الشامل الذي يشمل الوالدين، وغيرهم.

2-من الخطأ الظن أن تربية الأولاد قضية بسيطة لاتحتاج لمنهج، وأصول وضوابط؛ هذا الظن الخاطئ جعل الوالدين يهملان كثيرًا من الضوابط الصحيحة للتربية.

سؤال: ماذا نفعل لو لم نحقق كل صفات المربي؟ الجواب: هناك صفات يجب أن تكون موجودة في كل مربي، وهناك صفات تُكْتَسب شيئاً فشيئاً، وكلما كان المربي متداركًا لأخطاء التربية؛ كان هذا أدعى لنجاح عوامل التربية.

الصفات الأساسية في المربي التي ماينبغي أن يخلو عنها المربي:

أولًا: الحرقة في القلب، والرغبة في العمل: فلابد أن يشعر الأبوان برغبة في إصلاح أبنائهم. ربَّ أبٍ وأمٍ ليس عندهم صفات المربي، ولكنهما يحملان الحرقة في قلوبهم والشفقة على أولادهم فهما يبكيان، ويدعوان ربهم أن يجعل من أولادهم ذرياتٍ صالحين، يبحثون عن كل مايصلح أبنائهم بلهفة، وحرقة ؛ فيحصل الوالدان على أولاد في قمَّة التربية أكثر بكثير من الخبراء بأصول التربية، وضوابطها.

ثانيا: أن يستشعر الأب الخطورة، والخوف من الله؛ أن الله سيسأله عن أولاده. إذا كان الأب يستحيي من مدرسة ابنه لو استدعته تشتكي تقصير ولده بأمرٍ ما؛ فكيف سيكون موقف الأب أمام الله عزوجل، لو أوقفه يوم القيامة وسأله عن تقصيره تجاه ولده؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع، ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها”[البخاري 2419].ماذا سيقول الأب لربه حين يسأله عن قوله: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) [التحريم6] كيف ترضى أيها الأب أن يصل ولدك لمابعد البلوغ، ولايزال لايصلي؟! إن شعور الإنسان بمسؤوليته يدفعه لإحسان التربية

ثالثا: التعلُّم الدائم، واكتساب الخبرات شيئاً فشيئاً في تربية الأولاد، وتصحيح الأخطاء.

رابعا: اليقين بأن الله قادر على إصلاح أولادنا، وإصلاح ما أفسدنا، وقصرنا وتصويب ما أخطأنا، وأن الله قادر على هداية أولادنا مهما كانوا متمردين أو مايحملوه من عقوق.

لاتيأس من هداية ولدك، حتى لو وضَعَ الطينَ في أذنيه، حتى لو انقطعت كل سبل التواصل بينك وبينه. لا تيأس بل الجأ إلى الله بالدعاء، والتضرع وتَحَيَّن أوقاتِ الإجابة مع الاستمرار؛ وسترى أن ولدك ينقلب رأسا على عقب.

إن لم نجعل من أوقات الأسحار دعاءً لأولادنا فلمن نجعلها؟! كن على يقين أن الله قادر على هداية ولدك.

كم من أب أراد تربية ولده بطرق التربية الحديثة، وهو لايحمل هذا الهم، واليقين بالله عزوجل؛ خرج ولده بغير ما يتمنى، ويريد.

كان والد الشيخ بدر الدين الحسني عاملاً، وقد رزقه الله بمولود؛ فكان يأخذه للعلماء والصالحين، ويطلب منهم الدعاء له أن يكون من الصالحين؛ فظهر الشيخ بدر الدين الحسني.

 ولنا في قصة والد إبراهيم ابن أدهم عبرة: عندما وجد تفاحةً على ضفة نهر فأكلها فشعر بتقصيرِ، وإثم أَكْلِهَا دون أن يَعْلَم من صاحبها؛ فبدأ يبحث عن مصدر التفاحة حتى اهتدى لصاحب البستان، وكان مَلِكَاً؛ فاشترط عليه ليسامحه أن يزوجه ابنته فتزوج أدهم ابنة الملك، وأنجبت له إبراهيم الزاهد الصالح ؛ تلك الثمرة من هذه البذرة فالثمرة الطيبة من البذرة الطيبة.

صفات هامة ينبغي أن يتحلى بها المربي:

 إذا كانت هذه الصفات التي سنتحدث عنها مفقودةً في المربي فيمكن أن تأتي بالتدريب.

1-الحلم والأناة: العجول الإنفعالي صاحب المواقف الارتجالية؛ لايصلح للتربية. لقد امتدح رسولُ الله الأشجَّ بنَ عبد قيس فقال له: “إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة”[مسلم543].

نادى الخليفة المأمون غلامه: ياغلام فقال الغلام للمأمون مُغْضَبَاً: أَكُلَّما خرجنا من عندك قلت: ياغلام ياغلام! أما ينبغي للغلام أن يأكل؟ أما ينبغي للغلام أن يشرب؟ فأَطْرَقَ المأمون وقال لجليسه عبد الله بن طاهر: إذا حَسُنَ خُلُقُ الرجل ساءت أخلاق رعيته، وإنا لانُحَسِّن أخلاق رعيتنا بسوء أخلاقنا.

2-الرفق واللين بين الأهل، وأولادهم: قال تعالى: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولوكنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران159] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله إذا أراد بأهل بيتٍ خيراً دلهم على باب الرفق” [مسند أحمد 24212]، وقال أيضا:”الرفق لم يك في شيئ إلا زانه، ولم يُنْزَع من شيئ إلا شانه”[مسند أحمد25334].

3-القلب الرحيم بالولد: أي أن يشعر الوالدان بألم، ومشاعر الطفل. جاء وفد للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا شَبَبَةً  أقاموا عنده عشرين ليلة  فشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم باشتياقهم لأهليهم فقال لهم:”ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومُرُوهُم …فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمُّكُم أكبركم”[البخاري 6819].

يمشي جابر بن عبد الله مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم راجعون من الغزو فيسأل النبي جابراً:” أبكراً تزوجت أم ثيباً “فقال: بل ثيباً فقال رسول الله:” فهلاَّ بكراً تلاعبُها، وتلاعبك”[البخاري 4791]. هكذا كان رسول الله المربي يسأل جابراً، ويتفقد أحواله.

4-اختيار الأيسر في الأمور مالم يكن إثماً: وهذا من آثار الرحمة. رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ماخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه”[البخاري 6404]، وهذا ينعكس على الأسرة، والأولاد، والتربية.

5-اللين والمرونة في المواقف: ليس من التربية في شيئ أن يتمسك المربي بموقف يتخذه، ولو كان موقفًا يرجع بالخلل على التربية قال رسول الله:” من حلَف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه” [ مسلم 1651]

6-الابتعاد عن الغضب في المواقف: الغضب من مواقف الضَّعف، وليس من مواقف القوة، وهو خُلُق نقص لاخُلق كمال. أوصى رسول الله الصحابي الذي طلب الوصية فقال له:”لاتغضب” وقال رسول الله:”ليس الشديد بالصُّرَعَة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب”[البخاري 6114].

نادى زين العابدين على غلامه: ياغلام ياغلام، والغلام لايرد فقال له: ألا تسمع فقال: بلى ولكن علِمْتُ حُسْن خُلُقِك فأَمِنْتُ غَضَبَك فقال: الحمد لله أن أَمِن خدَمِي غضبي.

كيف سيكون حال التربية لو كان المربي يحمل مثل هذه الأخلاق؟

7-الاعتدال والتوسط في الأمور كلها.

8-القدوة، وعدم المخالفة بين القول، والعمل قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون مالا تفعلون) [الصف 2]

9-الصبر والدأب في العملية التربوية: التربية مسؤولية تحتاج الصبرَ وعدمَ الكلال والملل قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه132].رسول الله والأنبياء من قبله ماتركوا وسيلة لإصلاح أقوامهم إلا ولجؤوا إليها؛ فهذا نوح عليه السلام كما وصفه الله:(قال ربِّ إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا) [نوح5-6] وقال أيضا:(ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا) [نوح9] مكث فيهم يدعوهم إلى الله 950 عاماً (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا) [العنكبوت 14]

10-الاستيعاب والاحتواء للطفل: فالآنيةُ لكبيرة تستوعب الآنيةَ الصغيرة. أولادنا يحتاجون للاستيعاب في سن الطفولة، وهم كبارٌ أيضاً ،ولن يحصل الوالد على بر ولده مالم يستوعبه، ويستوعب انفعالاته، وكلما كان الإنسان أكبرَ عقلاً كان على استيعاب الآخرين أجدر.

11-العلم والثقافة بما يتعلق بالعملية التربوية لتكون التربية على بصيرة.

12-المراجعة الدائمة، والمحاسبة المستمرة للنفس في معاملة الأولاد، هل أنا أب ناجح؟ هل أنا أمٌّ ناجحة؟ هل أنا المربي الصالح لتربية أبنائي؟، والعمل على تجاوز الأخطاء الناشئة عن المحاسبة، بعد الاهتداء إليها.

13-معرفة الواقع الجديد الذي يعيش فيه الأبناء، وعدم التقوقع على عصر واحد؛ فزمان الأولاد غير زمان الكبار.

نسأل الله أن يعيننا على التحلي بهذه الأخلاق، واكتسابها كما نسأله سبحانه ألا يؤاخذنا بما قصرنا في تربية أبنائنا.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمن مرشد الصواب والهداية.

                             آمين آمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقالة السادسة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: الحصار الاقتصادي

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. 

اشتدَّ تشهيرُ سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بمَعَرَّاتِ قومه، وعيبُه آلهتَهم، وأنزل الله من القرآن سوراً وآياتٍ تدمغ قريشاً، وتؤذي كبرياءها أشدَّ الأذى، وكان لابد لقريشٍ أن تقبل تلك الإهانات؛ لأنها عاجزةٌ عن مقابلة البرهان بالبرهان. وكل ما كانت تستطيع فعله أن تصب وبالها على المستضعفين من أتباع الرسول، حتى استنفذت كل ما في جَعبتها من وسائل الإرهاب، ولم تبلغ شيئاً مما تريد، فتوعدت بقتل الرسول سراً أو علانيةً؛ فلجأ أبو طالب إلى الشِّعْبِ خوفاً على النبي من الاغتيال، ولحق به بنو هاشم وبنو المطلب؛ ليكونوا جميعًا حول النبي- صلى الله عليه وسلم- كي يحموه من أهل مكة، وقالوا: نموت عن آخرنا قبل أن يوصل إليه.

حينذاك عقدت قريش اجتماعاً، قررت فيه مقاطعةَ وحصار بني هاشم وبني المطلب، وكتبت في ذلك صحيفة: وعلقوها في جوف الكعبة وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر محمداً أن ينام في فراشه؛ حتى يراه من أرد به مكراً أو غائلة، فإذا نام الناس أخذ أحد بنيه فاضْجَعه على فراش رسول الله، وأمر رسولَ الله أن ينام في فراش ابن عمه، ولاقى النبيُّ ومن معه خلال ذلك آلاماً قاسيةً، من الخوف، والعزلة، والحرب النفسية، وقلةِ الغذاء، وشدةِ البلاء، وفرطِ الجوع، حَتّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخَبَطَ وَوَرَقَ السّمُرِ، حَتّى إنّ أَحَدَهُمْ لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ، وبلغ بهم الجهد أقصاه، حتى رثى لحالهم الخصوم من أصحاب الضمائر الحية، وأهل النخوة والرجولة، من أمثال هشام بن عمروٍ، وزُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومي، والْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وأَبِي الْبَخْتَرِيِّ بن هِشَام، وزَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، حيث تَعَاقَدُوا فيما بينهم على نقض الصحيفة الظالمة، ولم يهدأ لهم بال حتى نقضوها رغما عن أنف أبي جهل وعصابته.

ثم انطلق هؤلاء الخمسة، ومعهم جماعة، إلى بني هاشم وبني المطلب ومن معهم من المسلمين، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم. وفُكَّ الحصار.

استغل بعض المبطلين من محترفي الغزو الفكري، موقف بني هاشم وبني المطلب السلبي من مشركي قريش في مقاطعتهم للمسلمين بأنَّ عصبيَّتَهم كانت تكمن خلف دعوة محمد، وكانت تحوطها بالرعاية والحفظ! وإنها لمغالطة مكشوفة، لا يقبلها عقل ولا منطق؛ لأن المشركين من بني هاشم وبني المطلب، لم تكن حمايتُهم للرسالة التي بعث بها سيدنا محمد بدليل أنهم لم يدخلوا في دينه وإنما كانت حمايةً لشخصه بالذات من تهديد الغرباء بدافع حمية القرابة والرحم. 

وجاءت طائفة أخرى من محترفي الغزو الفكري يتأولون رسالةَ محمد وإيمانَ أصحابه بها على أنها ثورة يسار على يمين؟ أيْ ثورةُ الفقراءِ المضطهدين على الأغنياء المترفين. وهذه الأخرى أوهى من سابقتها، لعلمهم أن الرسول قد عرض عليه المشركون الملك والمال والزعامة، على أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام، فلِماذا لمْ يرض عليه الصلاة والسلام بذلك؟ ولم يَثُرْ عليه أصحابُه، ولم يضغطوا عليه كي يَقْبَلَ بعرض قريش؟ وهل يطمع أصحاب الثورة اليسارية بشيءٍ أكثرَ من الحكمِ يكون في أيديهم، والمالِ يكون في خزائنهم؟

ولقد قوطع وحوصر محمد- صلّى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه، حتى راحوا يأكلون ورق الشجر وهم محدقون برسولهم. أفهكذا يصنع من يثور من أجل لقمة العيش؟! 

ثم ألم يكن أصحاب النبي ينفقون أموالهم في سبيل الله بغير حساب؟ ألم يهاجروا من بلدهم تاركين جميع ممتلكاتهم وراء ظهورهم من أجل دينهم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقال الحادي عشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الاستحاضة والاستنجاء

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن الاستحاضة والاستنجاء.

 

وأتناول في الأول النقاط الآتية:

أ – المستحاضة ومن في حكمها. ب – حكم صاحب العذر. ج – كيف يثبت العذر وكيف ينقطع؟ د – ما ينقض وضوءه.

 

وفي الثاني النقاط الآتية:

أ – الاستبراء. ب – الاستنجاء. ج – حكم الاستنجاء. د – مكروهات الاستنجاء.


أولا: صاحب العذر

أ – المستحاضة ومن في حكمها:

المستحاضة هي من رأت الدم أقل من ثلاثة أيام، أو أكثر من عشرة أيام. ومثلها أصحاب الأعذار، وهو من به حدث دائم موجب للوضوء، كسلس البول، أو جريان الغائط من البطن، أو الرعاف الدائم، ونحو ذلك.


ب – حكم صاحب العذر:

يتوضأ لوقت كل صلاة، فيصلي بالوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل ضمن الوقت، فإذا خرج الوقت بطل وضوؤه، فيتوضأ إذا أراد أن يصلي صلاة أخرى.[1]


ج – كيف يثبت العذر وكيف ينقطع؟

يشترط لثبوت العذر، ويصير المصاب به صاحب عذر أن يستمر العذر وقت صلاة كاملة، بحيث لا يجد فيه وقتا يسع الوضوء والصلاة خاليا من عذره، ولا يؤثر الانقطاع القليل الذي لا يسع المقدار الذي ذكرناه في ثبوت العذر.

وبعد ثبوت العذر بما ذكرنا لا يشترط استيعاب العذر كالدم لوقت الصلاة، بل يكفي وجوده في جزء من الوقت ولو مرة ليستمر حكم العذر.

أما في حق خروج المعذور عن كونه صاحب عذر فيشترط فيه أن يستوعب انقطاع العذر وقت صلاة كاملا حقيقة، بحيث لا يوجد العذر في أي جزء من أجزائه.[2]


د – ما ينقض وضوءه:

ينتقض وضوء صاحب العذر بحدث آخر غير عذره، كالبول والغائط للمستحاضة مثلا. أما سبب عذره فلا ينتقض به وضوؤه إلا بخروج الوقت كما تقدم.[3


ثانيا: الاستنجاء

أ – الاستبراء:

هو طلب براءة المخرج من أثر رشح البول. فهو خاص بالبول. وهو لازم لا بد منه حتى يزول أثر البول ويطمئن قلبه بعدم بقاء شيء من البول في المخرج، وذلك بنحو مشي أو تنحنح أو حركة أو غير ذلك. ولا يجوز الوضوء حتى يتأكد من زوال أثر البول من مخرجه.


ب – الاستنجاء:

هو استعمال المنديل أو الماء أو غيرهما في إزالة النجاسة عن أحد السبيلين.

وهو سنة مؤكدة من كل نجس يخرج من أحد السبيلين، بول أو غائط أو غيرهما إذا بقيت النجاسة في مكان خروجها، أما إذا تجاوزت المكان الذي تخرج منه النجاسة عادة، وكانت النجاسة بمقدار الدرهم وجب غسلها، وإن زادت على قدر الدرهم افترض غسلها؛ لأنها حينئذ تكون مانعة من صحة الصلاة.

ويستحب الجمع بين المنديل والماء، وأن يستعمل ثلاثة مناديل.


د – مكروهات الاستنجاء:

1 – يكره الاستنجاء بعظم أو بشيء محترم كخرقة ديباج وقطن أو بطعام لآدمي أو بهيمة.

2 – يكره الاستنجاء باليد اليمنى إلا من عذر، كجرح في يده اليسرى.

3 – يكره استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة ولو كان يقضي حاجته في مكان مغلق مخصص لذلك.

4 – يكره أن يبول قائما إلا من عذر كوجع بظهره.

5 – يكره قضاء الحاجة في الماء والظل والجحر والطريق وتحت شجرة مثمرة.

ويستحب أن يدخل الخلاء برجله اليسرى، ويقول قبل دخوله: أعوذ بالله من الخبُث والخبائث.

وأن يخرج برجله اليسرى ويقول بعد خروجه: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.[4]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/47/، والحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار ص 45.

[2]انظر: الدر المختار، ص 45.

[3]المرجع السابق ص 46.

[4]انظر: الشرنبلالي، حسن بن عمار، نور الإيضاح، ص 7 – 8.

المحاضرة التاسعة عشرة من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: عوامل هدم في تربية الأولاد الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا عمًا ينفعنا.

وبعد:

ذكرنا في اللقاء الماضي أن الآباء والمربين يبذلون جهودًا كثيرة في ميدان التربية ومع ذلك فإن هذه الجهود قد لا تؤتي ثمارها أو تؤتي ثمارًا لاتتناسب والجهودُ المبذولة، وأحلنا السبب في هذا على عوامل الهدم التي تَحُول دون وصول جهود التربية لمبتغاها، وذكرنا أيضاً أن أهمية هذه المحاضرة تكمُن في أنها تعمل على إيقاف عوامل الهدم، وذكرنا عواملَ الهدم التي ترجع للولد نفسه، والتي ترجع للأسرة وماتعيشها من مشاكل. واليوم سنكمل الحديث في نفس الأتجاه ونذكر عوامل هدم أخرى في وجه تربية الأبناء، وسنبدأ بـــ:

أسباب فشل التربية التي ترجع للأم:

1- تعرض الأم لبعض الأمراض الصحية أثناء الحمل، والولادة المبكرة قد يؤثر هذا في صحة الطفل وتكوينه الداخلي.

2-الاضطراب النفسي للأم أثناء الحمل؛ فتسري هذه الاضطرابات من الأم لجنينها – ذكرنا سابقا أن الطفل يتأثر بانفعالات أمه في المرحلة الجنينية هدوءاً واضطراباً- فالاضطراب النفسي يشكل أزمات نفسية عند الولد

3-أن يعيش الولد بعيداً عن أمه لفترات طويلة كأن يعيش عند عمته مثلًا، أو جيرانه أو أحد أقاربه.

 لقد فطر الله الخلق أن يعيش الولد مع أمه فالاستقرار النفسي يتحقق عندما يكون الولد مع أمه. جاءت خولة بنت ثعلبة للنبي فقالت له: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه (زوجها) ضاعوا.

4-الأم المسيطرة في البيت، فغياب دور الأب، وتهميشُه يُضِرُّ بالولد ضررًا بالغاً لأن الله عزوجل خلق الإنسان ليكون له أب، وأم فلكلٍّ دوره في الأسرة، والتربية، ومهما بلغت الأم من قدرات، وطاقات فلايمكن بأي حال من الأحوال أن تُتْقِنَ مايقدِّمه الأب، وقد سُئِل رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أمك قال: ثم من؟ قال: “أمك” قال: ثم من؟ قال: “أمك” قال: ثم من؟قال: “أبوك” [البخاري 5971]؛ فالأم مطلوبة، والأب مطلوب في تحقيق تربية متوازنة يقول الله تعالى:(ووصينا الإنسان بوالديه حُسْنا)[العنكبوت 8].

5-كثرة مشاغل الأم، وخروجها الكثير، والمتكرر من البيت؛ يشكِّل خطرًا كبيرًا على الأولاد حتى ولوكان خروج الأم بما يُحْمَدُ شرعاً؛ كخروجها في طلب العلم، أو صلاة القيام ..

قد يكون إهمال الأم لابنها، من خلال  ترك شؤون تربيته، والعناية به للخادمة، وقد ذكرنا سابقاً أن الخادمة لن تستطيع القيام بدور الأم مهما تَحْمِله في قلبها من الحنان وغيره؛ فغياب دور الأم يَحْرُمُ الطفلَ من المشاعرالتي لاتقدمها له سوى أمه؛ فيعيش الولد نوعاً من اليُتْمِ حتى بوجود أمِّه وأبيه.

يقول أحمد شوقي:

ليس اليتيم من انتهى أبواه    من همِّ الحياة وخلَّفَاهُ ذليلا

إن اليتيم هو الذي تَلْقَى له    أمَّاً تَخَلَّت أو أبَا مشغولا

6-تخويف الأم طفلَها من الصور الخيالية، والمخيفة، والخارقة التي يراها في التلفاز، وغيره بُغْيَة إسكاته، أورغبةً في طاعته أمرها؛  فيصيب الطفلَ نوباتٌ من الخوف الشديد؛ حيث يستيقظ ليلاً، ويبكي بكاءً شديداً مجهول السبب.

أسباب فشل التربية التي ترجع للأب:

1- تَغْييبُ دَوْرِ الأب – صاحب الشخصية القوية المتسلطة – لدَوْرِ الأم في البيت؛ فالأم مهمشة لا رأي لها، بل ودائماً ماتُهان من قِبَلِ الأب، وأمام أبنائها.

مهمة: قد تشفع الأم لولدها أمام الأب من عقاب يستحقه الولد؛ فيستجيب الأب لشفاعتها، مما يعزز دور الأم أمام أبنائها، ويؤسس لعلاقةٍ جيدة معها، وهذا له أثره الإيجابي في التربية.

2-إدمان الأب على المخدرات والمسكرات يُعَدُّ جريمةً في حق الأبناء وقتلٌ معنوي لهم فنقول للأب: تخلَّى عن هذه المحرمات حباً بولدك، وإكراما له.

3-اكتشاف الولد أن أباه يكذب، أويسرق، أو عنده مخالفات شرعية؛ فتنعكس مخالفات الأب على الولد. فقد يكذب، ويسرق، ويتهاون بالأوامر الشرعية كالصلاة وغيرها، والسبب هو الأب الذي لم يتنبَّه أنه قدوة لأبنائه.

أحد الآباء يأمر ولده بالذهاب لصلاة الجمعة في حين يبقى هو في البيت، أو يتظاهر بالذهاب للصلاة، ويكتشف الولد خداع الأب له فيبدأ بالتحايل على الفرائض الشرعية كوالده، بل ويؤثِّر هذا في كِبَرِه، حيث يتوقف عن الذهاب للمسجد وحِلَقِ القرآن؛ لأن تصرُّف والده رسَّخ في ذهنه أن حلقات التحفيظ، والعلم هي للصغار فقط.

أسباب فشل التربية التي ترجع للظروف المحيطة:

1-الفقر: قد يسبب مشكلةً كبيرةً في التربية داخل البيت فالأب لايستطيع تأمين حاجات أولاده، ومستلزماتهم كالآخرين، وفي بعض الحالات يُفَرِّغ الأبُ غضبه الناشئ عن عدم تأمين احتياجات أسرته في أولاده؛ فيجتمع على الأولاد الفقر، وضغط الوالد، أو الوالدة؛ فلابد من تعويض هذا النقص بالرعاية النفسية الملائمة.

2-وجود حالة طلاقٍ لأحد أفرادِ الأسرة كالأخت، أو العمة، أوالأم، وهذا يشكِّل أزمة نفسية للطفل؛ لرؤيته لهذا النموذج الخاطئ، وتحمُّلِه تبعاته.

3-وجود نماذج قدوةٍ سيئةٍ في الأسرة، كجدِّ الطفل أو عمِّه أو خاله، وهذا يؤثر في تربية الولد الذي يَرَى قُدُواته على الخطأ، فلابد من مزيد الانتباه، والرعاية لتلافي تبعات هذه المشكلة.

4-تقصير المؤسسات التربوية كالمدرسة، والمسجد، وغيرها بالقيام بواجباتها. فما أسوأ أن تتحول المَدْرسة، أو المسجد من كونهما سبباً في التربية الصالحة، إلى سببٍ في سوء التربية؛ فيجب أن يسعى المربُّون لإيجاد التناغم بين المدرسةُ والمسجد والبيت.

5-عدم توفر أماكن تحقق للطفل رغباته، كالملاعب، والمسابح المنضبطة مما يضطر الطفل للعب في الشارع، وهذا فيه مافيه من مخاطر سوء التربية كلقاء رفقاء السوء وغير ذلك؛ فيقع الوالدان بين مشكلة مَنْعِ الولد من اللعب، وتفريغ الطاقات الكامنة فيه، ومشكلة عدم توفُّر المكان المناسب. فلابد من البحث عن أماكن توفر للطفل حقه من اللهو واللعب، من غير أن يتسبب هذا في مضار تعود على أخلاقه وعقيدته وسلوكه.

6-غياب الثقافة التربوية وطرائق التربية الصحيحة عن المربين أنفسهم، فالأب والأم عاجزان، والمدرس عاجزٌعن تربية الطفل وفق الطرائق الصحيحة للتربية ولنا في رسول الله أسوة حسنة للمربي العارف بطرق التربية، والتأديب.

نماذج من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال:

1- توجيه رسول الله الطفل الذي كانت تطيش يده في الصحفة أثناء الطعام فقال له :”ياغلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك”[1].

2- ابن عباس وإرشاد النبي له، وهو يركب خلف رسول الله على الدابة:”ياغلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك..”[2].

3- تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غلمان الأنصار في المدينة.[3].

4- تعامله مع أبي محذورة، وتحويله له من شخص يستهزئ بالأذان إلى مؤذن يدعو الناس لطاعة ربهم.[4].

5- تعامله صلى الله عليه وسلم مع الصحابي الذي بال في المسجد حيث تركه ينهي بوله ولم يؤذه ثم عالج المشكلة بأسلوب تربوي لطيف.[5]

ما أحوجنا لهذه الأساليب التربوية، وتطبيقها مع أبنائنا، بل ما أحوج المربين إلى معرفتها.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدن ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

_____________________________

[1]: البخاري عن عمربن أبي سلمة 5376

[2]: سنن الترمذي 2516

[3]: مسلم 40كتاب السلام

[4]: مسلم379

[5]: البخاري كتاب الوضوء باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد219

المقالة الخامسة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: سياسة المفاوضات

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

استعملت قريش ضد المسلمين سياسة الإيذاء والبطش؛ لصدهم عن دينهم فلم تفلح، فلجأت إلى سياسة الترغيب، فأرسلت إلى النبي تعرض عليه المال حتى يكون أغناهم إن كان يريد بدعوته المال، وإن كان يريد الملك ملكوه عليهم، أو السيادة سودوه عليهم، أو النساء زوجوه أجمل بناتهم، وإن كان يسيطر عليه جني، بذلوا أموالهم في علاجه. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، فقالوا: سل لنا ربك فليسيّر عنا هذه الجبال، ولْيُفَجِّرْ لنا أنهاراً، وليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهبٍ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، فنسألَهم عما تقول: فإن صنعت ما سألناك صدقناك.

فقال لهم: ما أنا بفاعل، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا؛ [1] لأنه علم أنهم إنما يطالبون بذلك كفراً وعناداً. فقالوا: تعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما، فأبى، فقالوا: لأبي طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه فنكفيكه… فقال أبو طالب قولاً رفيقاً، ورد رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه. [2]

ففكرت قريش بسياسة الترهيب، فانطلقوا إلى أبي طالب، فقالوا له: وَاَللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ. [3]

فقال أبو طالب يا بن أخي أبق على نفسك وعليّ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فقال رسول الله: يَا عم، والله، لو وضعوا الشَّمْس فِي يَمِينِي، وَالْقَمَر في يساري، على أن أترك هَذَا الْأَمْرَ- حَتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهلك فيه- ما تركته. ثم بكى وقام، فلما ولّى ناداه عمه، وقال: اذهب يا بن أخي، فقل: ما أحببت، فو الله، لا أسلمك لشيء أبدا، [4] وتفاديا للحرب عرضت قريش على أبي طالب عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، يتخذه ولدا، ويسلم إليهم محمدا ليقتلوه.

قال أبو طالب: أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابن أخي لتقتلوه؟! هذا والله، ما لا يكون أبدا، فأَقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا سِرًّا أَوْ عَلَانِيَّةً، فكان أبو طالب ينام في فراش الرسول يوما، ويأمر أحد أولاده أو أولاد عمومته ينام في فراشه يوما؛ خوفا عليه من الغيلة.

فهل بعد كل الذي سمعناه بقي مجال لأرباب الغزو الفكري، من أمثال كريمر وفان فلوتن وغيرهم، أن يتذرعوا بأن النبي كان يضمر من وراء دعوته الوصولَ إلى زعامة أو غنى؟ وقد جاءته على طبق من ذهب فركلها بقدمه، ماضيا في دعوته وجهاده، يشبع يوما ويجوع أياما، حتى بعد أن دانت له الجزيرة العربية، وانتعشت معايش المسلمين؛ بما أفاء الله عليهم من الغنائم، وأخذ الرغد النسبي طريقه إلى كل البيوت، إلا بيوت النبي ظلت مثابرة على شظف العيش، يمر عليها الشهر والشهران والثلاثة دون أن تُوقَدَ فيها نار يُطْهَى عليها طعام، يعيشون على التمر والماء، بينما ريح الشواء تفوح منه أكثر البيوت، وينام النبي على حصير يترك آثاره على جنبه، وحين بدا لزوجاته أن يسألنه من ذلك النعيم حظا، مما يتاح للناس العاديين، نزل القرآن يقول (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً). [5] فخيرهن النبي بين الدنيا وبين الآخرة، فمن أرادت الدنيا فلتغادر بيت النبوة، ولتتخل عن مكان القدوة، فاخترن جميعا ما عند الله، وزهدن في الدنيا وزينتها، حتى مات النبي ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير لطعام أهله.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سير ابن هشام، ج1، ص297.

[2] سيرة ابن إسحاق، ج1، ص 148.

[3] الرقة والبكاء، لابن قدامة المقدسي، ج 1 ص101، سير ابن هشام، ج1، ص265.

[4] دلائل النبوة للبيهقي، المقدمة، ص 65.

[5] الأحزاب، 28 و29.

المقال العاشر من سلسلة فقه الطهارة للشيخ عمر حجازي – الحيض والنفاس

يقدم فضيلة الشيخ عمر حجازي شرحاً مبسطاً للفقه الحنفي، مقارناً في بعض المواقف بين أحكام المذهب الأساسية وأحكام الفقه الشافعي، ويعد الشرح مدخلاً مناسباً للمبتدئين في قراءة ودراسة الفقه، ولمن أراد الوقوف على أساسيات الدين وأحكام الشريعة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أتكلم في هذا المقال عن الحيض والنفاس، وأتناول فيه النقاط الآتية:

أ – الحيض لغة وشرعا. ب – أقل الحيض وأكثره. ج – أقل الطهر وأكثره. د – ألوان الدم. ه – انقطاع الدم. و – ما يحرم بالحيض. ز – النفاس لغة وشرعا. ح – أقله وأكثره.


أ – الحيض لغة وشرعا:

الحيض لغة: السيلان. يقال: حاض الوادي، أي سال. وشرعا: دم يخرج من رحم امرأة لا بسبب ولادة.[1]


ب – أقل الحيض وأكثره:

أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك فهو استحاضة. وأكثر الحيض عشرة أيام ولياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.[2]


ج – أقل الطهر وأكثره:

أقل الطهر الذي يفصل بين الحيضتين خمسة عشر يوما، ولا حدَّ لأكثره.[3]


د – ألوان الدم:

كل الألوان التي تراها الحائض في مدة الحيض هي حيض، كالأسود والأحمر والأصفر، والكدر الذي يشبه الماء العكر، حتى ترى البياض الخالص.[4]


ه – انقطاع الدم:

له ثلاث حالات:

1 – أن ينقطع لأكثر الحيض: إذا انقطع الحيض لعشرة أيام فإنه يجوز للمرأة أن تصوم، ويجوز لزوجها أن يجامعها وإن لم تغتسل؛ لأنها صارت في حكم الجنب، لكن يستحب لزوجها أن لا يجامعها حتى تغتسل. أما الصلاة فلا تجوز بدون اغتسال؛ لأن من شروطها الطهارة.

2 – أن ينقطع لعادتها: كخمسة أيام أو سبعة أو تسعة، فلا يحل صومها ولا جماعها إلا بأحد شيئين:

  • أن تغتسل
  • أن يمضي عليها وقت صلاة حتى تصير الصلاة دينا في ذمتها، فتأخذ حكم الطاهرات. أما الصلاة فكما مر لا تجوز بدون طهارة.

3 – لأقل من عادتها: كأن تكون عادتها ستة أيام، فتطهر بعد أربعة أيام، فلا يحل جماعها احتياطا، وتغتسل وتصلي وتصوم احتياطا أيضا.[5]


و – ما يحرم بالحيض:

يحرم بالحيض الأمور الآتية:

1 – الصلاة والصوم. وتقضي الصوم دون الصلاة؛ للحرج، لأن الصلاة تتكرر في كل يوم بخلاف الصوم. 2 – دخول المسجد والطواف. 3 – أن يقربها زوجها فيما بين السرة والركبة إلا بحائل، أي ساتر يستر هذه المنطقة من جسدها. 4 – قراءة القرآن ومسه إلا بغلافه المنفصل عنه.[6]


ز – النفاس لغة وشرعا:

النفاس لغة: ولادة المرأة. وشرعا: الدم الخارج عقب الولد.


ح – أقل النفاس وأكثره:

لا حد لأقل النفاس، فقد يكون لحظة واحدة، أما أكثره فهو أربعون يوما ولياليها.

وأحكامه من حيث الانقطاع كأحكام الحيض في الحالات الثلاث المذكورة. ويحرم به ما يحرم بالحيض.[7]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

____________________________________________

[1]انظر: الحصكفي، محمد علاء الدين، الدر المختار، ص 43.

[2]انظر: الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب /1/42/.

[3]انظر: الدر المختار، ص 43.

[4]انظر المرجعين السابقين.

[5]انظر: اللباب، /1/44/، وابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار/1/294 – 296/.

[6]انظر الدر وحاشيته /1/292/.

[7]انظر: اللباب /1/48/، والدر ص 45.

المحاضرة الثامنة عشرة من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام للشيخ أنس الموسى: عوامل هدم في تربية الأولاد الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا عمًا ينفعنا.

وبعد:

كثيرةٌ هي الجهود التي يبذلها الآباء في تربية أبنائهم، ومع ذلك في كثير من الأحيان لا نجد ثمرة مايبذل، أو لا نجد ثمرةً تقابل الجهد الذي يبذله الآباء، والمربون في سبيل الحصول على نشئٍ مبارك طيب.

السبب في هذا هو وجود عوامل هدم كثيرة تَحُول دون تحقيق خطوات التربية التي تحدثنا عنها في المحاضرات السابقة، فالعائلة تبني وغيرهم يهدم، يتقدم المربون خطوة للأمام وهناك من يرجعهم خطوات نحو الوراء، ولن يتم بناء التربية الصحيحة حتى نوقف العملية المعاكسة في هدم الجهود المبذولة، أو نوجد الطرق المناسبة لتخفيف هذا الهدم، والحيلولة دون تأثيره على تربية الأبناء.

صدق بشار بن برد عندما قال:

متى يَبْلُغُ البنيانُ يومًا تمامَهُ     إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمُ

تكمن أهمية هذه المحاضرة أنها تعمل على إيقاف عوامل الهدم في تربية الأبناء

إن المعوقات في وجه تربة الأبناء أنواع كثيرة؛ فمنها مايرجع للأم والأب، ومنها مايرجع للبيئة، ومنها مايرجع للطفل نفسه، ومنها مايرجع للجهل بوسائل التربية وسنبدأ بـ:

عوامل الهدم التي ترجع للأسرة ومايلابسها من مشاكل:

1-كثرة العقوبات البدنية، والمالية، والنفسية، واللوم المستمر للولد؛ يُفْقِدان الوالدان ثمرة جهدهم بطريقة تعاملهم مع ولدهم. فقد يبني الوالدان ولكنهما يهدمان بنفس الوقت.

2- النزاع الدائم داخل الأسرة بين الأب والأم، أو بين الأب وابنه، أو بين الأم وابنها أو ابنتها فأنى لطفل نريد بنائه بناء سويا يعيش في بيئة تستمر فيها النزاعات؟! فما ينبغي أن تكون هذه النزاعات سببًا في فشل تربية الأبناء سواء كان الأولاد متفرجين عليها، أم كانوا مشاركين فيها.

3- مجيئ ولد جديد للعائلة، وانصراف الوالدين نحو الزائر الجديد، واهتمام العائلة بهذا الولد، وإهمال الولد الأول؛ يؤدي لأن يصير الولد الأول شرسَاً، ولايسمع النصائح والتوجيه؛ لهذا ينبغي التعامل بحذر مع المولود الأول بإعطائه الحد المناسب من الاهتمام، بحيث لايشعر بعدوانية نحو الولد الجديد، ولا يؤثر هذا في نفسيته وسلوكه وتربيته.

4-الصراع بين الوالدين على الطفل فكِلَا الوالدين يريد الخير للولد، ولكن كل واحد منهم يريد أن يسيطر على الطفل؛ مماينتج عنه خسارة الوالدين للطفل، وقد تحصل هذه المشكلة والزوجية قائمة بين الأب والأم، لكنها تظهر بشكل واضح فيما لوكان هناك طلاق وفرقة بين الزوجين؛ فيضيع الطفل بين أبيه وأمه. فلو كان الولد عند أمه مثلًا، ويذهب لزيارة والده مرة في الأسبوع، فيحاول الأ ب استمالة ولده، من خلال تقديم مايشتهيه من الأطعمة، والألبسة، والهدايا ..وكذلك تفعل الأم، والنتيجة أن الخاسر هو الولد أولاً وآخرًا فلا الولد يربيه والده، ولا تربيه أمه بل يعيش الولد حالة ضياع بينهما.

5-إحساس الطفل بالكره بين الوالدين؛ فيحس الولد أن أمه تكره أباه، أو العكس؛ فيحاول الطفل الهروب من هذا الواقع، فإن كان الولد أنثى فإنها ترضى بأي زوج يتقدم لخطبتها مهما كان فراراً من الواقع، وإن كان ذكراً فإنه يحاول السفر بعيداً عن أسرته! السبب أن الأولاد ماعادوا يشعرون بالسَّكن داخل الأسرة والله تعالى يقول: (هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) [الروم 21] فالسكن يحصل بين الزوجين، ويكون بين أفراد الأسرة الناشئة من الزوجين.

6-غياب الحوار بين الوالدين، وأفراد الأسرة: هناك فرق بين أن يقوم أفراد العائلة بواجباتهم بإرادتهم، وبين أن يقوموا بها مكرهين ..مالمشكلة  أن يستشير الوالدان أولادهم حتى ولو باختيار صنف الطعام الذي يريدون تناوله، أو التشاور في اختيار مكان للنزهة ؛هذه المشاركة تضفي جواً من الراحة في الأسرة لها كبير الأثر في تطبيق ضوابط التربية الصحيحة. إنَّ حسن العلاقة بين الوالدين يُرْخِي بظلاله على أفراد الأسرة هدوءاً واستقراراً؛ فيجب على الوالدين أن يدرِّبا أنفسهما عليه حتى يصير الحوار خُلُقاً بين أفراد الأسرة كلها.

7- الاستجابة لمطالب الولد، وإعطائه  كل مايشتهي، وتوفيرما يتمنى؛ هو ثغرة كبيرة وعامِلُ هدمٍ في تربية الولد؛ لأنك لو عوَّدت الولد أن تعطيه مايريد بلا حساب، سيأتي يوم تَعْجَز عن تلبية طلباته، وإشباع رغباته، وهو لن يصبر لأنك بهذا تخالف ما اعتاده، وتربى عليه، والأخطر من هذا أن أحد الوالدين قد يَعِي هذه الحقيقة، ويطبقها ولكن يأتي الوالد الآخر، ويهدمه من خلال إعطاء الولد ما منعه منه الوالد الأول. فالأم قد تعطي ولدها ما مَنَع منه الأب بحجة حبِّها وحنانها، وعطفها على ولدها وكسبها له. والحقيقة أن الابن استَغْفل كلا الوالدين، وتلاعب بهما.

مهمة: لانعطي الولد كل ما يرغب به، وبنفس الوقت لا نحرمه من كل شيئ، فالمنع المستمر هو مثل المنح المستمر، كلاهما عامل هدم في التربية الصحيحة، والأفضل السير على هدي قول الله عزوجل: (والذين إذا أنفقوا لم يُسْرفوا ولم يَقْتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان 67] نطبق هذه الآية سواء كان الأب غنيا أم فقيراً.

8- انغماس الوالدين بالملذات المختلفة والخمر والمخدرات بشكل خاص؛ لها أثرها النفسي، والتربوي السيئ على تربية الأولاد بشكل خاص وعلى الأسرة بشكل عام.

أسباب فشل التربية عندما يكون منشؤها الطفل ذاته:

  1. بعض الأطفال يتسم بشيء من العدوانية، والشر الفطري؛ فتجد عنده عِناداً وكِبْراً فطرياً، وقد يكون هذا مكتَسَبَا من البيئة المحيطة به. وعلى كل حال لابد أن ننتبه لهذا ونتعرف عن الوسائل الناجعة لهذا النوع من الأولاد، وما يحمله من الصفات.
  2. إمكانيات الطفل الذهنية، والجسمية المحدودة؛ فهو بطيء الفهم خَمول بطيء الاستجابة محدود الإمكانيات؛ فلا بد أن نتعامل مع هذا الطفل تِبعاً لامكانياته؛ فلا نكلِّفه فوق طاقته، وإمكانياته؛ فلا نُجْبِرُه مثلاً على التفوق الدراسي، ونحن نعلم قصور إمكانياته عن هذا؛ بسبب محدودية إمكانياته العقلية، وإلا فإن هذا يسبب للطفل أزمات نفسية في المدرسة، والبيت لأن طلبنا منه ما يعجز عن تحقيقه، كطلبنا من المشلول الكسيح السَّيْرَ على قدميه.  فوجود الإعاقة الجسمية للطفل في بعض حواسه كالسمع والبصر مثلاً يتطلب منا عنايةً خاصة به بحيث لاتؤثر هذه الإعاقة على تربيته، وشخصيته ونفسيته.

  نتوقف عند هذا الحد، ونكمل بقية المعوقات في المحاضرة القادمة بمشيئة الله.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقالة الرابعة عشرة من سلسلة مقالات فقه السيرة النبوية للشيخ أحمد الأحمد: الإيذاء

يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

إن الإنسان يبتلى على حسب دينه، فإن كان في دينه قوةٌ اشتد عليه البلاء، سئل النبي: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟، قَالَ:(الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ…). [1]؛ ومن الخطأ أن يُظَنَّ أن المصائب لا تكون إلا عقوبةً لعاصٍ، بل هي للمؤمن رفع درجاتٍ، أو تكفير سيئاتٍ.

لذلك كانت حياة سيدنا محمدٍ وأصحابه الكرام في بدء الدعوة تمور مورا بالبلاء؛ اتهموه بالجنون والسحر والكذب، وأذاقوا أصحابه المستضعفين ألوان العذاب. فكان نصيب سميةَ وزوجِها ياسرٍ من ذلك العذاب فادحاً. والنبي يقول: (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) [2] وماتا تحت التعذيب.

وكانوا يَسحبون جسم خباب العاري على الجمر، ويطرحون على بلال صخرة ثقيلة مستعرةً، وهو يقول أحَدٌ أحَدٌ! والرسول يراهما، فيعتصر الألم قلبه، ويدعو الله لهما، ويذكرهما بثبات المؤمنين السابقين، فيقول: (كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَرُ له في الأرض فَيُجْعَلُ فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه) [3].

وضربوا الحصار عليهم في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنين، حتى أكلوا الجلود وأوراق الشجر، وتطاولوا على الأشراف فَضَربُوا أبا بكر ضَرْبًا شَدِيدًا [4] حتى ظُنَّ أنه ميت، فأما الرسول: فقد كان في مَنَعَةِ عمه أبي طالب، وبعد وفاته تمادوا عليه، فبصق عقبة بن أبي معيط لعنه الله في وجهه [5]، ووضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا [6]، وألقى عليه وهو ساجد سلا الجزور [7].

سألت عائشة النبي هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: ” لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة [8] وشردوهم في البلاد فمنهم من هاجر إلى الحبشة ومنهم من هاجر إلى المدينة المنورة وصادروا أموالهم وديارهم. فإن قال قائل أليس الله كان قادراً على نصر أحبابه على أعدائه فلماذا لم ينقذهم من كل هذا العذاب؟

الجواب: أن عبودية المؤمن لله تستلزم تحملَ التكاليفِ الشاقةِ، والصبر على المصائب، ليميز الله الخبيث من الطيب، ولو لم يُرَتِّب اللهُ التكاليف الشاقة على العبودية له، لاندس في صفوف المؤمنين من ليس منهم من المنافقين وغيرهم، زاعمين أنهم يؤمنون بالله ويحبونه، ولَمَا وُجِدَ لدينا ميزان، نستطيع من خلاله أن نميز بين أحباب الله وأعدائه، وصدق الله القائلُ في محكم كتابه:

قال الله – تعالى – (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) [9].

وإذا كانت هذه هي سنة الله في عباده، فلن تجد لسنة الله تبديلاً. ولعل هذا تفسير ما حاق برسول الله، وبجميع الأنبياء والرسل من قبله، وبالصحب الكرام من الأذى، رَغْمَ عظيم فضلهم، وجليلِ قدرهم عند الله عز وجل.

فالنصر والتمكين في الأرض ثمنه التضحيات التي يقدمها المسلمون، فلا يتحقق النصر إلا بدفع آخر قسط، ولولا أن النصر مرتبط بالقانون الذي ذكرناه، لكان من مقتضى فضل رسول الله عند ربه أن تُفْتَحَ بلاد الفرس والروم في حياته وبقيادته وتحت إشرافه، لكن ثمن النصر لم تدفع كامل أقساطه من أجل انتصارهم في بلاد الشام والعراق إلا بعد وفاة النبي، فَدُفِعَتْ بقية الأقساط في عهد أبي بكر وعمر، فجاء النصر، وبدأت الفتوحات الإسلامية، حتى بسطوا نفوذهم على نصف المعمورة حينذاك، وظلت الدولة الإسلامية هي الأولى والأقوى في العالم ما يزيد على عَشَرَةِ قرون. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

________________________________________

[1] رواه الترمذي، رقم 2398، وقال حيث حسن صحيح.

[2] الجامع الصحيح للسنن والمسانيد، (ك) 5646، (طس) 1508، صحيح السيرة ص154.

[3] رواه البخاري، 3416،3639، 6544.

[4] الموسوعة في صحيح السيرة النبوية، ج1، ص419.

[5] الجامع لأحكام القرآن، ج 13، ص 25.

[6] رواه البخاري، 3475.

[7] جامع الأصول، 101، ج12، ص1034.

[8] رواه البخاري،3231، ومسلم،111، 1795.

[9] العنكبوت، 29/ 1، 3.