كيف نرد على الادعاء بأن الدين قناعة شخصية بحتة ولا علاقة له بالحياة العامة؟
يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور باسم عيتاني
السؤال
كيف نرد على الادعاء بأن الدين قناعة شخصية بحتة ولا علاقة له بالحياة العامة؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛
السائل الفاضل؛
التدين من الناحية الإسلامية له جانبان، جانب فردي وهو قناعة شخصية فردية وجانب اجتماعي واسع يتعلق بالحياة العامة، فالادعاء بأن الدين محصور ضمن القناعة الشخصية فهو بعيد عن الصواب.
وقد عرّف العلماء معنى الدين: وهو ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه من الأحكام، وسمي دينا لأننا ندين له وننقاد. والدين ما يتدين به ولو باطلاً ، فهو يطلق على الدين الحق، وعلى الدين الباطل، كما يدل قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [آل عمران:85] [تحفة المريد]
فالدين الإسلامي لا يفرض على أحد الدخول في الإسلام مكرهاً، بل الإنسان له الحرية في اختيار ما يريد من دين ينتمي إليه، وهو مسؤول عن اختيارة في اليوم الآخر. قال الله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:256] فهذا جانب من القناعة الشخصية التي ترجع إلى الإنسان ذاته.
أما المتدين فهو منتمٍ إلى دين الإسلام فيلتزم به التزاماً حقيقياً، فهناك الجانب القلبي الذي لا يطلع عليه إلا الله، فهذا شخصي يكون بين العبد وربه، ويترتب على المسلم أن يقوي هذه العلاقة، ويراقب قلبه ويصفي نفسه من الكدرات ومما يسيء إلى قلبه، لأن ذلك يُرَقي روحه.
والجانب الآخر الذي هو اجتماعي ويتعلق بالحياة العامة، فإن الدين الإسلامي بطبيعته التشريعية يدفع المتدين أن يكون اجتماعياً بامتياز، فصلاة الجماعة هي عبادة من حيث أداء المفروض ولكن لها بعد اجتماعي بالتلاقي مع الناس المصلين والتواصل معهم، والزكاة هي قضية تواصلية اجتماعية بين الغني والفقير والمسكين من جانب، والحج هي أكبر مثالٍ على الانخراط في أضخم اجتماع عالمي كل عام،
وعلاقة الأسرة فيما بينها والتماسك الذي يدعو إليه الإسلام من بر الوالدين، والمودة والرحمة بين الزوجين، والتعامل الخلقي بين الإخوة انطلاقاً من صلة الأرحام، والمسؤولية الاجتماعية التي تقع على كل فرد من أفراد المجتمع. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:” كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ” [رواه البخاري] وهذا الحديث يعتبر عمدة في المسؤولية الاجتماعية من أدنى رتبة شخص في المجتمع الذي يغطي مساحة مهمة من الخدمات وإلى أعلى رأس في المجتمع الذي يغطي أوسع الخدمات الكبرى.
وأخيراً من تعمق في تفاصيل الدين الذي هو الشريعة الإسلامية سيجد أن الإنسان المتدين لا يستطيع أن يعيش حياته الفردية والاجتماعية خالياً عن الدين الذي يمثل روح الحياة، وبهذا الكلام المقتضب نرد على الادعاء بأن الدين قناعة شخصية بحتة ولا علاقة له بالحياة العامة.
– تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، الباجوري، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان. ص19
الشيخ الدكتور باسم عيتاني
هو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 196
حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005
من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.
لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك
Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة
التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن
– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020
مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018
مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل
والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث في مجال العلوم الإسلامية
أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي
المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه
اللغات : العربية: ممتاز الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط
