اتصف المولى سبحانه وتعالى بأنه رحيم عادل، ما معنى هاتين الصفتين الكريمتين؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى

السؤال

اتصف المولى سبحانه وتعالى بأنه رحيم عادل، ما معنى هاتين الصفتين الكريمتين؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

وصف ربنا سبحانه  نفسه بأنه رحيم عادل في آيات كثيرة.

أولاً: عدل الحق سبحانه وتعالى: فقد قال عن نفسه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 40] أي إن الله تعالى متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقصان؛ فالظلم: هو النقص وتجاوز الحد، أي لا يُنقص أحدًا من حسناته ولا يزيد في سيئاته؛ فلا يبخس الناس ولا ينقصهم من ثواب أعمالهم وزن ذرة، بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. وكيف للحق سبحانه أن يظلم، وهو الذي قال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة 7- 8] فأخبر عن نفسه أنه لا يظلم أحداً من خلقه يوم القيامة، مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ‍ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ} [الأنبياء 47/ 21] وقال تعالى مخبرًا عن لقمان: {يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان 16/ 31](1)

وأكد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الحقيقة فقال: « إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا ‌حَسَنَةً ‌يُعْطَى ‌بِهَا ‌فِي ‌الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا عَمِلَ بِهَا لِلهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا .» (2)

ثانياً: رحمة الحق سبحانه وتعالى: فهي صفة من صفاته، تدل على لطفه ورأفته بعباده. فالله رحيم بعباده، يغفر لهم ذنوبهم، ويعفو عنهم، ويمنحهم من فضله ورحمته، قال الله تعالى:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156]

{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}: أي إن رحمته سبحانه عمّت كل شيء في الدنيا {فَسَأَكْتُبُها} أي أحكم بها في الآخرة، وأوجب حصولها رحمةً، ومنّةً مني وإحسانا إليهم، {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الذين يتقون الشرك والعظائم من الذنوب {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} أي يخرجون زكاة الأموال التي تتزكى بها نفوسهم. فرحمة الحق سبحانه وسعت كل شيء في العالمين، أما العذاب فهو يترتب على صفة العدل التي يتصف بها سبحانه وتعالى، ولكن الرحمة أشمل من العذاب، إذ لولا عموم الرحمة لهلك الكفار والعصاة عقب كفرهم وعصيانهم،

كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر 45/ 35] وقال أيضاً: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف / 18] فالحق سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وله الحكمة وله العدل في كل ذلك، إلا أن رحمته تسبق غضبه، وهي أعم وأشمل منه، كقوله تعالى عن حملة العرش ومن حولهم أنهم يقولون: {رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً} [غافر 7/ 40]

وأخيراً: رحمته سبحانه في عدله، وعدله من رحمته، وما أجمل أن يتخلق البشر بخلق الرحمة والعدل في تعاملاتهم وكافة شؤونهم.
والله تعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


(1): التفسير المنير لوهبة الزحيلي (5/75).
(2): صحيح مسلم (2808).

الشيخ أنس الموسى

هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.