هل أخذ عينات من الدم وأمراض الكبد يفسد الصوم؟

 يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب

السؤال

هل أخذ عينات من الدم وأمراض الكبد يفسد الصوم؟

الجواب

بسم الله والحمدلله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد؛ فإن صوم شهر رمضان فرض عين على كل مسلم مكلف، فينبغي الاهتمام بأداء هذه الفريضة على أكمل وجوه أدائها، ومن ذلك الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يخدش صوم الصائم، أو يوقعه في ضيق وحرج.

والسؤال المرفوع هنا على شقين:

الشق الأول: مسألة سحب عينات الدم
إن هذه المسألة، المتعلقة بسحب عينات الدم من الصائم لأغراض التحليل الطبي، مما يكثر السؤال عنه في شهر رمضان، حيث تلجئ الحاجة أو الضرورة بعض الناس إلى الذهب إلى مختبرات تحليل الدم أثناء الصوم، وهذه المسألة يمكن تقسيم الكلام في أحكامها إلى ثلاث حالات:

الحالة الأولى: حالة الصائم المريض، الذي لا يستطيع تحمل الصوم والمرض، فهذا معذور بمرضه، لقوله تعالى: {فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]، {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286]، ولأن القاعدة تقول: المشقة تجلب التيسير.

الحالة الثانية: حالة الصائم غير المريض، الذي حدد له وقت معين لسحب عينات الدم، فله صورتان:

(أ‌)           الصورة الأولى: إذا كان في استطاعته التأجيل، وليس هناك تبعات تترتب على تأجيله، فالأفضل أن يؤجل ذلك إلى ما بعد إفطاره، خروجاً من أي خلاف، وليحافظ على صومه سالماً تاماً، لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [آل عمران: 102]. وللحديث الشريف: “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه”(1).

(ب‌)       الصورة الثانية: أن لا يستطيع التأجيل، ويكون الطبيب قد ألزمه بتحليل الدم أثناء صومه حفاظاً على صحته، ووقاية لما يخشى أن يتعرض له في وقت لاحق. ففي هذه الحالة هناك حاجة تدعو إلى سحب عينات الدم، فهي تشبه الحجامة، فهي على قول الجمهور، لا تفطر الصائم(2)، خلافاً للحنابلة، لكن المعاصرين منهم فرقوا بين الحجامة وسحب عينات الدم بأن الحجامة يصاحبها خروج دم كثير بخلاف سحب عينات الدم فالكمية فيه قليلة(3)، وبهذا يكون القول بعدم الفطر بسحب عينات الدم من الصائم هو قول الجمهور.

الحالة الثالثة: حالة المتبرع بالدم، الأصل عند الشافعية والجمهور جواز تبرعه، خلافاً للحنابلة، إلا إذا كان التبرع أثناء الصوم سيضعفه جداً، وقد يؤدي إلى فطره يقيناً، فلا يجوز له ذلك، ويأثم، ويلزمه القضاء والكفارة.

الشق الثاني: سحب عينات من الكبد
وهذه مسألة أخرى، بينها وبين المسألة السابقة تشابه واختلاف، فالتشابه في وجود شيء مأخوذ من باطن بدن الصائم، والاختلاف في ماهية الشيء المسحوب، فسحب الدم يختلف عن سحب العينات، الدم حكمه معلوم في المذاهب ووردت الأدلة فيه صريحة، بخلاف استخراج العينات من جوف الإنسان.

وتفصيل ذلك: أما الدم فسبق شرح أحكامه. وأما سحب عينات من الكبد أو غيرها من أجزاء البدن الباطنة، فإنه لا يتم، في الأغلب الأعم، إلا بواسطة منظار طبي يتم إدخاله إلى الجوف ومن ثم تتم سحب العينات، كما هو معلوم من كلام الأطباء وماهو شائع بين الناس. جاء في (مجلة مجمع الفقه الإسلامي) ما نصه: “أما إدخال المنظار مع الأجهزة التي تقوم بكشف ما في الداخل للفريق الطبي لاستئصال المرارة أو غيرها أو أخذ عينة فهي لا تعتبر مفطرة عند الحنفية، لعدم الاستقرار والانفصال عن الخارج؛ إذ هذه الأجهزة طرفها في داخل الجسم وطرفها الآخر بيد الفريق الطبي. وكذلك أخذ عينة لتحليلها من الكبد أو الطحال أو أي جزء من الباطن، وكذلك هي غير مفطرة عند المالكية لعدم وصولها إلى المعدة، وكذلك عند ابن تيمية. وهي مفطرة عند الشافعية والحنابلة”(4). وسبب ذلك أن الشافعية والحنابلة نظروا إلى عموم كون المنظار ونحوه عيناً دخلت إلى جوف من منفذ مفتوح، وما كان بتلك المثابة كان مفطراً.

هذا ما أمكن تلخيصه في جواب هذا السؤال، فواجب المسلم أن يحافظ على صومه قدر استطاعته، وأما ما غلبه من مشقة أو مرض، مما لا يطيقه، فإن الشرع قد خفف عنه، ولم يجمع عليه ضعفين، ضعف الصوم وضعف المرض، ولله الحكمة البالغة، فنسأله تعالى علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونسأله تعالى التوفيق لما يحبه ويرضاه.

الهوامش:

1-   متفق عليه، واللفظ لمسلم، صحيح مسلم: 3/ 1219، رقم 1599 .

2- النووي، المجموع: 6/ 349؛ البغدادي، الاشراف على مسائل الخلاف: 1/ 206؛ العسقلاني، فتح الباري: 5/76؛ مجلة مجمع الفقه الإسلامي: 10/ 628.

3-   إدارة الإفتاء بالرياض، مجلة البحوث الإسلامية: 30/ 124؛ ابن باز، تحفة الإخوان: ص 239.

4-   مجلة مجمع الفقه الإسلامي: 10/ 797.

لشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب

هو الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب عالم إسلامي من علماء اليمن، مواليد شبام – حضرموت 1976م

نال الشيخ الإجازة في الشريعة من جامعة الأحقاف، والماجستير من جامعة بيروت الإسلامية، والدكتوراه في أصول الدين من جامعة عليكرة الإسلامية .(AMU)

تتلمذ على أكابر العلماء: كالشيخ الحبيب أحمد مشهور الحداد، والشيخ فضل بافضل، والحبيب سالم الشاطري، والحبيب علي مشهور بن حفيظ، وغيرهم…

كان مديرَ المطبوعات في دار الفقيه، ونائبَ مدير العلاقات الثقافية بجامعة الأحقاف سابقاً، ومساعدَ شؤون الموظفين في شركة عطية للحديد سابقاً، وباحثاً في مركز السنة التابع لمؤسسة دلة البرك، وباحثاً في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

وهو الآن باحث في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقوم بالتدريس التقليدي بطريقة الإجازة في دار الفقهاء تركيا، ويشرف على القسم العربي بمعهد نور الهدى العالمي (seekersguidance)، وعضو أمناء دار المخطوطات بإستانبول

من مؤلفاته: جهود فقهاء حضرموت في خدمة المذهب الشافعي، وإسهامات علماء حضرموت في نشر الإسلام وعلومه في الهند، وحدائق النعيم في الفقه الشافعي،  بالإضافة إلى تحقيق عدد من الكتب الفقهية والتاريخية وفي فن التراجم والأثبات (الأسانيد