ما حكم المهر المؤخر وما الأحكام المتعلقة بالمهر؟
يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض
السؤال
ما أجر المرض ؟ وماهي أهمية عيادة المريض وآدابها؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
فإن المهر حقٌّ ماليٌّ للزوجة، وليس وهماً أو حبراً على ورق وهو دين في ذمة الزوج إن لم يكن مقبوضاً.
والمستحبُّ أن يعجِّل الإنسان في دفع مهر الزوجة كاملاً، وأن لا يجعله غير مقبوض، لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدفع صداق نسائه قبل الدخول بهنَّ، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}.
تعريف الصداق أو المهر :
الصداق هو المال الذي وجب على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح.
وسمي صداقاً، لإشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح.
وقال الأستاذ مصطفى السباعي في كتاب (المرأة بين الفقه والقانون): المهر في الاسلام رمز لإكرام المرأة والرغبة في الاقتران بها([1])
وقال الدكتور الزحيلي في (الفقه الإسلامي وأدلته): والحكمة من وجوب المهر: هو إظهار خطر هذا العقد ومكانته، وإعزاز المرأة وإكرامها، وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة معها، وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف، ودوام الزواج. وفيه تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة([2]). اهـ.
أحكام الصداق:
للصداق عدة أحكام نذكرها فيما يلي:
الصداق واجب على الزوج بمجرد تمام عقد الزواج، سواء سمي في العقد بمقدار معين من المال ، أو لم يسمِّ، حتى لو اتفق على نفيه، أو عدم تسميته، فالاتفاق باطل، والمهر لازم.
ودليل وجوب الصداق القرآن، والسنّة، والإجماع.
أما القرآن: فقوله تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: ٤] أي عطية، والمخاطب بذلك هم الأزواج. وقوله عزّ وجلّ: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: ٢٤] أي مهورهن.
وأما السنّة: فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ : زَوِّجْنِيهَا ، قَالَ : أَعْطِهَا ثَوْبًا ، قَالَ : لَا أَجِدُ ، قَالَ : أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَاعْتَلَّ لَهُ ، فَقَالَ : مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : “فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ”([3]) [وهبت نفسها: جعلت له أمرها. فاعتلّ له: تعلل أنه لا يجده] .
وأما الإجماع: فقد اتفقت كلمة العلماء على وجوبه من غير نكير من أحد.
ومن الأحكام المتعلقة بالمهر:
1. هل للمهر مقدار محدد؟
لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا حد لأكثر المهر ؛ لقوله تعالى : { وآتيتم إحداهن قنطارا }
وفي القنطار أقاويل منها : أنه المال الكثير ؛
حكى الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام خطيبا فقال: لا تغالوا في صدقات النساء فما بلغني أن أحدا ساق أكثر مما ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جعلت الفضل في بيت المال ؛ فاعترضته امرأة من نساء قريش فقالت : يعطينا الله وتمنعنا ؛ كتاب الله أحق أن يتبع ؛ قال الله تعالى : { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } (4) فرجع عمر وقال : كل أحد يصنع بماله ما شاء([4]) .
وأما أقل المهر:
فذهب الشافعية إلى أنه لا حدّ لأقل المهر، ولا لأكثره، فكلّ ما صحّ عليه اسم المال، أو كان مقابلاً بمال، جاز أن يكون مهراً، قليلاً كان أو كثيراً، عيناً أو ديناً،
قال الإمام النووي في المجموع (وليس لاقل الصداق حد عندنا، بل كل ما يتمول وجاز أن يكون ثمنا لشئ أو أجرة جاز أن يكون صداقا،)([5])
2. هل يجوز تقسيم المهر؟
قال الإمام النووي في المجموع (ويجوز أن يكون الصداق دينا وعينا وحالا ومؤجلا لانه عقد على المنفعة فجاز بما ذكرناه كالاجارة)([6])
3. متى يستقر المهر للزوجة ؟
ويستقر المهر كله في حالتين:
الأولى: فيما دخل الزوج بزوجته، سواء كان ذلك الدخول في حال حل: كما إذا كانت المرأة طاهرة من حيض، أو كان في حال حُرمه: كما إذا كانت حائضاً. فإذا دخل بها لزمه المهر كله، لأنه استوفى المعقود عليه وهو الاستمتاع، فلزمه العَوَض.
دلّ على ذلك قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: ٢٤] والمراد بالاستمتاع هنا الدخول والتلذّذ بالجماع، والمراد بالأجور المهور، وسمي المهر أجراً لأنه استحقّ بمقابل المنفعة، وهي ما ذكر من التلذّذ والاستمتاع.
وعن عمر – رضي الله عنه: (أيُّما رجل تزوج امرأة … . فمسَّها فلها صداقها كاملاً)([7]) . فمسّها أي دخل بها ووطئها.
الثانية: موت أحد الزوجين، سواء حصل الموت قبل الدخول، أو بعده. ودليل ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم.([8])
4. زكاة المؤجل من المهر؟
مؤخر الصداق دَين للمرأة على زوجها، وزكاته كزكاة سائر الديون؛ فإن كان مقدار الدَّين يبلغ النصاب بنفسه أو بما انضم إليه من نقود أخرى عند الزوجة أو ذهب أو فضة، وكان الزوج قادرًا على سداده باذلًا، فإنها تزكيه عن كل سنة بقي الدَّين فيها عنده،
قال الإمام النووي في المجموع (اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا زَكَاةُ الصَّدَاقِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَيَلْزَمُهَا الْإِخْرَاجُ عَنْ جَمِيعِهِ فِي آخِرِ كل حول بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ)([9])
5. التنازل عن المهر
إذا تنازلت عن شيء منه للزوج جاز له أخذه كما قال تعالى : ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) . سورة النساء آية 4
وفقنا الله للعمل بكتابه و الاقتداء بنبيه انه سميع قريب مجيب و الحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد فايز عوض
