ما حكم تربيةِ الأولاد في الإسلام؟

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

ما حكم تربيةِ الأولاد في الإسلام؟

الجواب

 

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فإن تربية الأولاد وتأديبهم بآداب الشرع من آكد المهمات التي ينبغي تعاون الأسر والمجتمع عليها.

وعلى الأبوين تحمل مسؤولية تربية الأولاد على الدين، ووقايتهم من النار، وأن يهتما بتعليمهم العقيدة الصحيحة، والأحكام الشرعية، والآداب الإسلامية التي يحتاجونها لينشؤوا نشأة إسلامية، فقد قال الله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)   [التحريم: 6]

قال علي -رضي الله عنه- في تفسيرها: علموهم وأدبوهم.([1])
وقال تعالى : (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)    [طه: 132]
ومدح عبادُ الرحمن بأنَّهم يقولون : (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان: 74]
 و عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ »([2])
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عَنْ أَنَسٍ قَالَ «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ هَكَذَا» ، وَضَمَّ إِصْبَعَيْهِ([3])
 قال النووي في شرح مسلم: وَمَعْنَى عَالَهُمَا قَامَ عَلَيْهِمَا بِالْمُؤْنَةِ وَالتَّرْبِيَةِ وَنَحْوِهِمَا([4])
وقد حرص السلفُ على تربيةِ أبنائِهم، وكانوا يتخذون لهم المُربين المتخصصين في ذلك، وأخبارهم في ذلك كثيرة .
ولاشكَّ أنَّ للتربيةِ أثرٌ كبيرٌ في صلاحِ الأولاد؛ فالأولادُ يُولدون على الفطرةِ، ثَّم يأتي دورُ التربيةِ في المحافظةِ على هذهِ الفطرة أو حرفها
قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»([5]). والولدُ على ما عودهُ والده.
وينشأُ ناشئُ الفتيـانِ منـَّا  ***  على ما كان عوَّدهُ أبـوه
ومادان الفتى بحجىً و لكن  ***  يعوِدهُ  التدين أقربـوه
والولدُ في صغرهِ أكثرُ استقبالاً واستفادةً من التربية .
قد يبلغُ الأدبُ الأطفالَ في صغرٍ * وليس ينفعهُم من بعدِه أدبُ
إن الغُصُونَ إِذا قَوَّمْتَها اعتدلْت * ولا يلينُ إِذا قَوَّمْتَهُ الخَشَبُ
فالولدُ الصغير أمانةً عند والديهِ إن عوداهُ الخيرَ اعتاده، وإن عوداهُ الشرَ اعتاده .
قال الإمام الغزالي – رحمه الله تعالى -: (الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ عن كل نقشٍ وصورة، وهو قابلٌ لكل نقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمالُ إليه، فإن عُوِّد الخيرَ نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عُوِّد الشر وأًهْمِلَ إهمال البهائم، شَقِيَ وهَلَكَ،وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً، وإنما يكمل ويقوى بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية، وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم)([6])
نسأل الله أن يتولى أولادنا وذرياتنا بحفظه و رعايته إنه سميع مجيب

([1]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/167
([2]) أخرجه البخاري (893) ومسلم (1829) ،
([3]) أخرجه مسلم (2631) وابن حبان (447)
([4]) شرح صحيح مسلم للنووي 16/180
([5]) أخرجه البخاري (1358) ومسلم (2658)
([6]) إحياء علوم الدين( 3/72)