بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا وزدنا علما ينفعنا.

 وبعد:

تحدثنا في المحاضرة الماضية أنَّ سببَ اختيار هذا العنوان؛ هو تعريفُ الآباء، والأمهات أن التربية لا تتوقف عند حدود إطعام الولد، وكسوته؛ بل هي جزءٌ التربية وليست كلها، وذكرنا عشرة أشياء هي من حقوق الطفل على المربي، واليوم بمشيئة الله عزوجل سنتابع في إكمال هذه الحقوق:

حقوق الطفل على المربي:

1-من حق البنت على والديها تربيتها على الحجاب منذ الصغر: قد يقول بعضهم: الطفلة الصغيرة قبل البلوغ لا عورة لها فكيف نُلْبِسُها الحجاب؟ الجواب: نحن لانتكلم في هذه المسألة من باب الحلال، والحرام، ولكن نحن نؤسس لتربية ناجحة في المستقبل للبنت من الصغر، ولن تكتمل حِلَقُ التربية مالم نعوِّد البنتَ الحجاب؛ كالطير الذي يعلِّم فِراخَه الطيران حتى تقوى أجنحتها، وتعتمد على أنفسها.

إن اللباس المُتَهَتِّك غيرُ المُحْتَشِم الذي تلبسه الفتيات الصغيرات يؤثر في تربيتهن عند البلوغ؛ حيث تعتاد تلك الفتاة على هذا اللباس، وتنشأ على حُبِّه، وترغب، وتسعى لارتدائه في الكبر، والسبب هو تقصير الأهل في تعويد بناتهم على الحشمة في اللباس منذ الصغر. إذا كانت الفتاة الصغيرة لايَسْمَح لها الإسلام بارتداء هذه الألبسة غير المحتشمة عند البلوغ، فَلِمَ لانعوِّدُها هذا لتنشأ على تعظيم الحشمة والحجاب؟

   ويَنْفَعُ الأدبُ الأولادَ في صِغَرٍ     وليس ينفع عند الشَّيْبَة الأدبُ

  إنَّ الغصون إذا قوَّمْتها اعتدلت    ولن تَلِينَ إذا قوَّمْتَها الخُشُبُ

2-من حق الطفل على والديه تعليمه آدابَ الاستئذانِ، وآداب الدخول والخروج على والديه، وأقاربه؛ حفاظاً عليه أن يطلع على مالا يَحِلُّ النظر إليه مما يؤثر في تربيته.

)وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم)  [النور 59].  سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال الرجل إني معها في البيت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أتحبُّ أن تَرَاها عُرْيانةً قال: لا قال : فاستَأْذِن عليها “[موطأ مالك4/963]

3-من حق الأولاد على والديهم أن يتخيَّرُوا لهم الصُّحبة الصالحة منذ الصغر، واختيار البيئة السليمة، والنظيفة أخلاقيا؛ لينشؤوا فيها؛ فتساهمُ الرِّفْقَة الصالحة، وتلك البيئة النظيفة في حُسن تربيتهم، واستقامتهم (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة 119]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامَك إلا تقي”[الترمذي 2395]

4-من حق الطفل على والديه أن يوفِّرا له أسباب اللعب السليم: فمن حق الطفل أن يلعب، ومن واجبنا تأمين اللعب السليم له، وإلا فإنه سيختار أماكن لعبه بنفسه، وربما تكون هذه الأماكن غير سليمةٍ على سلوكه، وأخلاقه، وتربيته.

5-من حق الولد على والده الإنفاق عليه: فما ينبغي أن يَشْعر الطفل أنه عبءٌ على والديه؛ فيفكِّر بترك الدراسة، والعمل للبحث عن المال، أو يلجأ لطرق أخرى لكسب المال.

6-الرحمة والعطف على الولد: فمن حق الولد أن يشعر بحنان والديه، ولابد أن يُحِسَّ الولد أن والديه يحبَّانِه. كيف سيقتنع الطفل بنصائح والديه، وهو يشعر أنه غير محبوب من قبلهم؟

بعض الأولاد يشعرون أنَّ أمَّهُم تحبُّهم أكثرَ من والدهم؛ والسبب في هذا: أن الأم هي التي تعطي مايقدِّمه الأب من طعام، ولباس..، ويكون دور الأب في البيت بنظر أولاده هو: العقوبة، والتوبيخ لو أخطأ الولد؛ فيجب أن يتنبه الأب لهذه القضية بالتنسيق مع زوجته لتلافي هذه المشكلة.

لابد أن يشعر الطفل أن توبيخ والده له، إنما هو من كمال شفقته عليه، وحبه له، لا أنه يكرهه، ويتشفى منه.

7-من حق الولد على والديه التأديب، والتربية والمتابعة: أليس من الخطأ ألا يعرف الأب عن أولاده شيئاً، فهو لايعرف صديق ابنه، ولا أين يذهب، بل بعض الآباء لايعرف أين وصل ابنه في الدراسة، وكيف هو مستواه الدراسي.

8-من حق الولد على والديه تعليمه محبَّة الله عزوجل، وتعليمه كلمة التوحيد – لاإله إلا الله محمد رسول الله -، ومن حق الطفل تَنْشِئَتُه على معاني: الله رازقنا، الله يعطينا، الله ينجينا، الله يشفينا، الله يطعمنا ويسقينا..فمن حق الطفل: تعريفه بربِّه وتَذْوِيقُه محبَّتَه.

9-من حق الطفل تعليمه الآداب الاجتماعية: كيف يجلس بين الناس، وآداب الأكل والشرب، وآداب الحديث، وآداب التعامل مع الكبير..

10-تعليم الطفل أحكام البلوغ قبيل الوصول إليه ذكراً كان، أو أنثى: ماينبغي للوالدين أن يسمحا لولدهم أن يتعلم هذه الأمور من أصدقاء السوء، أو عن طريق السبل الملتوية، ولابد أن يتعلَّم الأولاد أحكام الاختلاط؛  فيشرحُ الأب لِمَ يصلي الرجال، والنساء في المسجد في مكانين منفصلين؟

11-من حق الأولاد على أبيهم تفريغ جزءٍ من الوقت لهم سواء كانوا  صغاراً أم كباراً فأنت أب لهم، ويحتاجون لك فالأب يمثِّل دور التوازن في الأسرة، وإن جلوس الأب مع أولاده فترةً من الوقت، ولو على حساب عمله لايُعدُّ خطأً؛ بل له أثره البالغ في التربية.

12-من حق الطفل على والديه أن يَلْهُو معهم، فهذه حاجة الطفل الطبيعية فكيف سيكون شعور الطفل وهو يرى، أو يسمع أن والد صديقه يلعب مع أولاده؟  إنَّ هذا يسبب الجَّفاء، وفتورَ العلاقة بين الأب، وأولاده، وإنَّ مِنْ أُسُسِ التربية الصحيحة قوة العلاقة بين الأب، وأولاده؛ فلابد أن يتفاعل الوالد مع أولاده، ولابد أن يُحِسَّ الطفل أنه يعيش مع والديه، وليس يتيما. لابد أن يشتاق الولد لوالده لو تأخر في عمله، وأن يشعرَ أن غياب والده أحدث نقصاً في حياته.

13-الصحبة والتطبيق العملي: خُذْ ولدَكَ لزيارة قريب، أو صديق؛ ليتعلم الآداب الاجتماعية بشكل تطبيقي، وافتح خطوط التواصل بينك وبينه.

14-من حق الولد على والديه الدعم النفسي، والمادي؛ فيشعر الولد عند حصول مشكلة معه أن هناك من يَشْكُو له ما حصل معه، وهناك من يساعده في حل مشكلته تفقَّد ولدَكَ بعد أن يخرج من الامتحان، وكيف قدم امتحانه، وكيف كانت نتيجة امتحانه…

15-شعور الولد بمكانته عند أبيه خصوصاً عندما يصبح ولداً كبيراً؛ فيعطيه مكانته في الأسرة، وما ينبغي أن يشعر الوالد أن ولده ينافِسُه في البيت.

16-من حق الولد على والديه أن يَصْبِرَا على أخطائه، ولايعاملانه كالقاضي، والجلاد، ولا يجوز أن يشعر الأولاد بالخوف، والذُّعْرِ من والدهم.

مهمة: عندما يكون الأب في أوج صحته وقوته، ويعامِلُ أبنائه بالمحبة، والرحمة، والاحترام؛ فإن أولاده سيبادلونه نفس المحبة، والرحمة، والشفقة عندما يصيرُ هذا الأبُ في سنِّ الشيخوخة، أو طريح الفراش، أو على فراش الموت..العظيم هو الذي يحافظ على عَظَمَتِه وهو ضعيف.

17-من حق الولد على والديه أن يساعداه على النجاح في الحياة في كل الأمور: في دراسته، وفي المنافسات الرياضية، وفي لَعِبِه، ودراسته، وكلِّ أموره الخاصة ..فجِّر في قلب ولدك لذةَ النجاح؛ لينشأ على حبِّ النجاح، والإبداع.

18-من حق الولد على والديه تيسير الزواج، وتقديم الدعم قدر المستطاع للشاب والفتاة..ولاينس الوالدان أنَّ قمة سعادتهم أن يزوِّجَا أولادهم.

   نسأل الله أن يعيننا على أداء هذه الحقوق، وأن يوفقنا لتطبيقها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.