بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهم إنا نستهديك لأرشد أمورنا، وزدنا علما ينفعنا.

وبعد:

تكلمنا في المحاضرة الماضية عن صفات المربي التي تؤهله للقيام بواجبه بشكل صحيح، وعن علاقة تلك الصفات بالتربية.

ونحن أيها الإخوة عندما نتكلم عن مسألة حقوق الولد على المربي، لانقصد بالحقوق حقَّ إطعام الطفل، والعناية بصحته فقط؛ بل إن هذه الأمور أشياء غريزية يشترك فيها الإنسان، والحيوان؛ ونحن لانقلل من أهمية العناية بمأكل الطفل، وملبسه، ولكن نريد أن نبيِّن للأب: أنَّ اهتمامه بهذه الأمور فقط هو جزء من التربية لا كُلُّ التربية. نريد من الوالدين أن يُرَبِّيَا أولادهم على أساس إنقاذهم من النار، والفوز بالآخرة أيضاً؛ فما فائدة أن يأكل الولد مالذَّ، ويلبسَ ما كَمُلَ وجَمُلَ؛ ولكن ستفوته سعادة الآخرة؟! لوفات الولد الطعامَ اللذيذ يمكن أن يعوَّض بغيره، ولكن لوفاتته سعادة الآخرة بماذا يعوَّض؟

إن كثيراً من أسباب فشل الأولاد في أخلاقهم، وسلوكهم يرجع لسوء التربية؛ فكثيراً ما يكون الأولاد ضحايا تقصير آبائهم.

 بعض الآباء يعلِّلُ تقصيره في تربية أولاده بانهماكه في العمل من أجل لقمة العيش؛ فالحياة قاسية، وتستَهْلِكُ جُلَّ وقته، ولا يستطيع التفرغ لأولاده، وتربيتهم..نقول لهذا الأب: الله عزوجل يقول: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) [طه 132] فما دام الله تكفَّل لك برزقك، ورزق عيالك؛ فلا يصح التَّعَلُّلُ بهَمِّ الرزق مادام الرزاق موجوداً، فماقام به غيرُكَ لاتَقُم به لنَفْسِك.

يسافر الوالدُ من أجل أولاده، ويضيِّع تربيتهم؛ اهتمَّ بالفاني وضيَّعَ الباقي.

سبق وذكرنا في المحاضرات الماضية بعضَ حقوق الولد على والديه، ولكن اليوم سنتكلم بالتفصيل عن هذه الحقوق؛ لهذا قد يتكرر بعضها.

حقوق الأولاد على الوالدين:

1-من حق الأولاد على والدِيْهِم حسن اختيار أمهم : إن حُسْنَ اختيار الأم هو في الحقيقة اختيارٌ للبيئة التي سيعيش فيها الطفل، وهو اختيارٌ للصديق الذي سَيَصْحَبُ الطفلَ من نعومة أظفاره إلى أن يَشِبَّ عن الطَّوْق، ويصبح شاباً. الأم هي المَحْضِنُ الأول للطفل فينبغي أن يكون طاهرًا غير ملوَّث؛ حتى لاتنتقل العدوى للطفل الصغير الذي يتأثر كثيراً بالوسط المحيط به.

2-من حق الولد على والديه مراعاة الآداب النبوية، والأذكار عند الجماع؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال: اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان مارزقتنا فإنه إن يُقدَّرولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً”[1] فمن حق الولد على والديه أن يجنِّبَاهُ الشيطان، ونزغاته. فلو لم يفعل الوالدان هذا؛ يكونا قد ضيَّعَا جزءاً هاماً، وفرصةً عظيمةً في التربية.

3-القيام بالآداب النبوية عند ولادة الطفل: كالتأذين، والإقامة في أُذُن المولود عند ولادته، وتطبيق سنَّة العقيقة لوقَدَرَ الوالد عليها، والبشارة بالمولود، وحسن التسمية.. فكل جانب منها يمثل جزءاً من العملية التربوية.

4-الإكثار من الدعاء للولد، وهو في بطن أمه، وعند الولادة، وحال الطفولة، وعندما يصير شاباً (لا نتوقف عن الدعاء له) (هنالك دعا زكريا ربه قال ربِّ هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) [آل عمران 38]   (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان 74]

5- من حق البنات على الأب ألا ينزعج منهنَّ؛ بحيث تَشْعُرُ البنت أنها ثقيلةٌ على والديها وشؤمٌ عليهم. ماذنب البنت أنها أنثى؟، وماذنب الأم حتى تعاقَبَ من الزوج لإنجابها الأنثى، والتذكير من وظائف الرجل كما أثبت الطب هذا؟ أين الآباء من قول الله عزوجل: }يَهَبُ لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور{[الشورى50] أليس من أخلاق الجاهلية التشاؤوم بقدوم الأنثى؟!  كما وصف الحق سبحانه: }وإذا بشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء مابشِّر به أم يُمْسِكُه على هُوْنٍ أم يدسُّه في التراب ألا ساء مايحكمون{[النحل 57-58]

أليس من حق البنت أن تعيش طفولة تشعر بها أنها نعمةٌ على والديها لانقمة، وعلى أهلها أن يفرحوا بها كما يفرحوا بالذكر؟

أليس الحسن، والحسين هما ابنا السيدة فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومع ذلك هما ريحانتا رسول الله .

6- من حق الطفل الرَّضَاع من أمه (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) [البقرة 233]. الأم التي تترك إرضاع أولادها كم ضيَّعت من من حقوقهم عليها؟

7-من حق الطفل حضانتُه من قِبَلِ أمه سواء كانت هذه الأم مع الزوج على وفاق، أم على خلاف.قالت امرأة:  يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أنت أحق به مالم تَنْكِحِي”[2]، ويقول الله تعالى: }لاتضارَّ والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده{[البقرة 233]. فإذا كانت الحضانة من حق الأم، وهي مطلقة فكيف وهي زوجة ؟

ذكر علماء الطب أن الطفل وهو في بطن أمه يعتاد دقَّات قلبها؛ لهذا لو وَضَعت الأم جنينها على صدرها حنَّ إلى الصوت الذي كان يسمعه، وأَنِسَ به فبين الأم، وطفلها تواصل نفسي عظيم.

لقد ضاع كثير من الأطفال عندما حَرمنا الطفل من حقه بالحضانة، وسمحنا للأم أن تعمل خارج البيت، وأعطينا دور الحضانة للخادمة، والمربية لتقوم بدورٍ لن تستطيعه مهما بلغت من الحنان.

8-من حق الولد على أبيه أن يُطْعِمَه الحلال؛ فالحلال له أثرٌ لا يُنكَر في تربية الطفل، ورسول الله يقول:”أي لحم نبت من حرام فالنار أولى به”[3] المال الحرام سمٌّ يُطْعِمُه الأب أولاده، وهو نَدَمٌ في الدنيا، والآخرة، وجريمة في حق التربية، وتَضْيعٌ لمَعْلَمٍ هامٍّ فيها.

9-من حق الولد على ولده تعليمه الصلاة، وتنشئته وتأديبه، وتعويده عليها. لقد أمر رسول الله الآباء فقال:” مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشرسنين، وفرقوا بينهم في المضاجع”[4]   لقد أعطى الله الطفل قدرتين: سرعةُ التقاط، وسرعةُ تقليد؛ فالصلاة أمام الولد تجعل الطفل مصلِّياً، ومع قليلِ المتابعة يستمر عليها، ولايتركها وينشأ على حُبِّ الصلاة.

من يتحمل مسؤولية تهاونِ، وتَرْكِ الشباب ذكورًا، وإناثاً للصلاة؟ لاشك أنهم يتحملون إثم تقصيرأنفسهم؛  لكن هناك من يشاركهم هذا الإثم؛ وهومن قصَّرَ في تربيتهم، وتعويدهم عليها، وهم صغار..ألا يتحمل الوالدان جزءاً من هذا التقصير والمسؤولية؟ قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه 132]  فلابد من حض الأبناء على الصلاة، والصبر على هذا الحض، بالمتابعة المستمرة. لايكفي أن يقول الأب والأم لأولادهما: إن الصلاة فرضٌ؛ بل لابد من المتابعة الحثيثة، كما يتابعون أولادهم في الدراسة متابعة حثيثة.

10-من حق الولد على والديه تعويده على الصيام؛ ليتعلم الولد، ويتعود تحمل الجوع والعطش منذ الصغر ..لقد كان الصحابة يعوِّدُوْنَ أولادَهم الصيام، ويأخذونهم مع لُعَبِهم للمسجد فإذا عطشوا، أو جاعوا علَّلُوهم باللُّعَب. ونحن في هذا الزمان عندنا من المرغِّبات، والمصبِّرات للأطفال ما لو صاموا الكثيرَ الكثيرَ؛ فلم يبق عُذْرٌ للآباء في التقصير بتعويد أولادهم الصغار الصيام.

نتوقف عند هذا الحد، ونتابع بقية حقوق الأولاد على آبائهم في المحاضرة القادمة بإذن الله تعالى.

اللهم وفقنا لمحابك وألهمنا مراشد الصواب والهداية.

ربنا هب لنا من أزواجنا، وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.

آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى لآله وصحبه وسلم.

         _________

[1]: البخاري عن عبد الله بن عباس7396

[2]: سنن أبي داوود عن عبد الله بن عمرو بن العاص2276

[3]: الترمذي من حديث كعب بن عجرة

[4]: مشكاة المصابيح 545