يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

استعملت قريش ضد المسلمين سياسة الإيذاء والبطش؛ لصدهم عن دينهم فلم تفلح، فلجأت إلى سياسة الترغيب، فأرسلت إلى النبي تعرض عليه المال حتى يكون أغناهم إن كان يريد بدعوته المال، وإن كان يريد الملك ملكوه عليهم، أو السيادة سودوه عليهم، أو النساء زوجوه أجمل بناتهم، وإن كان يسيطر عليه جني، بذلوا أموالهم في علاجه. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، فقالوا: سل لنا ربك فليسيّر عنا هذه الجبال، ولْيُفَجِّرْ لنا أنهاراً، وليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهبٍ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، فنسألَهم عما تقول: فإن صنعت ما سألناك صدقناك.

فقال لهم: ما أنا بفاعل، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا؛ [1] لأنه علم أنهم إنما يطالبون بذلك كفراً وعناداً. فقالوا: تعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما، فأبى، فقالوا: لأبي طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه فنكفيكه… فقال أبو طالب قولاً رفيقاً، ورد رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه. [2]

ففكرت قريش بسياسة الترهيب، فانطلقوا إلى أبي طالب، فقالوا له: وَاَللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ. [3]

فقال أبو طالب يا بن أخي أبق على نفسك وعليّ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فقال رسول الله: يَا عم، والله، لو وضعوا الشَّمْس فِي يَمِينِي، وَالْقَمَر في يساري، على أن أترك هَذَا الْأَمْرَ- حَتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهلك فيه- ما تركته. ثم بكى وقام، فلما ولّى ناداه عمه، وقال: اذهب يا بن أخي، فقل: ما أحببت، فو الله، لا أسلمك لشيء أبدا، [4] وتفاديا للحرب عرضت قريش على أبي طالب عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، يتخذه ولدا، ويسلم إليهم محمدا ليقتلوه.

قال أبو طالب: أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابن أخي لتقتلوه؟! هذا والله، ما لا يكون أبدا، فأَقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا سِرًّا أَوْ عَلَانِيَّةً، فكان أبو طالب ينام في فراش الرسول يوما، ويأمر أحد أولاده أو أولاد عمومته ينام في فراشه يوما؛ خوفا عليه من الغيلة.

فهل بعد كل الذي سمعناه بقي مجال لأرباب الغزو الفكري، من أمثال كريمر وفان فلوتن وغيرهم، أن يتذرعوا بأن النبي كان يضمر من وراء دعوته الوصولَ إلى زعامة أو غنى؟ وقد جاءته على طبق من ذهب فركلها بقدمه، ماضيا في دعوته وجهاده، يشبع يوما ويجوع أياما، حتى بعد أن دانت له الجزيرة العربية، وانتعشت معايش المسلمين؛ بما أفاء الله عليهم من الغنائم، وأخذ الرغد النسبي طريقه إلى كل البيوت، إلا بيوت النبي ظلت مثابرة على شظف العيش، يمر عليها الشهر والشهران والثلاثة دون أن تُوقَدَ فيها نار يُطْهَى عليها طعام، يعيشون على التمر والماء، بينما ريح الشواء تفوح منه أكثر البيوت، وينام النبي على حصير يترك آثاره على جنبه، وحين بدا لزوجاته أن يسألنه من ذلك النعيم حظا، مما يتاح للناس العاديين، نزل القرآن يقول (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً). [5] فخيرهن النبي بين الدنيا وبين الآخرة، فمن أرادت الدنيا فلتغادر بيت النبوة، ولتتخل عن مكان القدوة، فاخترن جميعا ما عند الله، وزهدن في الدنيا وزينتها، حتى مات النبي ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير لطعام أهله.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سير ابن هشام، ج1، ص297.

[2] سيرة ابن إسحاق، ج1، ص 148.

[3] الرقة والبكاء، لابن قدامة المقدسي، ج 1 ص101، سير ابن هشام، ج1، ص265.

[4] دلائل النبوة للبيهقي، المقدمة، ص 65.

[5] الأحزاب، 28 و29.