يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

انقضت ثلاث سنوات من الدعوة السرية ثم أوحى الله إلى رسوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [1].

فدعا بني هاشم، فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصّباة! وأغلظ له القول والقوم سكوت، فعلم رسول الله أن الفرصة لم تحن بعد، وأن الجو غير ملائم للكلام، فَسَكَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.

ثُمَّ دَعَاهُمْ ثَانِيَةً فبادرهم فقَالَ: … إِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا أو النَّارُ أَبَدًا. فتكلم عمه أبو طالب كلاماً ليناً، واعتذر اعتذاراً لطيفاً، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذِهِ وَاللَّهِ السَّوْأَةُ! خُذُوا عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرُكُمْ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعَنَّهُ مَا بَقِينَا.[2]

وحين نزل عليه قول الله: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)[3]

صعد على الصّفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج، يرسل رسولا لينظر ما هو؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟» قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا.

قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد!!»، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟! فنزل قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) [4]

فعاداه الزعماء والسادة الذين رأوا في هذه الدعوة خطراً على سيادتهم ومصالحهم وكان أشدَّهم عداوة أبو جهل وعقبة بن أبي معيط وعمه أبو لهب.

نستشف مما تقدم.

 أولاً: أن هذه المواقف العدائية من قومه الأقربين يرد دعوى من يصورون دعوة محمد، بأنها ثمرة من ثمار القومية تمثل آمال العرب وتطلعاتهم في ذلك الحين.

ثانياً: الحكمة في تخصيص دعوة الأقربين؟ أن أي دعوة من الصعب أن تنجح وألد أعدائها الأقربون ومن ناحية ثانية الأقربون أولى بالمعروف فمن لم يكن فيه خير لأهله لا يكون فيه خير لغيرهم.

 فعلى رب الأسرة أن يَحْمِلَهُم على اتباع ما جاء به الرسول من تعاليمَ وتشريعاتٍ حملا. وأكبر المسؤولية تقع على عاتق العلماء والحكام.

ثالثاً: عاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم على قومه دينهم وسفه أحلامهم لأنهم رهنوا عقولهم للتقاليد الموروثة عن آبائهم. قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ[5]

وفي هذا دليل على أن هذا الدين الذي جاء به سيدنا الرسول من عند الله بعقائده وأحكامه متوافق مع العقل والمنطق إلى أبعد الحدود، ومبناه في لُحْمَتِهِ وسَدَاهُ على مصلحة العباد العاجلة والآجلة، وإن قصر عن إدراكها فهم بعض العقول الساذجة بناء على ثقافة ضالة أو خلفيات منحرفة عن سواء السبيل.

وإذا تبين لك هذا، أدركت مدى خطورة ما يسميه بعض المستشرقين- من العقائد والعبادات والأحكام التشريعية والأخلاقية التي قام عليها الإسلام- باسم التقاليد الإسلامية؛ لأنه لو راجت هذه المقولة بين المسلمين واقتنعوا بها كانت النتيجة الحتمية أن يضيق أكثر المسلمين بها ذرعا عندما يراد فرضها على المجتمع سيما في عصر كلُّ ما فيه متطور ومتقدم وجديد.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

_________________________________

[1] الشعراء 26/ 214

[2] ابن الأثير، فقه السيرة ص 77، 78.

[3] الحجر 15/ 94

[4] حديث صحيح أخرجه البخاري: 8/ 406- 408، 509- 510؛ ومسلم 1/ 134.

[5] البقرة 2/170