يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

لما أتم رسول الله أربعين سنة من عمره المبارك، نزل عليه جبريل في غار حراء بصورة رجل، فقال له: اقرأ، قال النبي: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد، كرر ذلك ثلاث مرات، ثم قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم.

هذا ما نسميه بالوحي، الذي يترتب عليه جميع حقائق الدين؛ بعقائده وعباداته وتشريعاته، وهو الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكر من عنده ويُشَرِّعُ برأيه وعقله فيتفنن الذين يُطَبَّقُ عليهم هذا التشريع في التحايل عليه، والتفلت منه، وبين الإنسان الذي يُبَلِّغُ عن ربّه؛ فيتفانى أتباعه بتطبيقه، ويضحون في سبيله حتى بالأرواح؛ لأجل ذلك نجد الذين يحترفون التشكيك بالإسلام من أرباب الغزو الفكري يحاولون التلبيس على المسلمين في حقيقة الوحي، والخلط بينه وبين الإلهام وحديث النفس. ولئن أتيح لهم إقناع المسلمين بأن ما جاء به محمد مصدرُهُ عبقريتُهُ، وفرطُ ذكائه، مضافٌ إليهما إشراقاتٌ روحيةٌ؛ كانت نتيجةً لتأملاتٍ فكريةٍ طويلةٍ، عندئذ سيضمنون عدم تضحية المسلمين بأي شيء؛ في سبيل أحكامٍ وعقائدَ وتشريعاتٍ مصدرُها تفكير إنسان، كائناً من كان؛ فيصبح الإسلام كأي ثورة تحمس لها الأتباع فانتصرت، ثم بعد زمن ذهب ذلك الحماس؛ فبادت تلك الثورة لا إلى رجعة. من أجل تحقيق هذه الغاية، أخذ محترفو الغزو الفكري، يحاولون تأويلَ ظاهرة الوحي.

فمن قائلٍ: بأن محمداً لم يزل يفكر حتى تكونت في نفسه بطريقةِ الكشفِ التدريجيِّ عقيدةٌ كان يراها كفيلةً بالقضاء على الوثنية.

ومن قائل: إنما تعلم القرآنَ من بحيرا الراهب.

ومن قائل: بأنه كان مصابا بداء الصرع؛ لذا كانت طريقة بدء الوحي التي رواها البخاري فيها حكم إلهية باهرة ترد دعوى هؤلاء.

فاعتصار الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة: اقرأ؛ حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مردُّه إلى حديث النفس المجرد، وإنما هي استقبالٌ وتَلَقٍّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخلِ الذات.

ثم حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي، لا تستدعي الخوفَ وامتقاعَ اللون. وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين في خوف مستمر.

هذا ولو كان مصدر الوحي النّبوي- كما يزعمون- إشراقا نفسيا متولدا من طول التأمل، وأنه أمر منبعث من داخله، لما انقطع عنه ستة أشهر أو يزيد.

 فلما أحس أولئك المشككون بأن حجتهم داحضة قالوا: لماذا كان يوحى إلى محمد وهو بين أصحابه فلا يرى المَلَكَ أحدٌ سواه؟ يُقَال: لو كان شرط وجود الشيء رؤيتَه، لكان يجب انعدام الشيء إذا ابتعد عنا فلم نعد نراه، ثم أليس الله بقادر على أن يزيد في بصر من يشاء حتى يرى ما لا يراه الآخرون؟ ثم لماذا كان يأمر كتَّابَ الوحي أن يسجلوا كل آية فور نزولها؟ بينما كان يكتفي بأن يستودع حديثه صدور أصحابه.

ولماذا كان النّبي يُسْأَلُ عما لم يوح إليه فينتظرُ الوحيَ؟ فإن أبطأ عليه اجتهد وأجاب على السؤال، فإن أصاب سكت الوحي عنه، وإلا نزل يسدده، وربما عَتَب عليه ولامه.

ثم التأملات النفسية والإشراقات الروحية يستحيل أن تدرك حقائق تاريخية! كقصة يوسف، وغرق قوم نوح بالطوفان، ولم يعهد منه صلى الله عليه وسلم أنه كان يتردد إلى أحد علماء أهل الكتاب. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.