يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. كانت روح محمد تستشرف الحق، وتكدح في سبيله، أعطى ظهره لأصنام قومه، واستدبر كل ما تموج به مكة: من صخب، ولهو، ومجون، وراح يتتبع أقدام أبيه إبراهيم، ويضرع إلى الله في إخبات الصديقين، أن يهديه إلى تراث ذلك الأب الجليل؛ ليعبد خالقه العظيم عبادة صافية من تلك الشوائب التي لحقت عبادة الآخرين.

ولعلها مقدمات التهيئة؛ لحمل رايته وشعلته التي ينير بها الحياة في غسق تلك الظلمات الرهيبة، سيما وأن النُّبُوءَاتِ برسول يخرج في هذه الأمة تملأ الزمان والمكان. ولِمَ لا يكون محمد هو النبي المنتظر الذي بشرت به الكتب المنزلة من السماء؟ أليس هو اليتيم الذي عزفت عنه مرضعات بني سعد، وما إن حملته مرضعته حليمة إلى رحالها حتى حلت البركة في كل شيء له صلة بها؟ أليس هو الذي شُقَّ صدرُه في طفولته وأخرج منه حظ الشيطان؟ أليس هو الذي كان يُسَلِّمُ عليه حجرٌ في مكة لا يزال يذكره ولا ينساه؟ أليس هو الذي كانت تظلله الغمامة وحده من بين أصحابه؟ أليس هو الذي عندما وَضَعَ إزارَه على رقبته يحمل عليه الحجارة فيما يلعب به الغلمان إذْ لَكَمَه لَاكِمٌ لَكْمَةً وَجِيعَةً قائلا شُدّ عَلَيْك إزَارَك؟ أليس هو الفتى الذي لم يكد بحيرى الراهب يبصره، ويتعرف على صفاته، حتى ملأ الجو تسبيحا وتمجيدا؟ وخاف عليه من غدر اليهود؟ أليس هو الذي حُبِّبَتْ إليه الخلوة، فكان يشد رحاله إلى غار حراء، يقضي فيه كل عام شهرا، يتعبد فيه حيث الهدوء المفرط، ثم أخذت سمات النبوة تلقي عليه مخايلها، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، ولمَّا قارب الأربعين من عمره المبارك لم تعد تكفيه خلوة شهر في العام، بل راح يقسم أيامه بين داره في مكة وبين منسكه في الغار، وهكذا حتى جاء وقت الاصطفاء، ودَقَّتْ ساعاتُه الماجدة، ونزل عليه الأمين جبريل. صدق من قال ما بعد الخلوة إلا الجلوة؛ فالخلوة تهيء للارتقاء في سلم درجات العبودية، ومن دون خلوة لا يترقى العبد مهما كان متحليا بالفضائل، وحكمة ذلك أن للنفس آفاتٍ كالكِبْرِ، والعُجْبِ، والحسد، والرياء، لا يقطع شرتَها إلا العزلةُ عن الناس، والتفكر في مظاهر عظمة الله، وفي اليوم الآخر وأهواله، وفي رهبة الحساب وطوله، وفي عظيم رحمة الله وعظيم عقابه. فحينئذ تنداح تلك الآفات اللاحقة بالنفس، ويحيا القلب، ويشرق بنور المعرفة.

 وشيء آخر من الأهمية بمكان هو تربية محبة الله في القلب التي هي منبعُ كل تضحية في سبيل الله، ولا تأتي المحبة إلا بكثرة التفكر في آلاء الله ونعمه، والتأملِ في جلاله وعظمته، والإكثارِ من ذكره بالقلب واللسان. ولا يكون ذلك إلا بالخلوة، التي تُنْبِتُ في قلبه محبةً إلهيةً عارمةً، تجعله يضحي في سبيل الله بكل غال وثمين. وقد تنبه الربانيون إلى أهمية الخلوة في حياة المسلم، قَالَ عُمَرُ بن الخطاب: خُذُوا حَظَّكُمْ مِنَ الْعُزْلَةِ.

والخلوةُ لا تعني الانصرافُ الكلي عن الناس، والانقطاعُ المطلق عن الحياة، واتّخاذُ الكهوف والجبال موطنا، واعتبارُ تلك فضيلة بحدّ ذاتها؛ إنما الخلوة تكون أشبه شيء بالدواء يؤخذ بقدر وعند اللزوم؛ علاجا لمرض وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه. وإذا رأيت في الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس، فَمَرَدُّ ذلك إلى حالة خاصة به، وليس عمله حجة على غيره.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.