يقدم لنا فضيلة الشيخ وصفاً مفصلاً ورسماً يسيراً لفقه السيرة النبوية؛ وتتناول السلسلة أولاً أسباب دراسة السيرة وكيف دونت وحفظت، بالإضافة إلى إبراز الروابط بينها وبين الأديان السماوية، ورسم معالم سياقها التاريخي والجيوغرافي في شبه الجزيرة العربية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. فهذه هي المقالة السادسة في سلسلة فقه السيرة النبوية، بعنوان: نسبه صلّى الله عليه وسلم، وولادته، ورضاعته.

ولد محمد صلى الله عليه وسلم من أسرة زاكيةِ المعدن، نبيلةِ النسب، جَمَعَتْ خلاصة ما في العرب من فضائل، لم يتسلل شيء من أدران الجاهلية إلى نسبه الشريف.

قال رسول الله: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من بني هاشم [1].

وينتهي القدر المتفق عليه من نسب الرسول إلى عدنان، لكن بالإجماع نسبه يصل إلى إبراهيم الخليل عليه السلام.

وأغلب الروايات تقول: إن ولادته كانت عام الفيل، سنة سبع وخمسين ميلادية، الثاني عشر من ربيع الأول.

ولد يتيما، مات أبوه وأمه حامل به لشهرين فحسب، فعُنِيَ به جده عبد المطلب، واسترضع له حليمة السعدية.

وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد كانت تعاني من القحط، فما هو إلا أن صار محمد إلى حجر حليمة، حتى أقبل ثدياها باللبن عليه غدقا، حتى شبع هو وأخوه الذي ما كان يكف عن البكاء من شدة الجوع، وأتانُها العرجاء صارت تسابق الريح، وناقتهم العجفاء حفل ضرعها باللبن، وأرضهم أصبحت ممرعة مخضرة.

وقد حصلت في أثناء وجوده- صلّى الله عليه وسلم- في بادية بني سعد حادثة شق الصدر، فَرُدَّ إلى أمه وعمرُه خمس سنين، وماتت أمه وعمره ست سنين.

كفله جده عبد المطلب الذي كان به حفيا، يوصي به كل من يثق به من أهله، فمات جده وعمره ثماني سنوات، فكفله عمه أبو طالب.

فما العبر المستقاة مما سمعنا؟

أولاً- فيما أوضحناه في نسب الرسول، أن الله ميز العرب على سائر الناس، وكذا قريشا؛ فمقتضى محبةِ النبي محبةُ القوم الذين ظهر فيهم، باستثناء المنحرفين عن الصراط المستقيم.

ثانياً- الحكمة من ولادة محمد يتيما، وعيشه بعيدا عن آبائه؛ لئلا يقول متقول: إن محمدا بدعوته ينشد ميراث آبائه، من الزعامة، والسيادة؛ ولو كان ما يزعمونه صحيحا لأسلم عمه أبو طالب الذي قام على حمايته؟

ثالثاً- لا غرابة في أن تَنَالَ البركةُ حليمةَ، وكُلَّ ما له صلةٌ بها؛ بوجود محمد عندهم؛ لأن الله هو الفعال، والأسباب لا تفعل شيئا، بل الله يفعل بمقارنتها، لا بها، فشاء الله أن يجعل محمدا صلى الله عليه وسلم سببا في حصول البركة بمقارنة وجوده عندهم؛ لأن الله جعله رحمة للعالمين.

رابعاً- حادثة شق الصدر التي رويت بطرق صحيحة، ليست الحكمة من ذلك استئصالَ غدةِ الشرِّ في جسم رسول الله، صلّى الله عليه وسلم؛ إذ لو كان منبعُ الشر علقةً في الجسم؛ لأمكن أن يصبح الشِّرِّيرُ خَيِّراً بعملية جراحية، ولكن يبدو أنّ الحكمة هي وَضْعُ محمدٍ وَسَطَ دائرة فسيحة، ثم تسليط الأضواء عليه من كل جهة، على أنه هو المؤهلُ لاصطفائه للرسالة؛ ليكون ذلك أقربَ إلى إيمان الناس به.

وأياً كانت الحكمةُ فلا يليق بمن آمن بأن الله على كل شيءٍ قديرٌ، وأن محمدا رسولُه، مؤيدٌ بالمعجزات، أن يسعى وراء التأويلات المتكلفة لخارقة شق الصدر؛ لتتناسب مع ما لم يتوصل إليه العلم من العمليات الجراحية للقلب المفتوح إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ليرضي من لم يؤمن بأن للكون خالقا، ولم يؤمن بمحمد رسولا، سيما وأن النصوص ثبتت بصريح القرآن، وصحيح الأحاديث النبوية. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

[1] رواه مسلم (2276).