هل يصح أن يقال إن القرآن يشتمل على الإعجاز التاريخي؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى
السؤال
هل يصح أن يقال إن القرآن يشتمل على ”الإعجاز التاريخي“؟ وما هي معالم ذلك الإعجاز؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
على وجه الدقة: لا يصح القول بأن القرآن يشتمل على الإعجاز التاريخي؛ لأن ما يسمى بالإعجاز التاريخي هو في حقيقته معجزات زائدة على الإعجاز، فوصفُها بالإعجاز نوع من التجوّز في الكلام، لأن الإعجاز غير المعجزات.
تفصيل الكلام
إعجاز القرآن: يعني أن الخلق عاجزون عن الإتيان بما تحداهم الله تعالى به؛ لإظهار أن هذا الكتاب حق، وأن الرسول الذي أُنزل عليه رسول صدق. والقرآن يشتمل على إعجاز ومعجزات، وقد وقع الخلط بينهما، فأُطلق على أنواع المعجزات المبثوثة في القرآن اسم الإعجاز، فقيل: الإعجاز التاريخي، والإعجاز العلمي، والإعجاز الغيبي، إ غير ذلك؛ وفي الحقيقة هي معجزات زائدة على الإعجاز، فوصفُها بالإعجاز نوع من التجوّز في الكلام، فالإعجاز غير المعجزات.
– ولعل الدافع لهذا الخلط، هو أنّ مَن سمّى المعجزات إعجازاً، أراد أن يبرهن على أنه يستحيل أن يكون هذا القرآن بشري المصدر.
وقصارى الأمر في مسألة ما يسمى بالإعجاز التاريخي أو العلمي أو غيره، أنَّ الحقيقة التاريخية أو الكونية التي خلقها الله تعالى، وافقت الحقيقة القرآنية التي تكلَّم الله بها، وهذا هو الأصل؛ لأنَّ المتكلم عن الحقيقة التاريخية أو الكونية والمخبِر بها هو خالقها، فلا يمكن أن يختلفا البتة.
الحقيقة الكونية
وكلُّ ما في الأمر أنَّ هذه الحقيقة الكونية كانت غائبة من جهة تفاصيلها عن السابقين، فمنَّ الله على اللَاّحقين بمعرفة هذه التفاصيل، فكشفوا عنها، وأثبتوا حقيقة ما جاء في القرآن من صدق، فكان اكتشاف ذلك من دلائل صدق القرآن الذي أخبر عنها بدقة بالغة، لم تظهر تفاصيلها إلاّ في العصور التي نبغ فيها سوق البحث بشتى أنواعه تاريخي وعلمي وتجريبي….
وإذا كانت الاكتشافات التاريخية أو العلمية تسمَّى بالإعجاز التاريخي أو العلمي، فماذا يسمَّى الإعجاز اللغوي؟ أليس إعجازاً علمياً أيضاً؟ أليست اللغة علماً؟ (1)
فائدة: يرى فريق من الباحثين أن القرآن معجز بما فيه من أخبار ماضيهَ، وتنبؤات مستقبلة أثبت الواقع صحتها. وممن قال بهذا الرأي القاضي أبو بكر الباقلاني، والرمَّاني، ومحمد بن حزم الظاهري، وغيرهم. وقد ذكر الباقلاني أمثلة من هذا النوع كالإخبار بانتصار الروم على أعدائهم في مدة حددها القرآن فانتصِروا خلال تلك المدة. قال سبحانه: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 2-5] فقد حدد القرآن مدة النصر بـ ” بِضْعِ سِنِينَ ” والبضع ما بين الثلاث إلى التسع. (2)
خلاصة القول
إن القرآن دستور تشريعي كامل يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل إعجازه التشريعي قرينًا لإعجازه العلمي، وإعجازه اللغوي… إلى الأبد، ولا يستطيع أحد أن ينكر أنه أحدث في العالَم أثرًا غيَّر وجه التاريخ. (3)
وأخيراً: أنصح السائل بالرجوع لكتاب “الإعجاز العلمي إلى أين” للدكتور مساعد الطيار، فهو كتاب نافع في بابه.
الشيخ أنس الموسى
هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
(1): ينظر: سعيد حوى، الأساس في السنة وفقهها – العبادات في الإسلام (4/ 1573)؛ مساعد الطيار، الإعجاز العلمي إلى أين، ص20.
(2): ينظر: خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية عبد العزيز المطعني (1/127).
(3): مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، 289.
وينظر لكل ما سبق: أبو الحسن الماوردي، أعلام النبوة، ص74؛ مناهل العرفان للزرقاني، 1/26؛ عبد الله دراز، النبأ العظيم، ص106؛ عمر سليمان الأشقر، نحو ثقافة إسلامية أصيلة ص125؛ مصطفى مسلم، مباحث في إعجاز القرآن ص155؛ نور الدين عتر، علوم القرآن، ص70؛ مساعد الطيار، الإعجاز العلمي إلى أين، ص19.
