هل يجوز للنساء دخول المسجد في الحيض؟
يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب
السؤال
هل يجوز للنساء دخول المسجد في الحيض؟
الجواب
بسم الله والحمدلله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد؛ فإن للمرأة المسلمة في زمن حيضها أحكام شرعية تخصها، ويجب عليها أن تمتنع عن القيام بالكثير من العبادات، ومن تلك العبادات دخول المسجد والجلوس فيه، أو حتى المرور فيه، كما سيأتي بيانه.
الأصل في المسألة قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء:43]، و قوله صلى الله عليه وسلم: «لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب»(1)، ولما رواه الشيخان: أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها، وقد حاضت وهي محرمة: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت»(2).
وهذه الأدلة استفيد منها عدة أحكام شرعية، أهمها: أولا: تحريم اللبث في المسجد على الحائض والجنب، وهذا الحكم واضح والأدلة المتقدمة صريحة فيه.
ثانياً: تحريم مرور الحائض في المسجد عند خوف التلويث، فإن أمنت التلويث لم يحرم، قال الإمام الرافعي في (العزيز): «الحائضُ إن خافت تلويث المسجد -لو عبرت، إما لأنها لم تستوثق، أو لغلبة الدم- فليس لها العبور فيه صيانة للمسجد عن التلويث بالنجاسة، وليس هذا من خاصية الحائض بل المستحاضة وسلس البول ومن به جراحة نضاخة بالدم -يخشى من المرور التلويث- ليس لهم العبور، وإن أمنت التلويث ففي جواز العبور لها وجهان: أحدهما: لا يجوز، لإطلاق الخبر: “لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض”. وأصحهما: الجوازُ، كالجنب»(3).
وللعلامة الشيخ محمد نواوي الجاوي الشافعي، رحمه الله، تلخيص مفيد في مسألة مرور الحائض في المسجد عند أمن التلويث، قال في (كاشفة السجا): «فإن أمنته كان لها العبور لكن مع الكراهة عند انتفاء حاجة عبورها بخلاف الجنب فإن العبور في حقه بلا حاجة خلاف الأولى، فإن كان لها غرض صحيح كقرب طريق فلا كراهة ولا خلاف الأولى، وخرج بالمسجد المدرسة والربط، بضم الراء والباء جمع رباط ككتب جمع كتاب ومصلى العيد وملك الغير فلا يحرم عبورها إلا عند تحقق التلويث أو ظنه لا عند توهمه، والفرق أن حرمة المسجد ذاتية وحرمة هذه عرضية»(4).
هذا، وعلى المسلمة الحريصة على دينها أن تهتم بالأحكام المتعلقة بزمن خروج الحيض، وأن تنتبه لمسألة المرور في المسجد واللبث فيه، فلا تقتحم الحرمات، وتحرص على البعد عن المكروهات، ومنها المرور في المساجد من غير حاجة، وإذا فرضنا وجود حاجة للحائض في الاقتراب من المسجد للاستماع لنحو درس فإن مكبرات الصوت تفي بالحاجة ويمكن للنساء الحيض الاستماع إلى الدروس عبر مكبرات الصوت، بل أصبح يمكنها ذلك عن طريق التعلم عن بعد، أو الاستماع للدروس المسجلة، وهذا من فضل الله ولطفه بالعباد، والحمدلله أولاً وآخراً.
الهوامش:
1- رواه أبوداود، حديث 232.
2- رواه البخاري، حديث 294؛ ومسلم، حديث 1211
3- الرافعي، العزيز شرح الوجيز: 1/ 293.
4- الجاوي، كاشفة السجا في شرح سفينة النجا: ص 76.
[الشيخ] الدكتور محمد أبو بكر باذيب
هو الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب عالم إسلامي من علماء اليمن، مواليد شبام – حضرموت 1976م
نال الشيخ الإجازة في الشريعة من جامعة الأحقاف، والماجستير من جامعة بيروت الإسلامية، والدكتوراه في أصول الدين من جامعة عليكرة الإسلامية .(AMU)
تتلمذ على أكابر العلماء: كالشيخ الحبيب أحمد مشهور الحداد، والشيخ فضل بافضل، والحبيب سالم الشاطري، والحبيب علي مشهور بن حفيظ، وغيرهم…
كان مديرَ المطبوعات في دار الفقيه، ونائبَ مدير العلاقات الثقافية بجامعة الأحقاف سابقاً، ومساعدَ شؤون الموظفين في شركة عطية للحديد سابقاً، وباحثاً في مركز السنة التابع لمؤسسة دلة البرك، وباحثاً في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
وهو الآن باحث في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقوم بالتدريس التقليدي بطريقة الإجازة في دار الفقهاء تركيا، ويشرف على القسم العربي بمعهد نور الهدى العالمي (SeekersGuidance)، وعضو أمناء دار المخطوطات بإستانبول
من مؤلفاته: جهود فقهاء حضرموت في خدمة المذهب الشافعي، وإسهامات علماء حضرموت في نشر الإسلام وعلومه في الهند، وحدائق النعيم في الفقه الشافعي، بالإضافة إلى تحقيق عدد من الكتب الفقهية والتاريخية وفي فن التراجم والأثبات (الأسانيد)
