هل يجوز الصلاة في الأحذية؟

 يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب

السؤال

هل يجوز الصلاة في الأحذية؟

الجواب

بسم الله والحمدلله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد؛ فمما لا شك فيه إن المسلم يتحرى دوماً في أداء عباداته النهج النبوي، والتشريع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة في النعال (الأحذية) وردت فيها نصوص نبوية، لابد من عرضها حتى يتبين لنا الحكم الشرعي المضمن فيها. وتعامل أهل العلم مع تلك الروايات.

[1] فمن ذلك: ما رواه البخاري عن مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، قال: سألتُ أنس بن مالك: أكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قالَ: نعم(1).

[2] وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلعَ نعليه فوضعَهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: “ما حملكم على إلقاء نعالكم؟”، قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً” أو قال: “أذى”. وقال: ” إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسَحه وليصل فيهما”(2).

[3] وروى أبوداود أيضاً: عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصَلّ فيهما”(3).

[4] وأخرج النسائي عن عبد الله بن السائب، قال: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فصلى في قبل الكعبة، فخلعَ نعليه فوضعَهما عن يساره(4).

[5] بل روي الأمر بالصلاة في النعلين، فيما أخرجه أبوداود وابن حبان في (صحيحه) من حديث شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه سولم أنه قال: ” خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم”(5).

هذه بعض الأحاديث الواردة في الباب، وقد نظر الفقهاء فيها، وللإمام ابن دقيق العيد توجيه دقيق لهذه المسألة، قال رحمه الله في (إحكام الأحكام): “الحديث دليل على جواز الصلاة في النعال، ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحبابُ، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. فإن قلت: لعله من باب الزينة وكمال الهيئة فيجري مجرى الأردية والثياب التي يستحب التجمل بها في الصلاة؟ قلتُ: هو وإن كان كذلك، إلا أن ملابسته للأرضِ التي تكثر فيها النجاساتُ مما يقصر به عن هذا المقصود، ولكن البناء على الأصل إن انتهض دليلا على الجواز فيُعمَل به في ذلك، والقصور الذي ذكرناه عن الثياب المتجمَّل بها يمنعُ من إلحاقه بالمستحبات، إلا أن يرد دليل شرعي بإلحاقه بما يتجَمل به، فيرجع إليه ويترك هذا النظر. و مما يقوي هذا النظرَ، إن لم يرد دليل على خلافه: أن التزين في الصلاة من الرتبة الثالثة من المصَالح، وهي رتبة التزيينات والتحسينات، ومراعاةُ أمر النجاسة من الرتبة الأولى وهي الضروريات، أو من الثانية وهي الحاجيات، على حسب اختلاف العلماء في حكم إزالة النجاسة. فيكون رعايةُ الأولى بدفع ما قد يكون مزيلا لها أرجَحُ بالنظر إليها، ويعمل بذلك في عدم الاستحباب، وبالحديث في الجواز، وترتب كل حكم على ما يناسبه ما لم يمنع من ذلك مانع والله أعلم”(6).

وفي كتب المذهب الشافعي يذكر الفقهاء الصلاة في النعال في باب أعذار الجمعة والجماعة، وورد في (مسند الشافعي): “كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ باردة ذات ريح يقول: أَلا صَلوا في الرِّحَالِ”، وفيه: “والمعنى: صلوا في منازلكم ودوركم، ولا تتكلفوا مشقة الجماعةِ والذهاب الى المساجد، وهذا تخفيف ورحمةٌ. وفي بعض الاحاديث إذا ابتلت النعَالُ فالصلاة في الرحال”(7).

اختلفوا في تعريف النعال، وأوصلها ابن الرفعة إلى أربعة أوجه:

أحدها: أنها التي يُمشَى فيها.

والثاني: أنها وجْهُ الأرض؛ حكاه القاضي الحسين(8).

والثالث: أنها الأقدام. والرابع: أنها الحجارة الصغار تكون في الطريق، حكاهما الماوردي(9). وفي (الشرح الكبير) للرافعي: “الوحل الشديدُ، وفيه وجهان؛ أصحهما، وهو المذكور في (الكتاب): أنه عذرٌ، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال”. والثاني: ليس بعذر، لأن له عدة دافعةٌ، وهى الخفاف والصنادلُ، وهذا يشكل بالمطَر”(10).

كما تحدث الفقهاء الشافعية عن حكم إدخال النعال إلى المسجد، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في (أسنى المطالب): “وقد نقل النووي في (مجمُوعه): تحريم إدخالَ النجاسة المسجدَ، لما فيه من شُغل هواء المسجد بها، مع زيادة القبح. وظاهرٌ: أن محلّه إذا لم تكن حاجةٌ، بدليل جواز إدخال النعال المتنجسة فيه، إذا أمن التلويثَ”(11).

وأختم جوابي بنقل فتوى لسيدنا الإمام النووي في عين هذه المسألة:

مسألة:

هل صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالنعلين، وهل الصلاة فيهما أفضل أم حافيًا، وهل صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلع نعليه في الصلاة فخلع أصحابه نعالهم، فسألهم عن ذلك وأنكره عليهم ولماذا أنكره؟

الجواب

الحديثان صحيحان، والصلاة حافيًا أفضل؛ لأنه الأكثر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإِنما صلى بالنعلين في بعض الأوقات بيانًا للجواز، وخَلَعهما حينَ أخبره جبريلُ صلى الله عليه وسلم أن فيهما أذى، وإِنما أنكر عليهم خلعَ نعالهم، لأنه يكره للمصلي إحداثُ الفعل في الصلاة من غير حاجة”(12).

والخلاصة:

أن الصلاة في النعال جائزة، سواء في المسجد أو غير المسجد، بشرط نظافتها وخلوها من النجاسة العينية، ولا يقال إن الصلاة في النعال هو السنة بمعنى الاستحباب، فقد رده الإمامانِ ابن دقيق العيد والنووي، لأن فعله لبيان الجواز، وقد كان ذلك في بعض الأحوال النبوية، كما بينه الإمام النووي. كما ينبغي النظر إلى تغير الأحوال واختلاف هيئات المساجد اليوم عما كانت عليه في زمن التشريع، فاليوم هناك فرش وأثاث والدخول بالنعال أمر مستهجن جداً، فعلى المسلم اليوم أن لا يفعل ما يستهجنه الآخرون، وليبتعد عما يشوش صفاء عبادته وعبادة غيره، ولا يهجم على العمل بالأحاديث دون معرفة توجيه أهل العلم لها، والله أعلم.

الهوامش:

1- صحيح البخاري، 1/ 108، رقم 386؛ وسنن الترمذي، 1/ 517، رقم 400.

2- سنن أبي داود، 1/ 175، رقم 650.

3- سنن أبي داود، 1/ 176، رقم 655.

4- سنن النسائي، 2/ 176، رقم 1007.

5- سنن أبي داود، 1/ 486، رقم 652؛ صحيح ابن حبان، 5/ 561، رقم 2186.

6- ابن دقيق العيد، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: ص 161.

7- مسند الشافعي بترتيب السندي: 1/ 63، رقم 185.

8- التعليقة للقاضي حسين: 2/ 1009.

9- ابن الرفعة، كفاية النبيه في شرح التنبيه: 3/ 544.

10- الرفعي، الشرح الكبير: 4/ 605.

11- الأنصاري، أسنى المطالب: 1/ 434.

12- فتاوى النووي: ص 52.

[الشيخ] الدكتور محمد أبو بكر باذيب

هو الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب عالم إسلامي من علماء اليمن، مواليد شبام – حضرموت 1976م

نال الشيخ الإجازة في الشريعة من جامعة الأحقاف، والماجستير من جامعة بيروت الإسلامية، والدكتوراه في أصول الدين من جامعة عليكرة الإسلامية .(AMU)

تتلمذ على أكابر العلماء: كالشيخ الحبيب أحمد مشهور الحداد، والشيخ فضل بافضل، والحبيب سالم الشاطري، والحبيب علي مشهور بن حفيظ، وغيرهم…

كان مديرَ المطبوعات في دار الفقيه، ونائبَ مدير العلاقات الثقافية بجامعة الأحقاف سابقاً، ومساعدَ شؤون الموظفين في شركة عطية للحديد سابقاً، وباحثاً في مركز السنة التابع لمؤسسة دلة البرك، وباحثاً في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة

وهو الآن باحث في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقوم بالتدريس التقليدي بطريقة الإجازة في دار الفقهاء تركيا، ويشرف على القسم العربي بمعهد نور الهدى العالمي (SeekersGuidance)، وعضو أمناء دار المخطوطات بإستانبول

من مؤلفاته: جهود فقهاء حضرموت في خدمة المذهب الشافعي، وإسهامات علماء حضرموت في نشر الإسلام وعلومه في الهند، وحدائق النعيم في الفقه الشافعي،  بالإضافة إلى تحقيق عدد من الكتب الفقهية والتاريخية وفي فن التراجم والأثبات (الأسانيد)