هل نأخذ بقصص أهل الكتاب لنعرف تفاصيل أكثر عن القصص المذكورة في القرآن؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى
السؤال
هل نأخذ بقصص أهل الكتاب لنعرف تفاصيل أكثر عن القصص المذكورة في القرآن؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
بشكلٍ عام لا يجوز الأخذ بقصص أهل الكتاب للتعرف على تفاصيل أكثر عن القصص المذكورة في القرآن، مما لم يرد فيه خبرٌ صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحد صحابته، أو ما يؤيد المنقول عنهم؛ لأنّ أكثر ما يتحدّث به أهل الكتاب غالبه كذب وبهتان، أو دخله تحريف وتبديل، وتغيير وتأويل، وما أقلّ الصّدق فيه، ثمّ ما أقلّ فائدة كثيرٍ منه لو كان صحيحًا، ولِما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروَّجِ عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيح الأخبار وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم. (1)
وعلل الإمام ابن كثير سبب ترك الإسرائيليات؛ بأن هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها-قد افتُريت أحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: “وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج” فيما قد يجوِّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. (2)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللهِ، تَقْرَؤُونَهُ لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا} أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ.» (3) و(كتابكم) هو القرآن. و(أحدث الأخبار بالله) أقرب الكتب إليكم نزولاً من عند الله عز وجل. و(لم يُشَب) لم يُخلط بشيء غيره، ولم يبدَّل ولم يغيَّر. و(ينهاكم) يكفيكم ويغنيكم.
وقد جاء النهي من النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ كما جاء عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله، قَالَ: نَسَخَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كِتَابًا مِنَ التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَيْحَكَ يَابْنَ الْخَطَّابِ! أَلا تَرَى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي”. (4)
وقد استدلت السيدة عائشة رضي الله عنها حين أهدي لها شيء من كتب أهل الكتاب، بقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت: 51] . (5)
وعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو قُرَّةَ الْكِنْدِيُّ بِكِتَابٍ مِنَ الشَّامِ، فَحَمَلَهُ فَدَفَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَنَظَرَ فِيهِ فَدَعَا بِطَسْتٍ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَرَسَهُ فِيهِ، وَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاتِّبَاعِهِمُ الْكُتُبَ وَتَرْكِهِمْ كِتَابَهُمْ» قَالَ: حُصَيْنٌ فَقَالَ مُرَّةُ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ لَمْ يَمْحُهُ، وَلَكِنْ كَانَ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ”. (6)
فتحصل مما سبق أن النهي عن معرفة ما عند أهل الكتاب، لعلّتين:
الأولى: أنّ الله أغنى هذه الأمّة بما أوحاه إلى نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى، وأنّ شريعته نسخت ما تقدّمها، فهو المتبوع الأوّل لأمّته.
والثّانية: أنّ ما عند اليهود والنّصارى لا يُعرف حقّه من باطله؛ وذلك لِمَا وقع فيه من قِبَلِهم من التّحريف والتّبديل والكذب.
ملحوظات تتعلق بالأخبار المروية عن أهل الكتاب
– قصص أهل الكتاب: هي الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب من غير طريق القرآن والسّنن الثّابتة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، كالّذي يُحكى عن كعب الأحبار – وكان من أحبار اليهود فأسلم- ووهب بن منبّه، وقد اعتنى بأخبارهم. وهذه القصص يسميها العلماء بالإسرائيليات، وكان بعض المفسرين يستدل بها في تفسير القرآن، فالإسرائيليات في التفسير: هي اللون اليهودي واللون النصراني فيه، وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية. وسميت (إسرائيليات) تغليبًا، لأن أكثرها من أخبار بني إسرائيل أو من كتبهم. (7)
– بدأ التشوف لما عند أهل الكتاب من القصص والأخبار من عهد الصحابة، غير أن الصحابة وإن تشوّفوا لمعرفة بعض التفاصيل من أهل الكتاب، إلاَّ أنهم لم يسألوهم عن كل شيء كما لم يقبلوا منهم كل شيء، مع توقفهم فيما يُلقى إليهم ما دام يحتمل الصدق والكذب؛ امتثالاً لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: {آمَنَّا بالله وما أنزل إلينا} [البقرة: 136]” (8) فلم يَخرج الصحابة عن دائرة الجواز التي حددها لهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”. (9) كما أنهم لم يخالفوا قول رسول الله السابق بعدم تصديق أهل الكتاب ولا تكذيبهم، فأباح لهم أن يحدثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب للعبرة والعظة، بشرط أن يتأكدوا من صدقه، ويعلموا أنه ليس مكذوباً. كما طلب منهم التوقف فيما يُحدِّث به أهل الكتاب مما يكون محتملاً للصدق والكذب، أما ما خالف شرعنا فنحن في حل من تكذيبه. (10)
– في عصر التابعين توسع الأخذ عن أهل الكتاب، وكثرت في عهدهم الروايات الإسرائيلية؛ لكثرة من دخل منهم في الإسلام.
– ترخُّص الصّحابة في الحديث عن بني إسرائيل كان في حدود ضيّقة، وأحاديثُ إذن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في التحديث عن بني إسرائيل أزاحت عنهم شبهة المنع المطلق، لكنّهم بقوا على ملاحظة المعنى الّذي لأجله جاء النّهي، وهو التحريف والتبديل.
– ما ترخّص فيه الصحابة في الأخذ عن أهل الكتاب أخذوه عن مُسلِمَةِ أهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وليس من يأخذ عن مسلم كان من أهل الكتاب، كمن يتلقّى عن الأحبار والرّهبان وهم على دينهم؛ لأنّ الأصل في هؤلاء الّذين أسلموا منهم أنّهم يتحرّون، فلا يحدّثون بما ظهر كذبه، أو عارض القرآن وأصول الإسلام، إنّما يخبرون بما يأتي على التّصديق لما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم.
– لم يكن الصّحابة يتلقّون ما يسمعونه من أهل الكتاب بالتّسليم دون نقد وتثبّت، حتّى ما أخذوه عمّن أسلم من أهل الكتاب، ويؤكد هذا ما رواه السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أنه سَمِع عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِكَعْب الأحبار: لَتَتْرُكَنَّ الْأَحَادِيثَ، أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرَدَةِ”. (11)
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بني إسرائيل لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الخَضِرِ، قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بني إسرائيل، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ…”. (12) نوف البكالي: هو ابن امرأة كعب الأحبار، وكان يحدّث بالإسرائيليّات.
فهذا وشبهه يدل على أن ما كان يسمعه الصّحابة من الأخبار الإسرائيليّة، فالأصل أنّها معروضة على ما جاء به القرآن والسّنّة، فما وافق منها فهو شاهد حقّ، وما خالف ردّوه.
– الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب مما لا يوجد في كتاب ربنا وسّنّة نبينا صلى الله عليه وسلم تصديق أو تكذيب، تساهل الصّحابة فيه؛ لمعنى صحيح اشتمل عليه، ومثاله: ما حدّث به عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُحَدِّثُ ، فَجَاءَ عُمَرُ فَجَلَسَ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: «وَيْحُكَ يَا كَعْبُ ، خُوِّفْنَا» ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ النَّارَ لَتُقَرَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ حَتَّى إِذَا أُدْنِيَتْ وَقُرِّبَتْ زَفَرَتْ زَفْرَةً مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا صِدِّيقٍ وَلَا شَهِيدٍ إِلَّا وَجَثَا لِرُكْبَتَيْهِ سَاقِطًا ، حَتَّى يَقُولَ كُلُّ نَبِيٍّ وَكُلُّ صِدِّيقٍ وَكُلُّ شَهِيدٍ: اللَّهُمَّ لَا أُكَلِّفُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي ، وَلَوْ كَانَ لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَظَنَنْتُ أَنْ لَا تَنْجُوَ ، قَالَ عُمَرُ: «وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ». (13) هذا الذي رواه كعب الأحبار معناه صحيح من حيث الجملة، فمثل هذا لا يُصدَّق ولا يُكذّب، إذ ربّما كُذِّب وهو حقّ، أو صُدِّق وهو باطل. وهذا الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) [البقرة: 136]
- فتحصل مما سبق أن الإسرائيليات على ثلاثة أقسام:
الأول: مقبولٌ: ما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم؛ لموافقته الثابت.
الثاني: مردود: وهو ما يُعلم كذبه، أو خالف شَيْئًا من الوارد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، فلا تصح روايته.
الثالث: مسكوت عنه: لا هو من الأول ولا من الثاني، فلا نؤمن به ولا نكذبه، بَلْ نَجْعَلُهُ وَقْفًا، وتجوز حكايته للحديث السابق … وهذا القسم غالبه مما لا فائدة به، وَلَا حاصلَ لَهُ مِمَّا يُنْتَفَع به في الدّين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة. (14)
– اتّباع منهج الصّحابة في التعامل مع أخبار أهل الكتاب عاصم ممّا يوجد في تلك الأخبار من الأباطيل، كالّذي يحكونه في شأن الأنبياء من النّقائص، والغرائب والخرافات. ومن أمثال هذه الغرائب التي لا يصح سندها ولا نسبتها إلى الأنبياء الكرام، مما لا يتفق مع المناصب الرفيعة للأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، زعم بعضهم أنّ أيوب عليه السلام تساقط لحمه من شدة المرض، وأصبح الدود يخرج من جسمه حتى استقذره القريب والبعيد، وملّه الصديق والغريب ولم يصبر عليه إلا امرأته، وأنه عظم بلاؤه حتى أُخرج من بيته وألقي على كُناسة (مزبلة). (15)
– إذا كان بعض ما ورد في القرآن الكريم من قصص أهل الكتاب يتوافق مع بعض ما لديهم من بقايا الحقائق والوقائع التاريخية؛ فإنَّ القرآن الكريم قد أورد وجوهًا أخرى لذلك القصص، وعلى نحو يجهله أهل الكتاب مثل قصة مريم عليها السلام، قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]» وبالجملة فإنَّ القصص في القرآن الكريم قد جاء بما هو أوسع مِمَّا يعرفه اليهود والنصارى في شتَّى بقاع العالم وما يعرفه العرب وما يعرفه غيرهم.
– السبب الذي دعا للتشوف لما عند أهل الكتاب من القصص هو: اهتمام أهل الكتاب بذكر بعض التفاصيل التي لم يذكرها القرآن، فالقرآن أبهم كثيراً من تفاصيل القصص؛ لأنه ليس كتاب تسلية ولا تاريخ، بل كتاب هداية، واستعماله القصة إنما هو للعبرة والعظة وترسيخ الفكرة… في حين نرى أهل الكتاب يهتمون بتفاصيل بعض الجزئيات.
منها ما روى وهب بن سليمان عن شعيب الجَبئي أن اسم جبل الكهف: بنجلوس، واسم الكهف: حيزم، والكلب: حُمران. (16)
وهذا يعطينا فكرة عما ينشغل به أهل الكتاب، وما ينقل عنهم: ما اسم الكلب؟ ما لونه؟ ما اسم الكهف؟ ما اسم الوادي؟ والقرآن كما نعلم لم يذكر لنا شيئاً من ذلك؛ لأن المقصود: هو العظة والعبرة. (17)
ومن أمثلة ذلك: ما ذكره ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18] ” أي: مصالح ومنافع
وحاجات أُخرَ غيرَ ذلك. وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أُبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تُظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة. والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية”. (18)
وأخيراً:
ومن الخير الإعراض عن هذه الإسرائيليات والإمساك عمَّا لا طائل تحته مما يًعدُّ صارفًا عن القرآن وشاغلاً عن التدبر في حكمته وأحكامه. والله أعلم (19) والله تعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(1): ينظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (5/348)؛ محمد جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل (7/558)؛ مساعد الطيار: شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص154.
(2): ينظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (7/ 394).
(3): صحيح البخاري (2685).
(4): ينظر: نور الدين الهيثمي: كشف الأستار عن زوائد البزار (124)؛ مسند أحمد (15156)؛ ابن أبي شيبة: المصنف (28112).
(5): ينظر: ابن أبي حاتم الرازي: التفسير (17381).
(6): مسند الدارمي (494).
(7): ينظر: المقدمات الأساسية في علوم القرآن ص343؛ نور الدين عتر: علوم القرآن ص؛ عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل: مدخل إلى علوم الشريعة ص64.
(8): صحيح البخاري (4215).
(9): مسند أحمد (6888).
(10): مساعد الطيار: شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص157؛ محمد إسماعيل المقدم: فقه أشراط الساعة ص177.
(11): أبو زرعة الدمشقي: التاريخ ص544.
(12): سنن الترمذي (3149).
(13): ابن أبي شيبة: المصنف (34128).
(14): ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (5/347)؛ مساعد الطيار: شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص154.
(15): ينظر: محمد علي الصابوني: روائع البيان تفسير آيات الأحكام (2/433).
(16): ابن جرير الطبري: جامع البيان (17/603).
(17): ياسر برهامي: القصص القرآني (9/ 3).
(18): ينظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (5/ 279).
(19): ينظر: علوم القرآن الكريم د. نور الدين عتر ص75؛ المقدمات الأساسية في علوم القرآن ص343؛ إسحاق بن عبد الله السعدي: دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه (2/ 561).
[الشيخ] أنس الموسى
الشيخ أنس الموسى هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
