هل من الأفضل شغل الوقت بالمحدثات الحسنة (البدعة الحسنة) مثل الموالد، أم قراءة القرآن وممارسة الأذكار التي وردَت في السنن؟
يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب
السؤال
هل من الأفضل شغل الوقت بالمحدثات الحسنة (البدعة الحسنة) مثل الموالد، أم قراءة القرآن وممارسة الأذكار التي وردَت في السنن؟
الجواب
الحمدلله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد؛
فإن المسلم مأمور باتباع نبيه المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر: 7]، وقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب: 21]. فالخير كل الخير فيما ورد عن الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فلقد ترك أمته على المحجة البيضاء(1).
والأمور التي ورد ذكرها في السؤال، كلها من الطاعات فقراءة القرآن وتلاوته عبادة عظيمة، والإتيان بالأوراد والأذكار الواردة في السنة بحسب أوقاتها ومناسباتها، كل ذلك مما هو من صميم عبادة المسلم، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر.
ثم إن هناك أموراً كثيرة ظهرت بعد عصر النبوة وزمن التشريع، اجتهد أهل العلم في الحكم عليها وتكييفها بما يتناسب مع الأحكام الشرعية الأصلية، فظهر الإجماع، والقياس، وغيرها من أدلة التشريع بأنواعها المتفق عليها أو غير المتفق مما قال به أفراد من الأئمة المجتهدين.
و(المولد) الذي ورد في السؤال، بمجموعه وهيئته لم يكن في زمن التشريع، ولكن آحاده أي مكوناته هي عبادات لا شك فيها ولا ريب، فالمولد أو مجلس المولد الذي يعرفه العلماء، هو مجلس يجتمع فيه المسلمون ويرتبون فيه أعمالاً متنوعة، منها تلاوة القرآن الكريم، فسماع ما تيسر من مختصرات السيرة النبوية المشتملة على ذكر شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وحادثة مولده وما تقدمها من إرهاصات وما تلاها من أمور البعثة والنبوة والرسالة، ثم تنشد بعض المدائح النبوية، ويكون هناك وعظ وتذكير وإرشاد ونصح للحاضرين من قبل أحد العلماء أو الوعاظ، ثم قد يشتمل المجلس على إطعام الطعام.
فهذه الأمور آحادها لا ريب في مشروعيتها وجوازها، والتدليل على كل منها يطول. لكن جمعها بهذه الكيفية وهذا الوصف حدث في عصور ما بعد زمن التشريع كما تقدم، فهو أمر مبتدع.
وتقسيم البدعة أمر مختلف فيه:
(1) فالشافعية يرون تنزيل الأحكام الشرعية الخمسة على البدع، فمنها الحرام ومنها والمكروه ومنها المباح ومنها الواجب ومنها المندوب، وعلى هذا فقد صنف كثير من الحفاظ والفقهاء والعلماء الأجلاء مصنفات في بيان مشروعية هذا الفعل، وأقره جماهير أهل المذاهب باعتباره بدعة حسنة، نظراً لمشروعية ما اشتملت عليه.
(2) والفريق الآخر لا يرى في البدعة إلا كونها محرمة، فقد جرى على تحريم كل ما وصف بأنه بدعة. فهذا خلاف لا ينتهي، والمسائل الخلافية لا ينكر فيها على من أتاها مادام يتبع قولا معتبراً.
نعم، هناك صور لمجالس المولد غير الذي وصفناه، مما قد يصاحبها اختلاط رجال بنساء، أو تصفيق، أو رقص مشين، أو أمور غير مستحبة، وقد تكون محرمة، كالتدخين واللغط عند ذكر الله، أو رؤية النساء الأجنبيات، فهذه أمور دخيلة على ما وصفناه من المجالس المعتادة لدى أهل العلم، فينبغي على المسلم الحريص على دينه، الاحتراز عن تلك العادات الدخيلة، وإنكارها ما أمكن، ثم مفارقة تلك المجالس التي على ذلك الوصف المشين، وعدم البقاء فيها.
ونقل السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد) عن شيخ الاسلام أبي الفضل أحمد بن حجر العسقلاني كلاماً في فتوى له عن حكم المولد، قال: “فأجابَ بما نصه: أصل عمل المولد بدعةٌ، لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرَّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعةً حسنةً، ومن لا فلا”(2).
ثم بعد كل ما تقدم، تلك المجالس لا ينبغي أن تطغى على الواجبات والأولويات، من الصلاة وقراءة القرآن، وذكر الله الذكر المسنون، ثم السعي في المعاش، والقيام بالأهل والوالدين، وصلة الأرحام، وغير ذلك، فمتى قام المسلم بواجباته وأدى ما عليه، وفضل من وقته ما لا شغل فيه فهو مخير ماذا يأتي ويدع من الأمور المستحبة أو المباحة، وكما قال تعالى: (قد علم كل أناس مشربهم) [البقرة: 60]، نسأل الله أن يبارك في أعمارنا وأعمالنا، وأن يوفقنا للقيام بواجباتنا ويعيننا على أداء الحقوق لأربابها، والله سبحانه الموفق والمعين.
الهوامش:
1- ولفظ الحديث: (قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هلك)، ابن ماجه، حديث رقم 43.
2- السيوطي، الحاوي للفتاوي: 1/ 229؛ الشرواني، حواشي التحفة: 7/ 423.
الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب
هو الشيخ الدكتور محمد أبو بكر باذيب عالم إسلامي من علماء اليمن، مواليد شبام – حضرموت 1976م
نال الشيخ الإجازة في الشريعة من جامعة الأحقاف، والماجستير من جامعة بيروت الإسلامية، والدكتوراه في أصول الدين من جامعة عليكرة الإسلامية .(AMU)
تتلمذ على أكابر العلماء: كالشيخ الحبيب أحمد مشهور الحداد، والشيخ فضل بافضل، والحبيب سالم الشاطري، والحبيب علي مشهور بن حفيظ، وغيرهم…
كان مديرَ المطبوعات في دار الفقيه، ونائبَ مدير العلاقات الثقافية بجامعة الأحقاف سابقاً، ومساعدَ شؤون الموظفين في شركة عطية للحديد سابقاً، وباحثاً في مركز السنة التابع لمؤسسة دلة البرك، وباحثاً في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة
وهو الآن باحث في مؤسسة الفرقان فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقوم بالتدريس التقليدي بطريقة الإجازة في دار الفقهاء تركيا، ويشرف على القسم العربي بمعهد نور الهدى العالمي (seekersguidance)، وعضو أمناء دار المخطوطات بإستانبول
من مؤلفاته: جهود فقهاء حضرموت في خدمة المذهب الشافعي، وإسهامات علماء حضرموت في نشر الإسلام وعلومه في الهند، وحدائق النعيم في الفقه الشافعي، بالإضافة إلى تحقيق عدد من الكتب الفقهية والتاريخية وفي فن التراجم والأثبات (الأسانيد)
