هل قام العلماء بعدِّ آيات القرآن وكلماته وحروفه، وكم هي؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى بن محمد بشير
السؤال
هل قام العلماء بعدِّ آيات القرآن وكلماته وحروفه، وكم هي؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين ، و بعد
أما عدد سور القرآن: فباتِّفاق وإجماع من يُعتد به بلغ: مائة وأَربع عشرة سورة. وقيل مائة وثلاث عشرة سورة بجعل الأنفال وبراءة سورةً واحدة. (1)
ونَقل السيوطي خلافاً أخر في عد السور وأنها: مائة وست عشرة سورة، لكنه ردَّه مبيناً سببه فقال: فهناك من عدَّ سورة الفيل وسورة لإيلاف قريش فيه سورة واحدة، ومنهم من عدَّ سورة الضحى وألم نشرح سورة واحدة. (2)
وأَمّا عدد آيات وكلمات وحروف القرآن فبيْنَ القرّاءِ في ذلك اختلاف؛ لكنَّه في الحقيقة خلافٌ لفظيٌ لا حقيقي. (3)
وسبب الاختلاف في عدد آيات القرآن؛ يرجع للاختلاف في تحديد نهاية بعض السور، والذي قد يكون سببه اختلاف الرواية أو الاجتهاد. (4)
أمثلة موضحة لكيفية حدوث الخلاف في عدد آيات القرآن:
- قرّاءَ الكوفة عدُّوا قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ [ص: 1] آية؛ لذلك فهي رأس آية في المصحف المطبوع في مكة والمدينة برواية حفص عن عاصم الكوفي، وباقي القراء لم يعدّوها آية، بل جعلوا آخر الآية {فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}؛ فصارت الآية الأولى في سورة ص عند غير قراء الكوفة، هي: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
- وقراء الكوفة عدّوا قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ﴾ [ص: 84] آية والباقون لم يعدّوها، بل جعلوا آخر الآية: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}، فصار قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ عندهم آية واحدة.
- وعدّ أَهل مكَّة والمدينة والكوفة والشَّام آخر الآية ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ [ص: 37]
، وأَهل البصرة جعلوا آخرها: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴾ فصارت الآية عند البصريين:﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴾. ولا شكَّ أَنَّ مثل يصحُّ أن نسميَه اختلافاً في التَّسمية لا اختلافاً في القرآن. ومن هاهنا صار عند بعضهم آيات القرآن أَكثر، وعند بعضهم أَقلّ، لا أَن بعضهم يزيد فيه، وبعضهم يَنقص، فإِنَّ الزّيادة والنّقصان في القرآن كفرٌ ونفاق؛ بل هي في غير مقدور البشر، كما سيظهر بعد قليل؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]. (5)
ملحوظة: يَرجع اختلافُ السلف في عدد الآي والكلم والحروف؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا عُلِمَ محلُّها وَصَلَ للتمام (تمام المعنى) فيحسَب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة. (6)
أقوال العلماء في عدد آي القرآن
قال الإمام السيوطي نقلاً عن أبي عمرو الداني: ” أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: ومئتا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: وخمس وعشرون، وقيل: وست وثلاثون “. (7)
وتفصيل اختلاف الأقوال في عدد آيات القرآن: - عدد آيات القرآن عند أَهل الكوفة ستة آلاف ومائتان وستّ وثلاثون آية.
- عدد آيات القرآن في قول المدَني الأَوّل ستَّة آلاف ومائتان. وفي قول المدني الأَخير: ستة آلاف ومائتان وسبع عشرة آية.
- في عدد يزيد بن القعقاع: ستَّة آلاف ومائتان وعشر آيات.
- عدد الآيات عند أَهل مكَّة ستة آلاف وعشر آيات.
- عند أَهل الشام ستة آلاف ومائتان وستّ وعشرون آية.
- وقيل: آيات القرآن ستَّة آلاف ومائتان وثمان عشرة آية.
- وقيل: القرآن ستَّة آلاف آية ومائتان وسبع عشرة آية.
- وقيل: القرآن ستَّة آلاف ومائة وتسعون وسبع آيات.
- وقيل: جميع آي القرآن ستة آلاف وستمائة وست عشرة آية. (8)
تفصيل عدد كلمات القرآن وحروفه
قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مِهران المقرئ: بَعَث الحجاجُ بن يوسف إلى قراء البصرة فجمعهم واختار منهم الحسن البصري وأبا العالية ونصر بن عاصم وعاصمًا الجحدري ومالك بن دينار رحمة الله عليهم وقال: عدُّوا حروف القرآن، فبقوا أربعة أشهر يعدون بالشعير، فأجمعوا على:
أن عدد كلماته: سبعٌ وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وأجمعوا على:
أن عدد حروفه: ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفاً. (10)
وروي عن عطاء بن يسار بأن عدد كلماته: سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة.
وروي عن مجاهد أن عدد حروفه: ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف.
وقال سلام أبو محمد الحِمَّاني إن عدد حروفه: ثلاثمائة ألف وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفاً. (11)
وعن عبد الله بن مسعود بأن حروفه: ثلاثمائة أَلْف حرف وستمائة حرف وسبعون حرفاً.
وعن أبي معاذ النحوي بأن حروفه: ثلاثمائة أَلف حرف وأَحد وعشرون أَلفَ حرف ومائتا حرف.(12)
بين يدي الإجابة
- من الطبيعي أن يحدث هذا الخلاف في عد كلمات القرآن وحروفه؛ فهو جهد بشري أولاً، كما أن قواعد رسم المصحف (كلمات القرآن) يجعل الخلاف في ذلك وارداً؛ فالحذف مثلاً من قواعد الرسم، مثل حذف الألف التي بعد الياء في (يأيها)، وكذلك الخلاف في قراءة بعض الكلمات يجعل الخلاف حاصلاً، كالخلاف بين (وَوَصَّى) (وَأَوْصَى).
- الحافز لاهتمام علمائنا بمعرفة أعداد حروف القرآن وكلماته وآياته؛ إنما هو اهتمامهم بالقرآن من جميع نواحيه، وحرصهم على ألاَّ يَسقُط منه حرفٌ أو تضيع منه كلمة بَلْهَ آية.
- كما أن في معرفة عدد حروف القرآن وكلماته، معرفةَ قدر الأجر الموعود به على تلاوة القرآن، وحسبك بذلك حافزاً، وإن كان في معرفة عدد الآي فوائدُ تزيد على معرفة عدد الحروف والكلمات. (13)
- بلغ من اهتمام العلماء بمعرفة تفاصيل القرآن الكريم أنهم حددوا عدد كل حرف من حروف الهجاء، وعدد مرات وروده في القرآن، وهذا مثال على ذلك: فالألف وردت:/ 38283/ والهمزة/ 28718/ والباء/ 11490/ والتاء/ 12864/ والثاء/ 1414/ والجيم/ 3317/ والحاء/ 4138/ والخاء/ 2492/….. (14)
- بل إن بعض العلماء ذهب أبعد من مجرد عدِّ الحروف، حين ذكر أين ينتهي نصف عدد حروف القرآن وموضع ذلك في السورة والكلمة وعند أي حرف؛ حيث قال: نصفه بالحروف: النون من كلمة: ﴿نُكْرًا﴾ [الكهف: 74]، وقيل: الفاء من ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ [الكهف: 19]، وذكر أيضاً: أين ينتهي نصف عدد الكلمات، وأنه عند كلمة: ﴿وَالْجُلُودُ ﴾ [الحج: 20]، وذكر أين ينته نصف عدد الآيات، وأنه عند الآية: (45) من سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ [الشعراء: 45]، وذكر نصف عدد السور وأنه ينته عند سورة: “الحديد” حيث إن رقمها في ترتيب المصحف (57). وهكذا لم يتركوا مجالاً لأي أحد أن يفكر أو يحاول العبث بالقرآن، وأنى له ذلك أمام كل ما سبق؟!! وكل هذا مصداق قوله تعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9] (15)
- أنصح السائل بالرجوع لكتاب هام ومفيد من كتب علوم القرآن في هذا الموضوع، وهو كتاب “البيان في عد آي القرآن” للإمام أبي عمرو الداني (ت444هـ) حيث فصَّل الحديث في كل سورة من سور القرآن، فذكر نوع السورة من حيث المكي والمدني، وذكر عدد آياتها والخلاف في ذلك بين القراء، وعدد كلماتها وحروفها، وهو كتاب مطبوع بتحقيق غانم القدوري الحمد.
- حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». (16). وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ “. (17) يعطينا تصوراً واضحاً للحافز الذي دفع بعض العلماء للعمل على عدِّ آي القرآن وحروفه.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1): ينظر: فنون الأفنان في عيون علوم القرآن لابن الجوزي ص234؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (1/225).
(2):ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/249)؛ الإتقان للسيوطي (1/228).
(3):ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز الفيروزأبادي (1/558).
(4):ينظر: التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (1/77).
(5): ينظر : بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز الفيروزأبادي (1/559).
(6): ينظر: البرهان في علوم القرآن للزمخشري(1/ 251 – 252)؛ فنون الأفنان في عيون علوم القرآن لابن الجوزي ص236؛ الإتقان للسيوطي(1/231).
(7):ينظر: البيان في عد آي القرآن أبو عمرو الداني ص79؛ البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/249)؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (1/232).
(8):ينظر: البيان في عد آي القرآن أبو عمرو الداني ص79؛ بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز الفيروزأبادي (1/559)؛ البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/249)؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (1/231)؛ جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (2/560)؛ الموسوعة القرآنية إبراهيم الابياري (2/85).
(9): ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز الفيروزأبادي (1/559).
(10):ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/249)؛ فنون الأفنان في عيون علوم القرآن لابن الجوزي ص245- ص246.
(11):البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/249).
(12):ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز الفيروزأبادي (1/559).
(13):ينظر: إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم عبد السلام مقبل المجيدي ص436.
(14):ينظر: المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة أحمد عمر أبو شوفة ص192.
(15): ينظر: المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة أحمد عمر أبو شوفة ص193.
(16): سنن الترمذي (2910).
(17): صحيح البخاري (3274)
الشيخ أنس الموسى
هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
