هل تُعتبر الكلمات المتشابهة في القرآن مثل “وقضى ربك” و”إن الله يأمركم” مترادفات؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى

السؤال

هناك كلمات متشابهة ذات معان في القرآن الكريم هل تعد مترادفات أم لا؟ مثل: (وقضى ربك)، (إن الله يأمركم)

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

تفصيل الإجابة

السائل الكريم: من أهل العلم من قال بالترادف في ألفاظ القرآن، وهناك من منع منه، وهناك من فصّل، وسأذكر لك بعض ما قيل في الموضوع.

الفرق بين “قضى” و”أمر”

قال تعالى: (وَقَضَى ‌رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23] ومعنى: {وَقَضى رَبُّكَ}: أي حَكَمَ وأمر أمرًا مقطوعاً به لا يُرد، ألاَّ تعبدوا غيره….  [ينظر: وهبة الزحيلي، التفسير المنير (15/53)]

ومما لا شك فيه أن معنى “قضى” يختلف من حيث الدلالة عن معنى “أمر” في قوله تعالى: (إِنَّ ‌اللَّهَ ‌يَأْمُرُكُمْ)، كما في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا ‌بَقَرَةً ﴾ [البقرة: 67].

فإذا كان اللفظان يشتركان في بعض المعاني، فإن “أمر” و”قضى” يفيدان طلب حصول الشيء، إلا أن “قضى” فيه طلبٌ وحُكمٌ على جهة القطع وعدم الرد، لكننا لا نجد هذا المعنى في “أمر”.

لهذا فقمة البلاغة في استعمال كلمة “قضى” في (وَقَضَى ‌رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، ولو وضعنا “أمر” بدل “قضى” في هذه الآية لم تؤد المعنى المطلوب.

رأي العلماء في الترادف

  • من أهل العلم من أنكر وجود الألفاظ المترادفة في القرآن، مثل: (عمِل وفَعل)، و(انفجرت وانبجست)، و(لا تُبقي ولا تَذر). فقالوا: كل لفظة من ألفاظ القرآن وُضعت لتؤدي نصيبها من المعنى أقوى أداء، ولذلك لا نجد فيه ترادفاً، بل كلّ كلمة تحمل إليك معنى جديدًا.  [ ينظر: أحمد ياسوف، جماليات المفردة القرآنية ص58؛ إبراهيم الجرمي، معجم علوم القرآن ص86]
  • وتؤكد هذه النظرة الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في كتاب “مشكلة ‌الترادف اللغوي، في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم”، فتقول: “كيف شهد التتبع الدقيق لمعجم ألفاظ القرآن واستقراء دلالاتها في سياقها، بأن القرآن يستعمل اللفظ بدلالة محدودة، لا يمكن معها أن يقوم لفظٌ مقام آخر”.  [ ينظر: مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص385]
  • ويقول الإمام الزركشي: “الترادف خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه مترادفًا أو متباينًا فحمله على التباين أولى، لأن القصد الإفهام فمتى حصل بالواحد لم يحتج إلى الأكثر”. [الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه (2/360)]
  • وقال الزركشي في البرهان: “قاعدة في ألفاظ يُظَنُّ بها الترادف وليست منه: ولهذا وزعت بحسب المقامات فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر”. [ الزركشي، البرهان في علوم القرآن (4/78)؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (4/229)؛ حسين بن علي الحربي، قواعد الترجيح عند المفسرين “دراسة نظرية” 2/135.]
  • ويقول الإمام السيوطي: “على المفسر أن يتجنّب ادعاء التكرار ما أمكنه… فالعطف على المترادفين لا يفيد إلاّ معنى زائدًا في التركيب”. [السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (4/229)]

ملاحظات

من أهل العلم من أثبت الترادف مطلقًا دون قيد ولا اعتبار ولا تقسيم، وعلى هذا المذهب أكثر اللغويين والنحاة.

الخاتمة

وأخيراً: على من يشتغل بتفسير القرآن أن يتنبه للنكات البلاغية المبثوثة في القرآن، والتي تُعدُّ من دلائل الإعجاز البلاغي في القرآن؛ فـ “الخوف” و “الخشية” لا يكاد اللغوي يفرّق بينهما، إلا أن الخشية أعلى من الخوف، وهي أشدُّ الخوفِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ ‌سُوءَ ‌الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 21].

كما يقول شوقي ضيف: “فالخشية خوف ممزوج بتعظيم وإجلال”. [ينظر: أحمد ياسوف، جماليات اللفظة القرآنية ص292]

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الشيخ أنس الموسى

هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.