هل الذكر الجماعي جائز ومتى يتم؟

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

هل الذكر الجماعي جائز ومتى يتم؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

الذّكر والدّعاء من أعظم العبادات والقُرُبات، وبفضلهما شهدت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم،

فالذكر الجماعيّ مستحب مشروع، وقد دلّت النصوص الكثيرة على ذلك، منها على سبيل المثال:

ما ورد في كتاب الله من طلب الذكر والدعاء بصيغة الجمع، {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء :103]

من السنة

ومن السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ». [1]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ »[2] ولا يخفى أنّ الذكر الجماعي يكون من خلال الجهر بالذكر غالبًا.

وقد ورد في القرآن الكريم الحثّ على الذكر مطلقاً من غير تخصيص بصفة معينة أو حال خاصّة أو ألفاظ معينة، بل طُلب الذكر من المكلف مطلقاً من غير تقييد بصفة

إذا فاجتماع الناس للذكر في المساجد بصورة جماعية عقب الصلوات أو في غير أوقات الصلوات  من غير تشويش على المصلين  مشروع في الدين، لما ذكرناه من عدم تقييد الذكر بقيود معينة، ولما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ). [3]

أجمع ‌العلماء على ‌استحباب ‌ذكر ‌الله ‌تعالى

جاء في حاشية الطحطاوي: (‌وأجمع ‌العلماء ‌سلفا ‌وخلفا ‌على ‌استحباب ‌ذكر ‌الله ‌تعالى جماعة في المساجد وغيرها من غير نكير إلا أن يشوش جهرهم بالذكر على نائم أو مصل أو قارىء قرآن كما هو مقرر في كتب الفقه). [4]

وقد أفتى بذلك الشيخ الفقيه الونشريسي المالكي فقال  (الصواب جواز الدعاء بعد الصلاة على الهيئة المعهودة إذ لم يعتقد كونه من سنن الصلاة وفضائلها أو واجباتها ، وكذلك الأذكار بعدها على الهيئة المعهودة كقراءة الأسماء الحسنى ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مرارا ثم الرضى عن الصحابة رضي الله عنهم وغير ذلك من الأذكار بلسان واحد). [5]

ويقول الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (هَذَا ‌دَلِيلٌ ‌لِمَا ‌قَالَهُ ‌بَعْضُ ‌السَّلَفِ ‌أَنَّهُ ‌يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَةِ وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّهُ مِنَ المتأخرين بن حزم الظاهري). [6]

و يقول النووي أيضا في الأذكار (فصل: اعلم أنه كما يُستحبُّ الذكر يُستحبُّ الجلوس في حِلَق أهله وقد تظاهرت الأدلة على ذلك وستردُ في مواضعها إن شاء اللّه تعالى ويكفي في ذلك حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا . قالُوا : وَمَا رِياضُ الجَنَّةِ يا رَسُولَ اللّه ؟ قالَ : حِلَقُ الذّكْرِ فإنَّ للّه تعالى سَيَّارَاتٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذّكْرِ فإذَا أَتَوْا عَليْهِمْ حَفُّوا بِهِمْ ». [7/8]

فتحصل أن الذكر الجماعي مشروع ولا مانع منه بشرط عدم اعتقاد وجوبه ، و لا ينبغي الإنكار على فاعله وخاصة أن فيه تعاونا على البر و التقوى

جعلنا الله من الذاكرين و أبعدنا عن الغافلين إنه سميع مجيب

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965 

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها 

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من الجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان. 

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق، 

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول 

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

 والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.

([1]) أخرجه البخاري (7405) ومسلم (2675)
([2]) أخرجه مسلم (2700) وابن حبان (768) وأحمد (9903)
([3]) أخرجه البخاري (841) ومسلم (583)
([4]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص318):
([5]) المعيار المعرب والجامع المغرب للونشريسي1/ 281
([6]) شرح النووي على مسلم» (5/ 84
([7]) أخرجه الترمذي (3510) وأحمد (12718) وأبو يعلى (3432) والبزار (6500)
([8]) الأذكار للنووي (ص8)