ما هي السبل التي من خلالها يستطيع المسلم التعامل مع الفتن التي تداهمه في حياته؟

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

ما هي السبل التي من خلالها يستطيع المسلم التعامل مع الفتن التي تداهمه في حياته؟

الجواب

الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله و صحبه ومن والاه :

فالأصل في معنى الفتنة لغةً الاختبار، قال ابن حجر:(قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ‌ثم ‌استعملت ‌فيما ‌أخرجته ‌المحنة ‌والاختبار ‌إلى ‌المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك) ([1])

ولها عدة معان في النصوص الشرعية لا تخرج عن المعنى اللغوي فمنها :

1.     الشرك والكفر كما في قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [سورة البقرة: آية 193]

2.     العذاب، قال تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} [سورة الذاريات: آية 13]

3.     صرف الإنسان وصده عن دينه بالقوة أو بالإغواء، قال تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} [سورة الإسراء: آية 73] أي: (يصرفونك)

4.     الضلال والانحراف، قال تعالى: {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم} [سورة الصافات: آية 161 – 163]

5.     الابتلاء والاختبار، قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم} [سورة العنكبوت: آية 2 – 3]

6.     اختلال الأمور: ما يحدث من اختلال في الأمور وابتلاءات عامة قبل قيام الساعة، فيكون من أشراطها كخروج الدابة والدجال والاقتتال…إلخ، وعلى هذا بوَّب المحدّثون للفتنة في كتبهم كما في (كتاب الفتن) من صحيح البخاري، وكذلك (كتاب الفتن) في صحيح مسلم وغيرهما من أمهات كتب الحديث.

والله تعالى يبتلي النفوس بالخير والشر حتى يتبين الصابرون، ويفتضح الضعفاء والمنافقون، قال الله تعالى: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰۖ وَإِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [الأنبياء ٣٥]

والفتن التي يبتلي الله بها عباده في الدنيا متنوعة، فمنها فتنة المال، ومنها فتنة الجاه، ومنها الفتنة بالنساء، ومنها الفتنة بالزوجة والأولاد، ومنها فتنة التعرض للظلم والطغيان والاضطهاد، وكثير من الناس لا يثبت أمام هذه الفتن، فإذا ابتلي بالمال واغتنى بعد الفقر والحرمان طغى ونسي الله، وارتكب المحرمات، وإذا ابتلي بالجاه والمنصب تكبر على الفقراء وأصحاب الحاجات، وإذا ابتلي بالنساء قارف الفاحشة، وإفإذا كانت الفتن بهذه الخطورة، كان الواجب على المسلم الحازم أن يأخذ بأسباب الاستقامة، ووسائل الثبات فيها، ومنها:

1ـ الاشتغال بكتاب الله تعالى تلاوة وحفظًا وتدبرًا، فالقرآن شفاء للقلوب من أمراضها، وتدبره بعد قراءة تفسيره يعين المؤمن على معرفة طرق مواجهة الفتن المتكاثرة، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن من وسائل الثبات في الأمر، فقال سبحانه: ﴿ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَـٰهُ تَرۡتِیلࣰا﴾ [الفرقان ٣٢]

2ـ التقرب إلى الله تعالى بأنواع العبادات، فالمؤمن صاحب العبادة المحافظ على الفرائض المؤدي للنوافل يثبته الله، ويؤيده بروح منه، ويمده بمدد من عنده، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُوا۟ مَا یُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَیۡرࣰا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِیتࣰا﴾ [النساء ٦٦]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»([2]) .

وقد بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم المستقيمين على أمر الله تعالى في آخر الزمان بأن لهم أجرًا عظيمًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ زَمَانَ صَبْرٍ ، لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيدًا» ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : « مِنْكُمْ»([3]) .

3ـ الإكثار من الدعاء وسؤال الله تعالى، فلا يملك المؤمن من الأسباب في مواجهة الفتن أقوى من سلاح الدعاء، فقال تعالى على لسان بعض أوليائه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَاۤ أَفۡرِغۡ عَلَیۡنَا صَبۡرࣰا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [البقرة ٢٥٠] و قال : ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَیۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨]

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : «نَعَمْ ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا»([4]) فينبغي أن تكون هذه الأدعية وأمثالها ديدنًا للمؤمن، وحصنًا حصينًا يأوي إليه من الفتن،

4ـ مطالعة قصص الأنبياء وسير الصالحين، فقراءة أخبارهم، ومعرفة مواقفهم، والوقوف على أحوالهم، وتأمل أقوالهم وقت الفتن التي تعرضوا لها من أعظم الأسباب المعينة على مواجهة الفتن والثبات أمامها، قال الله تعالى: ﴿وَكُلࣰّا نَّقُصُّ عَلَیۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾ [هود ١٢٠]

5ـ التوكل على الله تعالى، وتفويض الأمر إليه سبحانه، فالتوكل على الله من أعظم المنازل والمقامات عند الله تعالى، بل هو علامة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [المائدة ٢٣]

6ـ صحبة الصالحين، فمما يشد أزر المسلم في استقامته ويعينه على التمسك بدينه ـ خصوصًا وقت الفتن ـ صحبةُ الأخيار وطلاب العلم، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : « الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ . المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»([5])

7- التحلي بالصبر والمصابرة.قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضࣲ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَ﴾ [الفرقان ٢٠] فإذا كان الصبر مطلوبًا وعواقبه محمودة في كل حين ففي زمن الفتن من باب أولى، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : ايْمُ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا»([6]) فأعظم سلاح أيام الفتن والمحن الصبر والمصابرة.

نسأل الله السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن والحمد لله رب العالمين.

([1]) «فتح الباري» لابن حجر (13/ 3 )
([2]) أخرجه البخاري (6502)
([3]) أخرجه البزار (1775) والطبراني (10394)
([4]) أخرجه الضياء المقدسي (2222) والحاكم (1933) والترمذي (2140) وابن ماجه (3834) وأحمد (12290)
([5]) أخرجه الحاكم (7412) وأبو داود (4833) والترمذي (2378) وأحمد (8143)
([6]) أخرجه الحاكم (3160) وأبو داود (4263) وأحمد (24339)

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من الجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

 والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.