ما هي أفضل الأوقات لتلاوة القرآن؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى 

السؤال

ما هي أفضل الأوقات لتلاوة القرآن؟

الجواب

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

في الحقيقة لا يوجد وقت معين أمر الله تعالى به، أو خصَّصَه رسول الله صلى الله عليه وسلم   بكونه أفضل من غيره. فلا تنحصر قراءة القرآن الكريم بوقتٍ معيّنٍ، فللمسلم أن يقرأه متى شاء، بل قول الله تعالى: ﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ ‌الْقُرْآنَ ﴾ [النمل: 92] وقوله تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ ‌الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 4] وقوله تعالى: ﴿‌الَّذِينَ ‌يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191] ألفاظ عامة يدخل فيها كل الأوقات التي يتمكن فيها العبد من القراءة، بشرط أن يكون الزمان والمكان وحال القارئ مناسباً لذلك؛ فلو تحقق كون القارئ على طهارة من الحدث الأكبر، وكان المكان الذي يتواجد فيه مناسباً لقراءة القرآن؛ بألاَّ يكون مكاناً مستقذراً، فلا مانع من القراءة وقتئذ.

كما أن اختيار الوقت المناسب لتلاوة القرآن، يحدده شخص المريد للتلاوة، فهو يختلف باختلاف أحواله؛ فالوقت الذي يكون قلبه فيه حاضرًا، وعقله فارغًا للتدبر والتعقل، فهو لا شك وقت مناسب للقراءة، فقد يكون هذا الوقت وهو يركب وسيلة من وسائل النقل كالطائرة والباخرة والسيارة وغير ذلك.

كما أن من المهم التنبيه بأن قراءة القرآن في هدأة الليل والناس نيام لها أثرها الذي لا ينكر في القلب؛ مصداق قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ‌نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] ، ومصداق قول الباري سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ‌أُمَّةٌ ‌قَائِمَةٌ ‌يَتْلُونَ ‌آيَاتِ ‌اللَّهِ ‌آنَاءَ ‌اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران: 113]

ويرى الإمام النوويّ رحمه الله أهميّة الحرص على تلاوة القرآن الكريم بالليل، من قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ‌آيَاتِ ‌اللَّهِ ‌آنَاءَ ‌اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113] ولِما جاء عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: “‌من ‌قام ‌بعَشْرِ ‌آيات ‌لم ‌يكتَبْ ‌من ‌الغافلين، ومَنْ قامَ بمئةِ آيةِ كُتِبَ مِن القانتين، ومَنْ قامَ بألفِ آية كُتِبَ من المُقنطِرين”. (1) وقيام الليل يشتمل على الصلاة، وقراءة القرآن الكريم، وذكر الله تعالى. (2)

و قد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في حق عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: “نِعْمَ ‌الرَّجُلُ ‌عَبْدُ ‌اللهِ ‌لَوْ ‌كَانَ ‌يُصَلِّي ‌مِنَ اللَّيْلِ”. (3)

 وكان إبراهيم النخعي يقول: “اقرءوا من الليل ولو حلب شاة”.(4)

وعلل الإمام النووي سبب رجحان القراءة ليلاً فقال: “وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته لكونها أجمع للقلب وأبعد عن الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات وأصونه عن الرياء وغيره من المحبطات، مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في الليل؛ فإن الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم: كان ليلاً، وحديث ينزل ربكم كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول هل من داع فأستجيب له”. (5)

 وذكر بعض أهل العلم بأن أحسن الأوقات لقراءة القرآن: وقت الفجر، واستدلّوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ‌إِلَى ‌غَسَقِ ‌اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]  أي: تَشْهَدُهُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ. ولا شك أن في افتتاح اليوم بقراءة القرآن وذكر الله تعالى تحصل السّكينة والطمأنينة والتوفيق من الله تعالى في الأمور كلها.

وأخيراً:

ينبغي للمسلم أن يشغل جلَّ وقته بقراءة كتاب الله تعالى وتدبر معانيه، كما كان السلف الصالح يفعلون؛ فكان بعضهم يختم القرآن في سبع ليالٍ، وبعضهم في كل ستٍ، وبعضهم في كل خمسٍ، وكثير منهم في كل ثلاث ليالٍ، ومنهم من كان يختم ثماني ختمات، أربعًا بالليل وأربعًا بالنهار. ومن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشافعي، وآخرون.

فاختر أخي السائل الوقت الذي يناسبك، الوقت الذي تشعر فيه بحضورك مع الله تعالى، الوقت الذي تتمكن فيه من ترك انشغالاتك، واقرأ به القرآن. والله تعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


(1): سنن أبي داوود (1398).
(2):  النووي: التبيان في آداب حملة القرآن ص63.
(3): صحيح البخاري (1121).
(4):  النووي: التبيان في آداب حملة القرآن ص64.
(5): النووي: التبيان في آداب حملة القرآن ص64.

 

[الشيخ] أنس الموسى

الشيخ أنس الموسى هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م 

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي. 

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.