ما هو حبل الله الذي أمرنا بالاستمساك به؟

يجيب عن السؤال الشيخ  أنس الموسى بن محمد بشير

السؤال

هل قام العلماء بعدِّ آيات القرآن وكلماته وحروفه، وكم هي؟

الجواب

 بسم الله الرحمن الرحيم
حبل الله تعالى الذي أُمر المسلمون بالاعتصام به، هو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا ‌بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ) أي: تَمسَّكوا بحبل الله.
والحبل: لفظ مشترَكٌ بين معانٍ كثيرة، وأصله في اللغة: السبب الذي يتوصّل به إلى البُغية، والحاجة. (1)
و في المقصود (بحَبْلِ اللهِ) أقوال لدى أهل العلم، منها: دين الله تعالى، أو القرآن، أو الإسلام، أو الجماعة، أو عهد الله، أو الإخلاص، أو أمر الله وطاعته. (2)
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ): يسمى هذا التركيب عند علماء البلاغة بالاستعارة التصريحية؛ حيث شبَّه القرآن، أو الدين، أو الإسلام بالحبل، فاستعار اسم المشبَّه به وهو الحبل للمشبَّه وهو القرآن والإسلام، والجماعة…، بجامع النجاة في كلٍّ منهما. (3)
وسبب نزول هذه الآية:
كان بين العرب – ومنهم الأوس والخزرج – في الجاهلية حروب كثيرة وعداوة شديدة، وضغائن وإحن، طال بسببها قتالهم واقتتالهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ ‌بِنَصْرِهِ ‌وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62-63] لكن العداوة القديمة كادت ترجع بينهم ثانية؛ فنزل أمر الله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا ‌بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾.
يروي ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «‌كَانَتِ ‌الْأَوْسُ ‌وَالْخَزْرَجُ ‌فِي ‌الْجَاهِلِيَّةِ ‌بَيْنَهُمْ ‌شَرٌّ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَوْمًا جُلُوسٌ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ حَتَّى غَضِبُوا، فَقَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالسِّلَاحِ» فَنَزَلَتْ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 101-102-103]. (4)
وفي الدر المنثور للسيوطي: «فجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى قَامَ بَين الصفين (الأوس والخزرج) فقرأهن وَرفع صَوته فَلَمَّا سمعُوا صَوت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْقُرْآنِ أَنْصتُوا لَهُ وَجعلُوا يَسْتَمِعُون فَلَمَّا فرغ ألقوا السِّلَاح وَعَانَقَ بَعضهم بَعْضًا وجثُوا يَبْكُونَ». (5)
المعنى العام لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
أمر الله تعالى بالاعتصام والتمسك بدينه وكتابه وعهده الذي عهد به إلى الناس، ونهى عن التفرق عنه أبدًا، والتزام الأُلفة والاجتماع على طاعة الله والرسول، وخاطب الأنصار قائلاً لهم: يا معشر الأوس والخزرج اذكروا إنعام الله عليكم إذ كنتم قبل الإسلام أعداء فألَّف وجمع بين قلوبكم بالإسلام فصرتم بنعمته إخوانا في الدين والولاية، وكنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا، فأنقذكم منها بالإيمان.
بين يدي (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا):
  • المعاني المتعددة التي ذكرها العلماء لحبل الله تعالى متقاربةٌ متداخلة، يجمعها: أنَّ الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإنّ الفرقة هَلَكة، والجماعة نجاة. (6)
  •  رجَّح بعض أهل العلم أن حبل الله هو القرآن مستدلين بحديث في صحيح مسلم يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: “أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا ‌كِتَابُ ‌اللهِ ‌عَزَّ ‌وَجَلَّ، ‌هُوَ ‌حَبْلُ ‌اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ” (7)
  •  (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا): أي: كونوا جميعًا مستمسكين بحبل الله، فالأمر بالاعتصام لا يؤدي غايته وحقيقته إلاَّ إذا اعتصمت الأُمةُ جميعُها؛ ولذلك قال سبحانه: (جميعًا) ؛ لأن هذا الدين كلٌّ لا يقبل التجزئة، والجماعة الإسلامية كلٌّ وطائفةٌ واحدة.
  • أوجب الله علينا التمسّك بكتابه، وسنّة نبيه، والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع، والمحبّة، والتآلف، وعدم المنازعات في الأشياء الباطلة، التي لا تمتّ إلى الدّين بصلة.
  •  ليس في الأمر بالاعتصام بحبل الله تعالى دليلٌ على عدم جواز الاختلاف في فروع الشّريعة، فإن ذلك ليس اختلافاً؛ إذ الاختلاف ما يتعذّر من الائتلاف والجمع. وأما حكم مسائل الاجتهاد، فإنّ الاختلاف فيها بسبب بيان الأحكام، واستخراج معاني العبادة، فليس هذا اختلافا، وما زالت الصحابة والتابعون لهم بإحسان يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون متحابّون. ورحم الله ابن المبارك؛ حيث قال:
    إنّ الجماعة حبل الله فاعتصموا… منه بعروته الوثقى لمن دانا (8)
  • قال قتادةُ: إنَّ اللَّهَ قد كرَّه إليكم الفرقة، وقدَّم إليكم فيها، وحذَّرَكُموها، ونهاكُم عنها، ورضيَ اللَّهُ السّمعَ والطاعةَ، والأُلفةَ والجماعة، فارضُوْا لأنفسِكم بما رضيَ اللَّه لكم، فقد ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول: “مَنْ فارَق جماعةَ المسلمين قِيْدَ شِبْرٍ فقد خلَع رِبْقَةَ الإسلام من عنقِه”» (9)
  • وعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ‌إِنَّ ‌اللهَ ‌يَرْضَى ‌لَكُمْ ‌ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ». (10)
وأخيراً أختم بوصية من وصايا المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول فيها: « ‌لَا ‌تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا ». (11)
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ  أنس الموسى بن محمد بشير


(1): تفسير القرآن وإعرابه وبيانه للدرة (2/189).
(2):ينظر: التمهيد لابن عبد البر (13/ 504)؛ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/311)؛ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص217.
(3):ينظر: التفسير المنير للزحيلي (4/25)؛  تفسير القرآن وإعرابه وبيانه للدرة (2/190).
(4): ينظر:  تفسير جامع البيان للطبري (7/63)؛ المعجم الكبير للطبراني (12666)؛ لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ص44؛ أسباب النزول للواحدي ص118.
(5):الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (2/ 279).
(6): تفسير القرطبي (4/159)؛ تفسير القرآن وإعرابه وبيانه للدرة (2/190).
(7):صحيح مسلم (2408).
(8):ينظر: تفسير القرطبي (4/159).
(9): التمهيد لابن عبد البر (13/ 504).
(10):صحيح مسلم (1715).
(11):صحيح مسلم (2559).

الشيخ أنس الموسى

هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م 

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي. 

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.