ما هو الوسع المقصود في قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)؟
يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى
السؤال
ما هو الوسع المقصود في قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معنى الوسع
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] الوسع: هو الطاقة: وهو ما تَسَعُهُ قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر.
فالشارع سبحانه وتعالى منع التّكاليف الشّاقة؛ فهو لا يكلّف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى ورأفته بعباده، وهذه الآية هي التي أوضحت للصحابة ما أشفقوا منه من قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ} [البقرة: 284] أي أنه تعالى وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذّب إلاَّ بما يملك الشخص دَفْعَهُ، فأما ما لا يملك دَفْعَهُ من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلَّفُ به الإنسان.
والتّكليف باليسير مُشار إليه في كثير من آي القرآن، نحو قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185/ 2]، ونحو قوله تعالى: {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج 78/ 22].
ارتباط الآية بما قبلها
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما يوضحها ويبينها، روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: لما نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: {لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم جثوا على الرّكب، فقالوا: أي رسول الله، كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير؟». فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} [البقرة: 285]. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها}. [مسند أحمد (9344)] المراد من قوله: «نسخها الله»: أي أزال ما أخافهم. [وهبة الزحيلي، التفسير المنير (3/131)]
الخاتمة
وأخيراً الآية السابقة تحمل في طياتها توجيهات تربوية عميقة لا تقف عند التكاليف الشرعية، بل يمكن أن تكون مرشدًا للمسلم في حياته كلها
والله تعالى أعلم.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ أنس الموسى
هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م
تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.
قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.
حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة، على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.
درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.
إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.
مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.
حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.
أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.
