ما حكم نسيان القرآن الذي تم حفظه سابقاً؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى

السؤال

ما حكم نسيان القرآن الذي تم حفظه سابقاً؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

حكم نسيان القرآن بسبب الإهمال

حكم نسيان ‌القرآن كلِّه أو بعضِه، والتفريط فيه بعد حفظه مكروه، وحالُ من نسي القرآن بعد حفظه حالٌ مذمومة، لأن ذلك يشبه كفران النعمة؛ فلا يليق بمن أكرمه الله بحفظ كتابه أن يفرِّط في هذه النعمة ويتساهل فيها حتى تضيع منه. بل عدّ بعض أهل العلم نسيان القرآن معصية وكبيرة من كبائر الذنوب.

رأي الحنفية في نسيان القرآن

لكن فقهاء الحنفية قالوا: لا يعتبر نسيانه كبيرة إلاَّ إذا نسي أصل القراءة من المصحف، أي إذا نسي القارئ طريقة القراءة؛ كشخص تعلم لغة أجنبية، ثم بسبب تركها وعدم التحدث بها فإنه ينساها.
قال النحلاوي: ” من تعلَّم القرآن ثم نسيه يأثم. والنسيان ألاَّ يمكنه القراءة من المصحف بأنْ نسي استخراج الخط. [النحلاوي، الحظر والإباحة، ص673. وهو من كتب الحنفية]

وقال الإمام أبو يوسف: المراد بالنسيان: ‌أن ‌لا ‌يمكنه ‌القراءة ‌في ‌المصحف”. [مرعي بن يوسف الحنبلي، غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى (1/109)]

الحديث في وعيد نسيان القرآن

وبهذا الفهم تأول الحنفية ظاهر حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌عُرِضَتْ ‌عَلَيَّ ‌أُجُورُ ‌أُمَّتِي، ‌حَتَّى ‌الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا». [سنن الترمذي (2916). وقال الترمذي عقب هذا الحديث: ” هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَذَاكَرْتُ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَاسْتَغْرَبَهُ]

أقوال العلماء في نسيان القرآن

واستدل من قال بأن نسيان المحفوظ من القرآن كبيرة، بالحديث السابق، وبما أُثر عن الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ: “مَا مِنْ أَحَدٍ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] وَإِنَّ ‌نِسْيَانَ ‌الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ”. [فضائل القرآن، أبو عبيد ص202]

ورُوي عن أبي العالية موقوفاً عليه: «كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن، ثم ينام عنه حتى ينساه». قال الحافظ ابن حجر: وإسناده جيد، ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن، كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولاً شديداً. [فتح الباري لابن حجر 9/86؛ وينظر: صحيح مسلم (789)]

النسيان بسبب العذر المشروع

ملحوظة: الوعيد في نسيان المحفوظ من القرآن، إن كان بسبب الإهمال والتفريط، وأما لو حصل النسيان بسبب مرض، أو ضعف ذاكرة، أو انشغال بكسب لا بد منه، فالمرجو من الله الكريم أن لا يكون الناسي آثمًا. وأما تعمد الإهمال المفضي للنسيان إلى أن يصل الحال إلى عدم القدرة على قراءته، فلا خلاف في حرمته.

فضل حفظ القرآن الكريم

وأخيراً: لا شك أن حفظ القرآن فضل عظيم ينبغي للمسلم الحرص عليه؛ كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ. اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ ‌فَلَهُوَ ‌أَشَدُّ ‌تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا». [صحيح مسلم (790)]

إلا أن حفظ القرآن كاملاً فرض كفاية. وقد وردت نصوص كثيرة في فضل حفظه وتلاوته؛ كقوله تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [العنكبوت:49]. وقول المصطفى ﷺ: «‌خَيْرُكُمْ ‌مَنْ ‌تَعَلَّمَ ‌الْقُرْآنَ ‌وَعَلَّمَهُ». [صحيح البخاري (5027)؛ ابن حجر فتح الباري (9/86)]

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الشيخ أنس الموسى

هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي.

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.