ما حكم قراءة القرآن على أرواح الأموات؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى 

السؤال

ما حكم قراءة القرآن على أرواح الأموات؟

الجواب

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تجوز قراءة القرآن على أرواح الأموات؛ والأصل فيه: أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره، صلاةً، أو صوماً، أو صدقةً، أو قراءة قرآن، أو ذِكرًا، أو طوافًا، أو حجًّا، أو عمرةً، أو غير ذلك؛ مصداق قول الله تعالى: ﴿ ‌وَقُلْ ‌رَبِّ ‌ارْحَمْهُمَا ‌كَمَا ‌رَبَّيَانِي ‌صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24]

وطريق ذلك: أن تقرأ القرآن، وتدعو الله تعالى أن يجعل ثواب هذه القراءة أو الطاعة للأموات، ولا فرق بين أن تنوي عند قراءة القرآن، أو فعل الطاعة أن يكون ثوابها للغير، أو تفعله لنفسك، ثم بعد ذلك تجعل ثوابه لغيرك.

تفصيل الإجابة:

1 أجاز فقهاء المذهب الحنفي، القراءة على أرواح الأموات، وعلَّلوا ذلك؛ بأنّ من مذهب أهل السنة والجماعة أنّ ‌للإنسان ‌أن ‌يَجعل ‌ثوابَ ‌عمله ‌لغيره، وأنه يَصل؛ واستدلوا بحديث الخثعمية الذي رواه ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ ‌أُمِّي ‌مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ فَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ: ” أَرَأَيْتَكِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ ” قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: ” فَدَيْنُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى “. (1)

وبما روي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌ضَحَّى ‌بِكَبْشَيْنِ ‌أَمْلَحَيْنِ فَقَالَ عِنْدَ الْأَوَّلِ: «عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» وَقَالَ عِنْدَ الثَّانِي: «عَمَّنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي مِنْ أُمَّتِي». (2) أي جعلَ ثوابه عن أمته.

وعَنْ ‌عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها: « أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ‌يَا ‌رَسُولَ ‌اللهِ ‌إِنَّ ‌أُمِّيَ ‌افْتُلِتَتْ ‌نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ وَأَظُنُّهَا، لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا، قَالَ: نَعَمْ » (3)

2- لا يمتنع في العقل جواز وصول ثواب القراءة وغيرها للميت؛ لأن إعطاء الثواب من الله تعالى إفضالٌ منه لا استحقاقاً عليه؛ فله سبحانه وتعالى أن يتفضل على من عُمل لأجله بجعل الثواب له، كما له أن يتفضل بإعطاء الثواب من غير عملٍ أصلاً. (4)

3- لا يجوز عند الحنفية  النيابة في العبادة البدنية المحضة على الإطلاق؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ ‌إِلَّا ‌مَا ‌سَعَى ﴾ [النجم: 39] إلا ما خُص بدليل. وأن قول عبد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حين كَانَ يُسْأَلُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: «‌لَا ‌يَصُومُ ‌أَحَدٌ ‌عَنْ ‌أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ». (5)  فهذا المنع في حق الخروج عن العهدة (سقوط الصلاة عمن صليت عنه) أما في حق الثواب فيجوز، فإن من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الأحياء جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة. وروي أنّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ ‌أَفَأَتَصَدَّقُ ‌عَنْهَا؟ قَالَ: ” نَعَمْ”. (6) وعليه عمل المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من زيارة القبور وقراءة القرآن عليها والتكفين والصدقات والصوم والصلاة وجعل ثوابها للأموات. (7)

ملحوظات:

أولاً: رد فقهاء الحنفية على المانعين وصول ثواب القراءة للميت؛ استدلالاً منهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ ‌إِلَّا ‌مَا ‌سَعَى﴾ [النجم: 39] وبقوله عليه الصلاة والسلام: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ ‌صَدَقَةٍ ‌جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ». (8)  بـأن:

أ-  الآية سيقت على قوله: ﴿ ‌أَمْ ‌لَمْ ‌يُنَبَّأْ ‌بِمَا ‌فِي ‌صُحُفِ ‌مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 36-37]  فتكون إخبارًا عما في شريعتهما فلا يلزمنا؛ لأنه لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة لهم ما سَعوا وسُعي لهم.

ب- وقيل: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ‌أَلْحَقْنَا ‌بِهِمْ ‌ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الطور: 21] حيث أدخل الذرية الجنة بصلاح الآباء.

ج- وروي عن الربيع بن أنس أن المراد بالإنسان هنا: الكافر، أما المؤمن فله أجر ما سَعى وسُعي له.

د- يمكن أن نجعل اللام في الآية ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ ‌إِلَّا ‌مَا ‌سَعَى﴾ بمعنى: (على) كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ‌وَلَهُمُ ‌اللَّعْنَةُ ﴾ [غافر: 52] أي: وعليهم اللعنة؛ فيصير كأنه قال: وأن ليس على الإنسان إلاَّ ما سعى. فيُحملُ عليه توفيقا بين الآية والأحاديث.

هـ- ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ ‌إِلَّا ‌مَا ‌سَعَى ﴾: أنه سعى في جعل ثواب عمله لغيره؛ فيكون له ما سعى عملاً بالآية.

و- السعي أنواع: منها بفعلِه وقولِه، ومنها بسبب قرابته، ومنها بصديق سعى في خَلَّتِه، ومنها بما يسعى فيه من أعمال الخير والصلاح وأمور الدين التي يحبُّه الناس بسببها، فيدعون له ويجعلون له ثواب عملهم وكل ذلك بسبب سعيه.

وأما الحديث: فإنه يقتضي انقطاعَ عملِ المتوفَّى، ولا كلامَ فيه، إنما الكلام في وصول ثواب عمل غيره إليه، والحديث لا ينفيه؛ على أن الناس عن آخرهم قد استحسنوا ذلك فيكون حسنًا بالحديث. (9)

ثانياً: يقتضي ظاهر إطلاق الحنفية على وصول الثواب للميت، أنه لا فرق بين ما تهبُه للميت هل هو فرض أم نفل؛ فإذا صلى فريضة وجعل ثوابها لغيره فإنه يصح لكن لا يعود الفرض واجباً في ذمة الواهب؛ لأن عدم الثواب لا ‌يستلزم ‌عدم ‌السقوط ‌عن ‌ذمته. (10)

ثالثاً: ذكر ابن نجيم الحنفي أن: من قرأ القرآن، أو صام أو صلى أو تصدق، وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة. (11)

رابعاً: كره الإمام أبو حنيفة قراءة القرآن عند القبور؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَبْرِ جِيفَةٌ، ولأنه لم يصح عنده في ذلك شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقل بالكراهة الإمام محمد ابن الحسن، وبه أفتى الحنفية؛ لما فيه من النفع للميت لورود الآثار بقراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والفاتحة وغير ذلك عند القبور.(12)

خامساً: لم يجوِّز المتقدمون من الشافعية قراءة القرآن على أرواح الأموات؛ بناء على أنها عبادة بدنية لا تقبل النيابة، واستدلوا بقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ ‌صَدَقَةٍ ‌جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.

قال ابن حجر الهيتمي الشافعي: «قَوْلُهُمْ الْمَيِّتُ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَطْلَقَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ لِأَنَّ ثَوَابَهَا لِلْقَارِئِ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى عَمَلٍ لَا يُنْقَلُ عَنْ عَامِلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ قَالَ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] وَوُصُولُ الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَرَدَ بِهِمَا النَّصُّ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا إذْ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ فَاتَّجَهَ قَوْلُهُمْ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ»….. ثم أفاد بأن: المتأخرين أجازوا ذلك، فقال: «وَلَمَّا كَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ يَرَوْنَ وُصُولَ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ مُقَرَّرٍ فِي مَحَلِّهِ أَخَذَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَغَيْرِهِ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ مِنْ أَنَّهَا تُقْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ مُسَجًّى بَلْ فِي وَجْهٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تُقْرَأُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ». (13)

سادساً: قال ابن عابدين: “وقول علمائنا: له أن يجعل ثواب عمله لغيره، يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أحق بذلك حيث أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوعُ شكرٍ وإسداءُ جميل له، والكامل قابل لزيادة الكمال…”. (14)

وأخيراً:

الخلاف في جواز وصول ثواب القراءة للميت خلافٌ قديمٌ حديث؛ لهذا ما ينبغي أن نجعل من هذا الخلاف سبباً لتفريق صفّ الأمة، ودخولِ الشحناء والبغضاء للقلوب، فهي مسألة اجتهادية اختلفت فيها الأنظار، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر. والله تعالى أعلم

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


(1): صحيح البخاري (1852) (2610)؛ مسند أحمد (3420).
(2): المعجم الكبير للطبراني (4736)؛ سنن الدارقطني (4761)؛ البيهقي: شعب الإيمان (6941)؛ أبو يعلى الموصلي: المسند (1418).
(3): صحيح مسلم (1004).
(4): ينظر: الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 212)؛ الموصلي الحنفي: الاختيار لتعليل المختار (4/ 179)؛ إبراهيم الحلبي الحنفي: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/ 552)؛  عثمان بن علي الزيلعي الحنفي: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (2/ 84)؛ الكمال ابن الهمام: فتح القدير (3/143)؛  زين الدين ابن نجيم المصري: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (3/63)؛ ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار (2/ 243)؛ عقيلة: الزيادة والإحسان في علوم القرآن ‌‌النوع الثالث والأربعون علم إهداء ثواب القرآن للأنبياء وغيرهم (2/313) (2/319).
(5): موطأ مالك (43).
(6):  مسند أحمد (23845)؛ صحيح البخاري (2609)، واللفظ لأحمد.
(7): ينظر: المراجع السابقة في التعليقة رقم (4).
(8): صحيح مسلم (1631).
(9): ينظر: الموصلي الحنفي: الاختيار لتعليل المختار (4/ 179)؛ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (2/ 84)؛ بدر الدين العيني: البناية شرح الهداية (4/468)؛ زين الدين ابن نجيم المصري: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (3/63).
(10): زين الدين ابن نجيم المصري: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (3/ 64) (3/63).
(11): ابن نجيم: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (3/ 64) (3/63).
(12): ينظر: الموصلي الحنفي: الاختيار لتعليل المختار (4/ 179)؛ إبراهيم الحلبي: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/ 552).
(13): ينظر: ابن حجر الهيتمي: الفتاوى الفقهية الكبرى (2/26).
(14): حاشية ابن عابدين (2/244).

[الشيخ] أنس الموسى

الشيخ أنس الموسى هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م 

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي. 

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.