ما المقصود بأرجى آية في كتاب الله تعالى وهل هناك مثل هذه الآية؟
يجيب عن السؤال الشيخ محمد أنس الموسى
السؤال
ما المقصود بأرجى آية في كتاب الله تعالى وهل هناك مثل هذه الآية؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
وقد اختُلف في تحديد ما هي أرجى آية في كتاب الله عز وجل، بل ذكر الزركشي والسيوطي أن فيها بضعة عشر قولاً. والحقيقة هي أكثر من ذلك بكثير. (1)
وهذه بعض الأقوال في بيان أرجى آية في كتاب الله تعالى في بعض كتب التفسير:
- (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى:5] حيث وعد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيعطيه ما يرضى، ولا يرضى رسول الله أن يكون أحد من أمته في النار. عن محمد بن علي الباقر ، قال: ” وإنا أهلُ البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] وهي والله الشفاعة، ليعطينَّها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. (2)
- ومنهم من قال أرجى آية: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 110]، قيل: الآيةُ عامَّةٌ في كلِّ الذُّنوب، لذلك هي أرجى آيةٍ في القرآن، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه. (3)
- (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) [محمد: 11] قال الإمام القشيري: يصح أن يقال إنّ هذه أرجى آية في القرآن؛ ذلك بأنه سبحانه يقول: (بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) ولم يقل: مولى الزهّاد والعبّاد وأصحاب الأوراد والاجتهاد فالمؤمن- وإن كان عاصياً- من جملة الذين آمنوا، لا سيما و «آمَنُوا» فعل، والفعل لا عموم له. (4)
- قوله تعالى: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}[طه:48]. يَعْنِي الْهَلَاكَ وَالدَّمَارَ فِي الدُّنْيَا وَالْخُلُودَ فِي جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ. (عَلى مَنْ كَذَّبَ) أَنْبِيَاءَ اللَّهِ (وَتَوَلَّى) أَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ لِلْمُوَحِّدِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَذِّبُوا وَلَمْ يَتَوَلَّوْا. (5)
- قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 116] قَالَ ابْن عمر: كُنَّا نطلق القَوْل فِيمَن ارْتكب الْكَبَائِر بالخلود فِي النَّار، حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة، فتوقفنا (أي عن الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه مخلد في النار). وقال البغوي في تفسيره: “حُكي عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية أرجى آية في القرآن”. (6) - {إِن الله غَفُور رَحِيم} زُيِّلَ بها حوالي عشرين آية في سور مختلفة، منها:﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 192]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 89] وقد رُوِيَ هذا القول عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ. (7)
- {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] قيل: هذه أرجى آية فى القرآن لأهل التوحيد. (8)
- {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:22] قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. (9)
- (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً) [الأحزاب: 47] وقد قال تعالى في آية أخرى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [الشورى: 22] . فشرحَ الفضلَ الكبير في هذه الآية، وبشَّر بها المؤمنينَ في تلك. (10)
- (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) [الرعد: 6] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بأنها أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
- ومنها: ﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾ [غافر: 3].
- ومنها: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 84].
وأخيراً: من فضل الله تعالى ونعمته علينا أن جعل رحمتَه سابقةٌ غضبَه، بل وسعت رحمتُه كلَّ شيء، وعمَّ بها كلَّ حيٍّ؛ قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]. اللهم ارحمنا بفضلك ومنك…آمين آمين.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1):ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/446)؛ الإتقان في علوم القرآن (4/149).
(2):ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (4/510)؛ إحياء علوم الدين للغزالي (4/147)؛ تفسير البغوي (8/455)؛ المحرر الوجيز لابن عطية (4/173)؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (12/209).
(3): ينظر: تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة) (10/559)؛ التيسير في التفسير أبو حفص النسفي (5/188).
(4):لطائف الإشارات للقشيري (3/406).
(5): ينظر: التفسير البسيط للواحدي (14/413)؛ التيسير في التفسير أبو حفص النسفي (10/295)؛ تفسير الجامع في أحكام القرآن للقرطبي (11/204).
(6):ينظر: تفسير أبو المظفر السمعاني (1/434)؛ تفسير البغوي (2/232).
(7):تفسير ابو المظفر السمعاني (2/345).
(8): ينظر: طرح التثريب أبو الفضل عبد الرحيم العراقي (3/270)؛ تفسير روح البيان للبروسوي (8/127)
(9):ينظر: صحيح مسلم (2770)؛ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (4/173)؛ الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (4/177).
(10): المحرر الوجيز لابن عطية (4/173).
