ما الفرق بين قراءة القرآن وتدبره؟

يجيب عن السؤال الشيخ أنس الموسى 

السؤال

ما الفرق بين قراءة القرآن وتدبره؟

الجواب

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

تلاوة القرآن: تعني قراءة كلمات القرآن بالشكل الصحيح بأحد الروايات، مع تطبيق أحكام التجويد التي نص عليها العلماء، وقد يصحب هذه التلاوة فهمٌ لبعض المعاني وقد لا يوجد، ولا شك فإن هذه التلاوة إن كان يصحبها الإخلاص وطلب الثواب من الله تعالى فإنها تحصِّل الأجر وتتنزل بها السكينة والرحمة.

أما تدبر القرآن: فيعني التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك، فهو يتجاوز ظواهر الألفاظ، ويسعى لفهم الرسائل العميقة التي تحملها كلمات القرآن وآياته، كما يتضمن البحث عن الحِكَم والإرشادات في طيات الآيات.

تدبر القرآن يستجيش القلوب ويزيل الغشاوة عنها، ويفتح نوافذها، ويسكب النور فيها، ويحرك المشاعر، و، ويخلص الضمير، وينشئ حياةً للروح تنبض بها وتُشرق وتستنير. (1)

تدبر القرآن يحثّ المؤمن على التأمل والتفكر في العلاقة بين الآيات، ومسيرةِ المؤمن في حياته اليومية، وهذا ينعكس بدوره على تطبيق مبادئ القرآن؛ فيظهر أثر القرآن في سلوك المسلم وتصرفاته.

بيّن الله تعالى أهمية تدبر القرآن، والحكمة من إنزاله، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة القراءة التي لا تُحصِّل هذا المقصود، فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29] أي: ليتدبر الناس آياته فيستخرجوا علمها، ويتأملوا أسرارها وحِكمها.
قال الإمام القرطبي: وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذّ (سرعة القراءة)، إذ لا يصح التدبر مع الهذّ، وقال الحسن: تدبر آيات الله اتِّباعُها. (2)

وقد حثنا ربنا سبحانه على تدبر القرآن وتعقله فقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} [محمد: 24]

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود: «لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ، كَهَذِّ الشِّعْرِ، ‌وَلَا ‌تَنْثُرُوهُ ‌نَثْرَ ‌الدَّقَلِ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، ولا يَكنْ هَمُّ أَحَدِكم آخر السورة. (3) (لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ): أي لَا تعجلوا فِي التِّلَاوَة.

والدَّقل: هو التمر. والدقل من التَّمْر أَو أَكْثَره لَا يلصق بعضه بِبَعْض فاذا نثر خرج سَرِيعًا وتفرق وانفردت كل تَمْرَة عَن صاحبتها، شبّه قِرَاءَته لِلْقُرْآنِ بذلك لهَذِّهِ إياه. (4)

وكان من صفات الخوارج الذين ذمهم المصطفى صلى الله عليه وسلم أنهم: ” يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ‌لَا ‌يُجَاوِزُ ‌تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ”. (5)

قال الإمام الزركشي: تُكره قراءة القرآن بلا تدبر، وعليه حُمِل حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “لا ‌يَفْقَهُ ‌من ‌قَرَأ ‌القرآنَ ‌في ‌أقلَّ ‌مِنْ ‌ثلاثٍ”. (6)

يؤكد على خطر ترك التدبر، الهمزة في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} فهي للإِنكار، والمعنى: أيعرضون عن كتاب الله فلا يتدبرون القرآن؟ فقد أنكر تعالى عليهم إعراضهم عن تدبر القرآن، بأداة الإِنكار التي هي الهمزة، وبيَّن أن قلوبهم عليها أقفال لا تنفتح لخير، ولا لفهم القرآن.

وما تضمنته هذه الآية من التوبيخ والإِنكار جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ‌اخْتِلَافًا ‌كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ ‌يَدَّبَّرُوا ‌الْقَوْلَ ‌أَمْ ‌جَاءَهُمْ ‌مَا ‌لَمْ ‌يَأْتِ ‌آبَاءَهُمُ ‌الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 68]. (7)

إن الأقفال التي سببتها النفس والشيطان، والأموال والأولاد، والشهوات والشبهات، تحول بين القلوب وبين القرآن، تحول بينها وبين النور، تحول بينها وبين الله؛ فإن استغلاق القلوب كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور.

كلمات تبين أهمية تدبر القرآن

القرآن شفاء الأبدان والقلوب ، وهو لها كالمطر للأرض اليابسة، فكما أنَّ الغيثَ ربيعُ الأرضِ، فكذلك القرآن ربيعُ أفئدةِ أهلِ الإيمان.

 لُبُّ العبادةِ وحياةُ القلبِ، مصدرُها الأول: كتاب الله، الذي جعله الله روحًا وحياةً ونورًا، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] فلا غَرْوَ أنْ يجدَ المؤمنُ حياةَ قلبِه في ‌تدبر ‌القرآن؛ لأنَّه يتذوقُ بتلاوتِه المتأنية حلاوةَ المناجاة لكلامِ ربِّه، فيعيشُ في آفاق الآيات التي يسري رَوْحُها في خلجاتِ قلبه، فيجد حينها لقلبِه حياةً أخرى، ولقراءته لذَّةً لا يَصِفُها لسانُه، ولا تُدوِّنها أقلامُه، وذلك لعظمةِ الخطاب الرباني وروعةِ جماله الذي يَسلُبُ عقلَ المتدبرِ فترِقُّ نفسُه، ويَلُفها سكينةً وخشية، فيتجلى للقلبِ مِن المعاني ما يَفيضُ نورًا وغيثًا يُضفي على القارئ جلالًا وجمالًا. (8)

لو علم النَّاس ما في قراءة القُرآن بالتدبر؛ لاشتغلوا بها عنْ كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مَرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاءِ قلبه، كررَّها ولو مائة مرة، ولو ليلةً كاملة، وقراءة آيةٍ بتفكّر وتفهُّم خيرٌ مِن قراءةِ ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حُصُولِ الإيمان وذوق حلاوة القرآن؛ فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب.

إنَّ العيشَ مع القرآن وتدبرَه مفتاحُ استقامة القلب، ولا شيء يَعْدِلُ العيش مع القرآن في تثبيتِ القلب وإرساءِ دعائمه، وهذا ليس لكلِّ قارئ، بل لمن كان هَمُّه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها: متى أتَّعِظُ بما أتلوه؟ ولم يكنْ مرادهُ: متى أختمها؟ مرادهُ: متى أعقل عنِ الله الخطاب، متى أزدجر، متى أعتبر؟ لأنَّ تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة. (9)

 قال بِشْر بن السَّرِي: «إنما الآية مثلُ التمرة؛ كلَّما مضغتَها استخرجت حلاوتها”. (10)
قال أحمد بن أبي الحواري: «إني لأقرأ القرآن فأنظرُ في آيةٍ منه فيَحَارُ عقلي فيها، وأَعْجَبُ مِن حُفَّاظِ القرآن! كيف يُهنْيِهِمُ النوم، ويُسيغهم أنْ يشتغلوا بشيءٍ مِن الدنيا، وهم يتكلمون كلام الرحمن؟ أَمَا لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واسْتَحْلَوا المناجاة به؛ لذهبَ عنهم النومُ فرحًا بما رُزِقُوا ووُفقوا”. (11)

أنشد ذو النون المصري:

مَنَعَ القُرَانُ بِوَعْدِه وَوَعِيدِهِ … مُقَلَ الْعُيُونِ بِلَيْلِهَا لَا تَهْجَعُ
فَهِمُوا عَنِ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ كَلَامَهُ … فَهْمًا تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ

 مِن الْمُعِيناتِ على تدبر القرآن والعيش معه: الفرح به، وقراءتُه بروح الاستبشار والشعور بالفضل، فمَن رَامَ فَهْمَ القرآن؛ فليقرأه قراءة فرح واستبشار؛ فإنَّ ذلك مِن أعظم دواعي التدبر، قال تعالى في وصفِ عبادِه المؤمنين: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة:124]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:57، 58]

 ومِن أنفعِ الوسائل المعُينة على تدبر القرآن: ترديد الآيات، فهو السبيل إلى استدرار كنوز القرآن وأسراره؛ فقد قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118] حَتَّى أَصْبَحَ… آية واحدة يُرَدِّدُهَا طوال الليل.

وأخيراً وليس آخراً

أيها السائل الكريم: القرآن كثير البركات والخيرات، فاستكثر قد طاقتك من تدبره حال نشاطك، تدبر في زواجره وأوامره، تدبر الآيات التي يُحدِثُها الله في الأنفس والآفاق، نظِّم حياتك به، وسترى الفرق بنفسك، وتذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا يَعُّدون القرآن الكريم رسائل من الله تعالى يقرؤونها في صلاتهم بالليل ويطبقونها بالنهار، وكانوا لا يتعدّون عشر آيات حتى يتعلَّمُوها، ويفهموا ما فيها، ثم يعملوا بها، فأوتوا العلم والعمل معاً … فصاروا بذلك أفضل الأمم.

وأنصح السائل للاستزادة من البحث حول تدبر القرآن الرجوع لبعض الكتب ومنها: “الخلاصة في تدبر القرآن” خالد بن عثمان السبت، “فتح الرحمن في بيان هجر القرآن” محمد بن فتحي آل عبد العزيز، “حين يعتكف القلب” عبد الرحمن العقل، “تحقيق الوصال بين القلب والقرآن” مجدي الهلالي.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


(1): سيد قطب: في ظلال القرآن (6/ 3297).
(2): القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (15/192).
(3):  ابن أبي شيبة: المصنف (5/420)؛ البيهقي: شعب الإيمان (2/360).
(4): ابن قتيبة: غريب الحديث (2/254).
(5): صحيح البخاري (3610).
(6): ينظر: سنن أبي داود (1394)؛ الزركشي: البرهان في علوم القرآن (1/ 445)؛ محمد آل عبد العزيز: فتح الرحمن في بيان هجر القرآن ص208؛ غانم قدوري: محاضرات في علوم القرآن ص96.
(7):  ينظر: محمد الأمين الشنقيطي: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 457).
(8): عبد الرحمن العقل: حين يعتكف القلب ص10.
(9): ينظر:  عبد الرحمن العقل: حين يعتكف القلب ص12؛ أخلاق حملة القرآن ص18.
(10):  الزركشي: البرهان في علوم القرآن (1/ 471).
(11): أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ص94.

[الشيخ] أنس الموسى

الشيخ أنس الموسى هو الشيخ الحافظ الجامع أنس الموسى بن محمد بشير من مواليد سوريا – حماة 1974م 

تخرج في المعهد الهندسي قسم الإنشاءات العامة بدمشق، وتخرج في جامعة الأزهر كلية أصول الدين تخصص الحديث النبوي. 

قرأ على كبار علماء دمشق، منهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ أديب الكلاس وغيرهم.

حفظ القرآن وأُجير به وبالقراءات العشر المتواترة،  على الشيخ بكري الطرابيشي والشيخ موفق عيون، كما وتخرج من مدرسة الحديث العراقية.

درس الكثير من المواد الشرعية في المعاهد الشرعية في سوريا وتركيا.

إمام وخطيب لمدة تزيد على 15 سنة.

مدرس للقرآن الكريم بمختلف قراءاته ورواياته.

حالياً يعمل كمدرس في مؤسسة سيكيرز، ومسؤول التوجيه الأكاديمي فيها.

أنهى مرحلة الماجستير في الحديث النبوي، وهو الآن يكمل في مرحلة الدكتوراه بنفس التخصص، متزوج ومقيم في إستانبول.