كيف نعفو عمن ظلمنا، ولا نشعر بالحقد عليهم إن لم يطلبوا منا العفو، ما زلنا نعاني من آثار ظلمهم؟
يجيب عن السؤال الشيخ الأستاذ الدكتور باسم حسين عيتانيي
السؤال
كيف نعفو عمن ظلمنا، ولا نشعر بالحقد عليهم إن لم يطلبوا منا العفو، ما زلنا نعاني من آثار ظلمهم؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه؛
العفو والصفح عمن ظلمنا من مكارم الأخلاق العالية، ويتصف بهما من بلغ رتبة الأنبياء والرسل، أومن بلغ رتبة العبد الصالح التقي النقي، فالعفو هو أن تترك المعاقبة لمن ظلمك، ولم يطلب منك العفو، وأنت قادرعلى أخذ حقك منه ومعاقبته بالعدل، وأن تحتسب أجرك على الله تعالى. قال الله – عزّ وجلّ -: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [ الشورى:40]
ومن أصعب الأمور بعد العفو أن تصفح عمن ظلمك أو أساء إليك، والصفح: هوأن يصفو قلبك من التحامل على من ظلمك، وإزالة آثار ذلك من النفس، وهذا يحتاج إلى تزكية النفس، فنفسك تميل إلى التشفي منه وإلى إيذائه وعدم العفو عنه وعدم الصفح، ناهيك عن نفث الشيطان في قلوب الخلق للعداوة فيما بينهم، فالنفس والشيطان مُعَوِقان للترقي في درجات الترقي في الولاية.
وسأرشدك أيها السائل الفاضل إلى خطوات تُمَكِّنُك من التخلص مما يضيق به صدرك من التحامل من آثار الظلم بعد العفو إذا استطعت أن تتبع ذلك:
الخطوة الأولى: أن تستحضر في قلبك اسم العفوّ الذي هو اسم من أسماء الله الحسنى، المذكور في كتاب الله العزيز: (إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج:60 ] ، وأن تتفكر وتتأمل معناه بأن الله العفو يتجاوزعن معاصي عباده وعن ظلمهم أنفسهم ويعفو ويتفضل عليهم فيغفر لهم، وأن تذكر وتكرر هذا الاسم بلسانك حتى ينطبع في قلبك، وأن تتخلق بمقتضى هذا الاسم (العفوّ) لأن الله يحب من عباده أن يتخلقوا بمتقضى أسمائه وصفاته وذلك حسب مايناسب المخلوق من الأسماء والصفات، فالله كريم يحب الكريم، ورحيم يحب الرحيم، وعفو يحب العفو. فتصورأنك أصبحت محبوباً عند الله بسبب عفوك وصفحك لهذا الذي ظلمك، والمحبوبية رتبة عالية لاينالها إلا ذو حظ عظيم.
فكيف لاتسارع في تصفية قلبك من آثار الظلم اللاحقة بك، لتنال مغفرة الله ورحمته؟!
الخطوة الثانية: أن تقتدي برسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي هو القدوة الحسنة ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب:21] فالمؤمن يجاهد نفسه بأن يقتدي برسول الله في القول والفعل والحال، فالاقتداء ليس بإرخاء اللحية فقط ولا بالتقليد للباس السنة فقط، ولا بتنظيف الأسنان بالسواك فقط، بل هناك اقتداء بأخلاق الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهذا من أعلى الاقتداءات، والاقتداء الحقيقي هو بتطبيق الخُلق المناسب في الموضع المناسب، كحالتك هنا أيها السائل، فأنت تعفو ويصعب عليك الصفح وهو محو الأثر من قلبك، فحبك لرسول الله يدفعك لكي تقتدي به في هذا الموضع في خُلقين مناسبين العفو والصفح، فتتأمل حاله الشريفة بأنه يعفو ويصفح، كما ذكرت السيدة عائشة – رضي الله عنها – لما سُئلت عن خُلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يجزِي بالسيِّئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح” [ سنن الترمذي]
الخطوة الثالثة: أن تتأمل قصص الأنبياء -عليهم السلام – في القرآن أو السنة النبوية في هذين الخلقين العظيمين لأن ذلك سيعود عليك بالاعتبارالكبير لذاتك ولكينونتك مما يؤدي إلى الشعور بالقوة الروحية لِتُغَيِّرَ من سلوكك، ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ) [ يوسف:111] فاقرأ سورة يوسف –عليه السلام – في القرآن الكريم، وتتبع قصة يوسف مع إخوته بعمق فكري، وانظر حجم الظلم الذي تعرض له من إخوته إلا أنه صبر وعفا وصفح وكان قادراً على عقوبتهم وعتابهم ولومهم، فخلّد القرآن الكريم كلمته التي مازلنا نرددها اليوم عند قراءتنا لسورة يوسف: ( قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:92] قمة في العفو والصفح من نبي الله يوسف – عليه السلام – في عدم العتاب وعدم اللوم لإخوته على ما فعلوه فيه بل زاد حُسناً في تعامله معهم بأن دعا لهم بالمغفرة من الله والرحمة، لأنه من عباد الله المحسنين.
وكذلك تستطيع أن تطَّلع على قصص العلماء والأولياء الذين عفوا وصفحوا سواء كان ذلك مسطوراً في الكتب أو منتشراً بين الناس، والقصص كثيرة في ذلك، وهذا مما يسليك في ابتلائك ويدفعك إلى إزالة ما في قلبك.
الخطوة الرابعة: أن تلتجيء إلى الله تعالى بالدعاء وأن تُلِحَّ عليه بأن يزيل عنك ما في صدرك من آثار الظلم الذي لحق بك، وأن تتكرر ذلك حتى يزول، فالدعاء مخ العبادة، والله تعالى لن يردك صفر اليدين. سيبدلك براحة نفسية عالية، فلا يضيق صدرك.
أخي السائل؛ الصفح هو سلام يملأ قلبك بالخير والنقاء، لأنّه ينفي البغض والضغينة وكل قبيح من نفسك، ويصير تعاملك بالحبّ والمودّة وكل جميل، فالصفح سماحة النفس وسلامة القلب وراحة البال واطمئنان الوجدان، فلاتجعل روحك حبيسة الأحقاد والضغائن. اصفح واصفح واصفح حتى تصل إلى رتبة الصفح الجميل. قال الله تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر:85]
أعانني الله وأعانك عن إزالة كل ما في قلبنا من غل وحقد وتجامل على أحد من عباد الله تعالى، وأقدرنا على العفو التام والصفح الجميل.
الشيخ الدكتور باسم عيتانيهو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 1965
حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005
من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.
لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك
Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة
التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن
– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020
مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018
مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل
والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث في مجال العلوم الإسلامية
أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي
المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه
اللغات : العربية: ممتاز الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط
