النفقة الزوجية عند اختلاف الدخل
أجاب عنه الشيخ الدكتور محمد فايز عوض
السؤال
زوج يعمل بدخل متواضع، بينما تشغل زوجته منصبًا بدخل أعلى بكثير. هل يؤثر ارتفاع دخل الزوجة على وجوب نفقتها عليه؟ وهل يلزمها شرعًا المشاركة في الإيجار والمصاريف الشهرية، أم أن ما تدفعه تبرع اختياري؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فالنفقة واجبة على الزوج بلا تأثر برفع دخل الزوجة وهي فرض على الزوج بسبب الزوجية نفسها، ولا يسقط هذا الفرض ولا ينتقل إلى الزوجة لمجرد أنها موظفة أو غنية أو كان دخلها أعلى من دخله. فمال الزوجة مستقل عن مال زوجها.
قال الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وقد نصّ فقهاء الشافعية على وجوب النفقة. قال الإمام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى: «أما نفقة الزوجة فواجبة بالنصوص والإجماع». [الأنصاري، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، ٣/٤٢٦]
مقدار النفقة يُحسب بحال الزوج لا المرأة
لا يعني وجوب النفقة أن الزوج محدود الدخل مطالب بالإنفاق كالموسر. لأن الواجب يختلف باختلاف قدرته وسعته.
قال الإمام الأنصاري: «أما قدره فيختلف باختلاف حال الزوج باليسار والإعسار… ولا ينظر إلى حال المرأة». [الأنصاري، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، ج٣، كتاب النفقات]
وذكر الإمام الشيرازي رحمه الله تعالى في المهذب تفصيل ذلك فقال: «باب قدر النفقة إذا كان الزوج موسرًا وهو الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه لزمه في كل يوم مدان وإن كان معسرًا وهو لا يقدر على النفقة ولا كسب لزمه في كل يوم مد لقوله عز وجل ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله﴾ [الطلاق: ٧] ففرق بين الموسر والمعسر وأوجب على كل واحد منهما على قدر حاله». [الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، ٣/١٥٠]
قال الإمام الرملي رحمه الله تعالى عند بيان اختلاف نفقة الموسر والمعسر والمتوسط: «أما أصل التفاوت فلقوله تعالى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾». [الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ٧/١٨٨]
إذًا ارتفاع دخل الزوجة لا يرفع التزام الزوج بنفقة، ولا ينقص من أصل الفرض. لكنه قد يؤثر في تقدير المستوى المعقول للحياة المشتركة: فمن يكسب قليلًا يفي بالفرض على قدره، وليس مطالبًا أن يعيش بمستوى يتجاوز طاقته.
هل تجب على الزوجة المشاركة في الإيجار والمصاريف؟
لا يجب على الزوجة أن تدفع من راتبها إيجار المنزل أو الطعام والكسوة ونحو ذلك من النفقة الواجبة على الزوج، وإن كان راتبها أعلى. فمالها ملك لها، ولا يصبح مشتركًا بمجرد الزواج.
والدليل الواضح أن الشافعية ذهبوا إلى أنه حتى عند إعسار الزوج (عجزه عن النفقة)، لم يجعلوها واجبة على الزوجة الغنية. قال الإمام الأنصاري: «أنها إن شاءت صبرت وأنفقت من مالها ونفقتها في ذمته إلى أن يوسر، وإن شاءت فسخت». [الأنصاري، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، ٣/٤٣٨]
فإذا لم تجب في حال الضرورة (إعسار الزوج)، فمن باب أولى ألا تجب لمجرد أن دخلها أعلى.
ما حكم المال الذي تدفعه الزوجة؟
إذا ساهمت الزوجة برضاها في الإيجار أو الفواتير بقصد المساعدة والتعاون، فهذا إحسان منها وحسن عشرة وليس واجبًا عليها.
غير أن الصورة تختلف بحسب نية الزوجة:
إن كانت تقصد التبرع المحض: فما أعطته هبة، ولا يحق لها بعدها أن تطالبه به.
وإن اتفقا على أنه قرض: ثبت المبلغ في ذمته ولها مطالبته.
وإن كانت تنفق لأنه أعسر بالنفقة: فنفقتها في ذمته ولا تسقط بالدفع. نصّ الشافعية في صورة الإعسار على بقاء النفقة في ذمة الزوج كما سبق.
هل استمرار المساهمة يجعلها ملزمة؟
مجرد اعتياد الزوجة على دفع جزء من الإيجار لا يحول التبرع في ذاته إلى نفقة واجبة عليها شرعًا؛ لذلك يجوز لها أن تتوقف مستقبلًا عن المساهمات التي كانت تقدمها على سبيل التبرع.
أما الأموال التي دفعتها في الماضي، فيُنظر إلى الصفة التي دفعتها بها: فإن كانت تبرعًا محضًا فلا ترجع بها، وإن كانت قرضًا أو داخلة في صورة تثبت فيها النفقة في ذمة الزوج، فلها حكمها الخاص.
الأفضل أن يتفق الزوجان بوضوح ورضا على إدارة مصروف البيت: أي النفقات من واجب الزوج، وأي المساهمات من اختيارها. فهذا يحفظ المودة ويمنع النزاع، ويجعل كل طرف يعلم حدوده وحقوقه.
النفقة واجبة على الزوج ولو ارتفع دخل الزوجة
النفقة الزوجية في أصلها واجبة على الزوج لا على الزوجة، ومقدار ما يجب على الزوج يراعى فيه حاله المالية، قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
لا يوجب ارتفاع راتب الزوجة عليها أن تتحمل نصف الإيجار أو نصف مصروف البيت، ولا يُسقط عن الزوج أصل واجب النفقة. وما تقدمه الزوجة من مالها بقصد التعاون والتبرع فهو إحسان منها لا واجب عليها، ولها أن تتوقف عن هذا التبرع مستقبلًا.
ومع ذلك، فإن كان دخل الزوج محدودًا، فالواجب عليه إنما هو بحسب وسعه وقدرته، وليس مطالبًا بأن يعيش بمستوى يتجاوز استطاعته لمجرد أن زوجته ذات دخل مرتفع. والأفضل في مثل هذه الحال أن يتفقا بوضوح ورضا حفظًا للمودة ومنعًا للنزاع.
والله أعلم.
الشيخ الدكتورمحمد فايز عوض
أجوبة ذات صلة
- ما حق الزوجة بالنسبة للنفقة والسكنى؟ (شافعي) — بنفس القلم، يفصّل أن النفقة تُقدَّر بحال الزوج لا الزوجة.
- ما معنى (الرجال قوامون على النساء)؟ — يربط القوامة بالمسؤولية المالية التي هذا الجواب يفصّلها.
- ما هي المعاشرة بالمعروف التي يطلبها الله تعالى في القرآن الكريم؟ — يسند التوصية الختامية بالاتفاق برضا وودّ.
