مقتطفات| الفقه نوعان| الشيخ إسماعيل المجذوب

بسم الله الرحمن الرحيم

أذكركم بأمرٍ مهمٍ يرتبط بطلب العلم، أو يرتبط في التفقّه في الدين، ألم يقل ﷺ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» [1]، نقف مع كلمة (يفقهه في الدين)، وأذكر في ضياء هذه العبارة أن الفقه نوعان:

  • فقه في القلوب وفقه في العقول

ولابد في كون الإنسان ممن أراد الله بهم الخير وفقّههم في الدين أن يكون عندهم هذان الجانبان من الفقه في الدين، فقه في القلوب وفقه في العقول.

ماهو فقه القلوب؟

عمارة القلوب بشعب الإيمان القلبية، تعرفون يا سادة يا كرام أن النبي ﷺ ذكر أن«الإيمان بضع وسبعون شعبة» [2]، هذه الشعب منها ما يرتبط بظاهر الإنسان وأعماله ومنها ما يتعلق بقلبه، فالفقه فيه جانب قلبي؛ عمارة القلوب بشعب الإيمان القلبية مثل: مراقبة الله، والحياء من الله، ومن خشية الله، والخوف من سوء الحساب.

تذكرون أن الله وصف أولي الالباب بصفات منها يخشون ربهم، ويخافون يوم الحساب.

وإمام الأمة سيدنا محمد ﷺ كان عنده خشية من الله، وخوفاً من سوء الحساب وهو قدوة الامة، كان يخشى ويبكي وربّى أصحابه على ذلك..

«مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ» [3]، هذا في مرض النبي ﷺ في مرض وفاته، لكن في بداية إسلامه كان هكذا، إذا قرأ القرآن كان يبكي، وهو في مكة قبل الهجرة، كما ورد في الأحاديث الصحيحة في ذلك.

  • من شعب الإيمان الاعتزاز بالله، والاعتزاز بدين الله.
  • من شعب الإيمان القلبية محبة الله تعالى ومحبة رسول الله ﷺ.
  • من الفقه القلبي سلامة القلوب من الكبر والرياء وغيرها من أمراض القلوب.
  • من الفقه في القلوب تحقق القلب بالأخوة الإيمانية، بالتواضع للمؤمنين، إلى ما هنالك من شعبٍ أخرى تنمو وتتزايد بتلاوة القرآن مع التدبر، وتنمو وتتزايد بذكر الله عزوجل، وسقاية القلوب بالأذكار التي سُقيت بها قلوب السّابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار.

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين: له جانب قلبي وجانب عقلي:

الجانب الثاني الجانب العقلي والفكري الذي يتحقق بمدارسة جوانب الإيمان، وفقه العبادات، وفقه المعاملات، ومدارسة القضايا الفقهية بحياة الإنسان.

كل هذا الفقه بهذه الجوانب مرتبطاً بالأدلة والبراهين، وتكون هذه المدارسة مع العلماء – حراس رسول الله ﷺ – وبهذا الفقه في الدين في الجانب القلبي والجانب الفكري – بالمدارسة في الحانب الفكري – يكون المسلم من الأتباع الحقيقيّن لرسول الله ﷺ ﴿قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف – 108).

ولابد من التنبيه والتذكير إلى أمر مهم وهو أنه لاتكفي مدركات العقول العلمية في الحصول على مرضات الله تعالى، قد يتعلم الإنسان كثيراً وتكون عنده معلومات ومفهومات، ولكن ليس عنده فقهٌ في قلبه، فلا تكون هذه المعلومات وهذه المدركات بالعقول كافية في نجاة المؤمن إلا إذا رافقته جوانب الفقه القلبية، وهذا هو مفتاح الفلاح الذي يجعل صاحبه من الذين يكون القرآن حجة لهم، كما قال النبي ﷺ «والقرآن حجة لك أو عليك» [4].

اللهم اجعل القرآن حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.

ومما تعلمنا من رسول الله ﷺ من الأدعية ما رواه مسلم أن دعوات الرسول ﷺ «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع» [5].

ومما يعين طالب العلم على التحقق بالعلم النافع حصره أن يتأدب بآداب طلب العلم التي تأدب بها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وتأدب بها العلماء في كل العصور، العلماء الموفقون التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار.

____________________

[1] البخاري، 71، ومسلم، 1037.
[2] مسلم، 35.
[3] البخاري، 682.
[4] مسلم، 223.
[5] مسلم، 2722.