ترجمة كلام الحق وتذوقه لابد أن يكون موصولا بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتخلي عن النفس والفكر والعقل في التبليغ، وهذا ما يجعل استشعارا بالنيابة عن طريق الذوق، وبيان أن النيابة هي الحبال المتصلة بالنبوة، وعلى هذا الأساس يكون الاجتهاد في تصفية القلب، ولذلك فالمبلغ عندما يدرك ذلك يكون في كل وقت أصفى وأنقى وأوفى وأعظم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به [1] :حيَّاكم الله ما الأخبار عندكم؟ وكيف المناطق التي أنتم فيها؟ ومنطقكم القَوْلي والعملي؟ ومجال استشعار النيابة عندكم بالذوق والترجمة؟
أما استشعاره بالذوق… فيُنهِي ويُباعِد عِلل القلب، وأما استشعاره بالترجمة فيُذهِب عِلَل الأعمال، ولولا الفوائد الكبرى في أمر الارتباط بالنيابة الذَّوْقي والعملي، والمترجم عنه بما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغوا عني ولو آيةً» [2] لَمَا دُعِينا إليه.
لذا أي وقت تريد أن تُبلِّغ.. يكون لك حبلٌ مُوصِل إلى النبي، وباب يُدخِلك عليه، فتبلغ بلاغًا صحيحًا عنه، وإن جئت معك عقلٌ أو فكر أو نفْس.. فهذه ليست بأبواب تُدخِلك عليه، وليست بأبواب تُوصِلك به… إذا انقطعت النيابة حلَّت العلل في القلب، والعلل في العمل.
فلهذا كان من نعمة الله تعالى الارتباط بالسند وربط الحبال، فيُبلِّغ المبلغ ومعه رابطة، ومعه باب، ومعه حبل، فيستشعر هذه النيابة، يستشعرها بالذوق فيَذهب عنه العجب والغرور، ويربو بقلبه عن أن يحسد أو يحقد أو يلتفت إلى الدنايا، ويستشعرها ويترجمها في حسن أعماله بما يصلحها وينقيها عن الخلل.

باستشعار النيابة ذَوقًا.. تذهب عِللُ القلوبِ
وباستشعار النيابة ترجمةً.. تذهب عللُ الأعمالِ

ومن كان ينوب عن حبال النيابة المتصلة بالنبوة فليتَّقِ الله في ذَوْقه وترجمته، وهو بذلك مهما صدق يتهيأ إلى شيء كبير، وتتلاشى منه أوصاف الإهمال، والإغفال، والتكاسل، وركون النفس، فالنفس تركن إلى الراحة وإلى الدَّعَة، وإلى الالتفات إلى شهواتها وما إلى ذلك.
فلا بد من مداواة ذلك في إحسان إقامة النيابة هذه، ويكون الاجتهاد دائمًا ومستمرًّا في تصفية القلب والفؤاد ونفْع العباد، وكلما عَرَض عليك خاطرٌ ينزل بك إلى تحت… بأي معنى من معاني النزول والسقوط… أعرضتَ عنه وسَموتَ؛ لأنه في الدعاء الوارد النبوي الذي تدعو به في الصباح والمساء: «وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي» [3]. وهو أن ينزل الإنسان من رتبة عالية إلى أدنى، فهذا اغتيال من التَّحْت.
.وإنما يكون المبلِّغ والمعلم والمرشد والإمام والمذكر والخطيب والدالُّ في كل وقت أصفى.. أنقى.. أوفى.. أعظم.. أحزم.. أطهر.. فيكون في كل وقت أحسن من الذي قبله

 

[1] ليلة الأحد 2 من شهر شوال 1420 هـ.
[2] رواه أحمد في مسنده، والبخاري والترمذي عن ابن عمرو.
[3] رواه النسائي.