يواصل الحبيب المربي عمر بن حفيظ شرح التوجيهات الدعوية المهمة من خلال سلسلة التوجيهات في كتاب توجيه النبيه لمرضاة باريه، ويبين في هذا الشرح إدراك حقيقة النداء الإلهي وفهم معانيه، والاتصال بحقائقه التي تجعلنا نبلغه ونتهيأ لواجبنا الشرعي بشأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وسينعكس هذا الأمر انعكاسا كبيرا على التأثير في الدعوة، وينشأ على هذا الأساس من يشمله الله بعنايته ويدخلهم في دوائره ويرتبطون بحضرة النبوة وحضرة الرسالة، وماذا ننوي في باقي أعمارنا التي نقضيها على هذه الأرض؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به [1]: ما تريدون أن نقول لكم ولنا وإياكم سنواتٍ نسمع فيها صدى صوت المنادي؟! والدعوة هذه بحقيقتها يُوصِلُ صدى صوتها في العالم إلى الخلق أرباب الاختصاصات من الذين يُبدِيهم الله على ظهر هذه الأرض، يُبلِّغُون الناس ويُوصِلُون إليهم هذه المعاني.
فكلُّ ما يُوصِلُونه إليهم بهذه الألسن الخَلْقية، بهذه الألسن اللحمية، بهذه الألسن الجسدية… هو صدى لحقيقة ذلك النداء، والمنادي الذي يقول عنه أولو الألباب: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: ١٩٣]، هو المخصوص من حضرة القدس بدعوة الخلق كلهم، وهو الذي جعله الحق سبحانه وتعالى السبب المُوصِل لحقائق ندائه لأرباب القلوب، فيبقى عامة الخلق على ظهر هذه الأرض تقوم عليهم الحُجَّة بسماع هذه الأصوات، ووصول هذا الصدى على أيدي المبلِّغين إليهم في أشكال مختلفة.
كل قول من تلك الأقوال لا يفيد الإفادة ولا يؤثر الأثر إلا إن تم ذلك بارتباط واتصال بشيوخ من ورثة الحبيب صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين لهم قلوب أصغت إلى حقائق النداء الذي تَوجَّهَ لهم من الملِك الأعلى سبحانه وتعالى.
إلا أن الحق سبحانه وتعالى أناب النيابة المطلقة في بلاغ نداءاته حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم أظهر من ذلك الحبيب هؤلاء الذين أسمعونا هذا النداء، وأوصلوا إلينا حقائق هذه الدعوة.
فالنداء الذي نسمعه وإياكم مضت علينا وعليكم سنواتٌ ونحن نسمعه بهذا الوجه وبهذا الوصف، لكن ينبغي أن نصل إلى مرحلة ندرك بها حقيقةَ هذا النداء، ونرتقي إلى سماع شيء من معانيه، وإدراك بُعدِ ذلكم الصدى، ونتصل بشيء من حقائقه، ونعلم المنادي الذي ينادي وحقيقة ندائه، أو نتصل بشيء من معاني تلكم الحقيقة، حتى نتهيأ وإياكم للإبلاغ الذي تتهيَّئُون به في واجبكم بما يتعلق بشأن هذه الرسالة العظيمة، النبوية، المحمدية، الأحمدية، المصطفوية، الكبيرة، الجليلة، التي ختم اللهُ بها الرسالاتِ، وأشرقَ شمسَها فاندرجت فيه بُدُور الرسالات كلها، وما من رسالة لنبي من الأنبياء إلا واندرجت في أنوار هذه الرسالة التي حُمِلت إليكم على يد الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وأنتم إذا تهيَّأتم إلى هذه المعاني التي تُدعَون إليها، والتي تُحدَوْنَ إلى الارتقاء في مَراقيها، كانت الآثار في تبليغكم لمن حواليكم غير الآثار، وكانت الحالات التي تُبلِّغون بها غير الحالات، وتهيَّأتم في تجديد هذه الرسالة على رأس هذا القرن الذي واجَهَنا وواجَهَكم، وواجَهَ هذه الأمة كلها، لا بد لنا مِنِ التفات إلى حقيقة النداء، فالمنادي ينادي.
فالذي تسمعونه الآن من صوتي وكلماتي التي ألقيها عليكم، هذه كلها قوالب لها رُوح، هذه كلها صور لها معانٍ، هذه كلها حِسٌّ له باطن، هذه كلها مظاهر لها جواهر، وهذه كلها التي تسمعونها إشارات لها رموزٌ ترمز لها ومعانٍ تهدُف إليها، فلا بد أن نطلب وإياكم معانِيَ هذا السمو إلى إدراك هذه المعاني من وجه أكبر مما كنتم تدركون.
الحمد لله على وصول هذا النداء إلينا وإليكم، وامتداد هذا الحبل، لكم بعد ذلك مراتب تختلفون أنتم فيها، في استعدادكم، وفي تحمُّلكم، وفي إقبالكم، وفي صِدْقكم، وفي نزاهتكم، وفي صفائكم، وفي مصافاتكم، لها مراتب كبرى يختلف الواحد عن الثاني، كلٌّ له فيها مرتبة، وكلٌّ له فيها مَقام، وكلٌّ لها فيها منزل ينزله، وعلى حسب ما هُيِّئَ له وما قُدِّرَ له في الأزل.

كلٌّ على قَدْر الصفا والاقتِدا نال الهدى في أحسن استقبال [2]

وفي استقباله -لهذا الهُدى- يبدأ اضمحلال الكائنات من حيث الاستقلال، فلا يبقى عنده شيء مستقلٌّ بنفسه قط، ويعلم أن الموجود الحق صاحب الوجود المطلق الذي لا أوَّلَ لوجوده، ولا نهايةَ لوجوده، هو الذي أوجدَ الكائناتِ كلها، فيبدأ اضمحلال الاستقلال لجميع الكائنات، حتى يرتقي إلى سلالم يدرك فيها معاني نداء المنادي الكبير صلى الله عليه وسلم الذي يقول لنا: «أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعر لبيد: ألَا كلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطلُ» [3].
والعالم يَرُوج بأنواع من وَطْئات النفوس، ووَطْئات الشهوات، ووطئات الأهواء على الخلق، ويقع كثير من الخلائق صَرعى في تلكم الساحات لهذه الوطئات الشديدة التي تطرأ عليهم، ولا إنقاذَ من ذلك إلا بإيصال النداء وحده إلى قلوب الخلق.
ونحن الآن وإياكم على مشارف انتشار أنوار عناية… ينقذ اللهُ بها من يشاء، ويُدخِلهم بها في دوائر، ما يعرفون فيها إلا التواضع، ولا يعرفون فيها إلا الإنابةَ، ولا يعرفون فيها إلا الاستقامة، ولا يعرفون فيها إلا سعة الصدر، ولا يعرفون فيها إلا كثرة الاحتمال، ولا يعرفون فيها إلا مَدحَ مَن يَذُمُّ، ولا يعرفون فيها إلا الإحسان لمن يُسيء، ولا يعرفون فيها إلا أن كل ما يجري حوالَيْهم يجري بحُكمه، ويعرفون الأدب مع كل ما يجري لهم، وما يجري حولهم، وما يكون في هذه الكائنات، على ثقة منهم وعلى يقين وعلى اعتماد كامل على الواحد جلَّ جلاله، بحبال الاتصال بنبيِّه وأوليائه، والارتباط بسلاسل الصلة بحضرة النبوة وحضرة الرسالة، الذين أشرقت أنوارهم، فقد عرفنا ما عرفنا، وقَدَرنا أن نتكلم بما نتكلم، أو نتصل أو نجتمع أو يقوم ما يقوم من هذه المظاهر، التي المقصود منها أن تؤدي إلى الإدخال في دوائر العناية.
إدخالُ طوائفَ كثيرة من الإنس والجن، من العرب والعجم، من الشرق والغرب بترتيب من الحق سبحانه وتعالى وحُكمه، وخُطوة كبرى يقوم عليها تجديد هذا الدين وهذه الرسالة في العالمين، فضلٌ من الله سبحانه وتعالى يعرفه من يعرفه، ويتأهَّل له من يتأهل له، ويدركه من يدركه.
وفي القيامة تصطفُّ صفوف أهل حقيقة هذا النداء، فيجتمع حولهم ويدخل دوائرهم مَن أحسنَ الاستماعَ إلى الصدى، أو أحسن الإجابة، أو تعلَّق أو تشوَّق أو تخلَّقَ أو تحقَّقَ، أو نال نصيبَه من معاني هذا النداء، فيصطفُّونَ صفًّا واحدًا من أولهم إلى آخرهم، ممن يأتي بعدنا إلى حدود المدة التي قُدِّر أن يبقى فيها هذا الخير على ظهر هذه الأرض، ثم يأذن الحق برفعه فلا يبقى في الأرض شيء من هذا النور، ولا من هذا الخير، ويكونون شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.
وتتهيَّئُون أنتم لذلك بصِدْق إقبالكم وتوجهكم، وتوسيع معاني الفهم فيما يُلقَى إليكم، وتتهيَّئُون لحمل واجبكم، وحمل أماناتكم، في مناطقكم، وفي منازلكم، وفي أصحابكم، وفي ليلكم، وفي نهاركم، وفي يقظتكم، وفي منامكم، وفي مقاصدكم، وفي نواياكم، وفي حركاتكم، وفي سَكَناتكم، حتى تتصلوا بسِرِّ هذه الرسالة، فتكونوا معها إن قلتم، ومعها إن فعلتم، ومعها إن فكرتم، ومعها إن نمتم، ومعها إن قمتم، ومعها إن دخلتم، ومعها إن خرجتم، ومعها إن حييتم، ومعها إن مُتم، ومعها إذا وصلتم إلى القبور، ومعها إلى يوم البعث والنشور، ومعها إلى دار الكرامة، الله يكرمنا وإياكم بهذه المعية والمزية والخصوصية، ويُثبِّتنا وإياكم في دوائر مَن اختصهم برحمته التي يختصُّ بها من يشاء والله ذو الفضل العظيم… إنه أكرم الأكرمين… وأرحم الراحمين.
الذي يَقرُّ في قلوبكم يسمعه الحقُّ ويراه، ويوم الجمع سيظهر هذا الذي يستقر في بواطننا، وتحصل منه بعض معاني المقابلة والمواجهة.
فماذا تَنْوُونَ في باقي أعماركم التي تقضونها على ظهر هذه الأرض؟ ماذا تنوون فيها؟ تنتبهون إن شاء الله وتستقيمون وتجتهدون وتبذلون الفكر كله والعمر كله والوُسْع كله والحال كله، فما أعظم هذه الأمانة، هيَّأكم الله لأدائها، وأعانكم على حملها، ورزقكم الصدق في القيام بحقها.

 
 

[1] في ليلة الأحد من شهر ذي القعدة، وكتاب “المنهاج” هو “منهاج الطالبين” للإمام النووي رحمه الله تعالى، وهو من أجل كتب الفقه الشافعي وكذا من مناهج التدريس في دار المصطفى.
[2] البيت من قصيدة للإمام عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه مطلعها:
سبحانَ ربِّ العزة المتعالي عن كلِّ ما يَصِفُون من أقوالِ
انظر “فتح الخلَّاق ورفع الأستار”، ص131.
[3] عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لَبِيدٍ: ألَا كل شيء ما خلا الله باطل». متفق عليه.
وروى السلفي في “مشيخته البغدادية” عن يعلى بن جراد، قال: أنشد لَبيدٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قولَه: ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطلُ. فقال: «صدقتَ». فقال: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ. فقال: «كذبتَ، فنعيمُ الآخرة لا يزول».
وهذا البيت من قصيدة مدح بها النعمان مطلعها:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنَحْبٌ فيُقضَى أم ضَلال وباطلُ
نعيمُك في الدنيا غرور وحسرة وعيشُك في الدنيا مُحالٌ وباطلُ
أرى الناسَ لا يدرون ما قد رماهمُ بلى كلُّ ذي رُوح إلى الله واصِلُ
ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطلُ وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ