يواصل الحبيب المربي عمر بن حفيظ شرح التوجيهات الدعوية المهمة من خلال سلسلة التوجيهات في كتاب توجيه النبيه لمرضاة باريه، ويشرح هنا حقيقة المخاطبة والتذكير على أنها اتصالات بين القلب واللسان وبين عالم الغيب والشهادة، وعلى هذا فاللسان له أهمية عظيمة؛ لأن الله يهديه إلى القول الطيب، ومن هنا فالكلام له أثر عظيم في استقامة السير وتطهير الضمائر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال رضي الله عنه ونفعنا به [1]: كلام الناس وما يَصدُر من ألسنتهم وأفواههم هو إنطاقٌ مصدرُه الخلَّاق {قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: ٢١].
عند صدور هذه الكلمات، وبروز هذه الألفاظ، تحصل تجاذُبات واتصالات بين القلب واللسان، أي بين الباطن والظاهر، وبين الروح والجسد، وبين عالم الغيب والشهادة، فتحصل في العالَمين مما يتعلق بذلك الناطق والمتكلم شؤونٌ.
ولهذا ذَكَر الحق الهداية إلى القول الطيب، فقال عن أهل ذلك المقام الشريف: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج: ٢٤]. هُدُوا إليه فاهتدوا وهَدَوْا به، والطيب من القول: ما كان أنسبَ للحال والشأن الذي فيه المتكلم، فما كان أنسب فهو أطيب، وقد يكون ذلك القول الأطيب هو السكوت في كثير من الأحوال.
ولحُصُول هذه الشؤون عند التكلم والمخاطبة، بمعنى عند انطاق الحق للسان لَحْمية متصلة ببَضْعة قلبية لها حبال إلى سرائر غيبية، تتواصل العوالم الشهودية بالغيبية، فتحصل شؤونٌ في العالمين لها تعليق بذلك الشخص الناطق.
ومن هنا كان للكلام أقوى الأثر وأعظم الخبر في استقامة السَّيْر، وتطهير الضمائر، وتنقية السرائر، وتنوير البصائر، والتصفية عن الكُدُورات، وكان في اعوجاج هذا اللسان أكبر الأثر في ترادُف الظلمات، وتواكب جيوش الغفلات، وتوسيع الحجب وتكثيفها، إلى غير ذلك من المكاره الظاهرة والباطنة.
فصار للسان شأن وأي شأن، فقال عنه سيد الأكوان: «ألَا أخبرك بمِلاك ذلك كلِّه، كُفَّ عليك هذا» [2]. فالله أنطق كل شيء، ولكن أنت أنطقَكَ على وصف مخصوص، ثم تستشعرون نعمة الله عليكم في أن هيئة النطق وصورته من ألسنتكم شابهت هيئة النطق من صفوة الخلق، وتِلكم خصوصية ومَزِيَّة.

[1] في 7 من شهر رجب 1421 هـ.
[2] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.