يواصل الحبيب المربي عمر بن حفيظ شرح التوجيهات الدعوية المهمة من خلال سلسلة التوجيهات في كتاب توجيه النبيه لمرضاة باريه، ويبين في هذا الشرح اتصال الليل بالنهار والصباح بالمساء تنبيه للمؤمن على الاتصال بالله صباحا ومساء، وأن هذا يعبر عن الإحاطة والواحدية، وأن معرفة الله في الصباح تقتضي المعرفة به في المساء، وهذا كله نابع من تدبر آيات الله وفهم معانيها، وهو الأمر المتحقق للمقربين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال رضي الله عنه ونفعنا به [1] : الصباح متصل بالمساء، والمساء متصل بالصباح، هل مِنِ انفصال بينهما؟ ثم الناس في عالَمهم هذا -الكوكب الأرضي- لا يخلو وقت عن صباح ومساء، وهذا يشير إلى معنى في الواحدية، ومعنى في الإحاطة {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: ٢٥٥].
ولذلك إذا كان وقوفك صحيحًا على صباح معرفة، أو صباح وجْدٍ، أو صباح ذوق، فلا بد أن يتصل بمسائه، وإذا صحَّ لك ذلك اتصل بصباحه، ولا تزال بين صبح ومساء {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: ٦٢]، وكذلك الحركة في الدعوة وأنواع الطاعات لها صباح ومساء، فالله جعل الليل سكنا {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: ١٠-١١] {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: ١٢].
فبقي على قدر القرب منه فَهْمُ التفصيل عنه، فعجبٌ لمن يؤمن بالله وقرآنه يتلو مثل هذه الآية، ثم يتعجب في سعة معرفة المقرَّبين، وإذا لم يتلقَّ التفصيلَ ذلك العبدُ المقرَّب من ربه، فيكون الله قد فصَّله لمن؟ إن شاء الله تعلو الهِمَّة… فترتقوا إلى القمة.
كان سيدنا العيدورس دائمًا يتمثَّل بقول الشاعر:
على قَدْر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قَدْر الكرام المكارمُ [2]
وفي ذلك إشارة إلى ما شرع الحقُّ تعالى لأرباب الإيمان من أهل الذَّوْق والتمكين، من اقتحام لُجَج الوِجْهات بالصدق والكُلِّيات، وألَّا يقنعوا ولا يزهدوا في إفراد للقصد، فمع اقتحامهم لتلك البحور لا يقصدون منها شيئًا، ولا يقفون عند شيء منها، هم يقفون عليها ولا يقفون عندها، فيقفون عليها اعتبارًا بها، وعبورًا منها، ومرورًا عليها، ومطالعةً في صفحاتها، واطِّلاعًا على أسرارها، وعروجًا بها وعليها ومنها… وهكذا، الله يُثبِّت أقدامنا وإياكم.

 

[1] ليلة الأربعاء 18 من شهر صفر 1420 هـ.
[2] البيت مطلع من قصيدة للمتنبي ويليها:
وتَعظُم في عين الصغير صِغارُها وتَصغُر في عين العظيم العظائمُ
انظر ديوان المتنبي (2: 138).