توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التناجي بين الناس وما يترتَّب عليه

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: ٩]، فيترتب على التناجي بالإثم والعدوان انتشارُ الشرور في الناس، وعلى التناجي بالبر والتقوى انتشارُ الخيور في الناس.
وينشر الله سبحانه وتعالى الخير والهدى على أيدي أقوام يتناجون بالبر والتقوى وطاعة الرسول، كما ينشر في واقع الناس الشرور والفساد بواسطة أقوام يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، {أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: ٨-٩] {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} – النجوى: التحادُث فيما بينهم- {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا} [النساء: ١١٤].
الحق تبارك وتعالى بمشيئته اختار أن يقذف في قلوبكم التصديق بهذه الرسالة، ثم الشعور بواجبكم نحوها، وما طُوِّقت به أعناقكم من مسئولية فَهْمها والعمل بها وتبليغها والذبِّ عنها، فهي عبارة عن البيعة التي بايعنا الله عليها، والعهد الذي عاهدناه عليه في الزمن القديم {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: ١٧٢]، إذًا فالطاعة لي فقوموا بأمري، فأرسل إلينا الرسل، حتى ختم الرسالاتِ بخير البريات صلى الله عليه وسلم.
فالحمدُ لله الذي آتاكم وأعطاكم هذا الخيرَ بفضله وبكرمه وإحسانه، مع استقبالكم لهذا الخير يكون قُرْبكم من ربكم على قدر القوة في أخذ الأمر الرباني، وإفراد القَصْد للواحد، لما أوحى الله إلى سيدنا يحيى قال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: ١٢]، وقال لسيدنا موسى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}. فمع قصْد وجْه الله القوي. لا يناسب قصْدَ وجهِه إلا القوةُ في الوِجهة، القوة في العزيمة، القوة في الصدق، ثم مع هذه القوة وأخْذ الأمر بقوة طُهرٌ في الجَنان، باعتقاد الخير في المدعوين، وعامة الخلق أجمعين، فضلًا عن السابقين وعن الأخيار، وعن أهل العبادة من المؤمنين، بحيث ينتفي منك الكِبْر على أحد منهم، واعتقاد السوء في أحد منهم.
أصحاب الغفلة منهم والذنوب والمعاصي كلهم مُعرَّضون للمغفرة، مُعرَّضون للتوبة، مُعرَّضون لأن يَقرُبوا من ربهم، مُعرَّضون لأن يتحول بعيدُهم قريبًا، وشقيُّهم سعيدًا، فإذًا لا نَقدِر فيما بيننا وبين الله أن نجزم بالسوء على أحد منهم، بل الكافر بعينه ما نَقدِر نحكم عليه بعينه؛ لأنه ربما أسلم في أي وقت أو أي ساعة، إذًا ينتفي عنَّا الكبر، وينتفي عنَّا العُجْب بأنفسنا.
فإنا نعلم أن كل ما أُوتِينا من الإيمان ومن العمل الصالح مَنٌّ مِن الله {قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: ١٧]، على أننا أيضًا على خوف أن يُسلَب عنا أي خير، أو أن نُحوَّل إلى أي سُوء، ومع هذا الخوف رجاءٌ أكبر منه في أن يقبلنا الله على ما فينا، ويقبل منا ما وفَّقَنا له من خير، ويُدرِج ذلك في أعمال مشايخنا وأئمتنا من هُداة الطريق خيار الخليقة، فيُدرِجها في أعمال مَن قبلهم، حتى تندرج كلها في أعمال وأحوال وأقوال وأفعال ونيات ومقاصد وشئون سيد الوجود محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
فذلك البحر الخضم الزاخر، الذي يتحول ما وُضِع فيه إلى جواهر، ولو كان ذلك الموضوع مُلطَّخًا [1] ، أنتم ترون بحار الدنيا هذه تَقبَل حتى أوساخ الناس، تأتي بها فتضعها فيه، وبعد ذلك تتحوَّل فيها إلى ماء طاهر، ويُحلُّون [2] ويشربون منه، فلا يقولون: قد دخل فيه الخَمَج [3] والكَدَر، فكيف ببحر حبيب الرحمن لو اتصلنا به، فترجع أعمالنا على ما فيها تَطهُر وتَصلحُ وتتنوَّر وتُقبَل وتَدخُل في المحيط الكبير.

 

[1] أي: وَسَخ وقذرٌ.
[2] تحليةُ ماء البحر: إبعادُ الأملاح التي فيه وتهيئته للشرب.
[3] خَمَجَ: فسد وتعفَّن، انظر “القاموس المحيط”.